تقنيات جديدة قابلة للارتداء لتعزيز الصحة العقلية

عُصابة رأس لتركيز الأفكار وأدوات لقراءة الموجات الدماغية

عصابة "ميوز أس" الصحية
عصابة "ميوز أس" الصحية
TT

تقنيات جديدة قابلة للارتداء لتعزيز الصحة العقلية

عصابة "ميوز أس" الصحية
عصابة "ميوز أس" الصحية

«لقد حققت 40 ثانية من التركيز المتواصل»... يبدو أن ذلك سبب للاحتفال. على مدى العشر دقائق الماضية. كنت أحدق في هاتفي، أحاول تحريك كرة رقمية أعلى التل باستخدام قوة عقلي فقط؛ إذ كانت عصابة الرأس «ميندي» (Mendi) التي أرتديها، تحلِّل نشاط دماغي وتعكس ذلك في اللعبة. فكلما ازداد تركيزي، ارتفعت الكرة.

ملبوسات إلكترونية للصحة العقلية

يُفترض أن هذا التمرين يعمل على تقوية قدراتي العقلية، تماماً كما يمكن للمرء أن يستخدم الأوزان لتدريب العضلات البدنية، ويؤدي في نهاية المطاف إلى تحسين تركيزي والحد من توتري.

تضع صناعة الأجهزة القابلة للارتداء نصب أعينها هدفاً جديداً يتمثل في صحتنا العقلية. لدينا الآن ساعات ذكية لقراءة الموجات الدماغية لا تحلل حالة جهازنا العصبي فحسب، وإنما تتدخل بنشاط أيضاً لتحسين وضعنا النفسي، وجعل عملية دعم الصحة العقلية أكثر يسراً، وجعل الأدوات أكثر قابلية للارتداء من أي وقت مضى.

ويقول مصطفى حمادة، رئيس قسم المنتجات والعلوم في شركة «ميندي»: «نحن نستفيد من قدرة الدماغ على إعادة تنظيم نفسه حتى يتمكن من زيادة التحكم العاطفي».

"غالاكسي رنغ" الصحي من "سامسونغ"

اختبار أجهزة تحسين المزاج

لقد بحثت في هذا المجال الموسَّع من الأجهزة التي تستهدف التركيز، والانتباه، والتوتر والقلق، لمعرفة كيف تعمل، وما الذي يمكن أن يحدث فرقاً حقيقياً لوضعي الصحي العام.

أول جهاز قابل للارتداء كنت متلهفة لاستخدامه كان عصابة «ميوز» للرأس (Muse headband)؛ إذ اختبرتُ نموذجاً مبكراً منها قبل أكثر من عقد من الزمن.

هناك جهازان للاختيار بينهما - «ميوز 2»، وهو عصابة رأس صلبة تهدف إلى الحد من التوتر وتحسين المزاج، و«ميوز إس» الذي يستخدم مستشعرات لينة يمكن ارتداؤها بسهولة في الليل أيضاً لتتبع النوم.

يُعد جهاز «ميوز» فريداً إلى حد ما بين الأجهزة القابلة للارتداء لكونه جهازاً لتخطيط كهربائية الدماغ «EEG» من الدرجة الإكلينيكية، ما يعني أنه، فضلاً عن كونه منتجاً مستهلكاً، فإنه يستخدم من قبل الباحثين للتحقيق في كل شيء من تشخيص السكتة الدماغية إلى علاجات اضطراب الوسواس القهري.

جربتُ جهاز «ميوز إس» Muse S. إنه جهاز بسيط. تستخدم العصابة الرأسية 7 مستشعرات لقياس النشاط الكهربائي للدماغ مع معدل ضربات القلب، وإيقاع التنفس والحركة. ثم تُحلل هذه البيانات وتُرسل إليك عبر سماعات الأذن. يلتقط الجهاز الذبذبات العصبية، أو موجات الدماغ، بترددات مختلفة، تتوافق مع العقليات المختلفة. وترتبط المزيد من موجات «ألفا» (في الدماغ) بحالة من الاسترخاء والهدوء. وتُوجَد موجات «بيتا» عندما يفكر الإنسان بنشاط في شيء ما، في حين تتوفر موجات «دلتا» عندما تكون نائماً نوماً عميقاً.

في الليل، تُحلِّل عصابة «ميوز» موجات دماغك، وتستخدم الصوت المتجاوب - التأمل الموجَّه أو قصص النوم أو الأنماط الصوتية - لدفعك للنوم مرة أخرى، عندما تُدرك أنك تستيقظ. وخلال ساعات الاستيقاظ، من المفترض أن تُقلل «ميوز» من الضغط العصبي، وتُحسن الحالة المزاجية، من خلال تقديم تغذية استرجاعية مباشرة لمساعدتك على التأمل.

أضع الجهاز على رأسي وأغلق عيني. أسمع على الفور هبوب ريح قوية من حولي. عندما يسجل «ميوز إس» موجات المخ التي تعكس حالة التأمل، تهدأ الرياح وتبدأ الطيور في التغريد.

يقول آرييل غارتن، عالم الأعصاب والمؤسس المشارك لجهاز «ميوز»: «الأشخاص الذين لم يمارسوا التأمل من قبل لا يعرفون عادة ما يجب عليهم فعله... لذا حللنا هذه المشكلة بقراءة النشاط الدماغي الخاص بك وإخبارك متى تفعل ذلك بشكل صحيح».

لا شك في أنني شعرت بالاسترخاء بعد كل جلسة، وبالتأكيد تحسنتُ قدرتي على التأمل مع مرور الوقت؛ حيث سمعت 11 طائراً مغرداً فقط في أول جلسة لي، واستمتعت بـ46 طائراً في آخر جلسة، بعد 5 أسابيع. ولكن التساؤل يظل: هل يُقلل الجهاز، الذي يبلغ سعره نحو 300 دولار، حقاً من التوتر والقلق؟

عصابة "ميندي" لتركيز التفكير

عصابة «ميندي» بمحفزات بصرية

توجد أجهزة مشابهة أخرى. جربت أيضاً سماعة «ميندي»، التي تُكلف نحو 300 دولار، وتستخدم تقنية تسمى التحليل الطيفي للأشعة تحت الحمراء القريبة «fNIRS» للكشف عن التغيرات في تدفق الدم والأكسجين في الدماغ استجابة لنشاط الدماغ، وتستخدم تلك المعلومات لتحديد متى تكون هادئاً ومركزاً.

وبدلاً من إرجاع تلك البيانات إليك من خلال تغريد الطيور، فإنها تُترجم إلى حركة كرة على جهازك المحمول. وقد فضّل أطفالي سماعة «ميندي»، لأنهم وجدوا أنه من الأسهل التحكم في المحفز البصري عن المحفز السمعي، بينما كنت قد أحببت إغلاق عيني أثناء التأمل... ولذلك فضلت عصابة «ميوز».

وعلى غرار «ميوز»، تُشير عصابة «ميندي» إلى العديد من الدراسات التي تدعم مزاعمها. ومع ذلك، فإن مجال أجهزة «التحليل الطيفي للأشعة تحت الحمراء القريبة» القابلة للارتداء ما زال في بداياته، وهناك نقص في اختبارات الكفاءة الكبيرة ذات المعيار المرتفع.

وخلصت إحدى المراجعات الميدانية إلى أن الناس يمكنهم تنظيم إشارات دماغهم باستخدام «التحليل الطيفي للأشعة تحت الحمراء القريبة»، التي قد تمكنهم من تقليل أعراض القلق، ولكن تنص على أن أي استنتاجات بشأن فائدته الإكلينيكية «سابقة لأوانها».

تحفيز الأعصاب

بدلاً من «تدليك» الجهاز العصبي من خلال التأمل، تهدف الأجهزة الأخرى القابلة للارتداء إلى معالجته من خلال التعديل العصبي؛ حيث تستخدم التكنولوجيا لتغيير نشاط الأعصاب من خلال التحفيز المباشر أو غير المباشر. خذ على سبيل المثال نظام «نيوروسيم» (Nurosym)، وهو جهاز يُثبت على زنمة الأذن tragus (الزنمة هي القطعة البارزة من الأذن الخارجية أمام الصيوان وتبرز باتجاه الخلف فوق قناة الأذن) أي الغضروف اللحمي أمام أذنك، ويرسل رسائل كهربائية إلى العَصَب المبهم. لا يُعدّ الاستخدام المنتظم لهذا الجهاز، وفقاً لموقعه على الإنترنت، بتقليل التعب والاكتئاب والقلق فحسب، وإنما يساعد أيضاً في علاج مرض «كوفيد - 19» طويل الأمد، مع تحسين صحة القلب، وأكثر من ذلك.

أصبح العصب المبهم يحظى بكثير من الاهتمام أخيراً. إنه في الواقع زوج من الأعصاب التي تربط جذع الدماغ بالعديد من الأعضاء الحيوية، متحكمة في وظائفنا اللاإرادية مثل التنفس، والهضم، والاستجابة المناعية. كما أنه يلعب دوراً حاسماً في جهازنا العصبي اللاودي، الذي يحكم نشاط «الراحة والاسترخاء» الذي يساعدنا على التعافي بعد أن يكون جهازنا العصبي الودي، أو استجابات «القتال والفرار»، قد بدأت العمل خلال فترة من الإجهاد.

في ثمانينات القرن الماضي، استهدف الأطباء العصب المبهم عن طريق زرع محفزات كهربائية في أعناق الأشخاص المصابين بالصرع. كانت هذه الأجهزة تكبح نوبات الصرع لديهم، ولكنها أثرت أيضاً على رفاهيتهم. ومنذ ذلك الحين، بدا كأن تحفيز العصب المبهم يساعد في «كل حالة».

ويقول بنيامين ميتكالف من جامعة باث بالمملكة المتحدة، الذي باشر بعض التجارب الوحيدة التي سجلت إشارات كهربائية من داخل العصب المبهم مباشرة: «يعتبر العصب المبهم بمثابة الدواء الشافي لأنه متسع ومتصل بالعديد من الأعضاء والأجهزة. ويمكن أن يكون له تأثير على كل شيء من الالتهاب إلى التحكم في القلب».

وحسب إيليزابيتا بورشي، رئيسة الأبحاث في شركة «باراسيم» المصنَّعة للجهاز، فإن جهازها يستهدف فرعاً من العصب المبهم ينتقل نحو جذع الدماغ لتعديل النشاط اللاودي، ما يساعد على تهدئة استجابتك المناعية وتقليل التوتر.

في تجربة صغيرة أُجريت على 19 شخصاً يعانون من قصور القلب، ظهر أن أولئك الذين تلقوا 4 ساعات من التعديل العصبي باستخدام نظام «نيوروسيم» مرتين يومياً طوال فترة إقامتهم في المستشفى، انخفضت مستويات الالتهاب وعلامات أقل من الإجهاد التأكسدي لديهم، الذي يمكن أن يتلف الخلايا، مقارنة مع أولئك الذين تلقوا علاجاً وهمياً. وأظهرت دراسة تجريبية منفصلة أخرى أُجرِيَت على 24 شخصاً مصابين بـ«كوفيد» طويل الأمد انخفاضاً في القلق والاكتئاب والإرهاق، بعد استخدام نظام «نيوروسيم» لمدة 30 دقيقة مرتين يومياً، لمدة 10 أيام.

في الوقت الحالي، لا يزال الباحث ميتكالف غير مقتنع بالنتائج؛ إذ يقول إنه لا يوجد إجماع واضح حول ما إذا كان التحفيز غير الحراجي للعصب المبهم له أي فائدة مقصودة.

ويوضح ميتكالف أن العصب المبهم يتألف من 20 إلى 30 حزمة من الألياف التي تُسمَّى «الحُزَيْمات». يميل كل منها لأن يكون لديه وظيفة مختلفة؛ قد يتحكم أحدها في معدل ضربات القلب، بينما يتحكم الآخر في الجهاز المناعي. ويقول إن اختيار حُزَيْمة دون أخرى أمر صعب حتى عندما تقوم بزرع جهاز تحفيز، ناهيك من مباشرة ذلك بطريقة غير جراحية.

سوار لعلاج التوتر

بالحديث عن المدخلات الحسية غير العادية، جربتُ أيضاً جهاز «أبوللو» (Apollo)، وهو سوار معصمي يستخدم الاهتزازات لمعالجة التوتر، وتحسين التركيز، وزيادة النوم. والسوار، الذي يُكلف نحو 350 دولاراً، يتتبع بيانات، مثل تغاير معدل نبض القلب «HRV»، ويوفر أنماطاً مختلفة من الاهتزاز اعتماداً على ما إذا كنت تستخدمه للاسترخاء أو لتحسين تركيزك. وهذه الأنماط والترددات الدقيقة تبقى طي الكتمان، إذ تتقدم الشركة للحصول على براءات الاختراع، ولكنها أشبه بالنبضات اللطيفة بصفة عامة.

من تجربتي، كانت هذه الأجهزة عصية على التمييز بين بعضها إلى حد كبير، وأنا حذرة من الادعاءات التي يروِّجها التطبيق؛ بأن بعض الأنماط يمكن أن تساعدك على التركيز، والشعور بالحيوية، والشعور بالهدوء، وتعزيز العديد من الحالات الأخرى؛ إذ لم ينشأ لدي أي دليل مقنع حتى الآن على أن الاهتزاز يمكن أن يُعدل الحالة المزاجية على وجه التحديد.

يقول ديفيد رابين، أحد مؤسسي شركة «أبوللو نيورو»، إن أنماط وتردد الاهتزازات هما المفتاح الرئيسي لتأثيراتها. وهناك بعض الأبحاث المبكرة التي تشير إلى أن ترددات معينة من الاهتزازات قادرة على تعديل مستويات التوتر والقلق. مع ذلك، لم تُنشر سوى تجربة إكلينيكية واحدة فقط لجهاز «أبوللو» نفسه، على أشخاص مصابين بتصلب «الجلد المجموعي (systemic sclerosis)» وهي حالة من أمراض المناعة الذاتية المؤلمة. وأظهر المشاركون الذين استخدموا الجهاز لمدة 15 دقيقة على الأقل في اليوم لمدة 4 أسابيع انخفاضاً في التعب، فضلاً عن تحسين نوعية الحياة وتقليل أعراض الاكتئاب.

لا يأتي أي من هذه الأجهزة بسعر رخيص. ومع حداثة الصناعة، لا يزال أمام كل جهاز منها طريق طويل لإثبات جدارته. وكلما زادت الأدوات التي نملكها لمساعدتنا على عيش حياة أكثر هدوءاً وتركيزاً، كان ذلك أفضل.

* مجلة «نيوساينتست» - خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

الطبيب… مهندس القرار في عصر الذكاء الاصطناعي

علوم مهندس القرار في عصر الخوارزميات

الطبيب… مهندس القرار في عصر الذكاء الاصطناعي

ثقة المرضى بالأدوات الذكية ترتبط بدرجة كبيرة بثقتهم بالطبيب نفسه

د. عميد خالد عبد الحميد
صحتك 7000 مرض نادر تؤثر على 300 مليون شخص عالمياً

7000 مرض نادر تؤثر على 300 مليون شخص عالمياً

أمّ تحمل في إحدى يديها طفلاً، وفي الأخرى ملفاً طبياً أثقل من عمره الصغير، تتنقل بين أروقة المستشفيات والعيادات حائرة، تطلق تساؤلات بلا إجابة واضحة

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك علماء يعملون في مختبرات تابعة لجامعة تشيلي في سانتياغو (أ.ف.ب)

علماء يطورون أجساماً مضادة واعدة للوقاية من فيروس «إبستاين بار»

ربما يكون ‌الباحثون قد اقتربوا من تطوير لقاح يحمي من فيروس «إبستاين بار»، وهو فيروس شائع مرتبط بداء كثرة الوحيدات، والتصلب ​المتعدد، وبعض أنواع السرطان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك لم تعد حمية اليويو تُعتبر مجرد تجربة فاشلة بل يمكن النظر إليها بوصفها جزءاً من رحلة طويلة نحو تحسين الصحة (بيكسلز)

تعرّف على فوائد حمية اليويو

تشير أبحاث حديثة إلى أن هذه حمية اليويو أو تقلّب الوزن، قد تحمل بعض الفوائد الصحية المهمة، حتى في حال استعادة الوزن لاحقاً.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك بشكل عام يمكن للأشخاص الأصحاء أداء تمارين معتدلة أو خفيفة خلال الصيام مع ضرورة الإصغاء إلى إشارات الجسم (بيكسباي)

خطة لياقة آمنة وخفيفة خلال رمضان 2026

رغم اعتقاد البعض بضرورة تجنب الرياضة تماماً خلال شهر رمضان، يؤكد الخبراء أن ممارسة تمارين خفيفة ومنتظمة تساعد في الحفاظ على القوة والمرونة والصحة العامة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل
TT

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

يُخفي الشخص العادي 9 أنواع من الأسرار، تتراوح بين الكذب والرغبات العاطفية الخفيّة، وقد يُشكل هذا عبئاً ثقيلاً؛ لأن للأسرار عادةً مُقلقةً؛ تتمثل في تبادرها إلى الذهن دون سابق إنذار. وقد يُخفف الاعتراف بها من وطأة الأمر، لكن بعض الأسرار حساس للغاية؛ فلا يُمكن مشاركته، كما كتبت أليس كلاين في مجلة «نيو ساينتست» البريطانية.

العبء النفسي لإخفاء الأسرار

تقول فال بيانكي، من جامعة ملبورن في أستراليا: «قد تُفكر في الأسرار خلال الاستحمام، أو عند غسل الأطباق، أو حتى في طريقك إلى العمل».

وأمضت بيانكي سنوات في دراسة العبء النفسي لإخفاء الأسرار وسبل تخفيفه، وقد مُوِّل أحدث أبحاثها من قِبَل «مكتب الاستخبارات الوطنية الأسترالي». وتضيف أن على عملاء الاستخبارات الحفاظ على أسرار بالغة الحساسية لحماية الأمن القومي، لذا؛ فهم بحاجة إلى استراتيجيات لتحمل هذه المسؤولية.

دراسة 38 فئة من الأسرار

لفهم تأثير الأسرار على رفاهية الأفراد بشكل أفضل، استقطبت بيانكي وزملاؤها 240 شخصاً عبر الإنترنت، وطلبوا منهم ملء استبيان عن أسرارهم. أشار المشاركون إلى ما إذا كانوا يخفون أي أسرار من 38 فئة، بما في ذلك: الكذب، والخيانة الزوجية، والسرقة، والإدمان.

الكذب والعيوب الجسدية والسلوكيات الجنسية

في المتوسط، احتفظ المشاركون بـ9 أنواع من الأسرار، وكان أوسعها شيوعاً الكذب (78 في المائة من المشاركين)، والشعور بعدم الرضا عن جانب جسدي شخصي (71 في المائة). وشملت الأسرار الشائعة الأخرى الأمور المالية (70 في المائة)، والرغبات العاطفية (63 في المائة)، والسلوكيات الجنسية (57 في المائة).

أهم الأسرار... مقلق

بعد ذلك، طُلب من المشاركين تحديد أهم سر لديهم وكتابة يوميات لمدة أسبوعين بشأن شعورهم تجاهه. أفاد المشاركون عموماً بأن أهم أسرارهم سلبية، وعند التفكير فيها، تتشتت أفكارهم نحو مخاوف أو قلق يساورهم بشأنها، كما جاء في الدراسة المنشورة في دورية «PsyArXiv, doi.org/qs6j»

تسلل الأسرار إلى الذهن

خلصت أبحاث بيانكي السابقة إلى أن الأسرار المهمة تميل إلى التسلل إلى أفكار الناس مرة كل نحو ساعتين. وتقول: «غالباً ما تخطر هذه الأسرار على البال خلال فعل شيء لا يتطلب كامل انتباهك... لأن ذهنك يجد متسعاً للتفكير في السر والتأمل فيه».

البوح بالأسرار

وتضيف بيانكي أن البوح بالأسرار قد يوفر بعض الراحة في بعض الحالات، لا سيما عند إخبار أشخاص غير متأثرين بشكل مباشر بمحتواها، ويتسمون بالتعاطف، مثل رجال الدين أو المعالجين النفسيين.

من جهة أخرى، لا يمكن البوح ببعض الأسرار لأي شخص؛ بما في ذلك المعلومات السرية للغاية التي يحتفظ بها ضباط المخابرات. وفي هذه الحالات، قد يكون من المفيد لحامل السر التحدث مع شخص ما عن مشاعره تجاه السر، دون الكشف عن محتواه الفعلي، كما تقول بيانكي.

تدوين المذكرات اليومية... علاج نافع

يقول جيمس بينيباكر، من جامعة تكساس في أوستن بالولايات المتحدة، الذي أثبت أن تدوين المشاعر في مذكرات يومية غالباً ما يكون علاجياً، إن خياراً آخر قد يكون متاحاً للأشخاص الذين لا يعملون في مجال الاستخبارات، هو الكتابة سراً عن مشاعرهم وكيف تؤثر عليهم. ويضيف: «بدأ بحثي بملاحظة أن الأشخاص الذين مروا بأي نوع من الاضطرابات الكبيرة كانوا أكبر عرضة لمشكلات صحية إذا لم يتحدثوا عن هذه الأحداث مقارنةً بمن تحدثوا عنها».


الطبيب… مهندس القرار في عصر الذكاء الاصطناعي

مهندس القرار في عصر الخوارزميات
مهندس القرار في عصر الخوارزميات
TT

الطبيب… مهندس القرار في عصر الذكاء الاصطناعي

مهندس القرار في عصر الخوارزميات
مهندس القرار في عصر الخوارزميات

لم يكن دور الطبيب عبر التاريخ مجرد قراءة الأعراض ووصف العلاج، فالممارسة الطبية كانت دائماً عملية معقدة تجمع بين المعرفة العلمية والخبرة السريرية والحكم الأخلاقي.

التكامل بين الذكاء الاصطناعي وخبرة الطبيب

تحولات عميقة

لكن الطب يشهد اليوم تحولاً عميقاً مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى العيادات والمستشفيات. فقد أصبحت خوارزميات التعلم العميق قادرة على تحليل صور الأشعة بدقة عالية، والتنبؤ ببعض الأمراض قبل ظهور أعراضها، بل واقتراح خطط علاجية محتملة.

هذا التحول لا يطرح سؤالاً تقنياً فحسب، بل سؤالاً مهنياً أعمق: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على تحليل البيانات الطبية، فما هو الدور الجديد للطبيب؟

ماذا تقول الأبحاث الحديثة؟

في دراسة علمية حديثة نُشرت في 16 فبراير (شباط) 2026 بعنوان «العوامل المؤثرة في الثقة بالذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار الصحي» (Determinants of Trust in Artificial Intelligence for Health-Related Decision-Making)، حاول الباحثون فهم موقف المرضى من استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية. وقد نُشرت الدراسة في مجلة «جورنال أوف ميديكال إنترنت ريسيرش» (Journal of Medical Internet Research) المتخصصة في الصحة الرقمية، وأُجريت في مراكز الرعاية الصحية الأولية في المملكة العربية السعودية لتحليل مدى قبول المرضى لاستخدام الأنظمة الذكية في دعم التشخيص والقرار الطبي.

ثقة المرضى أولاً

أظهرت نتائج الدراسة أن المرضى لا يعارضون استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، بل إن كثيراً منهم يرون في هذه التقنيات فرصة لتحسين دقة التشخيص وتسريع الوصول إلى العلاج. لكن القبول بهذه الأنظمة يبقى مشروطاً بعامل أساسي: أن يظل الطبيب هو صاحب القرار النهائي في العملية العلاجية.

كما كشفت الدراسة أن ثقة المرضى بالذكاء الاصطناعي ترتبط بدرجة كبيرة بثقتهم بالطبيب نفسه. فكلما كانت العلاقة بين الطبيب والمريض قائمة على الثقة والوضوح، ازداد استعداد المرضى لقبول استخدام الأنظمة الذكية في دعم التشخيص أو اتخاذ القرار الطبي.

وبعبارة أخرى، لا ينظر المرضى إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه بديلاً للطبيب، بل كأداة علمية يمكن أن تعزز خبرته وتساعده على اتخاذ قرار أكثر دقة.

ثلاثة أدوار للذكاء الاصطناعي في القرار الطبي

3 حالات للذكاء الاصطناعي في العيادة

عند استخدام الذكاء الاصطناعي في الممارسة الطبية يمكن للطبيب أن يواجه ثلاث حالات مختلفة.

* الحالة الأولى: عندما يقدم النظام توصية تشخيصية أو علاجية واضحة بدرجة ثقة عالية اعتماداً على تحليل كميات كبيرة من البيانات الطبية.

* الحالة الثانية: عندما يقدم الذكاء الاصطناعي تقديرات احتمالية أو سيناريوهات تشخيصية متعددة تحتاج إلى تفسير سريري دقيق من الطبيب، لأن الخوارزمية هنا تعرض الاحتمالات لكنها لا تحسم القرار.

* الحالة الثالثة: ما يسميه بعض الباحثين «صمت الخوارزمية»، وهي الحالة التي يعجز فيها النظام عن إعطاء توصية واضحة بسبب نقص البيانات أو تعقيد الحالة الطبية. وفي مثل هذه الحالات يعود القرار بالكامل إلى خبرة الطبيب وحكمه السريري

لماذا يبقى الطبيب محور القرار؟

الذكاء الاصطناعي بارع في تحليل البيانات واكتشاف الأنماط الطبية المعقدة، لكنه لا يستطيع فهم جميع أبعاد الحالة الإنسانية للمريض. فالقرار الطبي لا يعتمد فقط على نتائج التحاليل أو الصور الشعاعية، بل يشمل أيضاً التاريخ الصحي للمريض، وحالته النفسية، وظروفه الاجتماعية، وحتى تفضيلاته الشخصية في العلاج.

وهذه عوامل لا تستطيع الخوارزميات تقييمها بصورة كاملة، لأنها تتجاوز حدود البيانات الرقمية إلى مساحة الخبرة الإنسانية والتقدير السريري. ولهذا يبقى دور الطبيب حاسماً في ترجمة نتائج الذكاء الاصطناعي إلى قرار طبي متوازن يجمع بين العلم والحكمة.

حكمة قديمة في زمن جديد

قبل أكثر من ألف عام كتب ابن سينا في كتابه «القانون في الطب» أن الطبيب الجيد هو الذي يجمع بين العلم والحكمة. واليوم، في عصر الذكاء الاصطناعي، تبدو هذه الحكمة أكثر أهمية من أي وقت مضى.

إن الخوارزميات قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات الطبية في ثوانٍ، لكنها لا تستطيع أن تفهم الإنسان بكل تعقيداته. ولهذا يبقى التحدي الحقيقي في الطب الحديث ليس في قوة التكنولوجيا وحدها، بل في قدرة الطبيب على توظيفها بحكمة لخدمة المريض.

ولهذا يمكن القول إن الطبيب في عصر الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد مُشخِّص للمرض، بل أصبح مهندس القرار الطبي الذي يوازن بين البيانات والخبرة والبعد الإنساني في العلاج.

الطبيب مهندس القرار

ولهذا قد يكون أدق وصف لدور الطبيب في الطب الحديث أن الطبيب لم يعد مجرد مشخِّص للمرض، بل أصبح مهندس القرار الطبي في عصر الخوارزميات. فبين البيانات التي تقدمها الأنظمة الذكية والخبرة السريرية التي يمتلكها الطبيب، يتشكل القرار الطبي الذي يجمع بين دقة العلم وفهم الإنسان.


التفوق لا يرتبط بالذكاء ولا بالموهبة... علم النفس يوضح

العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
TT

التفوق لا يرتبط بالذكاء ولا بالموهبة... علم النفس يوضح

العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)

يشيع الاعتقاد بأن النجاح في الحياة يرتبط أساساً بالذكاء الفائق أو الموهبة الفطرية، غير أن كثيراً من الدراسات الحديثة تشير إلى أن التفوق لا يقوم على هذه العوامل وحدها. فالأشخاص الذين يحققون إنجازات كبيرة في مجالات مختلفة لا يكونون دائماً الأكثر ذكاءً أو موهبة؛ بل غالباً ما يتميزون بقدرتهم على الاستمرار والعمل لفترات طويلة رغم الصعوبات.

وفي هذا السياق، تقدِّم عالمة النفس الأميركية أنجيلا دوكوورث (Angela Duckworth) تفسيراً مختلفاً لمعنى التفوق، في كتابها الشهير «العزيمة: قوة الشغف والمثابرة» (Grit: The Power of Passion and Perseverance)؛ حيث ترى أن العامل الحاسم في النجاح هو ما تسميه «العزيمة».

ما «العزيمة»؟

تعرِّف دوكوورث العزيمة بأنها مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد، والمثابرة في مواجهة العقبات. أي أن الشخص الذي يمتلك هذه الصفة لا يكتفي بوضع أهداف كبيرة؛ بل يواصل العمل لتحقيقها رغم الفشل أو الإحباط. فالعزيمة تعني الاستمرار وعدم الاستسلام عند التعثر، مع الحفاظ على التركيز على هدف واضح دون تشتت، وفق ما نقله موقع العالمة دوكوورث الإلكتروني.

وقد أظهرت بحوث دوكوورث التي شملت مجالات مثل التعليم والرياضة والمؤسسات العسكرية والأعمال، أن العزيمة تمثل القاسم المشترك بين المتفوقين. فالأشخاص الذين يحققون نتائج استثنائية ليسوا بالضرورة الأكثر موهبة؛ بل هم غالباً الأكثر قدرة على الصبر والعمل المتواصل.

الإنسان الذي يحدد هدفاً واضحاً ويستمر في السعي إليه ويتعلم من أخطائه ويواصل العمل رغم الإحباط يطوّر تدريجياً مستوى أعلى من العزيمة (بيكسلز)

تجربة شخصية تعكس الفكرة

توضح دوكوورث هذه الفكرة من خلال تجربة شخصية وردت في مقدمة كتابها. فقد نشأت وهي تسمع والدها يكرر لها باستمرار: «أنتِ لستِ عبقرية». كان والدها شديد الاهتمام بفكرة الذكاء والعبقرية، ويقارن أبناءه بالعلماء الكبار، مثل ألبرت أينشتاين، معتقداً أن غياب العبقرية قد يحد من فرصهم في النجاح.

ولكن المفارقة أن دوكوورث نفسها حصلت لاحقاً على «منحة ماك آرثر» الشهيرة التي تُعرف أحياناً باسم «منحة العبقرية». وقد أثار هذا الأمر لديها تأملاً عميقاً؛ فهي لم تحصل على الجائزة لأنها الأذكى بين زملائها؛ بل لأنها درست العامل الحقيقي وراء النجاح. وقد خلصت بحوثها إلى أن الشغف والمثابرة قد يكونان أكثر تأثيراً من الذكاء أو الموهبة الفطرية.

هل يمكن تنمية العزيمة؟

تؤكد دوكوورث أن العزيمة ليست صفة ثابتة يولد بها الإنسان ثم تبقى على حالها. صحيح أن العوامل الوراثية والبيئة قد تلعب دوراً في تشكيلها، ولكن البحوث تشير إلى أنه يمكن تنميتها بالممارسة والعمل الجاد والمرونة.

فالإنسان الذي يحدد هدفاً واضحاً ويستمر في السعي إليه، ويتعلم من أخطائه، ويواصل العمل رغم الإحباط، يطوّر تدريجياً مستوى أعلى من العزيمة. ومع مرور الوقت، تصبح هذه الصفة عاملاً أساسياً في تحقيق النجاح.

التفوق الحقيقي

في النهاية، تقدم فكرة العزيمة فهماً مختلفاً للتفوق. فالنجاح لا يعتمد فقط على الذكاء أو الحظ؛ بل على القدرة على العمل المستمر والسعي طويل الأمد نحو هدف واضح. وقد لا يكون الإنسان الأذكى في المكان، ولكنه قد يكون الأكثر عزيمة، وهذا غالباً ما يصنع الفارق الحقيقي في تحقيق الإنجازات.