طفرة جينية خفية تكشف سرّاً لسرطان حيّر الأطباء لعقود

اكتشاف علمي يربط لأول مرة بينها وبين نشاط فيروس يسبب «ساركوما كابوزي»

ساركوما كابوزي سرطان ينشأ في الخلايا المبطنة للأوعية الدموية
ساركوما كابوزي سرطان ينشأ في الخلايا المبطنة للأوعية الدموية
TT

طفرة جينية خفية تكشف سرّاً لسرطان حيّر الأطباء لعقود

ساركوما كابوزي سرطان ينشأ في الخلايا المبطنة للأوعية الدموية
ساركوما كابوزي سرطان ينشأ في الخلايا المبطنة للأوعية الدموية

لطالما اعتقد الأطباء أن «سرطان ساركوما كابوزي» لا يظهر إلا عندما يضعف جهاز المناعة. لكن دراسة كندية جديدة قلبت هذه الفرضية رأساً على عقب بعدما كشفت عن خلل جيني خفي يسمح للفيروس المسبب للمرض، بالاختباء داخل الخلايا وتحويلها خلايا سرطانية حتى لدى أشخاص يتمتعون بصحة جيدة ظاهرياً. ويمنح هذا الاكتشاف العلماء فهماً جديداً للعلاقة المعقدة بين الجينات والفيروسات والسرطان، ويفتح الباب أمام علاجات أكثر دقة في المستقبل.

ويمثل هذا الاكتشاف الذي نُشر في مجلة Journal of Allergy and Clinical Immunology في 2 مارس (آذار) 2026 بقيادة دونالد فينه، الذي يُعدّ المركز المرجعي للبحوث الجينية في مجال العدوى والمناعة في معهد البحوث المركز الصحي بجامعة ماكغيل الكندية في مونتريال، أول دليل مباشر على أن نقص بروتين مناعي يُعرف باسم «RIG-I» قد يجعل بعض الأشخاص أكثر عرضة للإصابة بهذا السرطان المرتبط بعدوى فيروسية؛ ما يفتح الباب أمام استراتيجيات جديدة للتشخيص والعلاج.

سرطان وفيروس وجهاز مناعة ضعيف

• نوع نادر من السرطان. ساركوما كابوزي Kaposi sarcoma نوع نادر من السرطان ينشأ في الخلايا المبطنة للأوعية الدموية ويظهر عادة على شكل بقع أو عقيدات أرجوانية اللون على الجلد، لكنه قد يصيب أيضاً أعضاء داخلية مختلفة.

ويُعرف المرض منذ عقود بارتباطه بفيروس الهربس البشري الثامن (HHV-8)، كما أنه يُشاهد بشكل أكبر لدى الأشخاص الذين يعانون ضعفاً في جهاز المناعة مثل المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) أو المرضى الذين يتناولون أدوية مثبطة للمناعة بعد عمليات زراعة الأعضاء. ولأسباب لا تزال غير مفهومة تماماً قد يُصيب أيضاً كبار السن الذين لا يعانون مشاكل مناعية ظاهرة، وخاصة الرجال من أصول متوسطية أو شرق أوسطية أو شرق أوروبية، وكذلك بعض السكان في آسيا الوسطى وأميركا الجنوبية وبين مجتمعات الإنويت Inuit communities (هم مجموعة من الشعوب الأصلية المتشابهة ثقافياً وتاريخياً والتي تسكن تقليدياً المناطق القطبية وشبه القطبية في أميركا الشمالية وروسيا).لكن الأطباء كانوا يواجهون لغزاً محيراً، هو: لماذا يصاب بعض الأشخاص الأصحاء ظاهرياً بهذا السرطان رغم عدم وجود أي مؤشر على ضعف مناعي؟

• قصة مريض قادت إلى الإجابة. بدأت القصة عندما استقبل مركز جامعة ماكغيل الصحي رجلاً من أصول الإنويت يبلغ من العمر 72 عاماً ظهرت لديه أعراض نموذجية لساركوما كابوزي في القدمين والساقين.وبعد تأكيد التشخيص وجد الأطباء أنفسهم أمام حالة غير اعتيادية. فالمريض لم يكن مصاباً بفيروس الإيدز ولم يكن يتناول أدوية مثبطة للمناعة، كما لم تظهِر الفحوص التقليدية أي خلل واضح في جهازه المناعي. ودفع هذا التناقض الباحثين إلى البحث أعمق داخل الحمض النووي للمريض باستخدام تقنية متقدمة تُعرف بتسلسل الإكسوم الكامل، وهي تقنية تسمح بفحص آلاف الجينات المرتبطة بالأمراض الوراثية النادرة.وكانت المفاجأة اكتشاف طفرة في جين يسمى «DDX58» المسؤول عن إنتاج بروتين «RIG-I» أحد أهم عناصر جهاز المناعة الفطري المسؤول عن التعرف إلى الفيروسات ومهاجمتها في مراحل العدوى المبكرة.

عندما يفشل جهاز الإنذار

• طفرة جينية تسهّل تغلغل الفيروس. ويعمل بروتين «RIG-I» بمثابة جهاز إنذار مبكر داخل الخلايا. فعندما يكتشف وجود مادة وراثية فيروسية يطلق سلسلة من الإشارات الدفاعية التي تساعد الجسم على السيطرة على العدوى. لكن في حالة هذا المريض أدت الطفرة الجينية إلى غياب البروتين بشكل شبه كامل؛ ما سمح للفيروس المسبب لساركوما كابوزي بالبقاء داخل الخلايا دون أن يتم اكتشافه أو القضاء عليه.

ولفهم ما يحدث بدقة أكبر؛ طور الباحثون نماذج مخبرية باستخدام خلايا المريض نفسه إلى جانب نسخة معدلة من الفيروس يمكن تتبعها بصرياً. وأظهرت التجارب أن الخلايا غير القادرة على إنتاج «RIG-I» كانت عاجزة عن التحكم في العدوى؛ الأمر الذي سمح للفيروس بإعادة برمجة الخلايا ودفعها نحو التحول السرطاني.

ويقول الباحثون إن أكثر ما أثار دهشتهم هو أن الخلل لم يقتصر على إضعاف المناعة فحسب، بل غيّر أيضاً سلوك الفيروس نفسه، حيث أصبح أكثر قدرة على الاختباء داخل الخلايا والاستمرار لفترات طويلة.

ويحمل الاكتشاف أهمية علمية خاصة؛ لأنه يغير النظرة التقليدية إلى وظيفة بروتين «RIG-I» فحتى الآن كان العلماء يعرفون هذا البروتين أساساً لدوره في اكتشاف الفيروسات ذات الحمض النووي الريبي (RNA)، مثل فيروسات الإنفلونزا و«كوفيد- 19». أما الدراسة الجديدة، فتظهر أنه يؤدي أيضاً دوراً حاسماً في الدفاع ضد فيروسات الحمض النووي (DNA)، ومنها فيروس الهربس المرتبط بساركوما كابوزي.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج تعيد رسم صورة أكثر شمولاً لآليات المناعة البشرية وتكشف عن جوانب لم تكن مفهومة سابقاً في العلاقة بين الفيروسات والسرطان.

• تشخيص وعلاج أكثر دقة. ولا تقتصر أهمية الدراسة على الجانب العلمي فقط، بل تمتد إلى التطبيقات الطبية المحتملة. فقد تساعد النتائج مستقبلاً في تطوير برامج للفحص الجيني لدى المرضى الذين يصابون بساركوما كابوزي أو سرطانات أخرى مرتبطة بالفيروسات دون وجود أسباب واضحة؛ ما يسمح بالكشف عن العوامل الوراثية الخفية التي تزيد من قابلية الإصابة.كما تشير النتائج إلى إمكانية تحسين العلاجات المناعية المستخدمة حالياً. فقد وجد الباحثون أن بعض أنواع الإنترفيرون، مثل إنترفيرون-بيتا وربما إنترفيرون-أوميغا قد تكون أكثر فاعلية وأقل آثاراً جانبية من إنترفيرون-ألفا المستخدم حالياً لدى بعض المرضى.ويعتقد العلماء أن ما تم اكتشافه قد لا يكون سوى بداية لسلسلة من الاكتشافات المشابهة. فهم يخططون الآن لدراسة جينات أخرى تشارك في آليات التعرف إلى الفيروسات لمعرفة ما إذا كانت طفراتها قد تفسر حالات أخرى من السرطانات المرتبطة بالعدوى الفيروسية. كما يأملون في فهم الأسباب التي تجعل بعض المجموعات السكانية أكثر عرضة للإصابة بساركوما كابوزي مقارنة بغيرها، وما إذا كانت الاختلافات الوراثية تلعب دوراً في ذلك.ويؤكد الباحثون أن دراسة حالة فردية واحدة كانت كافية للكشف عن آلية بيولوجية لم تكن معروفة من قبل. وهو تذكير قوي بأن أسرار الأمراض المعقدة قد تكون أحياناً مخبأة داخل جين واحد فقط، وأن فهم هذه الأسرار قد يقود إلى تشخيصات أدق وعلاجات أكثر فاعلية في المستقبل.


مقالات ذات صلة

هل يمكن تقليل تضخم البروستاتا دون جراحة؟

صحتك يساعد التقييم الطبي على تحديد العلاج المناسب لأعراض تضخم البروستاتا الحميد (بيكسلز)

هل يمكن تقليل تضخم البروستاتا دون جراحة؟

يمكن تخفيف أعراض تضخم البروستاتا الحميد دون جراحة، بتعديل العادات وأدوية يصفها الطبيب، مع ضرورة المراجعة العاجلة عند تعذّر التبوّل أو ظهور دم في البول.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا وقفة احتجاجية سابقة لأطباء وممرضين ليبيين (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)

اختصاصات «الوحدة» الليبية في ملف الصحة تُصعّد غضب الأطباء

صعّدت مذكرة حكومية لتنظيم الاختصاصات الإدارية للخدمات الصحية في ليبيا من انتقادات الأطباء بالتزامن مع دعوات إلى وقفة احتجاجية في طرابلس الاثنين المقبل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
علوم فرشاة الأسنان للمراقبة والوقاية المنزلية

فرشاة الأسنان للمراقبة والوقاية المنزلية

بعد أن تعلّمت فرشاة الأسنان قياس ضغط اليد وحساب وقت التنظيف، بدأت تتعلم كيف «ترى» داخل الفم. فالكاميرا التي تدخل اليوم إلى هذه الأداة اليومية

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
علوم لماذا لا تتعرض النساء للإصابة بأمراض القلب بالدرجة نفسها كما لدى الرجال؟

لماذا لا تتعرض النساء للإصابة بأمراض القلب بالدرجة نفسها كما لدى الرجال؟

لطالما لاحظ الأطباء أن الرجال والنساء لا يتعرضون لخطر الإصابة بأمراض القلب بالدرجة نفسها؛ فبعض أمراض القلب الخلقية تكون أكثر شيوعاً أو أشد خطورة لدى الإناث

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
صحتك نموذج توضيحي للرحم والمبيضين... أظهرت دراسة استمرار النشاط البيولوجي للمبايض بعد انقطاع الطمث (بيكسلز)

دراسة: المبيض يستمر في العمل بعد انقطاع الطمث

كشفت دراسة، تغيِّر النظرة السائدة، عن أن المبايض لا تدخل في حالة خمول بعد انقطاع الطمث، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت تلعب دوراً في الشيخوخة والأمراض المزمنة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

محاكاة حاسوبية تشكك بدور المذنَّبات في نشأة الحياة على الأرض

تطرح الدراسة أن كوكب المريخ القديم ربما كان أكثر ملاءمة من الأرض لتكوين سيانيد الهيدروجين الناتج عن اصطدام المذنَّبات (ناسا - رويترز)
تطرح الدراسة أن كوكب المريخ القديم ربما كان أكثر ملاءمة من الأرض لتكوين سيانيد الهيدروجين الناتج عن اصطدام المذنَّبات (ناسا - رويترز)
TT

محاكاة حاسوبية تشكك بدور المذنَّبات في نشأة الحياة على الأرض

تطرح الدراسة أن كوكب المريخ القديم ربما كان أكثر ملاءمة من الأرض لتكوين سيانيد الهيدروجين الناتج عن اصطدام المذنَّبات (ناسا - رويترز)
تطرح الدراسة أن كوكب المريخ القديم ربما كان أكثر ملاءمة من الأرض لتكوين سيانيد الهيدروجين الناتج عن اصطدام المذنَّبات (ناسا - رويترز)

قد لا تصمد النظرية الشائعة التي تفترض أن المذنَّبات أدت دوراً محورياً في بدء الحياة على الأرض قبل مليارات السنين، وفقاً لعمليات محاكاة حاسوبية جديدة تتحدى عقوداً من التفكير العلمي.

وتشير النتائج إلى أن الجزيئات العضوية الهشة التي يُعتقد أن هذه الأجرام الجليدية حملتها كانت ستتحطم عند اصطدامها بالأرض، مما يقوّض نظرية راسخة عن نشأة الحياة تعود إلى عام 1961 على الأقل.

أما الفكرة الأوسع نطاقاً، التي تفترض أن مكونات الحياة وصلت من الفضاء، والمعروفة باسم «التبذر الشامل»، فهي أقدم من ذلك، إذ طُرحت علمياً عام 1908.

والتبذر الشامل (أو البانسبيرميا

- Panspermia) هي فرضية علمية تقترح أن بذور الحياة أو الكائنات الدقيقة والمركبات العضوية لا تقتصر على كوكب الأرض فحسب، بل تنتشر في جميع أنحاء الكون

، وتنقلها النيازك، والمذنَّبات، والكويكبات، والغبار الكوني.

تتطلب الحياة على الأرض جزيئات عضوية معقدة، لكن لا يزال من غير الواضح ما إذا كان كوكبنا في مراحله الأولى يمتلك ما يكفي من المواد الخام اللازمة للكيمياء قبل الحيوية، أي التفاعلات الكيميائية التي تُنتج اللبنات الأساسية للحياة.

وتتكون المذنَّبات من الغبار والجليد، لكنها تحتوي أيضاً على مواد عضوية. وقد دفعت هذه التركيبة، التي أكسبت الأجرام السماوية لقب «كرات الثلج المتسخة»، العلماء إلى طرح احتمال أن تكون المذنَّبات قد جلبت المياه والجزيئات العضوية إلى سطح الأرض.

وربما شهدت الأرض في بدايات تاريخها، قبل أكثر من 4 مليارات سنة، فترة من القصف المكثف بأكثر من 100 ألف مذنَّب يزيد قطر الواحد منها على 100 متر، وفقاً للدراسة الجديدة المنشورة الأربعاء، في دورية «ساينتيفيك ريبورتس»، ونقلتها شبكة (سي إن إن) الأميركية. غير أن معظم تلك الاصطدامات كانت عنيفة للغاية بحيث لا تستطيع الجزيئات اللازمة لبدء الحياة تحملها.

واستخدم الفريق أحدث النماذج الخاصة بتشكل المذنَّبات وتطورها لمحاكاة تلك المرحلة المبكرة من تاريخ الكوكب 100 ألف مرة.

وقال ريتشارد أنسلو، الباحث الرئيسي في الدراسة، الذي أجرى البحث خلال استكمال درجة الدكتوراه في معهد علم الفلك بجامعة كمبردج في المملكة المتحدة: «استناداً إلى ما نعرفه عن بيئات سطح الأرض في مراحلها المبكرة، أظهرت عمليات المحاكاة، في المتوسط، عدم حدوث أي اصطدامات ناجحة».

ورغم احتواء المذنَّبات على تركيزات مرتفعة من الجزيئات الأساسية اللازمة للحياة، أظهرت المحاكاة أنها كانت تتحرك بسرعة أكبر من أن تتمكن من إيصال تلك الجزيئات إلى الأرض سليمة.

وقال أنسلو: «إن السرعات المعتادة لهذه المذنَّبات عند اصطدامها بالأرض تعني أن عدداً قليلاً جداً منها، إن وُجد أصلاً، كان قادراً على إيصال جزيئات عضوية سليمة. ولذلك، لا يبدو أن المذنَّبات مفيدة للكيمياء قبل الحيوية بالقدر الذي كان يُعتقد سابقاً».

وبصورة أكثر تحديداً، أظهرت 54 في المائة من عمليات المحاكاة عدم وقوع أي اصطدام، بينما شهدت النسبة المتبقية، البالغة 46 في المائة، اصطداماً واحداً على الأقل، في حين سجلت «أقلية ضئيلة» ما يصل إلى ثلاثة اصطدامات، حسب أنسلو.

وأضاف: «لا يمكننا استبعاد احتمال عدم حدوث اصطدام ناجح على الإطلاق بشكل قاطع، فقد يكون أحد تلك الاصطدامات الاستثنائية قد وقع». لكنه أوضح أن مثل هذه الحالات النادرة كانت تتطلب حدوث الاصطدام في «موقع مثالي» تتوافر فيه بالفعل عدة شروط مهمة، من بينها وجود المياه السائلة ومواد كيميائية أخرى ضرورية لدعم الحياة، مما يجعل تحقق هذه العملية برمتها أمراً غير مرجح.

تفسيرات بديلة

وتركز الدراسة على مادة كيميائية موجودة طبيعياً تُعرف باسم سيانيد الهيدروجين (HCN)، وهي مادة أساسية في الكيمياء قبل الحيوية، ورُصدت في عشرات المذنَّبات، من بينها مذنَّبا هالي وهيل-بوب الشهيرين.

ويتكون سيانيد الهيدروجين من الهيدروجين والكربون والنيتروجين، ويمكن أن يؤدي، عند اتحاده مع الماء، إلى تكوين الأحماض الأمينية، وهي الجزيئات التي تتكون منها البروتينات. وحددت دراسات سابقة هذه المادة بوصفها أحد المكونات المحتملة المهمة لنشأة الحياة على الأرض.

وقال أنسلو: «عندما تصطدم المذنَّبات بالأرض، تتعرض لدرجات حرارة وضغوط مرتفعة للغاية، وقد وجدت دراسات حديثة أن كثيراً من الجزيئات الأولية يمكن أن تتحطم بفعل هذه الضغوط ودرجات الحرارة المرتفعة، وكذلك الاصطدامات التي تلي ذلك».

ويرى مؤلفو الدراسة أنه حتى في حال وقوع اصطدام ناجح، فمن غير المرجح أن يكون قد أتاح المادة الكيميائية بتركيز مفيد، كما أنها كانت ستذوب سريعاً إذا وقع الاصطدام في المحيط.

وأوضح أنسلو أن تهيئة الظروف اللازمة لحدوث الكيمياء قبل الحيوية تتطلب أيضاً كثيراً من الجزيئات الأولية الأخرى، مثل المركبات التي تحتوي على الفوسفور والكبريت، وهي مواد لا توجد بانتظام في المذنَّبات.

وقال: «المذنَّبات جيدة جداً في إيصال سيانيد الهيدروجين، لكن نظراً إلى أن موقع اصطدام المذنَّب بالأرض عشوائي، لا يمكن ضمان وجود كل المواد الأخرى اللازمة لهذه التفاعلات الكيميائية في الموقع نفسه».

وإذا لم تكن المذنَّبات قد جلبت اللبنات الأساسية للحياة إلى الأرض، فإن هناك مسارات أخرى واعدة يمكن استكشافها، حسب أنسلو.

وأشار أنسلو إلى نتائج حديثة توصل إليها العلماء من خلال دراسة عينات من كويكبي «بينو» و«ريوغو»، أظهرت احتواءهما على معظم الأحماض الأمينية التي تدخل في بناء البروتينات.

وتطرح الدراسة الجديدة احتمالاً آخر مثيراً للاهتمام، وهو أن كوكب المريخ القديم ربما كان أكثر ملاءمة لتكوين سيانيد الهيدروجين الناتج عن اصطدام المذنَّبات، مقارنةً بالأرض.

وقال أنسلو: «لأن المريخ أصغر بكثير من الأرض وأبعد عن الشمس، فإن السرعة المعتادة لاصطدام المذنَّبات به أقل بكثير. ولذلك، بينما كانت هذه الاصطدامات تدمر معظم سيانيد الهيدروجين على الأرض، لم يكن الأمر كذلك بالقدر نفسه على المريخ».

وقد يضيف هذا الاحتمال بُعداً جديداً إلى السؤال القائم منذ فترة طويلة بشأن ما إذا كان الكوكب الأحمر قد احتضن الحياة في الماضي.

وقال أنسلو: «إنها مجرد وجهة نظر إضافية ينبغي أن نضعها في الحسبان عندما نحاول فهم التطور المبكر للمريخ بمزيد من التفصيل».

نظرية المذنَّبات لا تزال قائمة

وفي حين حلل مؤلفو الدراسة بالتفصيل مدى قدرة سيانيد الهيدروجين على الصمود أمام اصطدام المذنَّبات، قالت كوينى تشان، الأستاذة المشاركة في علوم الأرض بجامعة «رويال هولواي» في لندن، والتي لم تشارك في الدراسة، إن المادة الكيميائية ربما خضعت لتفاعلات قبل دخول الأجرام الجليدية الغلاف الجوي للأرض، وأوضحت أن هذه العملية ربما أدت إلى تكوين مركبات مهمة بيولوجياً، مثل اللبنات الأساسية للبروتينات، تكون أقل تطايراً وأكثر قدرة على الصمود.

وكتبت تشان في رسالة عبر البريد الإلكتروني: «لذلك، فإن عدم كفاءة إيصال سيانيد الهيدروجين سليماً لا يستبعد تماماً احتمال أن تكون المذنَّبات قد أسهمت في توفير مركبات عضوية مهمة أخرى، ربما شاركت في تكوين المخزون العضوي قبل الحيوي للأرض، قبل ظهور الحياة».

من جانبها، قالت نيكول زيلنر، أستاذة الفيزياء في كلية ألبيون بولاية ميشيغان الأميركية، في رسالة عبر البريد الإلكتروني، إنها لم تفاجأ بالنتائج.

ورغم ترددها أيضاً في استبعاد المذنَّبات بوصفها أحد العوامل المحتملة التي أسهمت في ظهور الحياة، أقرت بأن «المؤلفين وضعوا بالفعل بعض المعايير الجيدة لتحديد مدى احتمالية حدوث ذلك».


حقائب ظهر صغيرة للفئران: ابتكار للمساعدة في العثور على الضحايا في أثناء الزلازل

حقائب ظهر صغيرة للفئران:  ابتكار للمساعدة في العثور على الضحايا في أثناء الزلازل
TT

حقائب ظهر صغيرة للفئران: ابتكار للمساعدة في العثور على الضحايا في أثناء الزلازل

حقائب ظهر صغيرة للفئران:  ابتكار للمساعدة في العثور على الضحايا في أثناء الزلازل

غالباً ما تحظى الفئران بسمعة سيئة لأنها قد تكون ناقلة للأمراض. لذا تستثمر مدن مثل نيويورك مبالغ طائلة لمكافحتها. لكن ربما يرجع ذلك إلى أننا لا ندرك إمكاناتها الحقيقية، إذ وبمجرد تدريبها، يمكن لفئران «الجرذان الأفريقية العملاقة ذات الجيوب African giant pouched rats» بعد تزويدها بحقائب ظهر خاصة، أن تساهم في إنقاذ الأرواح، كما كتب هانتر شوارتز*.

«فئران الإنقاذ»

وللمساعدة في عمليات الإنقاذ في أثناء الكوارث كالزلازل أو انهيار المباني، تقوم منظمة «أبوبو» (APOPO) غير الربحية، بتدريب فئران أطلق عليها اسم «فئران الإنقاذ» (RescueRATs)، للوصول إلى أماكن يعجز البشر أو الروبوتات عن دخولها. وترتدي هذه الفئران حقائب ظهر مصممة خصيصاً، توفر بثاً صوتياً ومرئياً فورياً، بالإضافة إلى نظام تواصل ثنائي الاتجاه يتيح لفرق الإنقاذ التحدث مع الناجين.

وتقول ليلي شالوم، مديرة الاتصالات في منظمة «أبوبو»، لمجلة «فاست كومباني»: «تتميز الفئران الأفريقية العملاقة ذات الجيوب بصغر حجمها وخفة وزنها، ما يمكنها من التحرك فوق الأنقاض غير المستقرة وعبر الفجوات الضيقة دون التسبب في انهيارها». وتضيف: «كما أنها تتسم بالرشاقة والسرعة، وتتمتع بحاستي شم وسمع فائقتين، ما يجعلها مؤهلة تماماً للبحث بسرعة في الأماكن التي يصعب الوصول إليها».

تدريب الفئران

وتقوم المنظمة بتدريب هذه الفئران في مركزها بمدينة موروجورو في تنزانيا، معتمدةً على أسلوب «التعزيز الإيجابي»؛ حيث تُستخدم أداة إصدار صوت (clicker) مقترنة بتقديم مكافآت غذائية. ويتم تدريب الفئران على العمل مع مُدربها، واجتياز مسارات عقبات تحاكي الأنقاض، وارتداء حقيبة الظهر، ثم إطلاق إشارة عند العثور على إنسان. وتؤكد شالوم أن الفئران كائنات ذكية وتتحفز بالطعام، قائلة: «إنها تتعلم بسرعة وتستمتع بالعمل الذي تقوم به».

تتبّع رائحة البشر

ومنذ ابتكار النموذج الأولي لحقيبة الظهر في عام 2019، طورت منظمة «أبوبو» عدة نسخ منها. وفي البداية كانت الحقيبة مزودة بكاميرا بارزة، لكن المصممين أدركوا الحاجة إلى تصميم لا يعلَق بالأجسام المحيطة. كما تضمنت إحدى النسخ المبكرة بطارية في الجزء العلوي، ما أدى إلى رفع مركز ثقل الحقيبة، وهو ما جعل توازن الفئران صعباً في أثناء ارتدائها.

وتستطيع فئران الإنقاذ (RescueRATs) تتبع رائحة البشر، والتمييز بين الأشخاص الحقيقيين والروائح البشرية العالقة على مقتنيات مثل الملابس والأحذية. وبمجرد عثورها على شخص ما، تكون هذه الفئران مدربة على سحب قلادة مثبتة في سترة تحملها على ظهرها، لتنبيه مُدربها إلى وجود شخص ناجٍ. وتقول شالوم: «إنها لا تحل محل المنقذين البشر أو التكنولوجيا؛ بل هي أداة إضافية تساعد فرق الإنقاذ في العثور على الناجين بشكل أسرع، وتحديد المناطق التي ينبغي تركيز الجهود فيها».

حقيبة ظهر مطورة

لا يتجاوز وزن حقائب الظهر التي صممتها منظمة «أبوبو» 10 غرامات، وهو ما يمثل أقل من 10في المائة من وزن جسم «الجرذ الأفريقي العملاق». وتتضمن النسخة الأحدث منها هيكلاً مُصنّعاً بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد، ويحتوي على معالج دقيق، وكاميرا، ومكبر صوت، وميكروفون، ومصباح يدوي، ومروحة تبريد، وبطارية تدوم حتى 35 دقيقة في أثناء البث المباشر.

إن ما تفتقر إليه هذه الفئران هو نظام تحديد المواقع العالمي «جي بي إس» التقليدي، نظراً لأنه لا يعمل وسط الأنقاض. وللتغلب على هذه العقبة، تبحث المنظمة عن بدائل، مثل تقنية «التحديد المتزامن للموقع ورسم الخرائط» (SLAM)، التي تعتمد على رسم خرائط للمنطقة من خلال الصور الفوتوغرافية. وفي العام الماضي، ساعد فريق من طلاب الهندسة في جامعة «بريغام يونغ» في تطوير جهاز وخوارزمية، تستخدمهما المنظمة حالياً كنقطة انطلاق لنظام تتبع جديد.

تجارب ميدانية في تركيا

وقد درّبت المنظمة أول مجموعة من فئران الإنقاذ، التي نُقلت في يونيو (حزيران) الماضي إلى تركيا لإجراء تجارب ميدانية، بينما بدأت مجموعة ثانية تدريباتها في تنزانيا. وتهدف المنظمة في نهاية المطاف إلى نشر هذه الفئران في تركيا، وهي دولة معرضة للزلازل، كما حدث في زلزال عام 2023 المدمر الذي أودى بحياة أكثر من 40 ألف شخص. ومع توفر التكنولوجيا والتدريب المناسبين، يمكن لهذه الفئران أن تساهم في إنقاذ المزيد من الأرواح عند وقوع كارثة في المستقبل.

* مجلة «فاست كومباني».


تبنّي الذكاء الاصطناعي في الدوائر الحكومية الأميركية... عقبات وآفاق

تبنّي الذكاء الاصطناعي في الدوائر الحكومية الأميركية... عقبات وآفاق
TT

تبنّي الذكاء الاصطناعي في الدوائر الحكومية الأميركية... عقبات وآفاق

تبنّي الذكاء الاصطناعي في الدوائر الحكومية الأميركية... عقبات وآفاق

يُبشر الذكاء الاصطناعي التوليدي بزيادة الإنتاجية، لكن العديد من موظفي الدوائر الحكومية الأميركية لا يزالون غير متأكدين من علاقته بوظائفهم، وكيفية استخدامه، أو حتى ما إذا كان مسموحاً به، كما كتبت بيث سيمون نوفيك(*).

تقرير عن الذكاء الاصطناعي في القطاع العام

وقد قدمت مؤسسة «إنوفايت يو إس إيه» InnovateUS غير الربحية تقريراً جديداً حول استخدام الذكاء الاصطناعي في الدوائر الحكومية. وقامت المؤسسة بتدريب أكثر من 250 ألف موظف حكومي في جميع الولايات الخمسين -إضافة إلى واشنطن العاصمة- في مجالات الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الرقمية، والابتكار في ورش عمل مجانية لتبادل الخبرات العملية، بما في ذلك تحسين تقديم الخدمات، والتعريف بأدوات الذكاء الاصطناعي.

ويحلل التقرير الأول لمرصد الذكاء الاصطناعي في القطاع العام The Observatory of Public Sector AI، 106300 استجابة قبل بدء الدورة، و67002 استجابة بعد الدورة، جُمعت بين يونيو (حزيران) 2024 ومايو (أيار) 2026. ويكشف عن فجوة بين عناوين الأخبار المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وحقيقة العمل الحكومي اليومي.

ما الذي يمنع موظفي القطاع العام من استخدام الذكاء الاصطناعي؟

* تجربة الذكاء الاصطناعي: من بين المشاركين في الدورة التمهيدية لم يسبق لـ51 في المائة منهم تجربة الذكاء الاصطناعي التوليدي، بينما جربه 14 في المائة على المستوى الشخصي فقط. ولا يزال الكثيرون بحاجة إلى الحصول على توضيحات بشأن أهميته، واستخدامه العملي، وصلاحيات استخدامه في مكان العمل.

* أهميته للعمل. لم يكن غير المستخدمين بالضرورة مقاومين له: فقد اعتبر 28 في المائة منهم أن الذكاء الاصطناعي غير ذي صلة بعملهم، و23 في المائة لم يعرفوا كيفية استخدامه، و19 في المائة لم يكونوا متأكدين من إمكانية استخدامه في مكان العمل.

وقد شارك المديرون أيضاً هذا التردد، فمن بين المديرين غير المستخدمين، افتقر 24 في المائة إلى المعرفة، و22 في المائة لم يكونوا متأكدين من الصلاحيات، ما حدّ من قدرتهم على توجيه الموظفين.

الموظفون يحتاجون إلى تدريب ومشرفين مؤهلين لدعم الاستخدام المسؤول

* التوصيات. لذا يشير التقرير إلى أنه لا تكفي الأدوات والسياسات وحدها، فالموظفون يحتاجون إلى أمثلة عملية، وتدريب، وإلى مشرفين مؤهلين لدعم الاستخدام المسؤول. كما ينبغي أن يربط التدريب المهارات بمشكلات الخدمة: تقليل أوقات انتظار الاستفسارات حول التأمين، وتسهيل مشاركة الجمهور، أو تحسين عمليات شراء الذكاء الاصطناعي، وتنظيمه. كما يحتاج الموظفون إلى الدعم لتغيير ممارسات العمل، وتقييم النتائج.

المبتدئون «حققوا أكبر المكاسب»

أظهرت الإجابات المتطابقة أن المتعلمين الذين لم تكن لديهم أي معرفة مسبقة بالذكاء الاصطناعي حققوا أكبر المكاسب المعرفية. كما أبلغ أولئك الذين بدأوا (التعامل معه) دون ثقة عن تحسنات كبيرة حصلت لهم بشكل خاص. وكانت دراسة مشتركة بين جامعتي ستانفورد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا حول دعم الزبائن أظهرت فوائد أكبر للعاملين الأقل خبرة، ومهارة. وقد قيّمت الدراسة الأولى الأداء، بينما قيّمت مبادرة «إنوفايت يو إس إيه» مستوى التعلّم المُبلغ عنه. وتشير كلتا الدراستين إلى أهمية دعم المبتدئين بدلاً من التركيز حصراً على المتحمسين الأوائل.

وبعد التدريب أبدى المشاركون ذوو الثقة العالية نيتهم استخدام الذكاء الاصطناعي في 3.8 مهمة في المتوسط، مقارنةً بـ1.5 مهمة لدى المشاركين ذوي الثقة المنخفضة. ورغم أن هذه العلاقة لا تُثبت وجود علاقة سببية، لكنها تُشير إلى أن التعلّم يتضمن الشعور بالقدرة على تحديد التطبيقات المناسبة.

إن الثقة لا تضمن الدقة، لذا يجب أن يُنمّي التدريب أيضاً مهارات التقييم: التساؤل عن الإجابات، والتحقق من المصادر، وحماية المعلومات الحساسة، والتعرف على الحالات التي يكون فيها استخدام الذكاء الاصطناعي غير مناسب. ينبغي أن يُقيّم التقييم هذه القدرات أيضاً.

من مهام أفضل إلى خدمات أفضل

يتصوّر المشاركون عادةً توظيف الأدوات الذكية في كتابة التقارير، وتقديم العروض التقديمية، وتلخيص الوثائق. ويستشهد التقرير بدراسة ماكينزي العالمية لعام 2026 التي أفاد فيها 80 في المائة من المشاركين بتحسن إنتاجيتهم الشخصية، بينما لم يُبلغ سوى 37 في المائة عن آثار إيجابية على أرباح مؤسساتهم. ومن هنا فإن إنجاز العمل الفردي بشكل أسرع لا يُحسّن أداء المؤسسة تلقائياً.

ما زلنا بحاجة إلى تعلم الذكاء الاصطناعي

تمثل الاستبانات التطوعية عينة كبيرة، ولكنها غير ممثلة للقوى العاملة. فهي تقيس المعرفة، والثقة، والنوايا المُبلغ عنها ذاتياً فيما يتعلق بالتدريب مباشرةً، ولا تقيس جوانب مثل الاحتفاظ بالمعلومات، أو التطبيق المتسق، أو الدقة، أو تحسين الخدمات نتيجة استخدام الذكاء الاصطناعي. ومع ضمانات الخصوصية، يُمكن للباحثين ربط بيانات التعلّم بالأداء الإداري، ومؤشرات ثقة الجمهور، ودراسة أوقات الانتظار، ودقة الحالات، وأخطاء التطبيقات، وسهولة الوصول، والتواصل مع السكان.

وتشير الدلائل الأولية إلى أن العاملين في القطاع العام -بمن فيهم المبتدئون- يُمكنهم اكتساب المعرفة والثقة في مجال الذكاء الاصطناعي.

على القادة التعامل مع تعلّم القوى العاملة كاستثمار مُستدام

وينبغي على القادة التعامل مع تعلّم القوى العاملة كاستثمار مُستدام: توفير التدريب العملي، وإعداد المديرين، وتمكين التطبيق، وقياس التغييرات التي يلمسها الجمهور.

وفي ظلّ الشكوك حول فوائد الذكاء الاصطناعي، يُمكن للحكومة إظهار استخداماته التي تخدم المصلحة العامة بدلاً من ترك المكاسب في المقام الأول لشركات التكنولوجيا، أو لمن يستطيعون تحمّل تكلفة الوصول إليه.

كما ينبغي أن يُساهم الاستخدام المسؤول والإبداعي للذكاء الاصطناعي في تمكين موظفي الخدمة العامة، فالنجاح يعني خدمات أفضل، ومشاركة أوسع في صنع القرار، وإيجاد حلول لمشكلات السكان، وليس مجرد معدلات تَبَنٍّ، أو توفير الوقت. وهذه النتائج من شأنها تعزيز الثقة في كل من الذكاء الاصطناعي والحكومة.

* مجلة «فاست كومباني»