عادةً ذهنية غريبة وصفها سيغموند فرويد قبل 130 عاماً... يفسرها علم الأعصاب الآن

الدماغ البشري يعمل بمثابة «محرك للتنبؤ»

«نموذج التنبؤ» يُعد فكرة حديثة في علم الأعصاب
«نموذج التنبؤ» يُعد فكرة حديثة في علم الأعصاب
TT

عادةً ذهنية غريبة وصفها سيغموند فرويد قبل 130 عاماً... يفسرها علم الأعصاب الآن

«نموذج التنبؤ» يُعد فكرة حديثة في علم الأعصاب
«نموذج التنبؤ» يُعد فكرة حديثة في علم الأعصاب

يعمل الدماغ البشري بمثابة «محرك للتنبؤ»؛ وذلك وفقاً لنموذج حديث نسبياً في علم الأعصاب يُعرف بـ«نموذج التنبؤ» (prediction paradigm). ويشير خبراء في جامعة أوسلو بالنرويج إلى أن الدماغ «يسعى باستمرار للتنبؤ بما سيحدث، بينما يحاول في الوقت نفسه تقليل الفجوة بين التوقعات والانطباعات الحسية الفعلية»، كما كتبت ميندا زيتلين(*).

وتكمن هذه الديناميكية وراء كل ما نقوله ونفعله ونشعر به تقريباً. وإذا كنت رائد أعمال أو قائداً في مجال الأعمال، فإن معرفة هذا الأمر قد تساعدك على فهم الأشخاص الذين تعمل معهم بشكل أفضل، بل وقد تساعدك على فهم نفسك أيضاً.

«نموذج التنبؤ»

ورغم أن «نموذج التنبؤ» يُعد فكرة حديثة في علم الأعصاب، فإن المفهوم الجوهري الكامن وراءه ليس جديداً على الإطلاق؛ إذ يعود تاريخه إلى 130 عاماً مضت، وتحديداً إلى سيغموند فرويد، رائد علم النفس الحديث. فقد وصف فرويد ظاهرة أطلق عليها اسم «الإسقاط» (projection)، حيث نتوقع أن تتوافق سلوكيات الآخرين مع تجاربنا السابقة. فإذا تعرضنا لانتقادات لاذعة في الماضي، فإننا نتوقع التعرض للانتقاد في الحاضر؛ وقد نعتقد أن الآخرين ينتقدوننا حتى وإن لم يكن ذلك صحيحاً، ما قد يضر بعلاقاتنا.

قد يجعل «الإسقاط» حياتنا أكثر صعوبة - كما حدث مع العديد من مرضى فرويد - لكننا لا نملك حيلة لتجنبه؛ إذ إن الحاجة المُلحة لدى أدمغتنا إلى القدرة على التنبؤ قوية للغاية.

وهكذا، يتفق كل من مفاهيم فرويد وعلم الأعصاب الحديث على أن الدماغ البشري يتوق إلى القدرة على التنبؤ. وعندما لا تتطابق أحداث الحياة الواقعية مع توقعاتنا، ينشأ لدينا شعور بعدم الارتياح الذهني.

تصورات لتكون قائداً أفضل

ولكن، كيف يمكنك توظيف هذه المعرفة لتصبح قائداً أفضل؟ إليك بعض الأفكار:

1.كن شخصاً يمكن التنبؤ بتصرفاته. أخبرني ذات مرة مدير تنفيذي متخصص في إنقاذ الشركات المتعثرة أن أفضل طريقة لقيادة شركة أثناء الأزمات تكمن في أن يتمكن جميع الموظفين من توقع ما سيقوله هو بصفته مديراً، وما سيضعه على رأس أولوياته، في أي موقف من المواقف. وأعتقد أنه كان محقاً في ذلك؛ فمن خلال كونه شخصاً يمكن التنبؤ بتصرفاته ويتسم بقدر عالٍ من الثبات والاتساق، فإنه قد ساعد موظفي شركته المتعثرة على الشعور بأنهم يقفون على أرض صلبة، وأنهم يدركون ما هو قادم.

إن القادة المثيرين للجدل الذين يقومون بأفعال غير متوقعة تماماً هم من يتصدرون عناوين الأخبار. أما القادة الذين يتسمون بالثبات ويحلون المشكلات بطرق يمكن التنبؤ بها؟ فهم من يبنون شركات عظيمة.

الصبر تجاه توقعات الآخرين

2. تحلّى بالصبر تجاه توقعات الآخرين. بمجرد أن نكوّن توقعاً ما، يصبح تغييره أمراً صعباً. وعندما لا يتطابق الواقع مع توقعاتنا، فإننا لا نتقبل ذلك؛ إذ يؤدي هذا التباين إلى ما يسميه الخبراء «عنصر المفاجأة» (surprisal). ويشير باحثون من جامعة أوسلو، في ورقة بحثية حول هذا الموضوع، إلى أن «عنصر المفاجأة هذا يُعد مؤشراً على عدم اليقين، ويُشعرنا بعدم الارتياح».

ونظراً لأننا لا نرغب في الشعور بهذا الانزعاج، فإننا نحاول أحياناً - دون وعي منا - جعل الواقع الفعلي يتماشى مع توقعاتنا.

وعلى سبيل المثال، إذا توقعنا أن شخصاً ما لن يعجب بنا، فقد نبدأ في عدم الثقة به وتجاهل آرائه؛ وسرعان ما قد يبدأ ذلك الشخص بالفعل في تكوين انطباع سلبي عنا أو عدم الإعجاب بنا. وهكذا تتحقق توقعاتنا لأننا نحن من تسبب في حدوث ذلك.

إذا كان أحد زملائك في العمل عالقاً في توقع خاطئ، فحاول أن توضح له برفق أن هذا التوقع غير صحيح. ولا تتوقع منه أن يغير رأيه بسرعة؛ فالتخلص من التوقعات الراسخة قد يستغرق وقتاً طويلاً وجهداً كبيراً.

الوعي بتوقعاتك الخاصة

3. كن واعياً بتوقعاتك الخاصة. أنك تمتلك عقلاً بشرياً، وهذا يعني أنك تقوم بعملية التنبؤ باستمرار أيضاً، سواء أدركت ذلك أم لا. لذا، حاول أن تتراجع خطوة إلى الوراء كلما أمكنك ذلك، وألقِ نظرة فاحصة على توقعاتك؛ فالوعي بها هو الخطوة الأولى المهمة. حاول التشكيك في معتقداتك وافتراضاتك؛ فعقلك لن يتخلى عن هذه الأفكار بسرعة أو بسهولة، لكن إدراكك لتوقعاتك يمثل خطوة أولى بالغة الأهمية.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

صحتك طريقة التربية في الطفولة المبكرة تحدد سلوكيات المراهقين

طريقة التربية في الطفولة المبكرة تحدد سلوكيات المراهقين

تؤثر على حجم الضغوط النفسية اللاحقة

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
علوم ثورة في الطب الدقيق: علاجات جينية مصممة حسب الشيفرة الوراثية لكل مريض

ثورة في الطب الدقيق: علاجات جينية مصممة حسب الشيفرة الوراثية لكل مريض

تفتح آفاقاً جديدة أمام الأطفال المصابين باضطرابات عصبية شديدة

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
صحتك خبير إيطالي: ضعف الانتصاب مؤشر محتمل لاختلالات أوسع نطاقاً في الحالة الصحية

خبير إيطالي: ضعف الانتصاب مؤشر محتمل لاختلالات أوسع نطاقاً في الحالة الصحية

كتاب جديد يعمِّق المفهوم الطبي لعلاقة الاضطراب الجنسي بالصحة

«الشرق الأوسط» (إيطاليا)
علوم تصلُّب الشرايين: هل يمكن للذكاء الاصطناعي مساعدة الطبيب في اكتشافه؟

تصلُّب الشرايين: هل يمكن للذكاء الاصطناعي مساعدة الطبيب في اكتشافه؟

انطلاق تجربة سريرية جديدة بتوظيف الأدوات الذكية

جولي كورليس (كمبردج - ولاية ماساتشوستس الأميركية)