تقنيات جديدة قابلة للارتداء لتعزيز الصحة العقلية

عُصابة رأس لتركيز الأفكار وأدوات لقراءة الموجات الدماغية

عصابة "ميوز أس" الصحية
عصابة "ميوز أس" الصحية
TT

تقنيات جديدة قابلة للارتداء لتعزيز الصحة العقلية

عصابة "ميوز أس" الصحية
عصابة "ميوز أس" الصحية

«لقد حققت 40 ثانية من التركيز المتواصل»... يبدو أن ذلك سبب للاحتفال. على مدى العشر دقائق الماضية. كنت أحدق في هاتفي، أحاول تحريك كرة رقمية أعلى التل باستخدام قوة عقلي فقط؛ إذ كانت عصابة الرأس «ميندي» (Mendi) التي أرتديها، تحلِّل نشاط دماغي وتعكس ذلك في اللعبة. فكلما ازداد تركيزي، ارتفعت الكرة.

ملبوسات إلكترونية للصحة العقلية

يُفترض أن هذا التمرين يعمل على تقوية قدراتي العقلية، تماماً كما يمكن للمرء أن يستخدم الأوزان لتدريب العضلات البدنية، ويؤدي في نهاية المطاف إلى تحسين تركيزي والحد من توتري.

تضع صناعة الأجهزة القابلة للارتداء نصب أعينها هدفاً جديداً يتمثل في صحتنا العقلية. لدينا الآن ساعات ذكية لقراءة الموجات الدماغية لا تحلل حالة جهازنا العصبي فحسب، وإنما تتدخل بنشاط أيضاً لتحسين وضعنا النفسي، وجعل عملية دعم الصحة العقلية أكثر يسراً، وجعل الأدوات أكثر قابلية للارتداء من أي وقت مضى.

ويقول مصطفى حمادة، رئيس قسم المنتجات والعلوم في شركة «ميندي»: «نحن نستفيد من قدرة الدماغ على إعادة تنظيم نفسه حتى يتمكن من زيادة التحكم العاطفي».

"غالاكسي رنغ" الصحي من "سامسونغ"

اختبار أجهزة تحسين المزاج

لقد بحثت في هذا المجال الموسَّع من الأجهزة التي تستهدف التركيز، والانتباه، والتوتر والقلق، لمعرفة كيف تعمل، وما الذي يمكن أن يحدث فرقاً حقيقياً لوضعي الصحي العام.

أول جهاز قابل للارتداء كنت متلهفة لاستخدامه كان عصابة «ميوز» للرأس (Muse headband)؛ إذ اختبرتُ نموذجاً مبكراً منها قبل أكثر من عقد من الزمن.

هناك جهازان للاختيار بينهما - «ميوز 2»، وهو عصابة رأس صلبة تهدف إلى الحد من التوتر وتحسين المزاج، و«ميوز إس» الذي يستخدم مستشعرات لينة يمكن ارتداؤها بسهولة في الليل أيضاً لتتبع النوم.

يُعد جهاز «ميوز» فريداً إلى حد ما بين الأجهزة القابلة للارتداء لكونه جهازاً لتخطيط كهربائية الدماغ «EEG» من الدرجة الإكلينيكية، ما يعني أنه، فضلاً عن كونه منتجاً مستهلكاً، فإنه يستخدم من قبل الباحثين للتحقيق في كل شيء من تشخيص السكتة الدماغية إلى علاجات اضطراب الوسواس القهري.

جربتُ جهاز «ميوز إس» Muse S. إنه جهاز بسيط. تستخدم العصابة الرأسية 7 مستشعرات لقياس النشاط الكهربائي للدماغ مع معدل ضربات القلب، وإيقاع التنفس والحركة. ثم تُحلل هذه البيانات وتُرسل إليك عبر سماعات الأذن. يلتقط الجهاز الذبذبات العصبية، أو موجات الدماغ، بترددات مختلفة، تتوافق مع العقليات المختلفة. وترتبط المزيد من موجات «ألفا» (في الدماغ) بحالة من الاسترخاء والهدوء. وتُوجَد موجات «بيتا» عندما يفكر الإنسان بنشاط في شيء ما، في حين تتوفر موجات «دلتا» عندما تكون نائماً نوماً عميقاً.

في الليل، تُحلِّل عصابة «ميوز» موجات دماغك، وتستخدم الصوت المتجاوب - التأمل الموجَّه أو قصص النوم أو الأنماط الصوتية - لدفعك للنوم مرة أخرى، عندما تُدرك أنك تستيقظ. وخلال ساعات الاستيقاظ، من المفترض أن تُقلل «ميوز» من الضغط العصبي، وتُحسن الحالة المزاجية، من خلال تقديم تغذية استرجاعية مباشرة لمساعدتك على التأمل.

أضع الجهاز على رأسي وأغلق عيني. أسمع على الفور هبوب ريح قوية من حولي. عندما يسجل «ميوز إس» موجات المخ التي تعكس حالة التأمل، تهدأ الرياح وتبدأ الطيور في التغريد.

يقول آرييل غارتن، عالم الأعصاب والمؤسس المشارك لجهاز «ميوز»: «الأشخاص الذين لم يمارسوا التأمل من قبل لا يعرفون عادة ما يجب عليهم فعله... لذا حللنا هذه المشكلة بقراءة النشاط الدماغي الخاص بك وإخبارك متى تفعل ذلك بشكل صحيح».

لا شك في أنني شعرت بالاسترخاء بعد كل جلسة، وبالتأكيد تحسنتُ قدرتي على التأمل مع مرور الوقت؛ حيث سمعت 11 طائراً مغرداً فقط في أول جلسة لي، واستمتعت بـ46 طائراً في آخر جلسة، بعد 5 أسابيع. ولكن التساؤل يظل: هل يُقلل الجهاز، الذي يبلغ سعره نحو 300 دولار، حقاً من التوتر والقلق؟

عصابة "ميندي" لتركيز التفكير

عصابة «ميندي» بمحفزات بصرية

توجد أجهزة مشابهة أخرى. جربت أيضاً سماعة «ميندي»، التي تُكلف نحو 300 دولار، وتستخدم تقنية تسمى التحليل الطيفي للأشعة تحت الحمراء القريبة «fNIRS» للكشف عن التغيرات في تدفق الدم والأكسجين في الدماغ استجابة لنشاط الدماغ، وتستخدم تلك المعلومات لتحديد متى تكون هادئاً ومركزاً.

وبدلاً من إرجاع تلك البيانات إليك من خلال تغريد الطيور، فإنها تُترجم إلى حركة كرة على جهازك المحمول. وقد فضّل أطفالي سماعة «ميندي»، لأنهم وجدوا أنه من الأسهل التحكم في المحفز البصري عن المحفز السمعي، بينما كنت قد أحببت إغلاق عيني أثناء التأمل... ولذلك فضلت عصابة «ميوز».

وعلى غرار «ميوز»، تُشير عصابة «ميندي» إلى العديد من الدراسات التي تدعم مزاعمها. ومع ذلك، فإن مجال أجهزة «التحليل الطيفي للأشعة تحت الحمراء القريبة» القابلة للارتداء ما زال في بداياته، وهناك نقص في اختبارات الكفاءة الكبيرة ذات المعيار المرتفع.

وخلصت إحدى المراجعات الميدانية إلى أن الناس يمكنهم تنظيم إشارات دماغهم باستخدام «التحليل الطيفي للأشعة تحت الحمراء القريبة»، التي قد تمكنهم من تقليل أعراض القلق، ولكن تنص على أن أي استنتاجات بشأن فائدته الإكلينيكية «سابقة لأوانها».

تحفيز الأعصاب

بدلاً من «تدليك» الجهاز العصبي من خلال التأمل، تهدف الأجهزة الأخرى القابلة للارتداء إلى معالجته من خلال التعديل العصبي؛ حيث تستخدم التكنولوجيا لتغيير نشاط الأعصاب من خلال التحفيز المباشر أو غير المباشر. خذ على سبيل المثال نظام «نيوروسيم» (Nurosym)، وهو جهاز يُثبت على زنمة الأذن tragus (الزنمة هي القطعة البارزة من الأذن الخارجية أمام الصيوان وتبرز باتجاه الخلف فوق قناة الأذن) أي الغضروف اللحمي أمام أذنك، ويرسل رسائل كهربائية إلى العَصَب المبهم. لا يُعدّ الاستخدام المنتظم لهذا الجهاز، وفقاً لموقعه على الإنترنت، بتقليل التعب والاكتئاب والقلق فحسب، وإنما يساعد أيضاً في علاج مرض «كوفيد - 19» طويل الأمد، مع تحسين صحة القلب، وأكثر من ذلك.

أصبح العصب المبهم يحظى بكثير من الاهتمام أخيراً. إنه في الواقع زوج من الأعصاب التي تربط جذع الدماغ بالعديد من الأعضاء الحيوية، متحكمة في وظائفنا اللاإرادية مثل التنفس، والهضم، والاستجابة المناعية. كما أنه يلعب دوراً حاسماً في جهازنا العصبي اللاودي، الذي يحكم نشاط «الراحة والاسترخاء» الذي يساعدنا على التعافي بعد أن يكون جهازنا العصبي الودي، أو استجابات «القتال والفرار»، قد بدأت العمل خلال فترة من الإجهاد.

في ثمانينات القرن الماضي، استهدف الأطباء العصب المبهم عن طريق زرع محفزات كهربائية في أعناق الأشخاص المصابين بالصرع. كانت هذه الأجهزة تكبح نوبات الصرع لديهم، ولكنها أثرت أيضاً على رفاهيتهم. ومنذ ذلك الحين، بدا كأن تحفيز العصب المبهم يساعد في «كل حالة».

ويقول بنيامين ميتكالف من جامعة باث بالمملكة المتحدة، الذي باشر بعض التجارب الوحيدة التي سجلت إشارات كهربائية من داخل العصب المبهم مباشرة: «يعتبر العصب المبهم بمثابة الدواء الشافي لأنه متسع ومتصل بالعديد من الأعضاء والأجهزة. ويمكن أن يكون له تأثير على كل شيء من الالتهاب إلى التحكم في القلب».

وحسب إيليزابيتا بورشي، رئيسة الأبحاث في شركة «باراسيم» المصنَّعة للجهاز، فإن جهازها يستهدف فرعاً من العصب المبهم ينتقل نحو جذع الدماغ لتعديل النشاط اللاودي، ما يساعد على تهدئة استجابتك المناعية وتقليل التوتر.

في تجربة صغيرة أُجريت على 19 شخصاً يعانون من قصور القلب، ظهر أن أولئك الذين تلقوا 4 ساعات من التعديل العصبي باستخدام نظام «نيوروسيم» مرتين يومياً طوال فترة إقامتهم في المستشفى، انخفضت مستويات الالتهاب وعلامات أقل من الإجهاد التأكسدي لديهم، الذي يمكن أن يتلف الخلايا، مقارنة مع أولئك الذين تلقوا علاجاً وهمياً. وأظهرت دراسة تجريبية منفصلة أخرى أُجرِيَت على 24 شخصاً مصابين بـ«كوفيد» طويل الأمد انخفاضاً في القلق والاكتئاب والإرهاق، بعد استخدام نظام «نيوروسيم» لمدة 30 دقيقة مرتين يومياً، لمدة 10 أيام.

في الوقت الحالي، لا يزال الباحث ميتكالف غير مقتنع بالنتائج؛ إذ يقول إنه لا يوجد إجماع واضح حول ما إذا كان التحفيز غير الحراجي للعصب المبهم له أي فائدة مقصودة.

ويوضح ميتكالف أن العصب المبهم يتألف من 20 إلى 30 حزمة من الألياف التي تُسمَّى «الحُزَيْمات». يميل كل منها لأن يكون لديه وظيفة مختلفة؛ قد يتحكم أحدها في معدل ضربات القلب، بينما يتحكم الآخر في الجهاز المناعي. ويقول إن اختيار حُزَيْمة دون أخرى أمر صعب حتى عندما تقوم بزرع جهاز تحفيز، ناهيك من مباشرة ذلك بطريقة غير جراحية.

سوار لعلاج التوتر

بالحديث عن المدخلات الحسية غير العادية، جربتُ أيضاً جهاز «أبوللو» (Apollo)، وهو سوار معصمي يستخدم الاهتزازات لمعالجة التوتر، وتحسين التركيز، وزيادة النوم. والسوار، الذي يُكلف نحو 350 دولاراً، يتتبع بيانات، مثل تغاير معدل نبض القلب «HRV»، ويوفر أنماطاً مختلفة من الاهتزاز اعتماداً على ما إذا كنت تستخدمه للاسترخاء أو لتحسين تركيزك. وهذه الأنماط والترددات الدقيقة تبقى طي الكتمان، إذ تتقدم الشركة للحصول على براءات الاختراع، ولكنها أشبه بالنبضات اللطيفة بصفة عامة.

من تجربتي، كانت هذه الأجهزة عصية على التمييز بين بعضها إلى حد كبير، وأنا حذرة من الادعاءات التي يروِّجها التطبيق؛ بأن بعض الأنماط يمكن أن تساعدك على التركيز، والشعور بالحيوية، والشعور بالهدوء، وتعزيز العديد من الحالات الأخرى؛ إذ لم ينشأ لدي أي دليل مقنع حتى الآن على أن الاهتزاز يمكن أن يُعدل الحالة المزاجية على وجه التحديد.

يقول ديفيد رابين، أحد مؤسسي شركة «أبوللو نيورو»، إن أنماط وتردد الاهتزازات هما المفتاح الرئيسي لتأثيراتها. وهناك بعض الأبحاث المبكرة التي تشير إلى أن ترددات معينة من الاهتزازات قادرة على تعديل مستويات التوتر والقلق. مع ذلك، لم تُنشر سوى تجربة إكلينيكية واحدة فقط لجهاز «أبوللو» نفسه، على أشخاص مصابين بتصلب «الجلد المجموعي (systemic sclerosis)» وهي حالة من أمراض المناعة الذاتية المؤلمة. وأظهر المشاركون الذين استخدموا الجهاز لمدة 15 دقيقة على الأقل في اليوم لمدة 4 أسابيع انخفاضاً في التعب، فضلاً عن تحسين نوعية الحياة وتقليل أعراض الاكتئاب.

لا يأتي أي من هذه الأجهزة بسعر رخيص. ومع حداثة الصناعة، لا يزال أمام كل جهاز منها طريق طويل لإثبات جدارته. وكلما زادت الأدوات التي نملكها لمساعدتنا على عيش حياة أكثر هدوءاً وتركيزاً، كان ذلك أفضل.

* مجلة «نيوساينتست» - خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

علماء يطورون أجساماً مضادة واعدة للوقاية من فيروس «إبستاين بار»

صحتك علماء يعملون في مختبرات تابعة لجامعة تشيلي في سانتياغو (أ.ف.ب)

علماء يطورون أجساماً مضادة واعدة للوقاية من فيروس «إبستاين بار»

ربما يكون ‌الباحثون قد اقتربوا من تطوير لقاح يحمي من فيروس «إبستاين بار»، وهو فيروس شائع مرتبط بداء كثرة الوحيدات، والتصلب ​المتعدد، وبعض أنواع السرطان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك لم تعد حمية اليويو تُعتبر مجرد تجربة فاشلة بل يمكن النظر إليها بوصفها جزءاً من رحلة طويلة نحو تحسين الصحة (بيكسلز)

تعرّف على فوائد حمية اليويو

تشير أبحاث حديثة إلى أن هذه حمية اليويو أو تقلّب الوزن، قد تحمل بعض الفوائد الصحية المهمة، حتى في حال استعادة الوزن لاحقاً.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك بشكل عام يمكن للأشخاص الأصحاء أداء تمارين معتدلة أو خفيفة خلال الصيام مع ضرورة الإصغاء إلى إشارات الجسم (بيكسباي)

خطة لياقة آمنة وخفيفة خلال رمضان 2026

رغم اعتقاد البعض بضرورة تجنب الرياضة تماماً خلال شهر رمضان، يؤكد الخبراء أن ممارسة تمارين خفيفة ومنتظمة تساعد في الحفاظ على القوة والمرونة والصحة العامة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
علوم حين يتكلم النظام ويصمت الطبيب

مخاطر المسؤولية والقرار الطبي في أنظمة الذكاء الاصطناعي الطبية

المشكلة الحقيقية لا تظهر عندما يخطئ النظام... بل عندما لا نعرف أنه بدأ يخطئ

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
صحتك تحتوي العبوة الواحدة عادة من مشروب الطاقة على 20 إلى 30 غراماً من السكر... ما يزيد خطر الإصابة بمرض الكبد الدهني غير الكحولي (بيكسلز)

ماذا يحدث لكبدك عند تناول مشروبات الطاقة بانتظام؟

تشير تقارير طبية ودراسات إلى أن الاستهلاك اليومي والمفرط لمشروبات الطاقة قد يعرّض الكبد لأضرار خطيرة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

في التعليم: تدرّب على قيادة الذكاء الاصطناعي... بدلا من «ركوبه» كمسافر

الأدوات الذكية تدخل المدارس
الأدوات الذكية تدخل المدارس
TT

في التعليم: تدرّب على قيادة الذكاء الاصطناعي... بدلا من «ركوبه» كمسافر

الأدوات الذكية تدخل المدارس
الأدوات الذكية تدخل المدارس

يقول المدرسون إنهم يرغبون في تمكين طلاب المرحلة الثانوية من قيادة الذكاء الاصطناعي، بدلاً من أن يكونوا مجرد مُتلقّين تُسيّرهم برامج الدردشة الآلية.

وفي الجلسة الأولى من دورة جديدة في الذكاء الاصطناعي أقيمت هذا الشهر لطلاب الصف الثاني عشر في «مدرسة واشنطن بارك الثانوية» في نيوآرك، لم يطرح أي شيء عن الذكاء الاصطناعي بل إنها خُصصت للذكاء البشري... بشكلٍ كامل.

كان واجب الطلاب: مُقارنة أوقات تصفّحهم السلبي لمنشورات وسائل التواصل الاجتماعي التي يُديرها الذكاء الاصطناعي، مع أوقات اختيارهم المُباشر للفيديوهات أو نتائج بحث «غوغل» التي يرغبون هم في مُشاهدتها.

«هل تُسيّر التكنولوجيا أم أنها هي التي تُسيّرك؟»

«هل تُسيّر أنت التكنولوجيا أم أنها هي التي تُسيّرك؟» هكذا طُرح السؤال من خلال شريحة عرض (سلايد) على السبورة البيضاء في مدرسة واشنطن بارك الثانوية.

وفي نقاشٍ صفّيٍّ تلا ذلك، قال طالبٌ يُدعى أدريان فاريل، 18 عاماً، إنه سيطر على الذكاء الاصطناعي من خلال طلبه من برنامج دردشة آلي مُراجعة واجباته المنزلية في الرياضيات للتأكّد من دقّتها. بينما قالت الطالبة بريانا بيريز، البالغة من العمر 18 عاماً، إنها دخلت في «وضع الراكب» عند استخدام ميزة «دي جي الذكاء الاصطناعي» في موقع «سبوتيفاي». وأضافت: «إنها تشغل موسيقاي المفضلة، فلا داعي لتغييرها».

«مدرسة واشنطن بارك الثانوية» في نيوآرك

«محو أمية الذكاء الاصطناعي» - مادة تعليمية

تسعى المدارس في جميع أنحاء الولايات المتحدة جاهدةً لإدخال مادة جديدة: معرفة (محو أمية) الذكاء الاصطناعي A.I. literacy. وفيما يسميها بعض التربويين «رخصة قيادة» للذكاء الاصطناعي، تهدف الدروس الجديدة إلى تعليم الطلاب كيفية فحص أحدث الأدوات التقنية واستخدامها بمسؤولية. ويقول المعلمون إنهم يريدون إعداد الشباب للتعامل مع عالم يتشكل بشكل متزايد بفعل الذكاء الاصطناعي، حيث تقوم برامج الدردشة الآلية بتأليف نصوص تبدو كأنها من صنع البشر، فيما يستخدم أصحاب العمل الخوارزميات للمساعدة في تقييم المرشحين للوظائف.

برامج ذكية في المناهج الدراسية

ويركز بعض المدارس على برامج الدردشة الآلية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي، حيث تعلم الطلاب كيفية استخدام مساعد غوغل «جيميناي» أو مساعد مايكروسوفت «كوبايلوت». بينما تقوم مدارس أخرى بإدخال الذكاء الاصطناعي في المناهج الدراسية. وبوصفه موضوعاً جديداً في المناهج الدراسية، تتناول الدروس التداعيات المجتمعية مثل انتشار الصور العارية المُولّدة بالذكاء الاصطناعي، وهي الظاهرة المعروفة باسم «التزييف العميق».

تحسين التعليم أم تدميره؟

تزداد دروس الذكاء الاصطناعي شيوعاً في المدارس مع احتدام الجدل حول ما إذا كانت برامج الدردشة الآلية ستُحسّن التعليم أم ستُدمّره. يقول المؤيدون إن على المدارس أن تُعلّم الشباب سريعاً استخدام الذكاء الاصطناعي وأنه ضروري لدعم تعلّمهم، وإعدادهم للوظائف، ومساعدة الولايات المتحدة على منافسة الصين. وفي العام الماضي، أصدر الرئيس ترمب أمراً تنفيذياً يحثّ المدارس على تدريس «أساسيات الذكاء الاصطناعي» بدءاً من رياض الأطفال.

في مقابل ذلك يُحذر باحثون في مجال التعليم من أن برامج الدردشة الآلية قد تُلفّق المعلومات، وتُسهّل الغش، وتُضعف التفكير النقدي. ووجدت دراسة حديثة أجرتها مطبعة جامعة كمبردج و«مايكروسوفت للأبحاث» أن الطلاب الذين دوّنوا ملاحظات على النصوص كانوا أكثر فهماً للقراءة من الطلاب الذين تلقوا مساعدة من برامج الدردشة الآلية.

مؤسسة «برومينغز» أصدرت تقريراً الشهر الماضي حول أخطار الذكاء الاصطناعي

مخاطر الذكاء الاصطناعي أكبر من فوائده

في الوقت الراهن، «تفوق مخاطر استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم فوائده»، هذا ما خلصت إليه مؤسسة بروكينغز Brookings Institution الشهر الماضي في تقرير حول استخدام الذكاء الاصطناعي في المدارس.

موقف وسط

في خضمّ هذا الجدل، تتخذ مدارس مثل مدرسة واشنطن بارك الثانوية موقفاً وسطاً، إذ تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كما لو كان سيارة، وتساعد الطلاب على وضع قواعد لاستخدامه.

وشبّه مايك تاوبمان، 45 عاماً، وهو مُدرّس استكشاف المسارات المهنية، الذي شارك في تطوير منهج محو الأمية الجديد في المدرسة، هذه الحصة الدراسية بتحضير المراهقين لاختبار رخصة القيادة.

وتساءل تاوبمان: «إلى أين تريدون الوصول؟ وهل يُمكن للذكاء الاصطناعي مساعدتكم على ذلك؟». وأضاف أن الطلاب بحاجة إلى تعلّم كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وتحليل وظائفها، ووضع إرشادات للاستخدام الشخصي، وتصميم سياسات سلامة مثالية.

وتابع: «ما القوانين والقواعد والمعايير التي يجب أن تُطبّق على الذكاء الاصطناعي في مدينتي وبلدي؟».

المدرسان مايك تاوبمان وسكوت كيرن

تجربة مدرسية

يخدم مبنى واشنطن بارك، وهو مبنى من أربعة طوابق بواجهة من الطوب الأحمر في وسط نيوآرك، نحو 900 طالب في المرحلة الثانوية. وهو جزء من شبكة مدارس أنكومون، وهي شبكة مدارس مستقلة في شمال شرقي الولايات المتحدة الأميركية تركز على إعداد الطلاب للجامعة والمسارات المهنية.

وقد ابتكر تاوبمان مع سكوت كيرن، مدرس التاريخ الأميركي، فكرة المقرر الدراسي الاختياري الجديد حول الذكاء الاصطناعي. وكان كلاهما قد أدخل أدوات ومواضيع الذكاء الاصطناعي في مقرراتهما الدراسية.

وشارك كيرن، البالغ من العمر 45 عاماً، أخيراً في برنامج «بلاي لاب Playlab»، وهي منظمة غير ربحية تساعد المعلمين على إنشاء تطبيقات ذكاء اصطناعي مخصصة لمقرراتهم الدراسية. ولمساعدة طلابه على صقل مهاراتهم في الكتابة الجدلية، طوَّر كيرن روبوتات محادثة لصفوف التاريخ الأميركي بناءً على مواد المقرر الدراسي وتقييمات الطلاب. كما وضع إرشادات واضحة للطلاب حول متى يجب استخدام روبوتات الذكاء الاصطناعي ومتى يجب تجنب استخدامها.

مناقشة تاريخية اصطناعية-بشرية

وفي تجربة صفّية درّس السيد كيرن جانباً دراسياً متقدماً في تاريخ الولايات المتحدة حول أحداث شغب شيكاغو العرقية، وهي احتجاجات عنيفة اندلعت إثر مقتل مراهق أسود عام 1919. في البداية، طلب من الطلاب قراءة قصاصات صحافية قديمة ووثائق تاريخية أخرى. ثم أدار نقاشاً صفّياً حول الاتجاهات الأوسع التي أسهمت في تأجيج التوترات.

بعد ذلك، طلب السيد كيرن من الطلاب تخصيص بضع دقائق لوصف السبب الرئيسي للشغب لبرنامج دردشة آلي كان قد أنشأه خصيصاً لهذا الفصل.

وبعد بضع دقائق أخرى، أخبر كيرن الطلاب أن وقتهم مع الروبوت قد انتهى، واستأنف نقاش الصف. وأكد أن التعلم الأساسي للطلاب يجب أن يبقى نشاطاً خالياً من الذكاء الاصطناعي. وقال كيرن: «في أي وقت نرغب فيه أن يتفاعل الطلاب بعضهم مع بعض أو أن يمارسوا التفكير النقدي الأولي، لا أريد أبداً أن يتدخل الذكاء الاصطناعي أو أي نوع من التكنولوجيا المشابهة في ذلك».

وفي قسم آخر من المدرسة، كان تاوبمان يُدرّس دورة استكشاف المسارات المهنية. وقد طوّر مجموعة متنوعة من برامج الدردشة الآلية لمحاكاة المسارات المهنية لطلابه.

«رخصة قيادة» الذكاء الاصطناعي

وأقرّ كيرن وتاوبمان بأن تعبير «رخصة القيادة: الذي استخدموه له حدود. إذ سيعاني الطلاب من صعوبات اتخاذ قرارات مدروسة بشأن مخاطر أنظمة الذكاء الاصطناعي القوية... حتى الحين الذي سيتم فيه تزويد ​​برامج الدردشة الآلية بآليات حماية مُدمجة تُشبه أحزمة الأمان والوسائد الهوائية.

وقال كيرن إنه يأمل أن يتمكن الطلاب يوماً ما من «التأثير في بناء هذه الأدوات بطريقة أفضل وأكثر عدلاً وأكثر مراعاةً للبيئة مما هو موجود الآن».

* خدمة «نيويورك تايمز».


استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»
TT

استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

أظهرت دراسة جديدة أجراها «مركز بيو للأبحاث» أن أكثر من نصف المراهقين في الولايات المتحدة يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في واجباتهم المدرسية.

تضاعف استخدام الذكاء الاصطناعي

وأفاد استطلاع «بيو» في تقرير نُشر أمس الثلاثاء أن 54 في المائة من الطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاماً قالوا إنهم استخدموا برنامج دردشة آلية مثل «تشات جي بي تي» أو«كوبايلوت» لمهام مثل البحث عن الواجبات المدرسية أو حل مسائل الرياضيات.

وكان 26 في المائة من المراهقين الأميركيين أفادو عام 2024 أنهم استخدموا «تشات جي بي تي» في واجباتهم المدرسية، وذلك وفقاً لدراسة سابقة أجراها «مركز بيو» سألت تحديداً عن استخدامهم لهذا البرنامج. وقد مثل هذا زيادة مضاعفة مقارنةً بعام 2023، حيث أفاد 13 في المائة فقط من الطلاب باستخدامهم برنامج «جي بي تي» للمساعدة في دراستهم، وفقاً لنفس المركز.

تنفيذ الواجبات المدرسية

وخلص التقرير الحديث واستناداً إلى استطلاع شمل 1458 مراهقاً وأولياء أمورهم في خريف العام الماضي، إلى وجود تباين في استخدام الذكاء الاصطناعي بين المراهقين بشكل كبير. فبينما قال 44 في المائة من المراهقين إنهم استخدموا الذكاء الاصطناعي في «بعض» أو «قليل» من واجباتهم المدرسية، قال 10 في المائة إنهم لجأوا إلى برامج الدردشة الآلية للحصول على المساعدة في جميع أو معظم واجباتهم المدرسية.

وقالت كولين ماكلين، الباحثة الرئيسية في مركز بيو والمشاركة في إعداد الدراسة: «نلاحظ بوضوح أن استخدام برامج الدردشة الآلية المدعومة بالذكاء الاصطناعي للمساعدة في الواجبات المدرسية أصبح ممارسة شائعة بين المراهقين».

جدل محتدم

وتأتي هذه النتائج وسط جدل وطني محتدم حول انتشار أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدية، القادرة على إنتاج نصوص تبدو وكأنها من صنع الإنسان، وإنشاء صور واقعية، وتطوير تطبيقات.

يقول المؤيدون إن على المدارس تعليم الطلاب استخدام وتقييم روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي لإعداد الشباب لمتطلبات سوق العمل المتغيرة. بينما يحذر المنتقدون من أن هذه الروبوتات قد تنشر معلومات مضللة، وتضلل الطلاب، وتقوض التفكير النقدي، وتؤدي إلى إيذاء النفس، وتسهل الغش.

تعويق التفكير النقدي للطلاب

تشير العديد من الدراسات الحديثة إلى أن روبوتات الدردشة قد تعيق التفكير النقدي وتؤثر سلباً على التعلم. ففي إحدى الدراسات التي أجرتها دار نشر جامعة كامبريدج والتقييم بالتعاون مع «مايكروسوفت للأبحاث» حول فهم النص المقروء، أظهر الطلاب الذين طُلب منهم تدوين الملاحظات دون استخدام روبوتات الدردشة فهماً أفضل للنص المقروء مقارنةً بالطلاب الذين طُلب منهم استخدامها لفهم النصوص.

التعلم والترفيه

طرح باحثو مركز بيو للأبحاث أسئلة متنوعة على المراهقين حول آرائهم واستخدامهم للذكاء الاصطناعي. وتُظهر النتائج أن العديد من الشباب يستخدمون روبوتات الدردشة كمنصات متعددة الأغراض للتعلم والترفيه والحصول على النصائح والتواصل الاجتماعي.

وقال 47 في المائة من المراهقين إنهم استخدموا روبوتات الدردشة للتسلية، بينما قال 42 في المائة إنهم استخدموها لتلخيص المحتوى. وقالت نسبة أقل، 12 في المائة، إنهم استخدموها للحصول على النصائح أو الدعم النفسي.

كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي

وسلّط ​​التقرير الضوء أيضاً على كيفية استخدام المراهقين لأدوات الذكاء الاصطناعي في دراستهم.

وقال ما يقرب من نصف المراهقين إنهم استخدموا برامج الدردشة الآلية لأغراض البحث، بينما استخدم أكثر من 40 في المائة منهم الذكاء الاصطناعي للمساعدة في حل مسائل الرياضيات. وأفاد أكثر من ثلثهم بأنهم استخدموا هذه البرامج لتحرير كتاباتهم.

الغشّ «بشكل متكرر»

ولم يتطرق الاستطلاع إلى سؤال الطلاب عما إذا كانوا قد استخدموا برامج الدردشة الآلية لكتابة المقالات أو إنشاء واجبات أخرى، وهي أنواع الغش التي حذَّر منها المعلمون في جميع أنحاء الولايات المتحدة. لكن ما يقرب من 60 في المائة من المراهقين أخبروا مركز بيو للأبحاث أن طلاباً في مدارسهم يستخدمون برامج الدردشة الآلية للغش «بشكل متكرر» أو «بشكل متكرر إلى حد ما».

وذكر التقرير أن النتائج تشير إلى أن المراهقين يعتقدون أن «الغش باستخدام الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية».

* خدمة «نيويورك تايمز».


مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها

مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها
TT

مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها

مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها

يجلس الرئيس التنفيذي في غرفة اجتماعات، محدقاً في عروض استراتيجية أُعدّت بين عشية وضحاها بواسطة الذكاء الاصطناعي: إنها تقدم التحليل الدقيق، والتوصيات الواثقة، والأرقام المتناسقة... ومع ذلك، ثمة شعورٌ بعدم الارتياح؛ إذ يبدو الأمر مثالياً أكثر من اللازم، كما كتب جيف بيرنغهام (*).

الذكاء الاصطناعي أضحى أقوى أدوات الإدارة

أصبحت هذه اللحظة شائعة بشكل متزايد بين القادة. فالذكاء الاصطناعي اليوم يُعدّ من أقوى أدوات الإدارة على الإطلاق. بإمكانه تحليل الأسواق في ثوانٍ، واكتشاف أنماطٍ يعجز أي فريق بشري عن رصدها، ووضع خططٍ عند الطلب.

وبالنسبة للكثير من المديرين التنفيذيين، بات الذكاء الاصطناعي ضرورياً لا غنى عنه. ولكن مع تزايد انتشاره بوتيرة غير مسبوقة، يبرز سؤالٌ خفيّ داخل المؤسسات: كيف نضمن تركيز الذكاء الاصطناعي على ازدهار الإنسان؟

«الذكاء يتوسع»... والحكمة لا تتوسع

يتفوق الذكاء الاصطناعي في الذكاء. فهو يكتشف الأنماط، ويتنبأ بالنتائج، ويُحسّن الكفاءة. أما ما يفتقر إليه الذكاء الاصطناعي، فهو الحكمة السياقية: القدرة على فهم أهمية القرار (في سياق الأمور)، وكيف سيؤثر عاطفياً وثقافياً، وما الذي يعززه بمرور الوقت.

لم تكن القيادة يوماً تعني امتلاك أكبر قدر من المعلومات، بل لطالما كانت تعني تحديد الأولويات عند تضارب المعلومات.

في بيئة غنية بالذكاء الاصطناعي، حيث يُتداول الذكاء بصفته منتجاً، يواجه القادة إغراءً خفياً لتفويض الحكم إلى جهات خارجية. فعندما تبدو لوحات المعلومات دقيقة والتوصيات موضوعية، قد يجري الخلط بسهولة بين التحسين وبين الحكمة.

لكن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع الإجابة عن الأسئلة التي تزداد مسؤولية القادة عنها:

- كيف يؤثر هذا على الأشخاص الأعزاء الذين أعتني بهم؟

- ما القيم التي تحرك هذا القرار؟

- هل يعكس هذا القرار نوع العالم الذي نسعى لبنائه معاً؟

هذه ليست أسئلة حسابية، بل هي أسئلة إنسانية.

الخطر الحقيقي: القيادة المتخلية

يركز جزء كبير من النقاش العام حول مخاطر الذكاء الاصطناعي على التحيز أو سوء الاستخدام. وهذه المخاوف حقيقية. لكن داخل المؤسسات، يبرز خطرٌ خفيّ: إسناد التفكير الذي يؤثر على البشر إلى «الآلة».

عندما يُفرط القادة في الاعتماد على توصيات الذكاء الاصطناعي، فإنهم يفقدون تدريجياً ثقتهم في حكمهم. ويتحول دور القيادة من فهم الأمور إلى مراقبة النظام. ثم تتوقف فِرق العمل عن النقاش، ويتوقف القادة عن تفسير الواقع ويبدأون في التحقق من صحة النتائج.

النتيجة ليست قيادة أفضل، بل قيادة أضعف... إذ ومع مرور الوقت، يظهر هذا في صورة انحراف ثقافي، ونقاط ضعف أخلاقية، وانفصال الموظفين، وفقدان الثقة، خاصةً في أوقات مثل تسريح العمال، أو إعادة الهيكلة، أو التحولات الاستراتيجية الكبرى. عندما يعجز القادة عن شرح أسباب اتخاذ قرار ما بوضوح، يشعر الموظفون بأنهم مُوجَّهون بدلاً من أن يكونوا مُقادين.

القادة الأقوياء

القادة الأقوياء لا يكتفون باتخاذ القرارات، بل يشرحون أهميتها. إنهم يربطون القرارات بمعناها وبالقيم المشتركة. إنهم يساعدون فرق العمل على فهم كيف تتناسب خيارات اليوم مع مسار التحول والتطور البشري الأوسع.

يمكن للذكاء الاصطناعي اقتراح حلول، لكن البشر وحدهم من يستطيعون صياغة المعنى.

لماذا أصبح الوضوح مهارة قيادية أساسية؟

في عالمٍ مُتشبّع بالذكاء الاصطناعي، يُضاعف الوضوح من قوة التأثير... وضوح بشأن الغاية...وضوح بشأن القيم... وضوح بشأن ما لا يجب تحسينه.

أي ببساطة: الوضوح هو تحديد ما ترفض السماح للذكاء الاصطناعي بتحسينه.

سيسعى الذكاء الاصطناعي بكل سرور إلى التحسين من أجل السرعة والكفاءة والتفاعل أو خفض التكاليف. ولن يسأل عما إذا كانت هذه التحسينات تُضعف الثقة أو الإبداع أو المرونة أو التماسك على المدى الطويل. يجب على القادة أن يفعلوا ذلك. لهذا السبب؛ أصبح الوضوح، وليس الكاريزما أو الخبرة التقنية، إحدى أهم القدرات القيادية في العقد المقبل.

رؤية واستبصار

يُتيح الوضوح للقادة:

- وضع حدود لكيفية ومكان استخدام الذكاء الاصطناعي.

- وضع إطار لرؤى الذكاء الاصطناعي ضمن السياق الإنساني.

- تحديد متى يجب أن تُضحّي الكفاءة المطلوبة بالأخلاق.

- حماية الإبداع حيث يُمكن للتحسين أن يُطغى عليه.

ومن دون الوضوح، يُخاطر القادة بأن يصبحوا مُتفاعلين مع الذكاء الاصطناعي بدلاً من أن يكونوا مسؤولين عن النتائج الإنسانية.

كيف يستخدم القادة الفعالون الذكاء الاصطناعي دون الاعتماد عليه؟

الهدف ليس مقاومة الذكاء الاصطناعي، بل توظيفه بالشكل الأمثل في ممارسات القيادة.

وهناك ثلاثة مبادئ تساعد القادة على تحقيق ذلك:

- التعامل مع الذكاء الاصطناعي بصفته مستشاراً، لا سلطة مطلقة.

- استخدام الذكاء الاصطناعي لاستكشاف الخيارات، واختبار الافتراضات، ودراسة السيناريوهات، مع التأكيد على أن القرار النهائي يبقى بيد الإنسان. عملياً، يعني هذا أن يتخذ القادة قراراتهم بكلماتهم الخاصة، لا بالاعتماد على خوارزمية.

- التأني في اللحظات الحاسمة.

عندما تؤثر القرارات على الأفراد، أو الثقافة، أو الهوية (التوظيف، التسريح، تغيير الاستراتيجية، القيم)، توقف. لا تسأل فقط «ماذا تشير إليه البيانات؟»، بل «ماذا يعكس هذا القرار عن هويتنا؟».

الاستثمار في الحكمة... لا مجرد الإلمام بالذكاء الاصطناعي

مهارات الذكاء الاصطناعي مهمة، لكن مهارات الحكمة أهم. فالمنظمات الناجحة يقودها أشخاص مدربون على التفكير الأخلاقي، والمنهجي، والتعبير عن القيم تحت الضغط، لا مجرد تشغيل الأدوات بكفاءة.

المعنى هو ميزة القيادة التي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي منافستها.

وفي لحظات عدم اليقين، لا يتطلع الناس إلى القادة للحصول على تنبؤات مثالية، بل يبحثون عن التوجيه.

إنهم يريدون معرفة: ما هو المهم الآن؟ على ماذا يجب أن أركز؟ كيف يرتبط عملي بشيء ذي معنى؟

لا يستطيع الذكاء الاصطناعي توفير هذا التوجيه، بينما تستطيع القيادة ذلك. مع تسارع وتيرة الذكاء الاصطناعي، يصبح المعنى أكثر ندرة وقيمة. القادة الذين يوفرون الوضوح وسط التعقيد، والغاية وسط التسارع لا يبنون ثقافات أفضل فحسب، بل يقودون ابتكاراً أقوى، ومرونة تنظيمية أكبر، وخلق قيمة طويلة الأجل.

كل تحول تكنولوجي يعيد تشكيل القيادة

كل تحول تكنولوجي يُعيد تشكيل القيادة، وهذا التحول الجديد ليس استثناءً.

لكن الحقيقة الأساسية تبقى ثابتة: القيادة لا تتعلق بمعرفة المزيد، بل برؤية أوضح وممارسة الحكمة تحت الضغط.

سيستمر الذكاء الاصطناعي في التطور، وستتوسع قدراته، وستتحسن أدواته. ما يجب أن يتعمق بالتوازي مع ذلك هو قدرة القيادة البشرية على الوضوح، والحكمة، وصنع المعنى؛ لأنّ القادة الأكثر تأثيراً في عالم الذكاء الاصطناعي لن يكونوا أولئك الذين يعتمدون على أذكى الآلات، بل سيكونون أولئك الذين يتذكرون بحكمةٍ معنى الإنسانية أثناء استخدامهم لها.

* مجلة «فاست كومباني»