5 حقائق أصاب فيها فرويد وأخطأ... بشأن الدماغ البشري

العلاج النفسي التحليلي طويل الأمد لا يزال يُحقق تأثيرات كبرى

5 حقائق أصاب فيها فرويد وأخطأ... بشأن الدماغ البشري
TT

5 حقائق أصاب فيها فرويد وأخطأ... بشأن الدماغ البشري

5 حقائق أصاب فيها فرويد وأخطأ... بشأن الدماغ البشري

يتشارك مارك سولمز (*) مع قرائه بخمس رؤى أساسية في كتابه الجديد «العلاج الوحيد: فرويد وعلم الأعصاب للشفاء النفسي» The Only Cure: Freud and the Neuroscience of Mental Healing. وسولمز عالم أعصاب اتخذ خطوة غير مألوفة بحصوله على اختصاص محلل نفسي. وعلى مدى أربعين عاماً، استخدم أدوات علم الأعصاب الحديث لاختبار وتطوير نظرية التحليل النفسي. وبصفته شخصية رائدة في التحليل النفسي العصبي، كشفت أبحاثه عن آليات دماغية رئيسية مسؤولة عن الأحلام، مما أعاد تشكيل فهمنا للعقل أثناء النوم. وهو أيضاً المدير العلمي للجمعية الأميركية للتحليل النفسي.

غلاف كتاب مارك سولمز

الفكرة الرئيسية

لا ينبغي تجاهل فرويد باعتباره مفكراً عفا عليه الزمن أو فاقداً للمصداقية، فقد استبقت العديد من رؤاه الأساسية علم الأعصاب الحديث. لذا فإن المهمة الآن تحديث التحليل النفسي وتصحيحه باستخدام الأدلة العلمية المعاصرة.

1. فرويد كان عالم أعصاب، إذ أمضى 23 عاماً في إجراء أبحاث في علم الأعصاب وعلم الأعصاب السريري. وخلال تلك الفترة، نشر أكثر من 200 مؤلف، أربعة منها كتب. وساهم في اكتشاف الخلايا العصبية، وهي الوحدة الأساسية للجهاز العصبي في ثمانينيات القرن التاسع عشر. وفي تسعينيات القرن التاسع عشر، عندما اكتُشف المشبك العصبي - وهو نقطة التقاء الخلايا العصبية - كان فرويد أول من فسّره على أنه موقع تكوّن الذكريات.

في عام 1895، صاغ فرويد فكرة أن الخلايا العصبية التي تنشط معاً تتصل ببعضها. يُعرف هذا الآن بقانون هيب Hebb’s law، على الرغم من أن هيب صاغ هذا القانون بعد عقود. واكتشف فرويد منشأ أحد الأعصاب القحفية، الذي كان يُسمى آنذاك العصب السمعي، في جذع الدماغ. ويُعرف الآن بالعصب الدهليزي القوقعي.

وكان فرويد من أبرز خبراء أوروبا في اضطراب حركي يُعرف بالشلل الدماغي (أو المخّي) cerebral palsy. في عام 1891، نشر فرويد كتاباً رائداً حول آليات اللغة في الدماغ، مُبيناً أن اللغة نتاج نظام وظيفي مُوزع على مناطق دماغية مُتعددة. وقد مهّد هذا الطريق لظهور التحليل النفسي، لأن وظيفة اللغة هي وظيفة نفسية.

من الاكتشافات إلى المسلّمات

2. أصبح العديد من اكتشافات فرويد المثيرة للجدل اليوم من المسلّمات العلمية. كانت «الوظيفية Functionalism » ابتكاراً علمياً جديداً عندما طرحها فرويد لأول مرة: فكرة أننا ندرس أنظمة وظيفية، وهي كيانات افتراضية. يُنسب إدخال الوظيفية إلى علم الأعصاب الإدراكي عموماً إلى بوتنام في خمسينيات القرن العشرين، أي بعد عقود من طرح فرويد لهذا المفهوم.

كما طرح فرويد فكرة أنظمة الذاكرة المتعددة في عام 1896. تقوم هذه الفكرة على أن نظام الذاكرة لدينا ليس نظاماً واحداً، بل مُقسّم إلى أنظمة مُتعددة ومُختلفة، يعمل كل منها بطريقة مُختلفة. تُنسب هذه الفكرة إلى باحثين آخرين، أيضاً بعد عقود من طرحها من قِبل فرويد. قال فرويد إنه لا بد من وجود ثلاثة أنظمة ذاكرة على الأقل، عرّفها بأنها الوعي، وما قبل الوعي، واللاوعي. هكذا نقسم أنظمة الذاكرة المتعددة اليوم، إذ يقسمها نموذج علم الأعصاب الإدراكي السائد إلى ذاكرة قصيرة المدى (واعية)، وذاكرة طويلة المدى بيانية declarative (ما قبل الوعي)، وذاكرة طويلة المدى غير بيانية (لا واعية).

«اللاوعي».. ابتكار فرويد

وبالحديث عن اللاوعي، فقد كانت هذه إحدى ابتكارات فرويد: فكرة أن الوظائف العقلية يمكن أن تكون لا واعية. عندما طرح فرويد هذه الفكرة، اعتُبرت متناقضة. في ذلك الوقت، كان العقل والوعي مترادفين. أما الآن، فقد أصبحت فكرة أن أجزاءً كبيرة من حياتنا العقلية تحدث لا شعورياً فكرة سائدة.

ما يُسمى اليوم بالمعالجة التنبؤية predictive processing (التي ينفذها الدماغ) - وهو إطار عمل مؤثر للغاية طوره كارل فريستون - كان، في الواقع، متوقعاً قبل عقود. والمعالجة التنبؤية هي نفسها معالجة التمنّي wishful processing. إنها فكرة أنه بمجرد أن تجرّب شعوراً بالرضا، فإنك (أي دماغك) تحاول تكراره بناءً على كيفية تحقيق هذا الرضا في الماضي. وعلى العكس، فعندما تمر بتجربة مؤلمة، فإنك تحاول تجنبها بعدم تكرار الظروف التي أدت إليها. هذه فكرة فرويدية بامتياز، ويقر فريستون بهذا الفضل.

وينطبق الأمر نفسه على «الإدراك المجسَّد» embodied cognition، الذي كان يُطرح غالباً كتطور معاصر. (الإدراك المجسَّد، أو المكتسب بشكل محسوس، نظرية تقول إن العديد من سمات الإدراك تتشكل من جوانب الجسم بأكمله -الويكيبيديا). وكان فرويد أول من أكد على أن الإدراك مجسد، أي أن الإنسان نوع من أنواع الحيوانات، وأن العقل يعمل لصالح الكائن الحي ككل، ويتعلم كيفية تلبية احتياجاته في العالم.

* التجارب الصادمة في الطفولة المبكرة يمكن أن تُرسّخ أسس الأمراض النفسية

كما كان فرويد رائداً في فكرة الفترات الحرجة في النمو العقلي. لنأخذ على سبيل المثال فقدان الذاكرة الطفولي. لا نستطيع تذكر أول سنتين من حياتنا لأن أنظمة الذاكرة القشرية التي أطلق عليها فرويد اسم ما قبل الوعي (والتي نسميها الآن الذاكرة البيانية طويلة الأمد) لم تكن قد نضجت تماماً بعد.

وبالمثل، فإن فكرة أن التجارب الصادمة في الطفولة المبكرة يمكن أن تُرسّخ أسس الأمراض النفسية اللاحقة كانت فكرة فرويدية. واليوم، من المسلّم به على نطاق واسع أن تجارب الطفولة المؤلمة يمكن أن تزيد من قابلية الإصابة بأمراض مثل الاكتئاب. ومع ذلك، غالباً ما ننسى أن هذه كانت في يوم من الأيام فكرة فرويدية جديدة.

تناول فرويد أيضاً دراسة الدماغ من منظور ذاتي، متسائلاً عن ماهية هذا الدماغ. واليوم، ترتبط الحاجة إلى مراعاة التجربة الذاتية بما أسماه ديفيد تشالمرز بـ«مشكلة الوعي المعقدة»، وهي مشكلة تُعتبر عموماً في طليعة علم الأعصاب المعاصر.

المحادثة علاج نفسي فعّال

3. «العلاج بالكلام» علاج طبي فعّال للغاية. إننا نقيس فعالية العلاج في الطب والطب النفسي بما يُسمى حجم التأثير. يُعتبر حجم التأثير 0.2 فعالاً بشكل طفيف، و0.4 فعالاً بشكل متوسط، و0.8 فعالاً للغاية. أما حجم تأثير الأدوية النفسية فيبلغ في المتوسط نحو 0.4.

يتراوح حجم تأثير العلاج بالكلام بين 0.7 و0.8، مما يضعه ضمن نطاق الفعالية العالية. وينطبق الأمر نفسه على العلاج النفسي التحليلي قصير الأمد. وقد أثبتت الدراسات العشوائية المضبوطة أن له حجم تأثير يبلغ نحو 0.8.

وفي معظم العلاجات النفسية، تخف الأعراض بشكل ملحوظ بنهاية العلاج، لكنها تميل إلى العودة تدريجياً عند المتابعة بعد أشهر أو سنوات. أما العلاج النفسي التحليلي فيبدو أنه يتبع نمطاً مختلفاً، إذ لا يقتصر التحسن على استمراره بعد انتهاء العلاج، بل قد يستمر في الازدياد.

* فعالية العلاج النفسي التحليلي تُضاهي فعالية التدخلات الطبية لعلاج السكري أو لقاح سرطان عنق الرحم

وقد أشارت التقارير إلى أن العلاج النفسي التحليلي طويل الأمد يُحقق تأثيرات أكبر بكثير، تصل إلى 0.9 وما فوق، مع تأثيرات متابعة تتجاوز 1.0، وهو أمر استثنائي. وتُضاهي فعالية العلاج النفسي التحليلي فعالية التدخلات الطبية المُعتمدة، مثل أدوية خفض سكر الدم لمرضى السكري أو لقاح فيروس الورم الحليمي البشري للوقاية من سرطان عنق الرحم.

العلاج بالتحليل النفسي

الأعراض العاطفية تنشأ عندما لا تُلبّى الاحتياجات العاطفية بشكل كافٍ

4. علاج السبب الجذري. تُخفف الأدوية النفسية الأعراض بينما يُعالج العلاج بالكلام السبب الجذري. ومن أكثر المغالطات شيوعاً بين الناس الاعتقاد بأن الأعراض النفسية ناتجة عن اختلالات كيميائية في الدماغ. في هذا الكتاب، أستعرض الأدلة التي تُفنّد هذه النظرية، بما في ذلك بحثٌ لخصته أخيراً الطبيبة النفسية البارزة جوانا مونكريف في كتابها «الطب النفسي الجزيئي».

وتشير الأدلة إلى أن نظرية الخلل الكيميائي، على الأقل بصيغتها الشائعة، لا أساس لها من الصحة.

للأدوية النفسية أهمية بالغة، فهي تُخفف الأعراض. ​لكن تخفيف الأعراض لا يعني بالضرورة علاج الحالة المرضية الأساسية. إذ وعند التوقف عن العلاج، قد تعود الأعراض، كما أن لهذه الأدوية آثاراً جانبية خطيرة وأعراض انسحابية. لم يكن الهدف من العديد منها في الأصل تناولها لسنوات أو حتى عقود، ومع ذلك أصبح استخدامها طويل الأمد شائعاً بشكل متزايد.

قدّم فرويد تفسيراً مختلفاً جذرياً. فحسب رأيه، تنشأ الأعراض العاطفية عندما لا تُلبّى الاحتياجات العاطفية بشكل كافٍ. لذا يهدف العلاج التحليلي النفسي، والعلاجات الكلامية عموماً، إلى مساعدة المرضى على إيجاد طرق أفضل للتعرف على هذه الاحتياجات وتلبيتها. وإذا كانت الاحتياجات العاطفية غير المُلبّاة هي سبب الأعراض، فإن معالجة هذه الاحتياجات تعني معالجة الأسباب بدلاً من مجرد تخفيف الأعراض.

أخطأ فرويد في تحليل الارتباط العاطفي

5. أخطأ فرويد في بعض الأمور. كان الخطأ الرئيسي الذي وقع فيه فرويد هو نظريته عن الجنسانية sexuality، فقد أشار إلى أن الدافع وراء السلوك الجنسي ليس النجاح الإنجابي، بل السعي وراء المتعة. واستشهد بالاستمناء كدليل على ذلك، لأنه فعل جنسي واضح لا يُفضي إلى إنجاب أطفال. ومثال آخر استخدمه هو الجماع المثلي، الذي لا يُفضي أيضاً إلى نتائج إنجابية. كان فرويد مقتنعاً بأن الناس يمارسون الأفعال الجنسية في نهاية المطاف لأنهم يستمتعون بها. (الجنسانية - هي الطريقة التي يجرب فيها الناس ويعبرون عن أنفسهم جنسياً- الويكيبيديا),

ثم ذهب فرويد إلى أبعد من ذلك: إذا كان الهدف هو السعي وراء المتعة فحسب، فإن الجنسانية ليست وظيفة إنجابية بل وظيفة سعي وراء المتعة. ومن هنا، استنتج أن أي شيء يُفعل من أجل المتعة فقط هو سلوك جنسي، وهو ما يُعد إعادة تعريف كاملة لكلمة «جنسي sexual». هذا ما دفع فرويد إلى القول: «انظر إلى طفل رضيع يرضع. في البداية، يرضع لتلبية احتياجاته الغذائية، ولكن بمجرد أن يشبع، يستمر في الرضاعة. لماذا؟ من أجل المتعة. لذلك، فهو سلوك جنسي». هذا هو أصل فكرته عن الجنس الفموي، الذي يقول إنه جزء من الوظيفة الجنسية الشاملة.

الارتباط العاطفي ليس شكلاً من أشكال الجنس

في أيامنا هذه، نقول إن الطفل يستمر في الرضاعة بعد تلبية احتياجاته الغذائية لأن استمرار الرضاعة يلبي حاجته للارتباط. الارتباط العاطفي ليس شكلاً من أشكال الجنس. إن وجود من يقدم الرعاية للطفل ممتع، إنه يلبي حاجة خاصة به.

وقد اتضح أن هناك العديد من الاحتياجات النفسية المشابهة. وتتعدد أشكال المتعة في الدماغ وتتنوع العمليات الكيميائية التي تتوسط حدوثها؛ وتُعد الكيمياء المرتبطة بالجنس نوعاً واحداً منها فقط. لذا، لا منطق في اعتبار كافة أشكال المتعة مجرد أجزاء من وظيفة شاملة واحدة.

يرتكب العلماء أخطاءً -ولا سيما الرواد منهم أمثال فرويد- لكننا لا نلغي إرثهم؛ فنحن لا نتجاهل نيوتن لمجرد أنه لم يكن على دراية بفيزياء الكمّ، ولا ننبذ داروين لأنه لم يصب في كل استنتاجاته. وبدلاً من شطب فرويد، ينبغي لنا مواصلة المسيرة التي بدأها. فالأمر لا يقتصر على إثبات صحة أفكاره أو خطئها، بل يتعلق بإتمام المهمة التي بدأها.

* مجلة «فاست كومباني».


مقالات ذات صلة

«التعاطف الزائف»... ماذا نخسر عندما نلجأ إلى الذكاء الاصطناعي للعلاج النفسي؟

يوميات الشرق هل تستطيع الآلة أن تحل محل العلاقة الإنسانية التي يقوم عليها العلاج النفسي؟ (بكسلز)

«التعاطف الزائف»... ماذا نخسر عندما نلجأ إلى الذكاء الاصطناعي للعلاج النفسي؟

مع انتشار روبوتات الدردشة القادرة على الاستماع ومحاكاة التعاطف، يتزايد حضور الذكاء الاصطناعي في مجال الدعم والعلاج النفسي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق كيف يمكن أن تظهر النرجسية الخفية؟ (بيكسلز)

عندما يظهر التلاعب في صورة ضحية... علامات تكشف النرجسية الخفية

قد تبدو النرجسية واضحة عندما يتحدث الشخص باستمرار عن إنجازاته ويبحث عن الإعجاب لكن بعض السلوكيات النرجسية قد تكون أكثر خفاءً

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق قد يكون التعامل مع شخص سام أو مؤذٍ أمراً مرهقاً (رويترز)

3 خطوات ذكية للتعامل مع الشخصيات «السامة»

قد يكون التعامل مع شخص سام أو مؤذٍ أمراً مرهقاً لكن الأصعب أحياناً هو ما يحدث بعد انتهاء الموقف 

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق عندما يتوقف الزوجان عن التحدث بصدق وعمق يبدأ الزواج بالتدهور تدريجياً (بيكسلز)

حين يصبح الحديث أصعب من السكوت... ما أسباب الصمت الزوجي؟

في بداية الزواج، يبدو الحديث بين الزوجين أمراً طبيعياً وعفوياً؛ فهناك دائماً ما يُروى، وما يُناقش، وما يُضحكهما، وما يثير فضول أحدهما تجاه الآخر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق العزوبية أحياناً تكون فرصة لاكتشاف الذات والاهتمامات الشخصية (بيكسلز)

العزوبية ليست وحدة… دراسة تكشف عن فوائدها لاكتشاف الذات

أشارت دراسة جديدة إلى أن العزوبية قد توفر بدورها فرصاً للنمو الشخصي واكتشاف الذات.

«الشرق الأوسط» (لندن)

ازدياد شعبية «رفقاء الذكاء الاصطناعي» في أميركا

ازدياد شعبية «رفقاء الذكاء الاصطناعي» في أميركا
TT

ازدياد شعبية «رفقاء الذكاء الاصطناعي» في أميركا

ازدياد شعبية «رفقاء الذكاء الاصطناعي» في أميركا

كشف استطلاع أميركي جديد أن 27 في المائة من البالغين الأميركيين من مستخدمي الإنترنت، يجرون تفاعلات اجتماعية وعاطفية مع أنظمة الذكاء الاصطناعي، ثلثهم يعتبر روبوت الذكاء الاصطناعي الخاص بهم بمثابة صديق.

حلول عصر «روبوتات الرفقة»

ووجد الاستطلاع الذي أجراه مركز «تصورات المستقبل الرقمي Imagining the Digital Future Center » بجامعة إيلون Elon University ونشرت نتائجه أمس الأربعاء، أن 27 في المائة من البالغين الأميركيين مستخدمي الإنترنت يقيمون علاقات تفاعلية عاطفية أو اجتماعية مهمة مع نماذج اللغة الكبيرة للذكاء الاصطناعي، مثل «تشات جي بي تي» و«جيمناي» و«كلود» و«كوبايلت».

مستخدمو رفقاء الذكاء الاصطناعي

يستخدم هؤلاء الأشخاص نماذج اللغة الكبيرة بطرق تؤسس وتبني روابط التواصل والثقة والاعتماد المتبادل، إذ طوّر البعض نوعاً من الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي ويفضلون التفاعل معها على التعامل مع البشر، فهم يبوحون لها بأسرارهم، ويطلبون المشورة بشأن قضايا حياتية مهمة، ويجرون محاكاة لأدوار وسيناريوهات قد يواجهونها في علاقات عاطفية أو مواقف أخرى، كما أنهم سيشعرون بالاستياء إذا فقدوا إمكانية الوصول إلى هذه الروبوتات.

ويُطلق على الأشخاص الذين يستخدمون نماذج اللغة الكبيرة لأغراض اجتماعية وعاطفية وشخصية اسم «مستخدمي رفقاء الذكاء الاصطناعي AI companion users». وشمل الاستطلاع عينة تمثيلية قوامها 1000 شخص منهم لاستكشاف كيفية استخدامهم لهذه الروبوتات الاجتماعية، وطبيعة علاقاتهم بها، وتأثير تفاعلاتهم مع هذه الأنظمة.

نتائج الاستطلاع الرئيسية

يؤدي رفقاء الذكاء الاصطناعي أهدافاً مهمة وحساسة وهي أدوات تلعب أدواراً رئيسية في حياة المستخدمين. وفيما يلي بعض النتائج الرئيسية:

* الصداقة. صرح 31 في المائة ممن يستخدمون الذكاء الاصطناعي لأغراض اجتماعية وعاطفية بأنهم يعتبرون روبوت المحادثة chatbot الخاص بهم صديقاً، بينما قال 15 في المائة آخرون إن علاقتهم بالروبوت «أكثر تعقيداً» من مجرد تصنيفه كصديق أو غير ذلك. وقال 11 في المائة إنهم يفضلون إجراء محادثة مع رفيقهم من الذكاء الاصطناعي بدلاً من الأصدقاء أو العائلة، بينما قال 27 في المائة آخرون إنهم يقدّرون محادثاتهم مع الذكاء الاصطناعي بقدر تقديرهم لمحادثاتهم مع الأصدقاء أو العائلة. لكن وبشكل عام، قال 59 في المائة إنهم يفضلون إجراء محادثات مع الأصدقاء أو العائلة.

* توفير الدعم. وافق 59 في المائة من مستخدمي رفقاء الذكاء الاصطناعي - بشدة أو إلى حد ما - على العبارة التالية: «يوفر لي الذكاء الاصطناعي الدعم الذي أحتاجه».

الارتياح والتفهم

* مشورة حول التعامل. وافق 53 في المائة - بشدة أو إلى حد ما - على العبارة التالية: «ألجأ إلى الذكاء الاصطناعي عندما أحتاج إلى مشورة حول كيفية التعامل مع المواقف الصعبة مع الآخرين».

* الارتياح. وافق 51 في المائة - بشدة أو إلى حد ما - على العبارة التالية: «يساعدني التحدث مع الذكاء الاصطناعي على الشعور بتحسن عندما أكون تحت ضغط أو منزعجاً».

* مناقشة المشكلات. وافق 50 في المائة (بشدة أو إلى حد ما) على العبارة التالية: «أستخدم الذكاء الاصطناعي لمناقشة مشكلاتي الشخصية أو مشاعري».

* التفهم. وافق 43 في المائة (بشدة أو إلى حد ما) على العبارة: «الذكاء الاصطناعي يفهمني كشخص». كما وافق 39 في المائة على العبارة: «الذكاء الاصطناعي يفهمني أفضل من معظم الناس».

العلاقات العاطفية والجنسية

* العلاقات العاطفية والجنسية. ذكر 38 في المائة أن النصائح والمحادثات التي أجروها مع رفيقهم من الذكاء الاصطناعي كانت مفيدة للغاية أو مفيدة إلى حد ما عند الحديث عن مشكلات في علاقاتهم العاطفية أو الجنسية. ووصف 12 في المائة آخرون محادثاتهم بأنها مفيدة نوعاً ما. وبالإضافة إلى ذلك، قال 9 في المائة إنهم سبق واستخدموا الذكاء الاصطناعي في محادثات جنسية أو لعب أدوار (تقمص شخصيات).

* الأسرار. قال 39 في المائة إنهم يخبرون الذكاء الاصطناعي أحياناً بأمور لا يخبرون بها أشخاصاً آخرين. وذكر 29 في المائة أنهم استخدموا الذكاء الاصطناعي للحديث عن مشكلات في علاقاتهم الشخصية، بينما ذكر 26 في المائة أنهم استخدموا الذكاء الاصطناعي للحديث عن مشكلات في علاقاتهم المهنية.

* الفقدان. وافق 37 في المائة (بشدة أو إلى حد ما) على العبارة: «سأشعر بخسارة شخصية إذا لم يعد بإمكاني التفاعل مع الذكاء الاصطناعي».

* الاهتمام بالسلامة. وافق 36 في المائة من مستخدمي رفيق الذكاء الاصطناعي (بشدة أو إلى حد ما) على العبارة: «الذكاء الاصطناعي يهتم بسلامتي ورفاهيتي».

• مدى الألفة. في حال تعذر عليهم التحدث مع الذكاء الاصطناعي حول أمور شخصية، قال 24 في المائة إنهم سيفتقدونه كثيراً، وقال 40 في المائة إنهم سيفتقدونه قليلاً، بينما قال 36 في المائة إنهم لن يفتقدوه على الإطلاق.

* الملل والوحدة: ذكر 39 في المائة أنهم استخدموا الذكاء الاصطناعي لتمضية الوقت أو إجراء محادثة عند الشعور بالملل، أو أثناء القيام بأنشطة أخرى مثل القيادة أو إعداد الطعام. و أبدى 38 في المائة من المستخدمين موافقة تامة أو جزئية على العبارة التالية: «أحياناً أدردش مع الذكاء الاصطناعي لمجرد التخفيف من شعوري بالوحدة».

ونقل الموقع الإلكتروني لجامعة إيلون، عن لي ريني، مدير مركز تصورات المستقبل الرقمي: «لطالما تساءل المشرفون والمعلقون الثقافيون عما سيحدث بمجرد أن تصبح الأنظمة الاصطناعية متصلة بالبشر وقادرة على مرافقتهم. وتوفر نتائج دراستنا الجديدة الدفعة الأولى من الرؤى حول هذه العلاقات الناشئة، في ظل تزايد اعتماد الناس على نماذج اللغة الكبيرة، وتحول وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى جزء من المشهد العام، وأضاف: «إنها مؤشرات على مستقبل من المرجح أن يقيم فيه عدد أكبر بكثير من الناس مثل هذه الأنواع من العلاقات».

تقرير جامعة إيلون الجديد

طلب المشورة

ويستكشف بعض مستخدمي «الرفيق الرقمي» قضايا حياتية جوهرية مع روبوتاتهم. وعند سؤالهم عن بعض الجوانب المؤثرة في تفاعلهم مع رفيقهم المعتمد على الذكاء الاصطناعي، كانت النتائج كالتالي:

* القضايا الصحية والعائلية. ذكر 67 في المائة من مستخدمي رفيق الذكاء الاصطناعي أنهم استخدموا الروبوت للحصول على مشورة بشأن الصحة أو اللياقة البدنية أو خيارات نمط الحياة. كما قال 31 في المائة إنهم استخدموا الروبوت للمساعدة في استكشاف كيفية التعامل مع قضايا عائلية هامة، مثل قرار إنجاب الأطفال أو مكان السكن.

* القضايا المالية والقانونية. قال 41 في المائة إنهم استخدموا الروبوت للمساعدة في استكشاف كيفية التعامل مع مسائل مالية كبرى، مثل الاستثمارات أو عمليات الشراء الضخمة. وقال 30 في المائة إنهم استخدموا الروبوت للمساعدة في استكشاف كيفية التعامل مع المسائل القانونية في حياتهم.

* المسار المهني. قال 39 في المائة إنهم استخدموا الروبوت للمساعدة في استكشاف كيفية التفكير في مسارهم المهني أو التعليمي.

* المعتقدات. ذكر 26 في المائة من مستخدمي رفيق الذكاء الاصطناعي أنهم استخدموا الروبوت للمساعدة في استكشاف معتقداتهم الروحية أو الدينية أو الفلسفية.

منهجية الاستطلاع

وقالت جامعة إيلون، وهي جامعة خصوصية مقرها في مدينة إيلون بولاية كارولينا الشمالية، في بيانها إن شركة «يوغوف YouGov»، الدولية المتخصصة في التسويق واستطلاعات الرأي تولَّت تنفيذ الاستطلاع عبر الإنترنت. وفي الفترة ما بين 18 و22 مايو (أيار) 2026، أجرت «يوغوف» مقابلات مع 4268 شخصاً بالغاً من مستخدمي الإنترنت في الولايات المتحدة (ممن تبلغ أعمارهم 18 عاماً فما فوق)، بهدف تحديد واستطلاع آراء مستخدمي الذكاء الاصطناعي الذين يوظفون هذه التقنية لأغراض عاطفية أو اجتماعية.

بعد ذلك، تمت مواءمة العينة الإجمالية للبالغين الأميركيين مستخدمي الإنترنت لتصل إلى 4031 مشاركاً، مما أثمر عن عينة فرعية مستهدفة قوامها 1000 مستخدم للذكاء الاصطناعي ممن يستخدمونه لأغراض عاطفية أو اجتماعية. وقد تمت مطابقة المشاركين مع إطار العينة بناءً على معايير الجنس والعمر والعرق والمستوى التعليمي.

https://www.elon.edu/u/news/2026/09/02/imagining-the-digital-future-center-reports-on-the-rise-of-ai-companions/


«ليب 2026»... عندما يغادر الذكاء الاصطناعي الشاشة ويتحرك داخل المستشفى

كرسي «بوليميديكس» الروبوتي الذكي المدعوم بالذكاء الاصطناعي في جناح «كومبال» خلال «ليب 2026» في ملهم بالرياض
كرسي «بوليميديكس» الروبوتي الذكي المدعوم بالذكاء الاصطناعي في جناح «كومبال» خلال «ليب 2026» في ملهم بالرياض
TT

«ليب 2026»... عندما يغادر الذكاء الاصطناعي الشاشة ويتحرك داخل المستشفى

كرسي «بوليميديكس» الروبوتي الذكي المدعوم بالذكاء الاصطناعي في جناح «كومبال» خلال «ليب 2026» في ملهم بالرياض
كرسي «بوليميديكس» الروبوتي الذكي المدعوم بالذكاء الاصطناعي في جناح «كومبال» خلال «ليب 2026» في ملهم بالرياض

تخيّل أن تدخل مستشفى المستقبل، فلا يكون أول ذكاء اصطناعي تقابله برنامجاً على شاشة، ولا خوارزمية تقرأ صورة أشعة، بل كرسياً متحركاً ذكياً يأتي إلى المريض، يساعده على الانتقال، ويتحرك به داخل المستشفى من دون أن يحتاج إلى من يدفعه طوال الطريق.

من العالم الرقمي إلى العالم المادي

قد يبدو المشهد أقرب إلى الخيال العلمي، لكنه يشير إلى تحول بدأ يأخذ شكلاً مادياً أمام زوار «ليب 2026» في الرياض: انتقال الذكاء الاصطناعي من العالم الرقمي إلى آلات تستطيع أن ترى وتستشعر وتتحرك وتتفاعل مع الإنسان والبيئة المحيطة بها.

لسنوات، دخل الذكاء الاصطناعي إلى الطب من خلال الشاشة. قرأ صور الأشعة، وحلل البيانات، وتنبأ بالمخاطر، وأجاب عن الأسئلة. لكن الجيل المقبل قد يدخل المستشفى بطريقة مختلفة تماماً؛ ليس بوصفه «عقلاً رقمياً» يقدم توصية للطبيب فحسب، بل ذكاءً يمتلك جسداً ويتحرك في المكان نفسه الذي يتحرك فيه المريض.

وهنا يظهر مفهوم يتقدم سريعاً إلى واجهة النقاش التقني: «الذكاء الاصطناعي المادي» (Physical AI)؛ أي أنظمة تجمع بين الذكاء الاصطناعي والمستشعرات والرؤية الحاسوبية والروبوتات والحركة، بحيث لا تكتفي بفهم العالم، وإنما تستطيع أن تتصرف داخله.

ومن بين آلاف التقنيات التي اجتمعت في «ليب 2026» بملهم (شمال الرياض)، قد يكون الكرسي الروبوتي الذكي مثالاً صغيراً على سؤال طبي أكبر بكثير: ماذا سيحدث عندما يغادر الذكاء الاصطناعي الشاشة... ويبدأ العمل إلى جانب الطبيب والممرض والمريض داخل المستشفى؟

ومع وصول «ليب 2026» اليوم إلى محطته الختامية في ملهم، بعد أربعة أيام من العروض والجلسات التي استعرضت أحدث اتجاهات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة، ربما يكون أحد أكثر التحولات إثارة للاهتمام طبياً هو ذلك الذي ينقل الذكاء الاصطناعي من الشاشة إلى العالم المادي؛ من خوارزمية تقدم المعلومة إلى آلة تستطيع أن تستشعر وتتحرك وتتفاعل مع الإنسان.

كرسي متحرك... أم روبوت؟

من بين التقنيات الطبية اللافتة في «Tech Arena» ضمن «ليب 2026»، يبرز نظام «بوليميديكس» POLYMEDX الذي طورته شركة «كومبال إلكترونيكس» (Compal Electronics)، ويقدمه البرنامج الرسمي للمؤتمر بوصفه كرسي رعاية صحية روبوتية ذكية مدفوعاً بالذكاء الاصطناعي.

للوهلة الأولى، قد يبدو وكأنه تطور آخر للكرسي الكهربائي المتحرك. لكن الفرق بين الكرسي الذي ينفذ أمر الإنسان وبين الآلة التي تستطيع إدراك ما حولها واتخاذ قرار ثم تنفيذ حركة في العالم الحقيقي يمثل واحداً من أهم التحولات التي يشهدها الذكاء الاصطناعي اليوم.

إن الكرسي الكهربائي التقليدي ينتظر من المستخدم أن يحدد الاتجاه والسرعة. أما عندما تدخل المستشعرات والرؤية الحاسوبية والخوارزميات والقدرة على الحركة في منظومة واحدة، فإننا نقترب من نوع مختلف من الآلات: آلة لا تتعامل مع البيانات فقط، بل مع المكان والأجسام والبشر من حولها.

عمل الكرسي الروبوتي الذكي... من استشعار البيئة إلى الحركة تحت الإشراف البشري

استشعار العالم المادي وإدراكه

وهنا يظهر مفهوم «الذكاء الاصطناعي المادي» (Physical AI)؛ وهو انتقال الذكاء الاصطناعي من أنظمة تفهم الكلمات والصور والبيانات إلى أنظمة تستطيع أن تستشعر العالم المادي، وتفسره، ثم تتصرف داخله.

والفرق قد يبدو لغوياً، لكنه في الطب جوهري.فالخوارزمية التي تخطئ في تحليل معلومة يمكن للطبيب أن يراجعها على الشاشة. أما عندما يصبح الذكاء الاصطناعي مسؤولاً عن حركة آلة تحمل مريضاً داخل مستشفى، فإن القرار الرقمي يتحول إلى فعل مادي، وتتحول معه أسئلة الدقة والسلامة والمسؤولية إلى مستوى جديد تماماً.

المستشفى الذكي... روبوتات وأنظمة ذكاء اصطناعي مادي تعمل تحت الإشراف البشري

عندما يصبح المستشفى «بيئة ذكية»

ولا تتوقف فكرة «بوليميديكس» عند كرسي روبوتي واحد؛ فالرؤية الأوسع هي بناء منظومة للمستشفى الذكي، تتكامل فيها الروبوتات مع تنسيق المهام بالذكاء الاصطناعي، و«التوأم الرقمي» (Digital Twin)، والذكاء الاصطناعي الطرفي (Edge AI).

وتعمل «كومبال» على نقل هذه الفكرة إلى بيئات سريرية فعلية في تايوان، من نقل الأدوية في أقسام الطوارئ إلى الخدمات اللوجيستية وحركة المواد والأجهزة بين أقسام المستشفى.

وهنا يصبح الكرسي الذكي مجرد قطعة واحدة داخل شبكة أكبر من الآلات والبيانات والقرارات. تخيّل مريضاً يحتاج إلى الانتقال من جناح التنويم إلى قسم الأشعة: يتحرك الكرسي عبر الممرات، وفي الوقت نفسه ينقل روبوت آخر الدواء من الصيدلية، بينما تنسق منصة رقمية حركة المرضى والأدوية والأجهزة والموارد في الوقت الفعلي.

إنه فارق جوهري بين «مستشفى يستخدم الذكاء الاصطناعي» و«مستشفى تتحرك داخله أنظمة ذكية».

من «ليب» إلى المريض... هل الفكرة قابلة للتطبيق؟

والأهم أن الكراسي المتحركة ذاتية القيادة لم تعد مجرد تصور لمستشفى المستقبل. ففي دراسة حديثة نُشرت في يوليو (تموز) 2026، اختبر باحثون من «مايو كلينك» في روتشستر بولاية مينيسوتا الأميركية استخدام كرسي متحرك ذاتي القيادة لنقل المرضى داخل بيئة سريرية كبيرة. وشملت التجربة 409 مرضى بالغين استخدموا الكرسي خلال الفترة من أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى يناير (كانون الثاني) 2026.

وكانت النتائج لافتة: لم تسجل التجربة أي اصطدام أو حادث ضار، وقال 86.3 في المائة من المشاركين إنهم سيستخدمون الكرسي مرة أخرى، بينما قال 91.7 في المائة إنهم سيوصون الآخرين باستخدامه.

لكن ربما تكون النقطة العلمية الأهم هي ما لم يقله الباحثون. فالدراسة لم تعلن أن الكراسي ذاتية القيادة أصبحت جاهزة لتحل محل وسائل نقل المرضى التقليدية، وإنما خلصت بحذر إلى أن النتائج تدعم قابلية استخدام التقنية وقبول المرضى لها داخل بيئة سريرية مضبوطة، مع الحاجة إلى مزيد من الاختبارات والتقييم.

وهذه نقطة مهمة؛ لأن المسافة بين روبوت ينجح في معرض تقني وروبوت يمكن الوثوق به يومياً إلى جانب المرضى هي المسافة بين الابتكار الطبي والسلامة الطبية.

من «المعرفة» إلى «الفعل»

من «ماذا يعرف؟» إلى «ماذا يستطيع أن يفعل؟»... إن الخطأ الذي يبقى على الشاشة ليس كالخطأ الذي يتحول إلى حركة في العالم الحقيقي. فإذا أخطأ نظام ذكاء اصطناعي في تحليل صورة طبية، يستطيع الطبيب - نظرياً - مراجعة النتيجة قبل أن تتحول إلى قرار. أما عندما يقود النظام آلة تحمل مريضاً وتتحرك به عبر ممرات المستشفى، فإن المسافة بين القرار الخوارزمي والفعل والضرر المحتمل تصبح أقصر بكثير.

ماذا لو أخطأ الكرسي في تقدير المسافة إلى عائق؟ ماذا لو تعطل أحد المستشعرات؟ ماذا يحدث إذا انقطع الاتصال؟ هل يتوقف تلقائياً؟ ومن يستطيع إيقافه فوراً؟

ثم يأتي السؤال الأصعب: ما مقدار الاستقلالية الذي ينبغي أن نمنحه للآلة؟ هل نسمح لها باختيار الطريق؟ بتغيير وجهتها؟ بالتعامل مع موقف غير متوقع؟ وأين تنتهي سلطة الخوارزمية وتبدأ سلطة الطبيب أو الممرض أو المريض نفسه؟

هنا لم نعد نتحدث عن هندسة الروبوتات فقط. نحن نتحدث عن سلامة المرضى، والمسؤولية، وحدود الاستقلالية، وحوكمة الذكاء الاصطناعي عندما يصبح قادراً على الفعل.

قبل دخوله المستشفى السعودي

وتصبح هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً عندما نتصور انتقال هذه الأنظمة مستقبلاً من قاعات المعارض إلى المستشفيات السعودية. فالنجاح في معرض تقني، أو حتى في مستشفى خارج المملكة، لا يعني تلقائياً أن النظام جاهز للعمل في بيئة سريرية سعودية. قبل أن يحمل روبوت مريضاً واحداً، ينبغي أن نعرف: هل اختُبر في المستشفى الذي سيعمل فيه؟ وهل يتعامل بأمان مع مرضاه وممراته ومصاعده وأنظمته الرقمية وظروف العمل الفعلية؟

وهنا لا يكفي اختبار دقة الخوارزمية وحدها. يجب التحقق من سلامة النظام كاملاً، وتحديد حدود استقلاليته، واختبار أدائه عند تعطل مستشعر أو انقطاع الاتصال، وحمايته من المخاطر السيبرانية، وتدريب العاملين على التعامل معه، وتحديد من يتحمل المسؤولية عندما لا يسير الأمر كما هو متوقع.

من الاستقلالية إلى التوقف الآمن ودور الإنسان في حوكمة النظام

لكن هناك سؤالاً أبسط قد يكون أهم من كل ذلك: مَن يستطيع إيقاف الآلة؟ إن كل نظام ذكي يتحرك بالقرب من المريض يحتاج إلى «وظيفة توقف» (Stop Function) واضحة وفعَّالة؛ آلية تمنح الإنسان القدرة على التدخل الفوري أو إيقاف النظام عندما تظهر إشارة خطر، من دون أن يصبح الطبيب أو الممرض مجرد مراقب لقرار اتخذته الآلة بالفعل.

والاستقلالية في الرعاية الصحية لا ينبغي أن تعني غياب الإنسان، بل أن تعمل الآلة ضمن حدود معروفة، ورقابة بشرية حقيقية، وقدرة دائمة على التدخل والإيقاف. وهذا هو الفارق بين أن نُدخل روبوتاً إلى المستشفى وبين أن نحكم عمل روبوت داخل المستشفى.

الجيل القادم من الذكاء الاصطناعي الطبي

تكمن أهمية ما يعرضه «ليب 2026» في أنه يكشف عن تحول أكبر بكثير من كرسي متحرك ذكي. فالذكاء الاصطناعي الطبي الذي عرفناه حتى الآن كان في معظمه ذكاءً يرى ويقرأ ويحلل ويتنبأ ويقترح. أما الجيل المقبل، فقد يضيف إلى هذه القدرات أفعالاً جديدة: يستشعر ويتحرك وينفذ ويتفاعل مع الإنسان والعالم المادي من حوله.

وتقدم «كومبال» رؤيتها لمنصة «بوليميديكس» في هذا الاتجاه؛ منظومة تجمع الروبوتات وتنسيق المهام بالذكاء الاصطناعي و«التوأم الرقمي» والذكاء الاصطناعي الطرفي، بما يسمح بمحاكاة بعض السيناريوهات واختبارها افتراضياً قبل انتقالها إلى البيئة الحقيقية. لكن دخول الذكاء الاصطناعي إلى العالم المادي يغيّر المعادلة الطبية نفسها.

ولسنوات، كان السؤال الذي يرافق الذكاء الاصطناعي الطبي: هل يستطيع أن يفكر مثل الطبيب؟ أما ما تعرضه تقنيات «الذكاء الاصطناعي المادي» اليوم في الرياض، فيطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً: ماذا يحدث عندما لا يعود الذكاء الاصطناعي قادراً على التفكير فحسب... بل يصبح قادراً أيضاً على الحركة والفعل؟

عندها لن يكون التحدي الأكبر بناء آلة أكثر ذكاءً، بل بناء الحدود التي تحكم ذكاءها: متى نسمح لها بأن تتحرك؟ متى نثق بها لتتصرف؟ ومتى يجب أن تتوقف؟

فالطب قد يكون مقبلاً على عصر لا يبقى فيه الذكاء الاصطناعي خلف الشاشة... سيدخل الغرفة... سيتحرك إلى جانب المريض... وقد يحمل المريض نفسه.

ولهذا، كلما اقترب الذكاء الاصطناعي من جسد الإنسان، يجب أن تقترب منه الرقابة البشرية بالقدر نفسه.


برامج ذكاء اصطناعي... لإدارة شؤون العائلة «المعلوماتية»

«فامبوت» يرسل ملخصات يومية بعد تصنيف الرسائل والتنبيهات والتحديثات والإشعارات
«فامبوت» يرسل ملخصات يومية بعد تصنيف الرسائل والتنبيهات والتحديثات والإشعارات
TT

برامج ذكاء اصطناعي... لإدارة شؤون العائلة «المعلوماتية»

«فامبوت» يرسل ملخصات يومية بعد تصنيف الرسائل والتنبيهات والتحديثات والإشعارات
«فامبوت» يرسل ملخصات يومية بعد تصنيف الرسائل والتنبيهات والتحديثات والإشعارات

يقول الآباء إن الحياة الأسرية أصبحت أشبه بممارسة مستمرة لإدارة المعلومات، حيث تنهال عليهم رسائل البريد الإلكتروني، وتنبيهات التطبيقات، وتحديثات المدرسة، ومحادثات المجموعات، وإشعارات الأنشطة من كل حدب وصوب. وهنا، تزعم مجموعة متنامية من الشركات الناشئة أن الذكاء الاصطناعي قادر على المساعدة في تنظيم هذه الفوضى.

برامج «إدارة شؤون العائلة»

أطلقت شركة «فامبوت» Fambot (البوت العائلي) برنامج «مدير الشؤون chief of staff» العامل بالذكاء الاصطناعي للعائلات. ويقول ديفيد رايش، مؤسس والرئيس التنفيذي للشركة: «أتلقى ما بين 20 و40 رسالة بريد إلكتروني يومياً تتعلق بشؤون الأطفال». ويضيف أن الآباء غارقون أيضاً في مجموعات المراسلة أثناء محاولتهم العمل وإدارة شؤون حياتهم اليومية.

ملخصات يومية موجهة للعائلة

تجمع «فامبوت»، التي سجلت في سجلاتها نحو 1000 عائلة قبل إطلاقها، المعلومات من البريد الإلكتروني، والتقويمات، و«واتساب»، وتطبيقات أخرى. وتُنشئ ملخصات يومية، وترسلها عبر الرسائل النصية أو البريد الإلكتروني أو التطبيق، وتضيف الأحداث إلى التقويمات عند الطلب، وتساعد الآباء على تتبع المهام أو تنسيق المسؤوليات.

المساعدة في التخطيط والتسوق

يُساعد التطبيق أيضاً في التخطيط، بدءاً من قوائم البقالة لإقامة الحفلات المنزلية، وصولاً إلى التحضير لزيارة مدن الملاهي. وبينما تُقدم أدوات الذكاء الاصطناعي العامة أفكاراً مُشابهة، فإن تطبيق «فامبوت» كما يقول رايش، ُصمم خصيصاً للخدمات اللوجستية العائلية، بما في ذلك تحليل النشرات المدرسية وملفات «بي دي إف» التي غالباً ما تكون فيها التواريخ المهمة أو مواعيد التسجيل مُخبأة. ويُضيف: «يُمثل هذا عبئاً كبيراً على كثير من الآباء»، مُشيراً إلى أن النشرة الطويلة قد لا تحتوي إلا على بعض المعلومات الأساسية، مثل يوم خروج مُبكر من المدرسة أو فرصة مُرافقة الطلاب في الرحلات المدرسية.

برامج لدعم العلائلات

وينضم برنامج «فامبوت» إلى الشركات الناشئة التي تُقدم برامج مُساعدة رقمية مُوجهة للعائلات مدعومة بالذكاء الاصطناعي التوليدي. وعلى الرغم من أن سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، قد روّج لتطبيق «تشات جي بي تي» بوصفه أداةً للآباء، فإن الشركات المُتخصصة تُؤكد أنها تُناسب احتياجات الآباء بشكل أفضل، بدءاً من تنظيم الوجبات وصولاً إلى العثور على المعلومات الأساسية في كم هائل من الرسائل.

تسهيل حياة الآباء والأمهات

وتقول شركات الذكاء الاصطناعي المتخصصة في مساعدة الأسرة إن أدواتها قادرة على تخفيف التوتر، ومنع تفويت الرسائل، والمساعدة في إعادة توزيع مهام المنزل، التي غالباً ما تُحمّل الأمهات عبئاً غير متناسب من الأعمال الإدارية المتعلقة بتربية الأبناء.

تقول كريستي شانون، المؤسسة المشاركة والمديرة التسويقية لشركة «أولي» Ollie، واصفةً عبء تذكير أحد الوالدين بكل ما يحتاج إلى اهتمام: «لن أكون مضطرةً إلى البحث والتدقيق في كل هذه المعلومات». بينما تقول روزاريا دي دونا، المؤسسة المشاركة والرئيسة التنفيذية لشركة «فاميلي مايند» Familymind، إن تطبيقها ينقل المعرفة التي غالباً ما تكون مخزنة في تقويم أحد الوالدين أو بريده الإلكتروني أو ذاكرته إلى نظام الأسرة الأوسع؛ ما يجعل المهام والمسؤوليات أكثر وضوحاً.

ويعكس عرض فاميلي مايند وعداً أوسع من القطاع: جعل التنسيق المنزلي غير المرئي مرئياً ومشتركاً وأسهل في التنفيذ. وتضيف: «من المهم جداً أن يكون الذكاء الاصطناعي قادراً على نقل المعرفة بسلاسة بين أفراد الأسرة».

الحفاظ على الخصوصية

ويؤكد مقدمو الخدمات على ضوابط الخصوصية، قائلين إن للعائلات الحق في اختيار البيانات التي يتم استيرادها والاحتفاظ بها. كما يؤكدون أن نماذج الذكاء الاصطناعي الأساسية لا تحتفظ ببيانات المستخدمين، وأن المعلومات لا تُشارك مع جهات خارجية دون إذن. وتقول شيلا ليريو مارسيلو، المؤسسة والرئيسة التنفيذية لشركة «أوهاي» Ohai، إنه ينبغي على العائلات الموافقة على استخدام هذه التقنية والتحكم في الذكريات المخزنة، بما في ذلك تعديلها أو حذفها.

حذر الخبراء

ولا يزال الخبراء حذرين. يقول براندون ماكدانيال، الباحث العلمي المتخصص في دراسة العلاقات الأسرية، إن قلقه ينصبّ على تأثير استخدام الذكاء الاصطناعي على التواصل الإنساني، ومدى اعتماد العائلات على هذه الأداة في الإدراك والاختيار والاهتمام.

من جهتها، تقول ميليسا ميلكي، أستاذة علم الاجتماع بجامعة تورنتو، إن الأبحاث تظهِر أن أفراد الأسرة قد يشعرون بالإهمال عندما يقضي الآخرون وقتاً طويلاً في استخدام الهواتف. وقد يؤدي نقل المحادثات المتعلقة بوجبات الطعام أو الترتيبات اللوجستية إلى تطبيقات وبرمجيات الدردشة الآلية (بوتات) إلى تفاقم هذه المشكلة.

وتشير ميلكي إلى أن الشركاء يشعرون بالتجاهل عندما لا يكونون هم محور الاهتمام، محذرةً من تزايد التغلغل التكنولوجي في التفاعلات التي كانت ستتم -لولا ذلك- وجهاً لوجه.

في المقابل، يرى مؤسسو الشركات الناشئة أن تقنيات الذكاء الاصطناعي المخصصة للأسرة يمكن أن تقلل من الوقت الذي يقضيه الآباء أمام الشاشات؛ وذلك عبر اختصار الساعات المخصصة لفرز الرسائل، والتخطيط، وتذكر التفاصيل؛ ما يتيح مساحة أكبر لقضاء وقت عائلي فعلي. وتقول مارسيلو: «أجد أن التوتر والقلق بشأن الترتيبات اللوجستية يؤثران أيضاً على طبيعة العلاقة بين الزوجين، بل ويمتد هذا التأثير ليشمل الأطفال أيضاً».

نماذج حديثة للذكاء الاصطناعي

تعتمد هذه المنتجات على نماذج حديثة للذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل المعلومات والرد على استفسارات الآباء، كما أنها توفر واجهات عملية تشمل قوائم المهام، والتذكيرات، والرسائل النصية، وتوصيات للتحضير للمناسبات، وخيارات مدمجة لطلب البقالة.

ويقول بيل لينون، الرئيس التنفيذي لشركة «أولي»، إن التخطيط للوجبات وحده يمكن أن يوفر على الأسر ساعة أو ساعتين أسبوعياً، ويخفف من عبء اتخاذ القرارات اليومية المتعلقة بتدبير وجبة العشاء.

وتقرّ ميلكي بأن معرفة من يتولى أي مهمة بوضوح قد يفيد الأسر، رغم أن التقويمات الورقية أو الرقمية يمكن أن تؤدي بعض هذه المهام أيضاً. لكنها تبدي قلقها من أن الذكاء الاصطناعي قد يزيد الضغط على الآباء -ولا سيما الأمهات- لضمان سير الحياة الأسرية بسلاسة تامة، حتى في ظل ظروف طارئة مثل المرض أو نقص الموارد أو غيرها من المعوقات.

وتضيف أن هذا الضغط قد يولد شعوراً بالذنب والإحباط في ظل ثقافة غالباً ما تُحمّل الأمهات المسؤولية الكاملة عن إدارة شؤون الأسرة.

ونظراً لأن هذه الأدوات بدأت تظهر للتو بالتزامن مع الموجة الأخيرة لنماذج اللغة الكبيرة؛ فإن تأثيراتها طويلة المدى لا تزال غير واضحة. ويرى لينون أنها قد تصبح شائعة الاستخدام تماماً كالأجهزة المنزلية التي توفر الجهد، وإن كانت ليست كل أداة منزلية تفي بوعودها أو تحقق الفائدة المرجوة منها.

يقول لينون: «لدينا جميعاً غسالات أطباق في منازلنا نستخدمها بكثرة لسهولة تشغيلها. وأعتقد أن هذه التقنيات ستنتشر على نطاق واسع، وستصبح أداة لا غنى عنها للمجتمع».

* مجلة «فاست كومباني»