«أونكوفورمر»: نموذج ذكاء اصطناعي يتنبأ بالسرطان من تاريخك الصحي

يعتمد على تحليل البيانات الطبية الشخصية... ويوجِّه العلاج

قد يكشف تاريخك الصحي السرطان قبل أن يظهر
قد يكشف تاريخك الصحي السرطان قبل أن يظهر
TT

«أونكوفورمر»: نموذج ذكاء اصطناعي يتنبأ بالسرطان من تاريخك الصحي

قد يكشف تاريخك الصحي السرطان قبل أن يظهر
قد يكشف تاريخك الصحي السرطان قبل أن يظهر

قد لا يكون السرطان أول من يعرف بوجوده، بل تاريخك الصحي. فكل تحليل دم، وكل صورة أشعة، وكل زيارة للطبيب، وحتى الأدوية التي تناولتها على مدى سنوات، قد تحمل إشارات مبكرة تبدو منفصلة، لكنها ترسم معاً قصة لا تستطيع العين المجردة قراءتها.

نموذج «أونكوفورمر»

هذا ما حاول باحثون تحقيقه في دراسة نُشرت إلكترونياً في 27 يوليو (تموز) 2026 في مجلة «Cell»، على أن تصدر في نسختها الورقية في 17 سبتمبر (أيلول)، إذ طوروا نموذجاً للذكاء الاصطناعي يحمل اسم «أونكوفورمر» (Oncoformer)، يتعلم من السجل الصحي المتراكم للمريض ليكشف أنماطاً قد تسبق ظهور السرطان، ويساعد في تقدير مرحلة المرض، والتنبؤ بالاستجابة للعلاج، ورصد احتمالات عودة الورم.

واعتمد النموذج على بيانات صحية طولية لأكثر من 3.67 مليون شخص، في واحدة من أكبر الدراسات التي تستثمر السجلات الطبية الروتينية لإعادة تعريف دورها؛ من أرشيف يوثق الماضي إلى أداة قد تساعد في استشراف المستقبل.

3.67 مليون سجل صحي... ومليارات الإشارات

من التشخيص إلى التنبؤ

لكي يتعلم الذكاء الاصطناعي قراءة الإشارات المبكرة للسرطان، احتاج إلى ما يشبه مكتبة ضخمة من التجارب البشرية. لذلك اعتمد الباحثون على مشروع صيني واسع يحمل اسم COMPASS، يضم السجلات الصحية الإلكترونية لأكثر من 3.67 مليون شخص، تشمل نحو 17.7 مليون زيارة سريرية، إلى جانب صور الأشعة السينية للصدر ونتائج الفحوص الروتينية. ولم يكتف الباحثون بذلك، بل اختبروا النموذج أيضاً على مجموعات بيانات مستقلة، من بينها بيانات البنك الحيوي البريطاني، للتحقق من قدرته على العمل خارج البيئة التي دُرّب فيها.

لكن أهمية الدراسة لا تكمن في حجم البيانات وحده، بل في الطريقة التي تعامل بها الذكاء الاصطناعي معها. فبدلاً من قراءة كل تحليل أو صورة أشعة بمعزل عن غيرها، تعامل مع التاريخ الصحي للمريض بوصفه قصة متصلة تتكشف أحداثها عبر الزمن. وباستخدام تقنية «المحوّلات» (Transformers)، التي تقوم عليها النماذج اللغوية الحديثة، استطاع تتبع تسلسل الأحداث الطبية وربطها ببعضها، بحثاً عن أنماط قد تعجز العين البشرية عن ملاحظتها

من التشخيص إلى التنبؤ

لا تكمن أهمية «أونكوفورمر» في قدرته على اكتشاف السرطان فحسب، بل في أنه يحاول استشرافه قبل أن يصبح واضحاً سريرياً. فقد أظهر النموذج دقة مرتفعة في التمييز بين المصابين بالسرطان وغير المصابين عبر أنواع متعددة من الأورام، محققاً مؤشراً بلغ 0.956 على مقياس AUROC، وهو مقياس يُستخدم لتقييم قدرة النماذج على التمييز بين الحالات الصحيحة والخاطئة. كما تمكن من التنبؤ باحتمال ظهور السرطان قبل التشخيص السريري بما يصل إلى عام، محققاً مؤشراً بلغ 0.869.

ولا تعني هذه النتائج أن النموذج أصبح جاهزاً ليحل محل برامج الفحص المعتمدة، لكنها تشير إلى أن البيانات المتوفرة أصلاً في المستشفيات قد تحمل مؤشرات مبكرة للمرض لم تكن تُستثمر بالشكل الكافي. وإذا أثبتت هذه النتائج فاعليتها في دراسات مستقبلية، فقد يصبح بالإمكان تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة وتوجيههم إلى الفحوص المناسبة في وقت أبكر، وهو ما قد يحسن فرص العلاج ويقلل الحاجة إلى التدخل في المراحل المتقدمة.

حين يتوقع الذكاء الاصطناعي مسار العلاج

لم يقتصر أداء «أونكوفورمر» على اكتشاف السرطان أو التنبؤ بخطر الإصابة به، بل امتد إلى تقييم مرحلة الورم بدقة، محققاً متوسط أداء تجاوز 0.90 عند مقارنة تقديراته بنتائج الفحص المرضي بعد الجراحة. ويعني ذلك أن النموذج لا يكتفي بالإشارة إلى وجود المرض، بل يساعد أيضاً في رسم صورة أوضح عن مدى تقدمه.

ولم تتوقف النتائج عند هذا الحد، إذ وجد الباحثون أن بعض الأنماط التي تعلمها النموذج ارتبطت بمسارات جينية معروفة في السرطان، وهو ما يمنح تفسيراً بيولوجياً لقراراته، ويخفف من الانتقاد الشائع لأنظمة الذكاء الاصطناعي بوصفها «صندوقاً أسود» يصعب فهم آلية عمله.

وفي مرضى سرطان الرئة ذي الخلايا غير الصغيرة، أظهر النموذج قدرة واعدة على توقع استجابة الورم للعلاج بمثبطات مستقبل عامل نمو البشرة (EGFR)، وهي خطوة تقترب من مفهوم اختبار العلاج افتراضياً قبل تطبيقه على المريض، بما قد يساعد مستقبلاً في اختيار العلاج الأكثر ملاءمة لكل حالة.

توأم رقمي للمريض

التوأم الرقمي

تقود هذه الدراسة إلى أحد أكثر المفاهيم طموحاً في الطب الحديث، وهو «التوأم الرقمي»؛ أي إنشاء نموذج افتراضي يتطور باستمرار مع المريض، ويُحدَّث تلقائياً كلما أُضيفت نتيجة تحليل، أو صورة أشعة، أو تشخيص، أو علاج جديد. ولا يقتصر دوره على حفظ المعلومات، بل يحاول فهم مسار المرض والتنبؤ بكيفية تطوره واستجابته للعلاج.

ومع ذلك، لا يمثل «أونكوفورمر» توأماً رقمياً متكاملاً بالمعنى الكامل للكلمة، إذ لا يدمج بعدُ جميع العوامل الوراثية والبيئية والجزيئية التي تؤثر في صحة الإنسان. لكنه يُعد خطوة مهمة في هذا الاتجاه، لأنه يبرهن على أن السجلات الصحية الروتينية، إذا حُللت بالذكاء الاصطناعي، يمكن أن تتحول من أرشيف للماضي إلى نموذج ديناميكي يساعد الأطباء على استشراف المستقبل.

فرصة للمستقبل... وتحديات للتطبيق

فرصة سعودية لقيادة الجيل الجديد من طب الأورام

إذا أثبتت هذه النتائج فاعليتها في الدراسات السريرية المستقبلية، فقد تفتح الباب أمام جيل جديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على توجيه برامج الفحص نحو الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة، ودعم الأطباء في اختيار العلاج الأنسب، ورصد احتمالات عودة الورم بعد العلاج. غير أن تحقيق هذه الرؤية يتطلب سجلات صحية عالية الجودة، وأطراً صارمة لحماية خصوصية المرضى، إضافة إلى التحقق من قدرة هذه النماذج على الحفاظ على دقتها عند تطبيقها في مجتمعات تختلف في خصائصها الوراثية والبيئية وأنماط الأمراض.

وبالنسبة إلى المملكة العربية السعودية، حيث يشهد القطاع الصحي تحولاً رقمياً متسارعاً، تبرز هذه الدراسة بوصفها نموذجاً يمكن البناء عليه لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي تعتمد على البيانات الصحية الوطنية. وقد يشكل ذلك فرصة للمراكز المرجعية، وفي مقدمتها مركز الملك عبد الله للأورام في مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث، لتطوير نماذج مدربة على بيانات المرضى في المملكة، بما يعكس الخصائص السكانية المحلية، ويمهد مستقبلاً لتعميمها عبر المدن الصحية وشبكات الرعاية المتخصصة.

لقد كان الملف الطبي طوال عقود سجلاً يوثق ما حدث للمريض. أما اليوم، فتشير هذه الدراسة إلى أنه قد يصبح أداة تستشرف ما قد يحدث له. وإذا تحقق ذلك، فلن يكون الإنجاز الأكبر أن الذكاء الاصطناعي أصبح أكثر دقة في اكتشاف السرطان، بل إنه قد يمنح الأطباء فرصة للتدخل قبل أن تتحول الإشارات الصامتة إلى مرض ظاهر.


مقالات ذات صلة

مؤسسات تطوّع محتواها الخبري للاستفادة من الذكاء الاصطناعي

إعلام من مستجدات الذكاء الاصطناعي (أرشيفية متداولة)

مؤسسات تطوّع محتواها الخبري للاستفادة من الذكاء الاصطناعي

باشرت مؤسسات إعلامية في إعادة تنسيق محتواها، ما يسمح لأدوات الذكاء الاصطناعي بقراءته، وترشيحه في إجاباتها عن أسئلة المستخدمين

فتحية الدخاخني (القاهرة)
الاقتصاد فني يعمل في مركز بيانات للذكاء الاصطناعي تابع لـ«أمازون ويب سيرفيسز» في نيو كارلايل بولاية إنديانا الأميركية يوم 2 أكتوبر 2025 (رويترز)

الإنفاق على مراكز البيانات قد يصل إلى 31.6 تريليون دولار حتى 2050

الذكاء الاصطناعي يدفع استثمارات مراكز البيانات عالمياً إلى 31.6 تريليون دولار حتى 2050، مع تصاعد الطلب على الرقائق والطاقة والتبريد.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص صورة لشريحة ذكاء اصطناعي مع علم كوريا (رويترز)

خاص الرقائق الكورية تتجه إلى السعودية... من التصنيع إلى الحوسبة

تستقطب السعودية شركات الرقائق الكورية لدعم طموحاتها في الذكاء الاصطناعي، مستفيدةً من الطاقة والبنية التحتية لبناء منظومة حوسبة متقدمة.

عبير حمدي (الرياض)
خاص «هيوماين» و«داتا فولت» تطوران مركز بيانات بـ100 ميغاواط في نيوم (إكس)

خاص مراكز البيانات تفتح باباً جديداً لتوطين صناعة التبريد في السعودية

من المباني والمشروعات العملاقة إلى مراكز البيانات، تتسع خريطة الطلب على حلول التكييف والتبريد في السعودية.

ساره بن شمران (الرياض)
الاقتصاد الرئيس التنفيذي لـ«هيوماين» طارق أمين متحدثاً إلى الحضور (الشرق الأوسط) p-circle

بعد عام من كشف خطط الإدراج... «هيوماين» تستقطب متخصصين تحضيراً لطرحها

بدأت شركة «هيوماين » السعودية، المملوكة لـ«صندوق الاستثمارات العامة»، خطوات عملية للتحضير لطرح أسهمها للاكتتاب العام.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«القدرة الذاتية»: مقياس لطول العمر ووضوح الرؤية وحِدّة الفكر

«القدرة الذاتية»: مقياس لطول العمر ووضوح الرؤية وحِدّة الفكر
TT

«القدرة الذاتية»: مقياس لطول العمر ووضوح الرؤية وحِدّة الفكر

«القدرة الذاتية»: مقياس لطول العمر ووضوح الرؤية وحِدّة الفكر

ماذا لو كان هناك مقياس واحد يمكنه رصد كل جانب من جوانب صحتك؛ بدءاً من مدى قوتك، ووضوح رؤيتك، ووصولاً إلى حدة تفكيرك؟ هذا هو الهدف من مفهوم «القدرة الذاتية» (Intrinsic Capacity)، وهو مقياس شامل لما يمكن أن ينجزه جسم الإنسان وعقله. (القدرة الذاتية هي مفهوم طبي وصحي عام، تُعرّفه منظمة الصحة العالمية بأنه مجموع جميع القدرات البدنية والعقلية التي يمكن للفرد الاعتماد عليها في أي مرحلة من مراحل حياته - المحرر).

الخصائص الداخلية والأداء

• الخصائص والأداء. يقول الدكتور جون بيرد، أستاذ «الشيخوخة المنتجة» في كلية «ميلمان» للصحة العامة بجامعة كولومبيا الذي ساهم في تطوير هذا المفهوم: «إنه ليس مصطلحاً جذاباً أو مثيراً»، لكنه منطقي من الناحية العلمية. ويضيف موضحاً: «كلمة ’ذاتية‘ (Intrinsic) تشير إلى كل تلك الخصائص التي يمكن نسبتها إلى الفرد من الداخل (أي ما يقع داخل حدود الجسم)، فيما تشير كلمة ’القدرة‘ (Capacity) إلى مستوى أداء الفرد الوظيفي».

لا يمكنك أن تطلب من طبيبك فحص «قدرتك الذاتية» في الوقت الراهن، لكن الخبراء يأملون أن يستخدم الأطباء هذا «المقياس» مستقبلاً مع المرضى كبار السن لمتابعة حالتهم الصحية ورفاهيتهم، وربما مع المرضى الأصغر سناً أيضاً. وعلى المدى القريب، يعتقد العلماء المتخصصون في أبحاث طول العمر أن هذا المقياس قد يكون المفتاح لتحديد ما إذا كان دواء ما أو تغيير في نمط الحياة - يهدف إلى إبطاء الشيخوخة - فعالاً بالفعل.

• كيف تحدد درجات القدرة الذاتية؟ تم تعريف «القدرة الذاتية» رسمياً في عام 2015 من قبل منظمة الصحة العالمية كجزء من مبادرتها للشيخوخة الصحية؛ وهي مبادرة تهدف جزئياً إلى توجيه الأطباء والعلماء للابتعاد عن التركيز على المرض، والتركيز بدلاً من ذلك على تعظيم القدرات الوظيفية لكبار السن والحفاظ عليها.

يستمد الخبراء درجة «القدرة الذاتية» للفرد من أدائه في خمسة «مجالات فرعية»: الإدراك، والحركة (القوة والقدرة على التنقل)، والقدرة الحسية (البصر والسمع)، والرفاه النفسي، والحيوية (مستويات الطاقة العامة والقدرة على الصمود أمام الضغوط البدنية). وتُستخدم بالفعل العديد من الاختبارات التي تقيّم هذه المجالات الفرعية لتقييم صحة كبار السن، مثل اختبار قوة قبضة اليد وسرعة المشي.

وقد أظهر الباحثون وجود ارتباط بين «القدرة الذاتية» ومخاطر الإصابة بالعجز والوفاة لدى كبار السن. لكن الخبراء يشيرون إلى أن القيمة السريرية الحقيقية ستكمن في متابعة «القدرة الذاتية» للشخص بمرور الوقت؛ إذ يمكن أن يتيح ذلك للأطباء رصد أي علامات للتدهور في مرحلة مبكرة واتخاذ خطوات لوقف هذا المسار أو إبطائه.

ويقول بيرد: «حتى عندما يتمتع الأشخاص بصحة قوية ولا يعانون من أي أمراض، لا يزال بإمكاننا رصد تغيرات في القدرة الذاتية». «وهذا يتيح لك البدء في التفكير في العوامل التي تجعل قدرات الناس متفاوتة، وكيف يمكننا التدخل في مرحلة مبكرة جداً لمحاولة الحيلولة دون تدهور هذه القدرات في مراحل لاحقة من العمر».

في الوقت الراهن، تقتصر فائدة العديد من الاختبارات التي تقيّم عناصر «القدرة الذاتية» مثل اختبارات الكشف عن الضعف الإدراكي، على كبار السن؛ نظراً لأن الأشخاص الأصغر سناً والأكثر صحة يحققون عادةً درجات كاملة أو شبه كاملة. غير أن العلماء يدرسون حالياً إمكانية استخدام مقاييس أخرى - تتسم بقدر أكبر من التباين في النتائج عبر مختلف الفئات العمرية - لتقييم القدرة الذاتية لدى الشباب أيضاً.

برامج وأبحاث لاستخدام المقياس

• تجربة فرنسية. تخضع القدرة الذاتية للدراسة في إطار تجارب سريرية، بما في ذلك تجربة عملية تُجرى حالياً في فرنسا. ففي هذه الدراسة، يقوم كبار السن بانتظام بتعبئة استبيان لتقييم قدراتهم الذاتية، ويتلقون توصيات مخصصة بناءً على نتائجهم. وإذا بدأت درجات الفرد في الانخفاض، تتم إحالته بسرعة إلى طبيبه أو إلى ممرض متخصص في رعاية المسنين لإجراء فحوصات متابعة وتلقي العلاج اللازم.

لا تزال هذه الأبحاث في مراحلها الأولية، ولم يتضح للعلماء بعد ما إذا كان التدخل المبكر - استناداً إلى نتائج تقييم القدرة الذاتية - سيساعد في إطالة العمر. وفي هذا الصدد، قال ديفيد فورمان، الأستاذ في «معهد باك لأبحاث الشيخوخة» (Buck Institute for Research on Aging) الذي تعاون مع الباحثين القائمين على الدراسة: «نتوقع أن يحدث ذلك، لكننا لا نملك البيانات الكافية بعد». وتجدر الإشارة إلى أن دراسة مماثلة حول القدرة الذاتية - وهي الأولى من نوعها في الولايات المتحدة - قد بدأت أخيراً في ولاية نيو مكسيكو.

• برنامج بحثي أميركي. كما تُعد «القدرة الذاتية» محوراً لبرنامج بحثي جديد تموله وكالة مشاريع الأبحاث المتقدمة للصحة (ARPA-H)، وهي وكالة تابعة لوزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأميركية. ويتمثل الهدف النهائي للبرنامج في تمهيد الطريق أمام اعتماد أدوية تزيد من «فترة الصحة» (أي الفترة التي يعيشها الإنسان بصحة جيدة) من قِبَل إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA).

وحتى الآن، لا توجد أدوية معتمدة لإطالة العمر، وذلك لعدة أسباب: أحدها صعوبة تحديد ما إذا كان الدواء يزيد من العمر الافتراضي؛ إذ يتطلب ذلك إجراء تجربة سريرية تمتد لعقود، وهي عملية باهظة التكلفة للغاية. لذا، يبحث العلماء عن مؤشرات بديلة لعملية الشيخوخة يمكن استخدامها لهذا الغرض، ويعتقدون أن «القدرة الذاتية» قد تكون هي المؤشر المناسب.

وثمة عقبة أخرى تتمثل في أن إدارة الغذاء والدواء لا تعتبر الشيخوخة مرضاً، وبالتالي فهي لا تُقيّم الأدوية بناءً على قدرتها على تغيير مسار عملية الشيخوخة. ويرى أندرو براك، الذي يقود برنامج وكالة «ARPA-H»، أن مفهوم «القدرة الذاتية» قد يوفر وسيلة لتجاوز هذه العقبة. وهذه الفكرة ليست جديدة كلياً؛ فبعد جدل طويل حول تصنيف الشيخوخة كمرض، أدرجت منظمة الصحة العالمية في عام 2022 مصطلح «التدهور في القدرة الذاتية المرتبط بالشيخوخة» ضمن الإصدار الحادي عشر من التصنيف الدولي للأمراض (ICD-11).ومن خلال مشروع وكالة «ARPA-H»، يسعى العلماء لإثبات أمرين رئيسيين: أولاً، أن القدرة الذاتية للفرد ترتبط بكيفية شعوره أو أدائه الوظيفي أو حتى بطول عمره؛ وثانياً، إمكانية تحسين هذه القدرة من خلال تغييرات في نمط الحياة - مثل ممارسة الرياضة - أو باستخدام أدوية موجودة بالفعل يُعتقد أنها تساهم في إطالة العمر، مثل أدوية «GLP-1». وفي حال نجاح هذا المسعى، قد تصبح «القدرة الذاتية» مقياساً لتقييم الأدوية التي تستهدف الشيخوخة، ما قد يفتح الباب أخيراً أمام اعتماد أول دواء لإطالة العمر من قِبَل إدارة الغذاء والدواء.

خدمة «نيويورك تايمز»


تأثير الجينات في القدرات العقلية يتغير مع نمو الطفل

تأثير الجينات في القدرات العقلية يتغير مع نمو الطفل
TT

تأثير الجينات في القدرات العقلية يتغير مع نمو الطفل

تأثير الجينات في القدرات العقلية يتغير مع نمو الطفل

كشفت دراسة بريطانية جديدة أن تأثير الجينات في القدرات العقلية يتغير مع نمو الطفل ولا يبقى ثابتاً طوال مرحلة الطفولة. وأشارت إلى أن التغيرات الجينية النادرة المرتبطة بالقدرات المعرفية تكون أكثر تأثيراً في السنوات الأولى من العمر ثم يتراجع ارتباطها مع تقدم الطفل في السن، بينما يزداد تأثير التغيرات الجينية الشائعة في المراحل اللاحقة من الطفولة.

لغز محيّر في علم الوراثة

وتقدم هذه النتيجة تفسيراً محتملاً لأحد الألغاز المحيرة في علم الوراثة: لماذا يمكن لبعض الأطفال أن يحملوا تغيراً جينياً مرتبطاً بالإعاقة الذهنية أو اضطرابات النمو العصبي في حين يحمل أحد والديهم التغير الجيني نفسه من دون أن تظهر عليه أعراض واضحة؟ وقد تساعد الدراسة الجديدة في فهم الكيفية التي تتغير بها آثار الاختلافات الجينية خلال مراحل النمو ولماذا قد تكون بعض التأثيرات أكثر وضوحاً في الطفولة المبكرة منها في مراحل لاحقة.

وتابعت الدراسة التي أجراها باحثون من معهد ويلكوم سانغر في المملكة المتحدة ونُشرت في مجلة Nature Human Behaviour في 10يوليو (تموز) 2026، العلاقة بين الاختلافات الجينية والقدرات المعرفية عبر مراحل مختلفة من الطفولة.

ويشير مفهوم «القدرة المعرفية» Cognitive ability إلى مجموعة من المهارات العقلية مثل حل المشكلات واكتشاف الأنماط والتذكر والتعلم، وهي قدرات ترتبط لاحقاً بالتحصيل الدراسي بل وببعض النتائج الصحية والاقتصادية في مرحلة البلوغ.

السنوات الأولى مرحلة شديدة الحساسية

كما حلل الباحثون بيانات وراثية لأكثر من 6400 طفل من دراسة بريطانية طويلة الأمد تُعرف باسم «أطفال التسعينيات» (ALSPAC) Avon Longitudinal Study of Parents and Children وكانت قدراتهم المعرفية قد قِيست في أعمار 4 و8 و16 عاماً. كما استخدموا بيانات من دراسات بريطانية أخرى بينها «دراسة الألفية» Millennium Cohort Study و«بنك المملكة المتحدة الحيوي» UK Biobank للتحقق من بعض النتائج.

وركز الفريق على نوعين من الاختلافات في الحمض النووي (دي إن إيه): الأول هو «التغيرات الجينية النادرة» وهي تغيرات لا توجد إلا لدى عدد قليل من الأشخاص ويمكن لبعضها أن يعطل وظيفة الجينات أو يضر بها. والثاني هو «التغيرات الجينية الشائعة» وهي ملايين الاختلافات الصغيرة المنتشرة بين السكان والتي لا تؤدي عادةً إلى تلف مباشر للجينات، لكنها قد تؤثر في طريقة عملها ونشاطها.

وعندما قارن العلماء تأثير هذه الاختلافات عبر الأعمار ظهرت صورة لافتة. فقد كان الارتباط بين التغيرات الجينية النادرة والقدرات المعرفية أقوى عند سن الرابعة ثم أخذ في الانخفاض تدريجياً ليصبح أضعف عند سن السادسة عشرة.

لكن الصورة انعكست بالنسبة إلى التغيرات الجينية الشائعة، إذ أصبح ارتباطها بالقدرات المعرفية أقوى مع تقدم الأطفال في العمر.

لغز «النفاذية غير الكاملة»

قد تساعد هذه النتيجة في تفسير ظاهرة معروفة لدى علماء الوراثة باسم «النفاذية غير الكاملة» incomplete penetrance حيث لا يؤدي وجود تغير جيني مرتبط باضطراب معين بالضرورة إلى ظهور الحالة لدى كل شخص يحمله.

وفي بعض العائلات يمكن لأحد الوالدين أن يحمل تغيراً جينياً نادراً معروفاً بارتباطه بالإعاقة الذهنية أو اضطرابات النمو العصبي من دون أن يبدو متأثراً به، بينما قد تظهر آثار أكثر وضوحاً لدى طفله.

وتشير الدراسة إلى احتمال أن يكون بعض هذه التأثيرات أكثر بروزاً في مرحلة مبكرة من النمو ثم يتراجع مع تقدم الطفل في العمر. لكن الباحثين يؤكدون أن هذه النتيجة تحتاج إلى مزيد من الدراسة ولا تعني أن الأطفال «يتغلبون» بالضرورة على تأثير التغيرات الجينية أو أن خطر الاضطراب يختفي مع العمر.

الجينات في مواجهة البيئة

كما قارن الباحثون التأثيرات الجينية بعوامل بيئية وصحية أخرى يمكن أن تؤثر في القدرات العقلية.

وكانت المفاجأة أن ارتباط الاختلافات الجينية الشائعة بمعدل الذكاء كان على الأقل بقوة الارتباط نفسها بتعليم الوالدين. أما تأثير التغيرات الجينية النادرة الضارة فكان مشابهاً في حجمه لتأثير عوامل مثل الولادة المبكرة أو إصابة الأم بمرض خلال الحمل مع تراجع تأثير التغيرات النادرة مع تقدم الأطفال في العمر.

لكن هذه النتائج لا تعني أن الجينات تحدد مستقبل الطفل العقلي. فالقدرات المعرفية تتشكل من تفاعل معقد بين الوراثة والبيئة والتعليم والصحة وظروف الحمل والتجارب التي يمر بها الطفل. وتكمن أهمية الدراسة في أنها تضيف عاملاً مهماً إلى هذه المعادلة، ألا وهو العمر نفسه، قد يغير الطريقة التي تظهر بها التأثيرات الجينية.

ويرى الباحثون أن السنوات الأولى من الحياة قد تشكل نافذة مهمة لفهم كيفية تأثير بعض الاختلافات الجينية في نمو الدماغ والقدرات المعرفية وأن الجمع بين البيانات الجينية والمتابعة الطويلة للأطفال قد يساعد مستقبلاً في تفسير أسباب بعض اضطرابات النمو العصبي وتحسين فهم الاختلافات الفردية في التعلم والتطور. ويقول دانيال مالاوسكي، الخبير في برنامج الوراثة البشرية معهد «ويلكوم سانجر» بالمملكة المتحدة الباحث الأول في الدراسة، إن النتائج تشير إلى أن تأثير الاختلافات الجينية يمكن أن يتغير بصورة كبيرة خلال الطفولة، بينما يؤكد الباحثون أن توفُّر المزيد من بيانات التسلسل الجيني من الدراسات السكانية طويلة الأمد سيتيح فرصة غير مسبوقة لدراسة كيف تتفاعل الجينات مع النمو والبيئة طوال حياة الإنسان.


العلماء «قللوا من تقدير» تأثيرات الاحتباس الحراري العالمي

العلماء «قللوا من تقدير» تأثيرات الاحتباس الحراري العالمي
TT

العلماء «قللوا من تقدير» تأثيرات الاحتباس الحراري العالمي

العلماء «قللوا من تقدير» تأثيرات الاحتباس الحراري العالمي

لقد استبعدت في السابق نماذج مناخية كانت تتوقع حصول معدلات احترار أعلى عند مستوى معين من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، باعتبارها نماذج غير واقعية، إلا أن طريقة جديدة لتقييم هذه النماذج تشير إلى تميّزها بالدقة.

تقديرات متفاوتة

ونقلت مجلة «نيوساينتست» البريطانية عن جيرغانا غيوليفا، الباحثة في «المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ» (ETH Zurich): «بالنسبة لمسار انبعاثات محدد، نتوقع أن تكون معدلات الاحترار أعلى بنسبة 25 في المائة». ولهذا الاستنتاج تداعيات هائلة، فعلى سبيل المثال يتوقع مشروع «تتبع العمل المناخي» (Climate Action Tracker) حالياً أن يرتفع متوسط درجات حرارة سطح الأرض بحلول عام 2100 بمقدار 2.6 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية إذا طبقت الدول سياساتها الحالية. غير أن نتائج فريق غيوليفا تشير إلى أننا نتجه بدلاً من ذلك نحو ارتفاع قدره 3.25 درجة مئوية.

يعتمد حجم الاحترار العالمي على كمية ثاني أكسيد الكربون الإضافية التي نطلقها في الغلاف الجوي وكيفية استجابة الكوكب لهذا الغاز. وتختلف النماذج المناخية فيما بينها بشأن مقدار الاحترار المتوقع عند مستوى معين من ثاني أكسيد الكربون؛ إذ تشير بعض النماذج، على سبيل المثال، إلى أن مضاعفة تركيز ثاني أكسيد الكربون ستؤدي إلى ارتفاع متوسط درجة حرارة سطح الأرض بنحو 1.6 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية على المدى القصير، بينما تشير نماذج أخرى رإلى أن الارتفاع قد يصل إلى 3 درجات مئوية.

وتقول غيوليفا: «إن هذا النطاق واسع، والأمر في غاية الأهمية. لذا فإن الهدف هو تحديد أي من هذه النماذج هو الصحيح».

في السابق، كان يتم ذلك باستخدام النماذج المناخية لمحاكاة الماضي القريب؛ حيث تُغذى النماذج ببيانات حول انبعاثات الغازات الدفيئة على مدار القرن الماضي أو نحو ذلك، ثم تُقارن استجابة المناخ المتوقعة فيها بما حدث بالفعل.

وفي التقرير الأخير للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، أظهرت العديد من هذه النماذج محاكاة لاحترار يفوق ما حدث فعلياً، ولذلك استُبعدت. واستناداً إلى النماذج المتبقية، خلص التقرير الأخير للهيئة إلى أن مضاعفة تركيز ثاني أكسيد الكربون ستؤدي إلى احترار يتراوح بين 1.2 و2.4 درجة مئوية على المدى القصير، مع تقدير مرجح يبلغ 1.8 درجة مئوية.

تباين مناخ الأرض

إلا أن مناخ الأرض يشهد تبايناً كبيراً، فعلى سبيل المثال، خلال ظاهرة «لا نينيا» (La Niña) المناخية، تنتشر مياه البحر الأكثر برودة -القادمة من الأعماق- عبر المحيط، ما يؤدي إلى انخفاض درجات حرارة السطح. لذا، قامت غيوليفا وزملاؤها بتنقية السجل المناخي التاريخي في محاولة لعزل تأثير التباين الناجم عن ظواهر مثل «لا نينيا».

وتشير نتائج فريقها العلمي إلى أن التباين الطبيعي قد حدّ من ارتفاع درجات الحرارة في الفترة ما بين عامي 1981 و2014؛ وهي الفترة التي شهدت ما يُعرف بـ«فترة توقف الاحترار العالمي» خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وتقول غيوليفا: «إنها تحديداً تلك الفترة -من 1981 إلى 2014- التي استُخدمت في الدراسات السابقة، حيث يظهر أقوى انحراف نحو القيم المنخفضة. لقد مثّل ذلك سوء حظٍّ حقيقي».

إن تصحيح هذا الانحراف وحده يؤدي إلى تقديرات أعلى للاحترار المتوقع نتيجة تضاعف مستويات ثاني أكسيد الكربون. غير أن فريق غيوليفا قيّم أيضاً النماذج المناخية باستخدام نهج جديد؛ إذ تقوم أجهزة مثبتة على عدة أقمار صناعية بقياس كمية الإشعاع الشمسي قصير الموجة الذي يدخل الغلاف الجوي، وكمية الإشعاع طويل الموجة المنبعث منه. ويُعد الفارق بين كمية الطاقة الحرارية الداخلة إلى الغلاف الجوي وتلك الخارجة منه المقياسَ الجوهري الأهم لظاهرة الاحترار العالمي.

وبناءً على ذلك، يمكن اعتبار مدى دقة النماذج في توقع اتجاهات الإشعاع الداخل والخارج -مع تزايد حرارة العالم- مقياساً لأدائها أفضل من توقعاتها لدرجات حرارة سطح الأرض. ولكن، ونظراً لأن قياسات الأقمار الصناعية اللازمة لهذا الغرض لم تبدأ إلا في عام 2001، فقد أصبح هذا النوع من التقييم ممكناً في الآونة الأخيرة فقط.

وضع نماذج مناخية مطورة

ووجد الفريق أن النماذج التي تتوافق بشكل أفضل مع الاتجاهات المرصودة في الإشعاع قصير الموجة وطويل الموجة تتوقع درجات احترار أعلى بكثير. واستناداً إلى النماذج التي حققت أفضل أداء في كلا نوعي التقييم، خلص الفريق إلى أن مضاعفة تركيز ثاني أكسيد الكربون ستؤدي إلى ارتفاع في درجات الحرارة يتراوح بين 1.9 و2.6 درجة مئوية، مع تقدير مرجح يبلغ 2.25 درجة مئوية. ونشرت نتائج الفريق في دورية «Earth›s Future doi.org/rkn8».

وتقول غيوليفا: «نحتاج إلى تأكيد نتائجنا بمزيد من الأدلة المستمدة من مصادر مختلفة قبل أن نتمكن من إبداء ثقة تامة». وتقول ترودي ستوريلفمو، من جامعة أوسلو في النرويج: «يبدو هذا نهجاً سليماً». ويقول درو شينديل، من جامعة ديوك في ولاية كارولينا الشمالية: «في رأيي، تُعد عملية استبعاد التباين الطبيعي خطوة قيّمة إلى الأمام»، رغم أنه لم يقتنع بعد بأن الاتجاهات المتعلقة بالإشعاع قصير الموجة وطويل الموجة تمثل وسيلة جيدة لتقييم النماذج.

ويقول ستيفن شيروود، من جامعة نيو ساوث ويلز في سيدني: «أعتقد أنها استنتاج منطقي ونهج معقول». لكن شيروود يشير إلى أن هذه النتائج تستند إلى نماذج مناخية، ولا يوجد أي منها يعيد محاكاة الظواهر الرئيسية بدقة عالية. ويضيف: «لتحقيق نتائج أفضل في هذا الصدد، نحن بحاجة ماسة إلى نماذج مناخية أكثر تطوراً. ومن ناحية أخرى، فإن الارتفاع الحاد في درجات الحرارة خلال السنوات القليلة الماضية سيؤدي حتماً إلى تقديرات لنطاقات حرارية أعلى، بغض النظر عن المنهجية المستخدمة».