عضلات جسمك تؤلمك... 9 أسباب قد تغيب عنك

حالة صحية واسعة الانتشار

عضلات جسمك تؤلمك... 9 أسباب قد تغيب عنك
TT

عضلات جسمك تؤلمك... 9 أسباب قد تغيب عنك

عضلات جسمك تؤلمك... 9 أسباب قد تغيب عنك

عند استخدام لغة الأرقام، فإن حالات آلام العضلات تمثل مشكلة صحية واسعة الانتشار.

الألم والمعاناة اليومية

وتحديداً، ودون حساب آلام العضلات الناجمة عن إصابات الحوادث الشائعة جداً بشكل يومي، تفيد منظمة الصحة العالمية WHO، أن ما بين 20 - 33 في المائة من سكان العالم يعانون من شكل من أشكال الألم العضلي الهيكلي المزمن، وهو ما يعادل أكثر من ملياري شخص على مستوى العالم. كما يُعد ذلك الألم العضلي المزمن المساهم الرئيسي الأعلى في الإعاقات في جميع أنحاء العالم.

وما يضع مزيداً من الأهمية للأمر، الألم المزمن في العضلات الهيكلية يؤدي إلى زيادة المعاناة في الأنشطة اليومية، وزيادة الاضطرار إلى تناول الأدوية المُسكّنة، وارتفاع معدل أخذ الإجازات المرضية، ويؤدي إلى انخفاض كبير في جودة الحياة.

ومع ذلك، فإن التنبه المبكّر إلى مشكلات آلام العضلات بالذات، والبحث الجاد عن أسبابها، ونجاح معالجتها أو وقف تدهورها، هو خطوة حاسمة تُبطئ أو توقف ذلك التدهور الصحي من الوصول إلى العجز أو شدة المعاناة اليومية.

ودون الحديث عن إصابات الحوادث، هل ثمة أسباب أخرى لآلام العضلات يمكن للمرء التعامل معها؟

أسباب متنوعة لآلام العضلات

والحقيقة أن هناك قائمة لتلك الأسباب، وإليك منها 9. مما قد لا يتنبه له بعض المُعانين من آلام العضلات. وبمعرفتها قد تنجح المعالجة في وقفها. وهي:

1. نقص تدفق الدم. إذا كنت تعاني من ألم في ذراعيك أو ساقيك أو كليهما، فقد لا تحصل عضلاتك على ما يكفي من الدم، وهي مشكلة تسمى العَرَج Claudication.

ويعد العَرَج في الواقع عرضاً لأحد الأمراض، وغالباً ما يكون مرض الشرايين المحيطية PAD، وهو ضيق مجرى الشرايين في الأطراف، بما يعيق تدفق الدم للعضلات. أي أن هذا يحدث عادة بسبب حالة تسمى تصلب الشرايين، وهي حالة انسداد في الأوعية التي تحمل الدم إلى عضلاتك.

وفي البداية، قد تلاحظ ذلك فقط نتيجة قلة تدفق الدم إلى العضلات أثناء التمرين وعند ممارسة الرياضة. وغالباً ما تشعر بهذا الألم في الساقين بعد المشي بوتيرة معينة ولمدة معينة من الوقت، حسب شدة الحالة المَرَضية. وتسمى الحالة حينذاك «العَرَج المتقطع» IC، لأن الألم عادة ليس متواصلاً. حيث يبدأ الألم أثناء التمرين وينتهي عند الراحة. ولكن مع مرور الوقت، قد تشعر به عند الجلوس أثناء الراحة أو المشي الخفيف.

2. كسل الغدة الدرقية. كسل (قصور) الغدة الدرقية Hypothyroidism، يحدث عندما لا تنتج الغدة الدرقية ما يكفي من هرمون معين أساسي للجسم، وهو هرمون الغدة الدرقية. ونقص توفر هذا الهرمون في الجسم يمكن أن يسبب آلام العضلات والمفاصل، فضلاً عن التورم والألم. ويمكن أن يجعلك تشعر بالتعب ويؤدي إلى مشكلات في الذاكرة، وتساقط الشعر، وجفاف الجلد، وارتفاع نسبة الكوليسترول، وتباطؤ معدل ضربات القلب، والإمساك، وخشونة الصوت، والعقم، وتدني الرغبة الجنسية، ومشكلات أخرى.

ويمكن لطبيبك إجراء فحص دم بسيط لمعرفة ما إذا كنت تعاني من القصور في توفر هذا الهرمون. وإذا كان الأمر كذلك، يمكن أن تساعد الأدوية في تعويض نقص هذا الهرمون المفقود.

ألم عضلي ليفي وتعب مزمن

3. الألم العضلي الليفي. يمكن أن تسبب هذه الحالة ألماً في المفاصل والعضلات، فضلاً عن مشكلات في النوم والمزاج والذاكرة. والألم الليفي العضلي Fibromyalgia هو اضطراب يسبب ألماً واسع المدى في البنية العضلية الهيكلية، ويصحبه الشعور بالإرهاق واضطرابات النوم والذاكرة والحالة المزاجية.

ويعتقد العلماء أن هذا يحدث عندما يستقبل دماغك إشارات الألم الخفيفة الطبيعية، ثم يجعلك تشعر أنها أسوأ، عن طريق الخطأ. أي أن ثمة زيادة في الإحساس بالألم عن طريق التأثير على طريقة معالجة الدماغ والحبل النخاعي للإشارات المؤلمة وغير المؤلمة. والنساء هن الفئة الأكثر عرضة للإصابة بالألم الليفي العضلي من الرجال. كما يعاني العديد من الأشخاص المصابين بالألم الليفي العضلي من الصُّداع التوتُّري، واضطرابات المفصل الصدغي الفكّي، ومتلازمة القولون المتهيج، والقلق، والاكتئاب.

وصحيح أنه لا يوجد علاج للألم الليفي العضلي، ولكن توجد مجموعة متنوعة من الأدوية التي قد تساعد في السيطرة على أعراضه. ومن الأمور المفيدة أيضاً ممارسة الرياضة وتمارين الاسترخاء وتدابير تقليل التوتر، مثل اليوغا.

4. متلازمة التعب المزمن Chronic Fatigue Syndrome. أحد أنواع الاضطرابات المرضية غير معروفة السبب. وهي أكثر شيوعاً في الإناث مقارنة بالذكور، وغالباً ما تصيب الشباب والبالغين في منتصف العمر. وفيها يُعاني المُصاب من الشعور بالتعب، الذي لا يوجد له تبرير أو تفسير آخر، لمدة ستة أشهر أو أكثر. ويرافقه عدد من الصعوبات في القدرات المعرفية، مثل مشكلات واضطرابات في قدرات الذاكرة ذات العلاقة بتذكر الأمور التي حصلت على المدى القصير، وليست القديمة، وأيضاً اضطرابات في التركيز الذهني.

وتشخيص الإصابة بمتلازمة التعب المزمن يكون عندما يعاني الشخص من تعب مزمن لمدة ستة أشهر أو أكثر، وتم استبعاد واستثناء جميع الحالات الأخرى المعروفة التي يمكن أن تسبب التعب للإنسان. أو أن يكون لدى الشخص، وفي الوقت نفسه، أربعة أو أكثر من الأعراض التالية:

- مشكلات كبيرة في ذاكرة المدى القصير أو في قدرات التركيز.

- التهاب الحلق.

- ألم في الغدد الليمفاوية.

- آلام في العضلات.

- آلام في عدد من المفاصل دون تورم أو احمرار فيها.

- الصداع الذي يختلف في النمط أو الشدة من الصداع السابق والمعتاد للمرء.

- الشعور بالتعب وعدم تجدد حيوية النشاط بعد الاستيقاظ من النوم.

- التعب الشديد الذي يستمر أكثر من 24 ساعة بعد ممارسة الجهد البدني أو الإجهاد.

الفيروسات وتأثيرات الأدوية

5. فيروسات الإنفلونزا ونزلات البرد. يرتبط ألم والتهاب العضلات بالعديد من الفيروسات، ولكن فيروسات الإنفلونزا ونزلات البرد هما السبب الأعلى في حدوثها. وتُظهر الدراسات الفيروسية أن الإنفلونزا بي B أكثر عرضة من الإنفلونزا إيه A للتسبب في التهاب العضلات. ويرجع ذلك على الأرجح إلى وجود بروتين NB في غشاء الإنفلونزا بي B، الذي يشارك في دخول الفيروس للخلايا وقد تكون له خصائص عضلية.

وغالباً ما تكون الأعراض متركزة في عضلات «بطة الساق» الخلفية Calf Muscles، ولكن مجموعات عضلية أخرى قد تعاني في ثلث الحالات. وعادة ما يكون التهاب والألم العضلي «محدودٌ ذاتياً» Self - Limiting، مع التعافي في غضون أسبوع واحد من ظهور الأعراض.

ومن جانب آخر، يقول الدكتور توماس دونالدسون، رئيس قسم جراحة العظام في جامعة لوما ليندا للصحة: «الألم الذي تشعر به في مفاصلك عندما تكون مصاباً بالإنفلونزا يرجع إلى استجابة الجسم المناعية، وليس الإنفلونزا الفعلية». ويضيف: «بمجرد ارتباط الأجسام المضادة Antibodies بالإنفلونزا، ينتج الجسم نوعاً من البروتين لقتل الفيروس. وهذا البروتين هو ما يسبب الأعراض». وبالإضافة إلى ذلك، تنتج خلايا الدم البيضاء السيتوكينات - وهي بروتينات صغيرة تستخدم لإشارات الخلايا - التي تسبب الالتهاب في العضلات والمفاصل. يقول دونالدسون: «يمكن أن يسبب الالتهاب ألماً يشبه التهاب المفاصل الخفيف».

6. الآثار الجانبية للأدوية. يمكن أن يتسبب تناول أحد العديد من أنواع الأدوية الموصوفة في ظهور آلام العضلات المؤقتة أو المزمنة. وذلك ربما عبر أحد آليتين، إما أن تسبب بعض الأدوية التهاباً حول خلايا العضلات، أو أن تتسبب أدوية أخرى في تنشط حساسية مستقبلات آلام داخل العضلات.

وتشمل بعض الأدوية الأكثر شيوعاً التي يمكن أن تسبب الانزعاج: المضادات الحيوية والأدوية التي تخفض مستويات الكوليسترول وأنواع من أدوية علاج ارتفاع ضغط الدم وحتى أجهزة استنشاق الربو.

ومشكلة «عدم تحمّل الستاتين» قد تبلغ نسبة 30 في المائة بين فئات من المرضى الذين يتناولون أحد أنواع هذه الفئة من أدوية خفض الكوليسترول. ولدى 60 في المائة من الذين أوقف الأطباء تناولهم لها، كانت أعراض العضلات هي السبب الرئيسي لذلك. كما يمكن أن تؤدي بعض مضادات الاكتئاب وأدوية علاج حب الشباب أيضاً إلى آلام العضلات. وقد يعاني ما معدله 14 في المائة من النساء اللاتي يتناولن أدوية الإستروجين أيضاً من آلام العضلات والمفاصل. وكما أن غالبية علاجات السرطان، بما في ذلك العلاج الكيميائي والعلاج الإشعاعي، قد تتسبب بآلام العضلات. ويبدأ 6 في المائة من الأشخاص الذين يتناولون أدوية مضادة للصرع أيضاً في الشعور بالألم. ومن المهم التحدث إلى طبيبك إذا بدأت تعاني من آلام العضلات بعد تناول أدوية معينة.

7. توتر العضلات. عندما تعاني من التوتر والقلق، تبدأ الأوعية الدموية في الانقباض، ما يمنع وصول الكثير من الدم إلى العضلات والأوتار المختلفة في الجسم. هذا يجعل العضلات تشعر بمزيد من التوتر والألم. ولذا يعد توتر العضلات Muscle Tension أحد الأسباب الأكثر شيوعاً لألم العضلات ويمكن أن يتطور في منطقة معينة من الجسم.

وتتمثل إحدى أفضل الطرق لتخفيف توتر العضلات في التحرك أكثر، والبقاء نشطاً بدنياً. وهذا يحسن الدورة الدموية لضمان أن تبدأ عضلاتك في الشعور بمزيد من الاسترخاء. وممارسة تمارين التمدد الخفيف واللطيف للعضلات، إجراء فعال أيضاً ويمكنه إزالة التوتر الموجود حيث تشعر به أكثر. وإذا كنت تعاني من ألم العضلات قبل النوم، يمكن أن يكون التأمل فعالاً أيضاً إذا مارسته لمدة 10 إلى 30 دقيقة قبل النوم. سيعمل هذا أيضاً بشكل جيد على تحسين جودة نومك ويساعدك على الشعور بمزيد من الاسترخاء عند الاستيقاظ في الصباح.

أكثر من ملياري شخص في العالم يعانون من شكل من أشكال الألم العضلي الهيكلي المزمن

اختلال توازن الإلكتروليتات واضطرابات المناعة

8. توازن الإلكتروليتات والماء. يشكل الماء نسبة 80 في المائة من كتلة عضلات الجسم. وجفاف الجسم حتى بدرجات بسيطة أو متوسطة، يتسبب بآلام العضلات. والجفاف بدرجات شديدة قد يتسبب بآلام تشنجات وتقلص العضلات.

كما أن الإلكتروليتات (الصوديوم والبوتاسيوم والكالسيوم والمغنيسيوم) هي «عماد» حصول انقباض وانبساط العضلات، عبر التشكيلات الكهربائية واختلاف الجهد الكهربائي بين داخل وخارج الخلايا العضلية.

ويمكن أن يؤدي اختلال توازن الإلكتروليتات في الجسم أيضاً إلى ظهور آلام في العضلات بسبب اضطرابات معدلات هذه المعادن في الجسم، حيث يمكن أن يؤدي نقص المغنيسيوم والبوتاسيوم والكالسيوم إلى اختلال توازن الإلكتروليتات، وبالتالي تأثر العضلات بشكل مباشر. ويتسبب التشنج في تقلص العضلات في مناطق مختلفة من الجسم، وهو أمر غير مريح غالباً ويؤثر على حركة العديد من الأشخاص. كما يمكن أن يجعل هذا من الصعب الحصول على قسط كافٍ من النوم. ويمكن أن تبدأ العضلات في الارتعاش في أوقات عشوائية وقد تسبب حتى تشنجات.

9. اضطرابات المناعة الذاتية. تحدث أمراض المناعة الذاتية Autoimmune Diseases عندما يهاجم الجهاز المناعي للجسم نفسه عن طريق الخطأ.

وتتمثل مهمة الجهاز المناعي السليم بالأساس في أنه يقاوم الجراثيم والعدوى. ولكن لأسباب متعددة، يطال هذا الجهاز المناعي للجسم خلل في آلية التوجه، ويهاجم خلايا الجسم نفسها.

والاعتلالات العضلية الالتهابية Inflammatory Myopathies، مثل التهاب العضلات Myositis قد تحدث نتيجة اضطرابات المناعة. وذلك إما في مناطق عضلية محددة، أو على هيئة والتهاب العضلات المتعدد Polymyositis. وفي مرض الذئبة Lupus يمكن أن يصيب الالتهاب عدداً من أجهزة الجسم، بما في ذلك العضلات والمفاصل والجلد والكلى وكريات الدم والدماغ والقلب والرئتين.

وفي التصلب المتعدد Multiple sclerosis تحصل إعاقة في الدماغ والحبل النخاعي (الجهاز العصبي المركزي). وعند مهاجمة الجهاز المناعي غمد الحماية (المايلين) الذي يغطي الألياف العصبية، ويسبب مشكلات في الاتصال بين الدماغ وبقية الجسم. وقد يفقد بعض المصابين بالتصلب المتعدد الشديد القدرة على المشي وحدهم أو المشي عموماً. أما البعض الآخر، فقد يمرون بفترات تعافٍ طويلة دون ظهور أي أعراض جديدة، وذلك بناءً على نوع التصلب المتعدد لديهم.

* استشارية في الباطنية.


مقالات ذات صلة

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

صحتك فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

ثمة عدة عناصر في دمك تُساعد في تشخيص أي مشكلات قلبية كامنة قد تكون لديك، أو التنبؤ بمدى احتمالات خطر إصابتك بأمراض القلب.

د. حسن محمد صندقجي (الرياض)
صحتك 7000 مرض نادر تؤثر على 300 مليون شخص عالمياً

7000 مرض نادر تؤثر على 300 مليون شخص عالمياً

أمّ تحمل في إحدى يديها طفلاً، وفي الأخرى ملفاً طبياً أثقل من عمره الصغير، تتنقل بين أروقة المستشفيات والعيادات حائرة، تطلق تساؤلات بلا إجابة واضحة

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك هل يمكن أن يعالج «البلميط المنشاري» تضخم البروستاتا؟

هل يمكن أن يعالج «البلميط المنشاري» تضخم البروستاتا؟

يُسوّق البلميط المنشاري بوصفه علاجاً طبيعياً لتضخم البروستاتا، وهو أحد المكملات الغذائية الأكثر مبيعاً.

«الشرق الأوسط» (كمبردج - ولاية ماساتشوستس الأميركية)
يوميات الشرق يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)

هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يمثل شهر رمضان المبارك فرصة للتأمل الروحي وتحسين العادات الغذائية، لكنه يشكل أيضاً تحدياً للجهاز الهضمي والجسم بشكل عام.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق خلايا تولد كأنَّ الذاكرة اختارت أن تتأخَّر في الرحيل (شاترستوك)

«المعمّرون الخارقون» يكشفون عن سرّ الدماغ الذي لا يشيخ

يُعرَّف «المعمّر الخارق» بأنه شخص يبلغ 80 عاماً أو أكثر، ويتمتّع بوظائف إدراكية تماثل شخصاً متوسّط المستوى في منتصف العمر تقريباً...

«الشرق الأوسط» (لندن)

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب
TT

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

فحوصات الدم... نهج استباقي للحفاظ على صحة القلب

ثمة عدة عناصر في دمك تُساعد في تشخيص أي مشكلات قلبية كامنة قد تكون لديك، أو التنبؤ بمدى احتمالات خطر إصابتك بأمراض القلب. ولذا تُعدّ هذه العناصر في دمك بمثابة مؤشر على صحة قلبك.

نهج استباقي

ويُعتبر إجراء فحوصات الدم لفهم خطر إصابتك بمرض الشريان التاجي نهجاً استباقياً للحفاظ على صحة قلبك. ولذا من المفيد جداً التعاون مع طبيبك لفهم نتائجك وتحديد الخطوات التالية الأنسب.

ونقدم إليك هنا مزيداً من التوضيحات حول تلك الفحوصات القلبية التي يتم التعرُّف عليها من خلال تحاليل الدم:

1. التروبونين: وهو الاختبار الأكثر شيوعاً لتشخيص الإصابة بنوبة الجلطة القلبية. التروبونين Troponin مادة تُفرزها أنسجة القلب عند تعرضها للتلف، وهو ما يحدث في أثناء النوبة القلبية وحالات أخرى تتعرض فيها أنسجة عضلة القلب للتلف بفعل الالتهابات العضلية. والتروبونين مركب بروتيني موجود في عضلة القلب والعضلات الهيكلية، وهو يُنظم انقباضها.

وعند تلف عضلة القلب، تُفرز أنواع محددة من التروبونين القلبي في مجرى الدم، ما يجعل فحص الدم أداة تشخيصية أساسية للنوبات القلبية والإصابات والإجهاد. وترتفع مستويات التروبونين عادة خلال 3-4 ساعات من الإصابة، تبلغ ذروتها خلال 12- 48 ساعة، وقد تبقى مرتفعة لمدة أسبوع إلى أسبوعين. ولذا فإن الغرض من إجراء تحليل التروبونين هو قياس مدى حصول تلف في أنسجة عضلة القلب، وخصوصاً في قسم الطوارئ لتشخيص سبب الشكوى من ألم الصدر، الذي من أسبابه القلبية كل من: احتشاء عضلة القلب (نوبة الجلطة القلبية Myocardial Infarction)، والذبحة الصدرية غير المستقرة Unstable Angina، والتهاب عضلة القلب Myocarditis.

ولذا، فإن الأعراض التي تستدعي إجراء الفحص تشمل ألماً في الصدر، وضيقاً في التنفس، ودواراً، وغثياناً، وألماً ينتشر إلى الذراعين أو الظهر أو الرقبة. ويقوم الطبيب بتفسير النتيجة وفق حالة المريض. وفي حين أن المستويات المرتفعة جداً غالباً ما تشير إلى نوبة قلبية، فإن الارتفاعات المتوسطة قد تنتج عن انسداد الجلطة في الشرايين الرئوية Pulmonary Embolism، أو أمراض الكلى المزمنة، أو تسمم الدم بالالتهابات الميكروبية (الإنتان)، أو إنها نتيجة ممارسة التمارين الرياضية الشاقة. ولذا يتطلب ارتفاع التروبونين إجراء مزيد من التقييم لشرايين القلب، لتحديد ما إذا كان الضرر ناتجاً عن متلازمة الشريان التاجي الحادة Acute Coronary Syndrome أو عوامل أخرى.

2. تحليل الدم دي-دايمر D-DIMAR: ودي-دايمر هي بالأساس بروتينات معينة في الدم يتم فحص مستواها لاستبعاد حصول بعض اضطرابات التخثر الدموي، أي استبعاد وجود جلطة دموية خطيرة. وهي بالأساس شظايا من المركَّبات الكيميائية التي ترتفع نسبتها في الدم عند تحلل خثرة الجلطة الدموية. ولذا قد ترتفع مستويات دي-دايمر في الدم إذا كنت تعاني من جلطة كبيرة داخل أحد الأوعية الدموية الكبيرة في «داخل» الجسم، مثل تخثر جلطة الأوردة العميقة، وهي جلطة في الأوردة العميقة التي في الساقين أو الفخذين، ويمكن أن تؤدي إلى مشكلات خطيرة في الرئة إذا انتقلت مع الدم إلى الأوعية الدموية في الرئة (جلطة الانسداد الرئوي).

وحينما يستقبل الطبيب حالة تتضمن تورماً وألماً واحمراراً في إحدى الساقين أو الفخذين (يشتبه بجلطة أوردة عميقة)، أو حالة من الشكوى من صعوبة في التنفس مع سرعة نبضات القلب وألم في الصدر وسعال وانخفاض في نسبة الأكسجين في الدم (يشتبه بجلطة الانسداد الرئوي)، فإن الطبيب ضمن الفحوصات التي يطلبها آنذاك، قد يطلب تحليل الدم لمعرفة مستوى دي-دايمر. وإذا كانت النتيجة منخفضة أو طبيعية، فهذا يعني أن دمك يحتوي على مستويات منخفضة من بروتين دي-دايمر. ولذا فمن «غير المُرجح» أن تكون مصاباً باضطراب تخثر في مكان ما من جسمك. وإذا كانت النتيجة مرتفعة أو إيجابية، فهذا يعني وجود مستويات عالية من بروتين دي-دايمر في دمك. وسيحتاج الطبيب حينئذ إلى إجراء مزيد من الفحوصات والتصوير لمعرفة ما إذا كانت ثمة جلطة دموية، ومكانها، وسببها.

ومع ذلك سيُراعي الطبيب احتمالات وجود حالات وعوامل قد تؤثر على نتائج اختبار دي-دايمر؛ حيث من الممكن أن يكون مستوى دي-دايمر مرتفعاً دون وجود جلطة دموية. أو قد تكون النتيجة المرتفعة أيضاً نتيجة التقدم في السن، أو الحمل، أو وجود عدوى ميكروبية في الجسم، أو أمراض مزمنة في الكبد، أو ارتفاع مستوى الكوليسترول والدهون في الدم، أو تناول أدوية ترفع من نسبته في الدم، مثل الأدوية المضادة للصفيحات مثل الأسبرين، وكلوبيدوغريل (بلافيكس)، وبراسوغريل (إفيينت)، وتيكاجريلور (بريلينتا).

مؤشرات خطر

3. الكوليسترول والدهون الثلاثية: توصي النصائح الطبية ببدء إجراء تحليل الدم لفحص الكوليسترول بين سن 20 و35 عاماً، وذلك اعتماداً على عوامل الخطر الخاصة بك للإصابة بأمراض القلب. ولذا يجب إجراء اختبار الكوليسترول المتكرر أو إجراء مراقبة إضافية أخرى:

- إجراء الاختبار مرة كل 5 سنوات للرجال الذين لديهم مستويات كوليسترول طبيعية.

- إجراء الاختبار بشكل متكرر إذا حدثت تغييرات في نمط الحياة (بما في ذلك زيادة الوزن والنظام الغذائي).

- إجراء الاختبار بشكل متكرر إذا كنت تعاني من مرض السكري، أو ارتفاع ضغط الدم، أو أمراض القلب، أو السكتة الدماغية، أو مشكلات تدفق الدم في الساقين أو القدمين أو بعض الحالات الأخرى.

- إجراء الاختبار بشكل متكرر إذا كنت تتناول أدوية للتحكم في ارتفاع الكوليسترول.

ويقدم تحليل الدم المعتاد للكوليسترول والدهون، نتائج 4 عناصر، هي:

- الكوليسترول الثقيل HDL: وهو الكوليسترول الحميد؛ لأنه كلما ارتفع في الدم انخفضت احتمالات الإصابة بأمراض الشرايين القلبية.

- الكوليسترول الخفيف LDL: وهو الكوليسترول الضار؛ لأنه كلما ارتفع في الدم، ارتفعت احتمالات الإصابة بأمراض الشرايين القلبية.

- الدهون الثلاثية TG: وعند ارتفاعها مع ارتفاع الكوليسترول الخفيف أو انخفاض الكوليسترول الثقيل، ترتفع احتمالات تراكم الكوليسترول والدهون في جدران الشرايين.

- الكوليسترول الكلي TC: وهو محصلة قياس تلك العناصر الثلاثة في نتائج تحليل الكوليسترول.

وفي تقييم عموم الناس، يُجرى تحليل الدم للكوليسترول دون الحاجة للصوم Non-Fasting. ولكن في متابعة مرضى الشرايين القلبية، والمرضى الذين يعانون من متلازمة التمثيل الغذائي Metabolic Syndrome (عند وجود 3 من المؤشرات التالية: زيادة محيط البطن- ارتفاع الدهون الثلاثية- انخفاض الكوليسترول الثقيل- ارتفاع ضغط الدم- ارتفاع السكر A=في الدم) أو مرض السكري، أو مرضى اضطرابات الكوليسترول، يجب أخذ عينة الدم للتحليل بعد الصوم (لمدة تتراوح ما بين 9 و12 ساعة).

4. الببتيد الدماغي المدر للصوديوم BNP: وهذا نوع من البروتينات التي ينتجها القلب والأوعية الدموية، ويُعرف أيضاً بـ«النوع (بي) من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم». والأساس في عمله أنه يساعد الجسم على التخلص من السوائل المتراكمة فيه، وكذلك على إرخاء الأوعية الدموية، وتسهيل نقل الصوديوم إلى البول (كي يسحب معه مزيداً من الماء الخارج في سائل البول).

وفي حال تضرر القلب -وخصوصاً ضعف قوة القلب- يفرز الجسم نِسَباً عالية من النوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم في مجرى الدم، وذلك في محاولة لتخفيف الضغط على القلب. ويتمثل أحد أهم استخدامات فحص النوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم في محاولة تحديد ما إذا كان ضيق النَّفَس ناجماً عن فشل القلب أم لا.

تختلف مستويات النوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم حسب السن ونوع الجنس والوزن. وبالنسبة للأشخاص المصابين بفشل القلب، يمكن أن يكون إرساء قيمة قاعدية للنوع «بي» من الببتيدات الدماغية المدرة للصوديوم نافعاً جداً. وبالتالي، يمكن للاختبارات المستقبلية أن تساعد على تقدير مدى نجاح العلاج، أو مدى الانتكاس في التحكم في تداعيات حالة ضعف القلب. وأهم تلك التداعيات هو تراكم كثير من السوائل في الجسم، وخصوصاً الرئتين والساقين.

أدوات تشخيصية أساسية للنوبات القلبية أو وجود جلطة دموية خطيرة

رصد الالتهابات

5. البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية us-CRP: وهو بروتين يفرزه الكبد ضمن استجابة الجسم للإصابة أو العدوى. وتؤدي هذه الاستجابة إلى حدوث تورُّم داخل الجسم يُطلق عليه الالتهاب. ويؤدي الالتهاب دوراً رئيسياً في تراكم اللويحات (المحتوية على الكوليسترول والدهون) في الشرايين القلبية، مسبباً ما يُطلق عليه مرض تصلب الشرايين الذي من مظاهره تضيقات الشرايين القلبية وتداعياتها. ويساعد اختبار تحديد معدل البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية في تحديد مدى خطر الإصابة بأمراض القلب، قبل ظهور الأعراض بشكل واضح لدى المريض.

ويرتبط ارتفاع مستويات البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية بزيادة خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتة الدماغية والأمراض القلبية.

ولكن قد تُسبب أشياء عدة (مثل الإصابة بنزلة زكام، أو الركض لمسافة طويلة) ارتفاع مستويات البروتين المتفاعل «سي» لفترة وجيزة. ولذا، ينبغي إجراء الاختبار مرتين، على أن يفصل بينهما أسبوعان. ويُشير ارتفاع مستوى البروتين المتفاعل «سي» عالي الحساسية عن 2.0 ملِّيغرام لكل لتر (ملغم/ لتر) إلى زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب.

6. تحاليل أخرى: في حالات معينة، قد يطلب الطبيب إجراء تحليل الدم لوظائف الغدة الدرقية TSH، عند الشكوى من الخفقان أو تراكم السوائل حول القلب.

كما قد يطلب تحليل تراكم السكر في الهيموغلوبين HbA1c، لمعرفة مدى انضباط مستويات سكر الدم لدى مرضى السكري.

وقد يطلب الطبيب قياس مستويات السيراميد Homocysteine في الدم الذي قد يرتبط ارتفاعه بتصلب الشرايين. وأيضاً يتابع طبيب القلب نتائج تحليل وظائف الكلى؛ خصوصاً عند وصفه للمريض أدوية إدرار البول.

وفي حالات المرضى الذين يتلقون دواء منع تجلط الدم، مثل الوارفارين، يتابع الطبيب نتائج تحليل نسبة التخثر الدولية INR لتحديد الجرعة المناسبة من هذا الدواء.وأيضاً إجراء تحليل الدم CBC لمعرفة نسبة الهيموغلوبين ومدى وجود فقر الدم.

وينظم فيتامين «دي» مستويات الكالسيوم والفوسفات في الجسم. ولكن ترتبط المستويات المنخفضة من فيتامين «دي» بمخاطر متنوعة على صحة القلب. كما قد تشير المستويات المنخفضة إلى صعوبة تحمل أدوية الستاتين (أدوية خفض الكوليسترول) وإلى احتمال ارتفاع ضغط الدم.


لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟

لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟
TT

لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟

لماذا يجد بعض الأطفال صعوبة في تعلم الرياضيات؟

كشفت دراسة جديدة لباحثين من كلية الطب بجامعة ستانفورد بالولايات المتحدة، ونُشرت في 9 فبراير (شباط) الحالي في مجلة علم الأعصاب «Journal of Neuroscience»، عن احتمالية أن يكون السبب في صعوبة تعلم الرياضيات math راجعاً إلى أسباب عصبية في الأساس تؤدي إلى اختلاف الطريقة التي يعمل بها المخ في كل طفل.

«عُسر الحساب»: مشكلة شائعة

من المعروف أن صعوبة تعلم الرياضيات تُعد من المشكلات الشائعة في التعليم، وعلى وجه التقريب في معظم المجتمعات، تعاني نسبة من السكان تتراوح بين 3 إلى 7 في المائة من صعوبة تعلم مادة الرياضيات، أو ما يُسمى عسر الحساب dyscalculia، الذي يشمل صعوبات في فهم ومقارنة الكميات، وتعلم العدّ، وفهم رموز الأرقام، وتعلم المهارات الرياضية المختلفة مهما كانت بسيطة.

أوضح الباحثون أن القدرة على حل المسائل الرياضية، والتعامل مع الأرقام يحتاجان إلى مهارات عصبية متعددة، مثل المعالجة البصرية (من خلال إرسال الإشارات إلى المخ لترجمة الأرقام إلى كميات معينة، وأيضاً ترجمة الرموز المختلفة، مثل الجمع، والطرح، والضرب)، والذاكرة قصيرة المدى (للاحتفاظ بتفاصيل المسألة الرياضية أثناء حلها).

قام الباحثون بإجراء الدراسة على 87 طفلاً من أطفال الصفين الثاني والثالث في المدارس الأميركية يتراوح متوسط أعمارهم بين 7 و9 أعوام. ومنهم 34 طفلاً يعانون من صعوبات في تعلم الرياضيات، إذ حصلوا على متوسط درجات أقل من أقرانهم بشكل ملحوظ في اختبار لقياس قدرة الطالب العادي على حل المسائل الرياضية. أما بقية الأطفال الآخرين فقد حصلوا على درجات أعلى، مما يشير إلى قدرة طبيعية على تعلم الرياضيات.

اختار الباحثون مهمة معينة لاختبار القدرة على التعامل مع الأرقام، حيث طُلب من الأطفال إكمال سلسلة من المقارنات البسيطة لحل مسائل حسابية، وفي كل محاولة تتم المقارنة بين كميتين، وكان عليهم تحديد أي الكميتين أكبر، وذلك لتقييم الاختلافات في نشاط المخ أثناء تعاملهم مع الأرقام، وتم عمل أشعة رنين مغناطيسي لكل الأطفال المشاركين، لرصد نشاط المخ أثناء قيام الأطفال بحل المسائل.

في كل محاولة كانت الكميات تُعرض بشكل مختلف، وعلى سبيل المثال تُعرض على صورة أرقام مكتوبة، وفي أحيان أخرى كانت تُعرض على شكل مجموعات من النقاط، ما يتطلب من الطفل تقدير المجموعة التي تحتوي على عدد أكبر من العناصر بسرعة. وكان هدف العلماء من التبديل بين مجموعة الأرقام ومجموعات النقاط تقييم قدرة الطفل على التعامل مع الحسابات، وتوقع الإجابة بمجرد الرؤية.

قام الباحثون بتصميم المسائل بحيث تتضمن مسائل سهلة (التي يوجد بها فارق كبير بين الأرقام، وبالتالي تكون الإجابة واضحة، مثل 7 مقابل 2)، وأخرى صعبة (التي يوجد بها فارق بسيط يفصل بين الأرقام مثل 6 مقابل 7)، وبالتالي تكون الإجابة أكثر صعوبة.

دراسة أداء الأطفال

بدلاً من التركيز فقط على صحة الإجابات، أو خطئها، ركز الفريق البحثي على معرفة الكيفية التي تغير بها أداء كل طفل، في المحاولات المختلفة، عن طريق مراقبة هل يقوم الطفل بتعديل أسلوبه بعد ارتكاب الأخطاء من عدمه؟ ومدى حرصه على تحديد الرقم الأكبر، سواء في المسائل السهلة، أو الصعبة، ومدى سرعة اكتشافه لأخطائه، وإبطاء وتيرة الحل في المسألة التالية بعد ارتكاب الخطأ، وهي كلها أمور أساسية في تعلم الرياضيات، أو التعامل مع الأرقام بشكل عام.

وفي المسائل المتعلقة بالرموز العددية، كان الأطفال من ذوي القدرات الرياضية الطبيعية أكثر تباطؤاً عند إجراء المقارنات الصعبة بين الأرقام المتقاربة، مقارنة بالمقارنات السهلة. وفي المقابل لم يقم الأطفال الذين يعانون من صعوبات في تعلم الرياضيات بتغيير طريقة تفكيرهم بنفس القدر أثناء حل المسائل، بمعنى أنهم لم يحاولوا التباطؤ، أو تغيير سلوكهم في المسائل الصعبة، وبالتالي ساهم ذلك في ارتكابهم للأخطاء.

أظهرت النتائج نمطاً ثابتاً للمجموعتين، حيث كان الأطفال الذين يواجهون صعوبة في الرياضيات أقل ميلاً لتغيير طريقة حلهم بعد الخطأ في حل المسألة، حتى عندما ارتكبوا أنواعاً مختلفة من الأخطاء، ولم يقوموا بتغيير طريقة تفكيرهم استجابة لهذه الأخطاء. وكانت هذه الصعوبة في تعديل السلوك بمرور الوقت فرقاً جوهرياً بين الأطفال ذوي القدرات الرياضية الطبيعية، والذين يواجهون صعوبات في تعلم الرياضيات.

وأوضحت فحوصات أشعة الرنين المغناطيسي أن الأطفال الذين واجهوا صعوبة أكبر في تعلم مادة الرياضيات أظهروا نشاطاً أضعف في المناطق المسؤولة عن مراقبة الأداء، وتعديل السلوك في القشرة المخية، وفي الأغلب ترتبط هذه المناطق العصبية بالتحكم المعرفي، ما يعني القدرة على تقييم الأخطاء، وتغيير طرق التفكير، والمساعدة في اتخاذ القرارات، والتحكم في الاندفاع، والتكيف مع المعلومات الجديدة.

تشير النتائج إلى أن صعوبات الرياضيات قد لا تنبع فقط من مشكلات في مجرد التعامل مع الأرقام، بل قد يواجه بعض الأطفال صعوبة في مراجعة عمليات تفكيرهم أثناء حلّهم للمسائل، لأن القدرة على إدراك الخطأ وتجربة أسلوب جديد تُعد أمراً أساسياً في حل المسائل الرياضية.

في النهاية، أكد الباحثون على ضرورة الاهتمام بمشكلة صعوبة تعلم الرياضيات على وجه التحديد، وعدم التعامل معها كما لو كانت مجرد تراخٍ، وإهمال دراسي، خاصة في الطفولة المبكرة، لأن مخ الأطفال لا يزال في طور النمو، ما يُتيح لهؤلاء الأطفال اكتساب المهارات، وتطوير القدرات اللازمة للتكيف مع هذه الحالة من خلال برامج تعليمية فردية.

• استشاري طب الأطفال


حين يكتشف الذكاء الاصطناعي تسوّس الأسنان

حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته
حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته
TT

حين يكتشف الذكاء الاصطناعي تسوّس الأسنان

حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته
حين يفحص الذكاء الاصطناعي ما تعجز العين عن رؤيته

في عيادة أسنان رقمية حديثة، تظهر صورة أشعة جانبية للأسنان الخلفية على الشاشة. وخلال ثوانٍ، يحدد النظام المدعوم بالذكاء الاصطناعي منطقة مظللة ويعرض تقديراً رقمياً: «احتمال تسوّس 87 في المائة». وفي تلك اللحظة القصيرة، يتحول الرقم من نتيجة تحليل بصري إلى عنصر مؤثر في القرار العلاجي.

لم يعد التشخيص قائماً على قراءة الطبيب وحده، بل أصبح نتيجة تفاعل بين الخوارزمية والخبرة السريرية والسياق الصحي للمريض. وهنا لا نتعامل مع أداة تشخيصية إضافية فحسب، بل مع تحول هادئ في بنية اتخاذ القرار داخل العيادة.

بماذا تخبرنا أبحاث 2026؟

شهدت السنوات الأخيرة تقدماً ملحوظاً في استخدام نماذج التعلم العميق لتحليل الصور الشعاعية للأسنان، ففي دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة «المراجعة اليابانية لعلم الأسنان» (Japanese Dental Science Review)، أظهر باحثون أن أنظمة تعتمد على التصوير بالهواتف الذكية المدعوم بالذكاء الاصطناعي استطاعت تحسين معدلات كشف التسوّس، خصوصاً في البيئات محدودة الموارد الصحية.

غير أن الدراسة نفسها أشارت إلى أن الأداء التشخيصي لا يعتمد على الخوارزمية وحدها، بل يتأثر بجودة الصورة، ومستوى الإضاءة، ونوع الجهاز المستخدم، وخبرة من يلتقط الصورة. وهو ما يؤكد أن الدقة المعلنة ليست قيمة ثابتة، بل نتيجة تفاعل معقد بين التقنية والبيئة السريرية.

وفي دراسة حديثة اخرى نُشرت مطلع عام 2026 في مجلة «الطب الرقمي» (npj Digital Medicine) الصادرة عن مجموعة «نيتشر»، حذّر باحثون من «يونيفرسيتي كوليدج لندن» من الاعتماد غير المشروط على نماذج تحليل الصور الطبية دون مراقبة مستمرة لأدائها بعد التطبيق السريري، مؤكدين أن فاعلية الأنظمة قد تتغير مع اختلاف السكان وأنماط المرض.

تحوّل التوزيع: التحدي الصامت

يصف علماء الذكاء الاصطناعي هذه الظاهرة بما يُعرف بتحول التوزيع (Distribution Shift)، حيث يتعلم النموذج من بيانات ذات خصائص محددة، ثم يُستخدم لاحقاً في بيئات تختلف من حيث الأجهزة أو خصائص المرضى أو انتشار الأمراض.

قد يُدرَّب النظام على صور عالية الجودة في مركز أكاديمي متقدم، ثم يُستخدم في عيادة مجتمعية بإمكانات تصوير مختلفة. في هذه الحالة، قد تنخفض الدقة تدريجياً دون ظهور إنذار واضح، مما يجعل الخطأ يتسلل بصمت إلى الممارسة اليومية.

الخطر هنا لا يكمن في الخطأ المفاجئ، بل في الثقة المستمرة بنظام تغيّر أدائه دون أن نلاحظ.

حين تحاط الخوارزميات بسياج الأخلاق

انحياز البيانات وعدالة التشخيص

تناولت مراجعات حديثة في «مجلة طب الأسنان البريطانية المفتوحة» (BDJ Open) قضية انحياز البيانات في أنظمة كشف التسوّس. فالخوارزميات تتعلم مما يُقدَّم لها؛ وإذا جاءت بيانات التدريب من مجموعات سكانية محدودة، فقد لا يكون الأداء متكافئاً عند تطبيقها على مجتمعات مختلفة.

وهنا يظهر سؤال أخلاقي جوهري: هل يحصل جميع المرضى على جودة تشخيص متساوية؟ أم أن الفوارق غير المرئية داخل البيانات قد تعيد إنتاج تفاوتات صحية قائمة؟

الذكاء الاصطناعي يمتلك القدرة على توسيع الوصول إلى الرعاية، لكنه قد يعكس تحيزاتنا البشرية إن لم يُصمم ويُختبر بعناية.

الصندوق الأسود ومسؤولية الطبيب

لا يزال كثير من نماذج التعلم العميق تعمل بوصفها «صناديق سوداء»، تقدم توصيات دون تفسير واضح لمسار القرار. وعندما يشير النظام إلى تسوّس غير موجود أو يفشل في اكتشاف آفة مبكرة، تبقى المسؤولية المهنية والقانونية في نهاية المطاف على عاتق الطبيب.

إن دخول الخوارزمية إلى صلب القرار لا يلغي الحكم السريري، لكنه يعيد توزيع مصادر النفوذ المعرفي داخل العيادة، مما يجعل الحاجة ملحّة لتطوير أنظمة تفسيرية تدعم القرار البشري بدل أن تستبدله.

مَن يتحمل الخطأ عندما تصمت الخوارزمية؟

الخطر ليس في الخطأ... بل في التصميم

الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان ليس منافساً للطبيب، بل أداة قد تعزز دقة التشخيص وتحسن الوصول إلى الرعاية. غير أن الخطر الحقيقي يظهر عندما تُعامل نتائج الدراسات بوصفها ضماناً مطلقاً للأداء في كل سياق سريري.

ما نحتاج إليه ليس خوارزمية معصومة، بل منظومة تجعل الخطأ مرئياً، وحدود الاستخدام واضحة، وآليات المراجعة مستمرة.

إن القرار العلاجي يظل فعلاً إنسانياً يتحمل تبعاته من يتخذه، عندما تصبح التقنية شريكاً وليس بديلاً.

يبقى التسوّس مرضاً بيولوجياً، لكن التعامل معه قرار سريري وأخلاقي في آن واحد. والذكاء الحقيقي لا يتمثل في الثقة العمياء بالخوارزمية، بل في القدرة على استخدامها بوعي نقدي، ومعرفة متى نتفق معها... ومتى نعيد النظر في توصياتها.. في النهاية، قد تقرأ الآلة الصورة بدقة متزايدة، لكن مسؤولية فهم الإنسان الذي خلف الصورة ستبقى مهمة الطبيب.