خبرات بشرية إبداعية لتعزيز الذكاء الاصطناعي

جيش من اختصاصيي العلوم والهندسة والطب والفن والرياضة لدعم تطويراته

خبرات بشرية إبداعية لتعزيز الذكاء الاصطناعي
TT

خبرات بشرية إبداعية لتعزيز الذكاء الاصطناعي

خبرات بشرية إبداعية لتعزيز الذكاء الاصطناعي

أصدرت مختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة والشركات الناشئة في السنوات الأخيرة برامج ذكاء اصطناعي مصممة لمهام متزايدة التعقيد، بما في ذلك حل مسائل رياضية على مستوى دراسة الدكتوراه، وخطوات التفكير المنطقي لحل الأسئلة المعقدة خطوة بخطوة، واستخدام أدوات، مثل متصفحات الويب لإنجاز مهام معقدة.

جيش من خبراء «الحكمة البشرية» الجدد

إن دور مهندسي الذكاء الاصطناعي في تحقيق ذلك موثق جيداً، وغالباً ما يكون مجزياً، لكن الدور غير المعروف جيداً هو دور جيش متنامٍ من الخبراء المستقلين، من فيزيائيين ورياضيين إلى مصورين ونقاد فنيين، الذين تُجنّدهم شركات متخصصة في تدريب الذكاء الاصطناعي، وهي صناعة بمليارات الدولارات.

وتؤكد هذه الشركات أن الحكمة البشرية ضرورية لإنشاء نماذج للمسائل والحلول ومعايير التقييم التي تُساعد الذكاء الاصطناعي على تحسين أدائه في مجموعة واسعة من المجالات.

يقول أكاش سابهاروال، نائب رئيس قسم الهندسة في شركة تدريب الذكاء الاصطناعي «سكيل إيه آي»: «ما دام الذكاء الاصطناعي مهمّاً، فسيظل البشر كذلك».

ولا تزال هذه الشركة لاعباً رئيسياً في هذا المجال؛ حيث تُوظّف مُدرّبي ذكاء اصطناعي خبراء في مجموعة واسعة من المجالات، وتُنشئ بيئات رقمية يُشبّهها سابهاروال بـ«أجهزة محاكاة الطيران للذكاء الاصطناعي»؛ حيث يُمكن للبشر مساعدة الآلات على تعلّم كل شيء، من إرسال رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بالعمل إلى كتابة الرموز البرمجية.

انخراط عدد أكبر من حاملي الدكتوراه

نمت صناعة تدريب الذكاء الاصطناعي الحديثة من أعمال سابقة لإنشاء بيانات تدريب مُصنّفة تُعلِّم أجهزة الكمبيوتر كيفية تحديد الأشياء في الصور أو تحديد منشورات وسائل التواصل الاجتماعي التي تحتاج إلى تعديل. يقول مات فيتزباتريك، الرئيس التنفيذي لشركة تدريب الذكاء الاصطناعي «إنفيزيبل تكنولوجيز»: «كانت الأيام الأولى لنظرة الناس إلى هذه الصناعة تُمثّل ما يُسمّى تصنيف السلع، مثل قط/كلب، وما شابه».

أما في الآونة الأخيرة، ومع توفّر نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية، فقد ساعد العاملون البشريون في توجيه البرنامج للإجابة بشكل صحيح عن أسئلة حول موضوعات مثل رياضيات المرحلة الثانوية، والتواصل بطلاقة افتراضية بمجموعة متنوعة من اللغات. كما سعت بعض الشركات إلى تحسين تقنية الذكاء الاصطناعي التي يمكنها تقديم رؤى ثاقبة بناءً على احتياجاتها الخاصة وبياناتها الداخلية.

والآن، وفي حين يتفاخر قادة شركات الذكاء الاصطناعي بانتظام ببراعة روبوتات الدردشة الخاصة بهم في معالجة مسائل الرياضيات والعلوم المتقدمة، يعمل الخبراء البشريون خلف الكواليس لاختبار حدود الروبوتات، ودفع مستويات معرفتها إلى الأمام.

ويقول فيتزباتريك: «لقد شهدنا تغييراً حقيقياً في الأقدمية ومستوى الخبرة لدى مجموعات الخبراء، إذ يدخل المزيد من حاملي شهادات الدكتوراه، والمزيد من حاملي شهادات الماجستير».

100 خبير مصرفي للتدريب على التحليلات المالية الذكية

على الرغم من التقارير التي تُفيد بأن بعض شركات الذكاء الاصطناعي بدأت بتوظيف خبراء بشكل مباشر لتدريب أنظمتها؛ حيث أفادت التقارير بأن شركة «أوبن إيه آي» وظّفت أكثر من 100 مصرفي سابق من كبرى مؤسسات «وول ستريت» للمساعدة في تدريب أنظمتها على إجراء تحليل مالي مبتدئ على الأقل.

اجتذاب الأطباء وخبراء التسويق والعاملين في الترفيه

إن سوق الخبراء المستقلين الذين يمتلكون الوقت والمعرفة اللازمين لتدريب الذكاء الاصطناعي في مجالات غامضة، هي في حد ذاتها سوق تنافسية؛ حيث يتفاخر مديرو شركات التدريب بمؤهلات خبرائهم المتعاقدين معهم، كما يتفاخر رؤساء الجامعات بفئة جديدة من طلاب البكالوريوس المتميزين.

لدى إحدى شركات تدريب الذكاء الاصطناعي (ميركور) حالياً قوائم منشورة تبحث عن «عاملين في مجال الترفيه» براتب يتراوح بين 60 و80 دولاراً في الساعة، و«خبير تسويق إسباني ثنائي اللغة» براتب يتراوح بين 20 و60 دولاراً في الساعة، و«خبراء قانونيين» براتب يتراوح بين 90 و120 دولاراً في الساعة، و«أطباء عامين» في الطب من آيرلندا براتب يتراوح بين 160 و185 دولاراً في الساعة، من بين العديد من القوائم الأخرى.

مستويات متقدمة من مهندسي البرمجيات

وفي العديد من مجالات المعرفة، يرتفع مستوى المؤهلات المطلوبة للتعيين في المشروعات، وفقاً لمدير منتجات «ميركور»، أوزفالد نيتسكي. ويقول نيتسكي: «يُطلب من مهندسي البرمجيات الآن إما امتلاك خبرة في لغة برمجة متخصصة، وإما تحقيق درجات عالية جداً في تحديات البرمجة التنافسية. نبحث الآن أحياناً عن أفراد محددين، لأن المستوى المطلوب مرتفع للغاية، لدرجة أن هناك عدداً محدوداً من الأشخاص في العالم ممن يستوفون هذا المستوى بالفعل».

وأعلنت الشركة أنها تدفع أكثر من 1.5 مليون دولار يومياً لخبرائها، بمتوسط ​​أجور يتجاوز 85 دولاراً في الساعة. ووفقاً للشركة، فإن أكثر من 30 ألف خبير مسجلون في منصة «ميركور».

ويقول علي أنصاري، مؤسس شركة «مايكرو1» ورئيسها التنفيذي، إن الشركة تُركز على المواهب في مجالات المالية والطب والقانون والهندسة، ويتراوح متوسط ​​الأجور التي تدفعها الشركة حول 100 دولار للساعة، مع اختلافها بين التخصصات؛ حيث يتقاضى نحو 70 في المائة من الخبراء ما بين 70 و210 دولارات للساعة.

حب الاطلاع الفكري

وبينما تُحفز الأجور الخبراء، الذين يعمل الكثير منهم بدوام كامل في مجالاتهم، على دخول مجال تدريب الذكاء الاصطناعي، فإن بعضهم مدفوع أيضاً بحب الاطلاع الفكري والرغبة في صقل برامج يأملون أن تُساعدهم يوماً ما في عملهم، أو تُعالج مشكلات عويصة.

«أتمتة» المهام الطبية الشاقة

تقول أليس تشياو، طبيبة طب الطوارئ وخبيرة لدى شركة «ميركور»، إنها تأمل أن يُسهم الذكاء الاصطناعي في أتمتة بعض المهام الطبية المرهقة، مثل رسم الخرائط وتوثيق البيانات، ما يمكّن الأطباء من التواصل بشكل أفضل مع مرضاهم، مضيفة أن عملها في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي يتضمن مطالبتها بالإجابة عن أسئلة طبية سبق أن أربكتها خلال ممارستها العملية، وهي سيناريوهات معقّدة تظهر عندما يختلف مرضى الواقع عن النماذج المرجعية التقليدية.

وتؤكد تشياو أنها لا تتوقع أن يحل الذكاء الاصطناعي الذي تُدرّبه محلّها أو محل زملائها الأطباء، بل ترى أن مساعدة هذه التكنولوجيا تُسهم في استعادة مستوى من التفاعل البشري الذي غالباً ما اختفى في الممارسة الطبية.

وتقول: «لا أعتقد أن تدريب الذكاء الاصطناعي هو تدريب بديل؛ أعتقد أن لديه إمكانات كبيرة لتعزيز العلاقة بين المريض والطبيب، التي تآكلت لدرجة أن معظم الأطباء لم يعودوا راضين عن جودة الحوار والتواصل بين المريض والطبيب».

تدريب وإشراف بشري متواصل

يقول أدوين تشين، الرئيس التنفيذي لشركة «Surge AI» المتخصصة في التدريب على نظم الذكاء الاصطناعي، إن نسبة الخبراء المتخصصين في مجال تدريب الذكاء الاصطناعي قد ازدادت بمرور الوقت، لكن الأشخاص ذوي المعرفة العامة لا يزالون يُسهمون أيضاً. ويضيف أن هذا الوضع من غير المرجح أن يتغير، لأن أدوات الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى تدريب مستمر حتى على المشكلات الأساسية.

وحتى إذا استمر الذكاء الاصطناعي في التحسن في حل المشكلات الصعبة، وتوليه أدواراً أكثر، فسيظل بحاجة إلى توجيه بشري؛ حيث ستستمر معايير أدائه في النمو. وهذا يعني أنه من غير المرجح أن يُلغي الذكاء الاصطناعي دور مُعلميه البشريين في أي وقت قريب.

ويضيف تشين: «مع ازدياد استخدام الأدوات الذكية، تزداد إمكاناتها وتتوسع تطبيقاتها؛ ولذلك لم يعد مقبولاً أن تكون دقة النماذج 80 في المائة، بل يجب أن تكون 99.99999 في المائة، وفي الوقت نفسه، ومع ازدياد ذكاء النماذج، فإننا نحتاج دائماً إلى بشر لتوجيهها ومواءمتها».

* مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».

حقائق

1.5

مليون دولار وأكثر تدفعها شركة «ميركور» يومياً لخبرائها الذين يزيد عددهم على 30 ألفاً


مقالات ذات صلة

لأول مرة... اتصال ليزري عالي السرعة بين طائرة وقمر اصطناعي في المدار الثابت

تكنولوجيا وصل معدل نقل البيانات في التجربة إلى نحو 2.6 غيغابت في الثانية مع اتصال مستقر خلال تحرك الطائرة (إيرباص للدفاع والفضاء)

لأول مرة... اتصال ليزري عالي السرعة بين طائرة وقمر اصطناعي في المدار الثابت

نجاح تجربة أول اتصال ليزري عالي السرعة بين طائرة وقمر اصطناعي في المدار الثابت، يمهِّد لتطوير شبكات اتصالات فضائية أسرع.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا روبوت «شخصي»... لاستكشاف نشاطات روبوتات الدردشة في منصة «مولتبوك»

روبوت «شخصي»... لاستكشاف نشاطات روبوتات الدردشة في منصة «مولتبوك»

تستطيع روبوتات الدردشة التحدث معك... ولكن ماذا لو استطاعت التحدث فيما بينها، تتساءل إيف واشنطن(*)؟ شبكة تواصل اجتماعي لروبوتات الدردشة هذه هي الفكرة وراء …

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد جناح «إم آي إس» في معرض «بلاك هات 2024» بالرياض (موقع الشركة الإلكتروني)

اتفاقية بين «إم آي إس» و«هيوماين» لبناء مركز بيانات للذكاء الاصطناعي

أعلنت شركة «المعمر لأنظمة المعلومات» توقيع عقد مع «هيوماين» المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة بقيمة تتجاوز 155 في المائة من إجمالي إيراداتها لعام 2024.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد شرائح أشباه الموصلات على لوحة كمبيوتر في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

«شريان الرقائق» في خطر: الحرب في الشرق الأوسط تُهدد بشلل الصناعة العالمية

حذَّر نائب في الحزب الحاكم بكوريا الجنوبية يوم الخميس من أن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران قد تعرقل إمدادات المواد الأساسية اللازمة لتصنيع أشباه الموصلات.

«الشرق الأوسط» (سيول )

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل
TT

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

يُخفي الشخص العادي 9 أنواع من الأسرار، تتراوح بين الكذب والرغبات العاطفية الخفيّة، وقد يُشكل هذا عبئاً ثقيلاً؛ لأن للأسرار عادةً مُقلقةً؛ تتمثل في تبادرها إلى الذهن دون سابق إنذار. وقد يُخفف الاعتراف بها من وطأة الأمر، لكن بعض الأسرار حساس للغاية؛ فلا يُمكن مشاركته، كما كتبت أليس كلاين في مجلة «نيو ساينتست» البريطانية.

العبء النفسي لإخفاء الأسرار

تقول فال بيانكي، من جامعة ملبورن في أستراليا: «قد تُفكر في الأسرار خلال الاستحمام، أو عند غسل الأطباق، أو حتى في طريقك إلى العمل».

وأمضت بيانكي سنوات في دراسة العبء النفسي لإخفاء الأسرار وسبل تخفيفه، وقد مُوِّل أحدث أبحاثها من قِبَل «مكتب الاستخبارات الوطنية الأسترالي». وتضيف أن على عملاء الاستخبارات الحفاظ على أسرار بالغة الحساسية لحماية الأمن القومي، لذا؛ فهم بحاجة إلى استراتيجيات لتحمل هذه المسؤولية.

دراسة 38 فئة من الأسرار

لفهم تأثير الأسرار على رفاهية الأفراد بشكل أفضل، استقطبت بيانكي وزملاؤها 240 شخصاً عبر الإنترنت، وطلبوا منهم ملء استبيان عن أسرارهم. أشار المشاركون إلى ما إذا كانوا يخفون أي أسرار من 38 فئة، بما في ذلك: الكذب، والخيانة الزوجية، والسرقة، والإدمان.

الكذب والعيوب الجسدية والسلوكيات الجنسية

في المتوسط، احتفظ المشاركون بـ9 أنواع من الأسرار، وكان أوسعها شيوعاً الكذب (78 في المائة من المشاركين)، والشعور بعدم الرضا عن جانب جسدي شخصي (71 في المائة). وشملت الأسرار الشائعة الأخرى الأمور المالية (70 في المائة)، والرغبات العاطفية (63 في المائة)، والسلوكيات الجنسية (57 في المائة).

أهم الأسرار... مقلق

بعد ذلك، طُلب من المشاركين تحديد أهم سر لديهم وكتابة يوميات لمدة أسبوعين بشأن شعورهم تجاهه. أفاد المشاركون عموماً بأن أهم أسرارهم سلبية، وعند التفكير فيها، تتشتت أفكارهم نحو مخاوف أو قلق يساورهم بشأنها، كما جاء في الدراسة المنشورة في دورية «PsyArXiv, doi.org/qs6j»

تسلل الأسرار إلى الذهن

خلصت أبحاث بيانكي السابقة إلى أن الأسرار المهمة تميل إلى التسلل إلى أفكار الناس مرة كل نحو ساعتين. وتقول: «غالباً ما تخطر هذه الأسرار على البال خلال فعل شيء لا يتطلب كامل انتباهك... لأن ذهنك يجد متسعاً للتفكير في السر والتأمل فيه».

البوح بالأسرار

وتضيف بيانكي أن البوح بالأسرار قد يوفر بعض الراحة في بعض الحالات، لا سيما عند إخبار أشخاص غير متأثرين بشكل مباشر بمحتواها، ويتسمون بالتعاطف، مثل رجال الدين أو المعالجين النفسيين.

من جهة أخرى، لا يمكن البوح ببعض الأسرار لأي شخص؛ بما في ذلك المعلومات السرية للغاية التي يحتفظ بها ضباط المخابرات. وفي هذه الحالات، قد يكون من المفيد لحامل السر التحدث مع شخص ما عن مشاعره تجاه السر، دون الكشف عن محتواه الفعلي، كما تقول بيانكي.

تدوين المذكرات اليومية... علاج نافع

يقول جيمس بينيباكر، من جامعة تكساس في أوستن بالولايات المتحدة، الذي أثبت أن تدوين المشاعر في مذكرات يومية غالباً ما يكون علاجياً، إن خياراً آخر قد يكون متاحاً للأشخاص الذين لا يعملون في مجال الاستخبارات، هو الكتابة سراً عن مشاعرهم وكيف تؤثر عليهم. ويضيف: «بدأ بحثي بملاحظة أن الأشخاص الذين مروا بأي نوع من الاضطرابات الكبيرة كانوا أكبر عرضة لمشكلات صحية إذا لم يتحدثوا عن هذه الأحداث مقارنةً بمن تحدثوا عنها».


الطبيب… مهندس القرار في عصر الذكاء الاصطناعي

مهندس القرار في عصر الخوارزميات
مهندس القرار في عصر الخوارزميات
TT

الطبيب… مهندس القرار في عصر الذكاء الاصطناعي

مهندس القرار في عصر الخوارزميات
مهندس القرار في عصر الخوارزميات

لم يكن دور الطبيب عبر التاريخ مجرد قراءة الأعراض ووصف العلاج، فالممارسة الطبية كانت دائماً عملية معقدة تجمع بين المعرفة العلمية والخبرة السريرية والحكم الأخلاقي.

التكامل بين الذكاء الاصطناعي وخبرة الطبيب

تحولات عميقة

لكن الطب يشهد اليوم تحولاً عميقاً مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى العيادات والمستشفيات. فقد أصبحت خوارزميات التعلم العميق قادرة على تحليل صور الأشعة بدقة عالية، والتنبؤ ببعض الأمراض قبل ظهور أعراضها، بل واقتراح خطط علاجية محتملة.

هذا التحول لا يطرح سؤالاً تقنياً فحسب، بل سؤالاً مهنياً أعمق: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على تحليل البيانات الطبية، فما هو الدور الجديد للطبيب؟

ماذا تقول الأبحاث الحديثة؟

في دراسة علمية حديثة نُشرت في 16 فبراير (شباط) 2026 بعنوان «العوامل المؤثرة في الثقة بالذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار الصحي» (Determinants of Trust in Artificial Intelligence for Health-Related Decision-Making)، حاول الباحثون فهم موقف المرضى من استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية. وقد نُشرت الدراسة في مجلة «جورنال أوف ميديكال إنترنت ريسيرش» (Journal of Medical Internet Research) المتخصصة في الصحة الرقمية، وأُجريت في مراكز الرعاية الصحية الأولية في المملكة العربية السعودية لتحليل مدى قبول المرضى لاستخدام الأنظمة الذكية في دعم التشخيص والقرار الطبي.

ثقة المرضى أولاً

أظهرت نتائج الدراسة أن المرضى لا يعارضون استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، بل إن كثيراً منهم يرون في هذه التقنيات فرصة لتحسين دقة التشخيص وتسريع الوصول إلى العلاج. لكن القبول بهذه الأنظمة يبقى مشروطاً بعامل أساسي: أن يظل الطبيب هو صاحب القرار النهائي في العملية العلاجية.

كما كشفت الدراسة أن ثقة المرضى بالذكاء الاصطناعي ترتبط بدرجة كبيرة بثقتهم بالطبيب نفسه. فكلما كانت العلاقة بين الطبيب والمريض قائمة على الثقة والوضوح، ازداد استعداد المرضى لقبول استخدام الأنظمة الذكية في دعم التشخيص أو اتخاذ القرار الطبي.

وبعبارة أخرى، لا ينظر المرضى إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه بديلاً للطبيب، بل كأداة علمية يمكن أن تعزز خبرته وتساعده على اتخاذ قرار أكثر دقة.

ثلاثة أدوار للذكاء الاصطناعي في القرار الطبي

3 حالات للذكاء الاصطناعي في العيادة

عند استخدام الذكاء الاصطناعي في الممارسة الطبية يمكن للطبيب أن يواجه ثلاث حالات مختلفة.

* الحالة الأولى: عندما يقدم النظام توصية تشخيصية أو علاجية واضحة بدرجة ثقة عالية اعتماداً على تحليل كميات كبيرة من البيانات الطبية.

* الحالة الثانية: عندما يقدم الذكاء الاصطناعي تقديرات احتمالية أو سيناريوهات تشخيصية متعددة تحتاج إلى تفسير سريري دقيق من الطبيب، لأن الخوارزمية هنا تعرض الاحتمالات لكنها لا تحسم القرار.

* الحالة الثالثة: ما يسميه بعض الباحثين «صمت الخوارزمية»، وهي الحالة التي يعجز فيها النظام عن إعطاء توصية واضحة بسبب نقص البيانات أو تعقيد الحالة الطبية. وفي مثل هذه الحالات يعود القرار بالكامل إلى خبرة الطبيب وحكمه السريري

لماذا يبقى الطبيب محور القرار؟

الذكاء الاصطناعي بارع في تحليل البيانات واكتشاف الأنماط الطبية المعقدة، لكنه لا يستطيع فهم جميع أبعاد الحالة الإنسانية للمريض. فالقرار الطبي لا يعتمد فقط على نتائج التحاليل أو الصور الشعاعية، بل يشمل أيضاً التاريخ الصحي للمريض، وحالته النفسية، وظروفه الاجتماعية، وحتى تفضيلاته الشخصية في العلاج.

وهذه عوامل لا تستطيع الخوارزميات تقييمها بصورة كاملة، لأنها تتجاوز حدود البيانات الرقمية إلى مساحة الخبرة الإنسانية والتقدير السريري. ولهذا يبقى دور الطبيب حاسماً في ترجمة نتائج الذكاء الاصطناعي إلى قرار طبي متوازن يجمع بين العلم والحكمة.

حكمة قديمة في زمن جديد

قبل أكثر من ألف عام كتب ابن سينا في كتابه «القانون في الطب» أن الطبيب الجيد هو الذي يجمع بين العلم والحكمة. واليوم، في عصر الذكاء الاصطناعي، تبدو هذه الحكمة أكثر أهمية من أي وقت مضى.

إن الخوارزميات قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات الطبية في ثوانٍ، لكنها لا تستطيع أن تفهم الإنسان بكل تعقيداته. ولهذا يبقى التحدي الحقيقي في الطب الحديث ليس في قوة التكنولوجيا وحدها، بل في قدرة الطبيب على توظيفها بحكمة لخدمة المريض.

ولهذا يمكن القول إن الطبيب في عصر الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد مُشخِّص للمرض، بل أصبح مهندس القرار الطبي الذي يوازن بين البيانات والخبرة والبعد الإنساني في العلاج.

الطبيب مهندس القرار

ولهذا قد يكون أدق وصف لدور الطبيب في الطب الحديث أن الطبيب لم يعد مجرد مشخِّص للمرض، بل أصبح مهندس القرار الطبي في عصر الخوارزميات. فبين البيانات التي تقدمها الأنظمة الذكية والخبرة السريرية التي يمتلكها الطبيب، يتشكل القرار الطبي الذي يجمع بين دقة العلم وفهم الإنسان.


التفوق لا يرتبط بالذكاء ولا بالموهبة... علم النفس يوضح

العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
TT

التفوق لا يرتبط بالذكاء ولا بالموهبة... علم النفس يوضح

العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)

يشيع الاعتقاد بأن النجاح في الحياة يرتبط أساساً بالذكاء الفائق أو الموهبة الفطرية، غير أن كثيراً من الدراسات الحديثة تشير إلى أن التفوق لا يقوم على هذه العوامل وحدها. فالأشخاص الذين يحققون إنجازات كبيرة في مجالات مختلفة لا يكونون دائماً الأكثر ذكاءً أو موهبة؛ بل غالباً ما يتميزون بقدرتهم على الاستمرار والعمل لفترات طويلة رغم الصعوبات.

وفي هذا السياق، تقدِّم عالمة النفس الأميركية أنجيلا دوكوورث (Angela Duckworth) تفسيراً مختلفاً لمعنى التفوق، في كتابها الشهير «العزيمة: قوة الشغف والمثابرة» (Grit: The Power of Passion and Perseverance)؛ حيث ترى أن العامل الحاسم في النجاح هو ما تسميه «العزيمة».

ما «العزيمة»؟

تعرِّف دوكوورث العزيمة بأنها مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد، والمثابرة في مواجهة العقبات. أي أن الشخص الذي يمتلك هذه الصفة لا يكتفي بوضع أهداف كبيرة؛ بل يواصل العمل لتحقيقها رغم الفشل أو الإحباط. فالعزيمة تعني الاستمرار وعدم الاستسلام عند التعثر، مع الحفاظ على التركيز على هدف واضح دون تشتت، وفق ما نقله موقع العالمة دوكوورث الإلكتروني.

وقد أظهرت بحوث دوكوورث التي شملت مجالات مثل التعليم والرياضة والمؤسسات العسكرية والأعمال، أن العزيمة تمثل القاسم المشترك بين المتفوقين. فالأشخاص الذين يحققون نتائج استثنائية ليسوا بالضرورة الأكثر موهبة؛ بل هم غالباً الأكثر قدرة على الصبر والعمل المتواصل.

الإنسان الذي يحدد هدفاً واضحاً ويستمر في السعي إليه ويتعلم من أخطائه ويواصل العمل رغم الإحباط يطوّر تدريجياً مستوى أعلى من العزيمة (بيكسلز)

تجربة شخصية تعكس الفكرة

توضح دوكوورث هذه الفكرة من خلال تجربة شخصية وردت في مقدمة كتابها. فقد نشأت وهي تسمع والدها يكرر لها باستمرار: «أنتِ لستِ عبقرية». كان والدها شديد الاهتمام بفكرة الذكاء والعبقرية، ويقارن أبناءه بالعلماء الكبار، مثل ألبرت أينشتاين، معتقداً أن غياب العبقرية قد يحد من فرصهم في النجاح.

ولكن المفارقة أن دوكوورث نفسها حصلت لاحقاً على «منحة ماك آرثر» الشهيرة التي تُعرف أحياناً باسم «منحة العبقرية». وقد أثار هذا الأمر لديها تأملاً عميقاً؛ فهي لم تحصل على الجائزة لأنها الأذكى بين زملائها؛ بل لأنها درست العامل الحقيقي وراء النجاح. وقد خلصت بحوثها إلى أن الشغف والمثابرة قد يكونان أكثر تأثيراً من الذكاء أو الموهبة الفطرية.

هل يمكن تنمية العزيمة؟

تؤكد دوكوورث أن العزيمة ليست صفة ثابتة يولد بها الإنسان ثم تبقى على حالها. صحيح أن العوامل الوراثية والبيئة قد تلعب دوراً في تشكيلها، ولكن البحوث تشير إلى أنه يمكن تنميتها بالممارسة والعمل الجاد والمرونة.

فالإنسان الذي يحدد هدفاً واضحاً ويستمر في السعي إليه، ويتعلم من أخطائه، ويواصل العمل رغم الإحباط، يطوّر تدريجياً مستوى أعلى من العزيمة. ومع مرور الوقت، تصبح هذه الصفة عاملاً أساسياً في تحقيق النجاح.

التفوق الحقيقي

في النهاية، تقدم فكرة العزيمة فهماً مختلفاً للتفوق. فالنجاح لا يعتمد فقط على الذكاء أو الحظ؛ بل على القدرة على العمل المستمر والسعي طويل الأمد نحو هدف واضح. وقد لا يكون الإنسان الأذكى في المكان، ولكنه قد يكون الأكثر عزيمة، وهذا غالباً ما يصنع الفارق الحقيقي في تحقيق الإنجازات.