
في أثناء فترة منتصف العمر أو ما بعدها، غالباً ما يمر الرجال بمرحلة انحسار في مستوى الطاقة، وتقلب بالحالة المزاجية، وتراجع في الرغبة الجنسية.
ويطلق على هذه التغيرات، في بعض الأحيان، «سن اليأس الذكري» (male menopause). ومع ذلك، ترى د. شالندر باسين، الأستاذة في كلية الطب بجامعة هارفارد، واختصاصية الغدد الصماء في مستشفى «بريغهام آند ويمينز»، مصطلح «سن اليأس الذكري» تسمية خاطئة.
تسمية خاطئة
على خلاف الحال مع الرجال، تمر النساء بمرحلة انتقالية طبية نحو سن انقطاع الطمث، أو سن اليأس. وفي أثناء هذه المرحلة، يحدث انخفاض شديد في مستوى هرمون الإستروجين estrogen (الهرمون الجنسي الأنثوي الرئيسي)، عادةً بين سن 45 و55.
في المقابل، نجد أن انخفاض هرمون التستوستيرون testosterone، الهرمون الجنسي الأساسي لدى الرجال، يحدث على نحو تدريجي أكثر وببطء على امتداد سنوات كثيرة. وتنحسر مستويات التستوستيرون بمعدل 1.6 في المائة سنوياً، بدءاً من منتصف الثلاثينيات. ويعاني نحو 10 في المائة إلى 15 في المائة من الرجال البالغين 60 عاماً فأكثر، من انخفاض مستويات التستوستيرون، وترتفع النسبة مع تقدم الرجال في العمر.
أعراض مختلفة
على عكس النساء اللواتي يعانين من انخفاض حاد في مستويات الإستروجين عند انقطاع الطمث، قد لا يتراجع مستوى التستوستيرون لدى الرجال عن المعدل الطبيعي. وعن ذلك، قالت د. باسين: «يتأثر مسار انخفاض التستوستيرون المرتبط بالعمر لدى الرجال بشكل كبير بزيادة الوزن، وعوامل نمط الحياة، والأمراض المزمنة».
علاوة على ذلك، فإن أعراض نقص هرمون التستوستيرون قد تكون غير محددة، وتميل إلى التداخل مع أعراض الشيخوخة. وقد لا يعاني بعض الرجال الذين يعانون من انخفاض مستوى هرمون التستوستيرون، من أعراض تشبه أعراض ما يسمى «سن اليأس لدى الرجال».
ومن الممكن كذلك أن يعاني بعض الرجال في منتصف العمر وكبار السن من انخفاض مفاجئ وقوي في مستوى هرمون التستوستيرون، ما يؤدي إلى نقصه بالجسم. وعادة ما ينجم ذلك عن تلف في الخصيتين، أو الجزء من الدماغ المسؤول عن تنظيم الهرمونات. قد يكون هذا التلف ناتجاً عن إصابة، أو عدوى، أو العلاج الإشعاعي، أو العلاج بالحرمان من الأندروجين (لعلاج سرطان البروستاتا)، أو العلاج الكيميائي.
وتتضمن الأسباب الشائعة الأخرى لنقص التستوستيرون، الأمراض المزمنة، والسمنة، والإجهاد، والاستخدام السابق طويل الأمد للستيرويدات الابتنائية، واستخدام الأدوية الأفيونية. في هذا الصدد، تشرح د. باسين أنه «في بعض هذه الحالات، قد يكون السبب الكامن وراء نقص هرمون التستوستيرون، مثل السمنة، أو استخدام الأدوية، أو المرض، مؤقتاً وتنبغي معالجته».
تعزيز مستويات التستوستيرون المنخفضة
هناك سبل لزيادة مستويات التستوستيرون المنخفضة، إذا كانت تُسبب أعراضاً مزعجة وتؤثر على جودة الحياة.
والآن، ما المستوى المنخفض للغاية؟ يُحدد الأطباء المستوى الطبيعي لإجمالي هرمون التستوستيرون في الدم بين 275 و900 نانوغرام لكل ديسيلتر (ng/dL).
بوجه عام، تُعدّ مستويات التستوستيرون التي تقل عن 275 نانوغرام/ديسيلتر منخفضة، مع أن هذا قد يختلف من مختبر لآخر. ويُقاس مستوى التستوستيرون بشكل أفضل عبر إجراء فحص دم بين الساعة 7 و10 صباحاً بعد صيام ليلة كاملة. وإذا كانت النتيجة منخفضة، غالباً ما يُوصي الأطباء بتكرار الفحص.
وأوضحت د. باسين أنه إذا كانت مستوياتك باستمرار أقل من 275 إلى 300 نانوغرام/ديسيلتر، «سيحرص طبيبك، على الأرجح، على تحديد ما إذا كانت أي أعراض تُعزى إلى انخفاض هرمون التستوستيرون، قد تكون ناجمة عن حالات أخرى. وحتى لو كان انخفاض التستوستيرون المشكلة الرئيسة، فقد تتمكن من تعزيزه عبر بعض التدخلات في نمط حياتك».
- إنقاص الوزن: يمكن أن تُسهم الدهون الزائدة في الجسم، خاصة حول البطن، في انخفاض مستوى هرمون التستوستيرون.
- ممارسة الرياضة: كشفت أبحاث عن أن الجمع بين التدريب المتقطع عالي الكثافة ورفع الأثقال، يمكن أن يعزز مستوى هرمون التستوستيرون ويُحسّن الصحة العامة.
- النوم: يحدث معظم إفراز هرمون التستوستيرون في أثناء النوم، خاصةً في أثناء الأحلام (المعروفة بمرحلة حركة العين السريعة). احرص على الحصول على سبع إلى تسع ساعات من النوم الجيد كل ليلة. ويمكن لانقطاع النفس النومي، حالة يتوقف فيها الشخص عن التنفس لفترات قصيرة في أثناء النوم، أن يقلص مستويات التستوستيرون.
تجربة العلاج ببدائل التستوستيرون
إذا جرى تأكيد تشخيص انخفاض مستوى هرمون التستوستيرون عبر الفحوصات المناسبة، ولم تُجدِ تغييرات نمط الحياة نفعاً في التغلب عليه، فإن العلاج ببدائل التستوستيرون testosterone replacement therapy (TRT) ربما يكون بديلاً مناسباً. وفي إطار هذا العلاج، يجري الحصول على التستوستيرون يومياً، في صورة «جل» أو «كريم» أو لصقة توضع على الجلد، عادةً على الكتف أو الفخذ. كما يمكن تناوله في شكل حبوب يومية أو حقنة كل أسبوع أو أسبوعين. ورغم أنه ما من علاج واحد ينطوي على ميزة كبيرة، فإن الحقن تثمر نتائج أسرع، بوجه عام.
يشعر معظم الرجال بتحسن في الأعراض خلال أربعة إلى ستة أسابيع، مع أن التغيرات في كتلة العضلات والدهون قد تستغرق من ثلاثة إلى ستة أشهر.
ومن المفترض أن يتولى طبيبك تقييم أعراضك ومستويات هرمون التستوستيرون لديك بعد تناولك العلاج ببدائل التستوستيرون لمدة قرابة ثلاثة أشهر. وقد يوصي بتعديل الجرعة، بحسب مستويات هرمون التستوستيرون لديك واستجابتك له.
في هذا الصدد، نبهت د. باسين إلى أنه «يجب عليك الاستمرار في تناول العلاج ببدائل التستوستيرون ليكون فاعلاً. بمجرد التوقف، ستنخفض مستويات هرمون التستوستيرون لديك إلى مستوياتها السابقة».
نظرة على الآثار الجانبية
يحتاج الرجال إلى الموازنة بين الفوائد والمخاطر، عند التفكير في العلاج ببدائل التستوستيرون. والملاحظ أن بعض الرجال يعانون من آثار جانبية عند العلاج، مثل حبّ الشباب، وألم في الثدي، وتورم الكاحلين أو القدمين، وزيادة في عدد خلايا الدم الحمراء. كما يمكن أن يفاقم العلاج ببدائل التستوستيرون من خطر الإصابة بجلطات الدم.
وفيما مضى، تركز القلق الأكبر بخصوص العلاج ببدائل التستوستيرون حول خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية، وخطر الإصابة بتضخم البروستاتا والسرطان. إلا أن «تجربة ترافيرس» TRAVERSE trial، الدراسة التي نُشرت في 13 يوليو (تموز) 2023 في دورية نيو إنغلاند أوف ميديسن الطبية، ألقت ضوءاً جديداً على هذا الأمر.
في إطار الدراسة، استعان الباحثون بنحو 5200 رجل (متوسط أعمارهم 63 عاماً) يعانون من أمراض القلب والأوعية الدموية سلفاً أو عوامل خطر متعددة للإصابة بها، بالإضافة إلى انخفاض مستويات هرمون التستوستيرون (بين 100 و300 نانوغرام/ديسيلتر). وجرى توزيع نصف الرجال عشوائياً، وجرى إعطاؤهم «جل» التستوستيرون يومياً لمدة تصل إلى خمس سنوات (متوسط 21 شهراً)؛ بينما تناول النصف الآخر دواءً وهمياً. وخلص الباحثون إلى أن كلتا المجموعتين سجلت معدلات متشابهة من النوبات القلبية والسكتات الدماغية، ما يشير إلى أن العلاج ببدائل التستوستيرون لم يزد من خطر الإصابة.
من بين المخاوف الأخرى، تأثير العلاج ببدائل التستوستيرون على الإصابة بسرطان البروستاتا؛ إذ يمكن أن يحفز التستوستيرون نمو خلايا سرطان البروستاتا. ولذلك، يشيع العلاج الهرموني لخفض مستويات التستوستيرون، في أوساط الرجال المصابين بسرطان البروستاتا.
وعليه، يحذر الأطباء من وصف العلاج ببدائل التستوستيرون للرجال المعرضين لخطر الإصابة بسرطان البروستاتا، أو الذين يخضعون للعلاج بالفعل. ومع ذلك، وجدت «تجربة ترافيرس» أن العلاج ببدائل التستوستيرون لم يزد من معدل الإصابة بسرطان البروستاتا. (ومع أن هذه النتائج مشجعة، تبقى هناك حاجة إلى مزيد من البحث).
هنا، ينبغي الانتباه إلى أن العلاج ببدائل التستوستيرون ليس دواءً مضاداً للشيخوخة، رغم ما قد توحي به الإعلانات. وعن ذلك، قالت د. باسين: «فيما يخص بعض الرجال في منتصف العمر وكبار السن، يمكن أن يؤدي رفع مستويات هرمون التستوستيرون المنخفضة إلى تحسين وظائفهم الجنسية وطاقتهم وكتلة عضلاتهم وحالتهم المزاجية السيئة. ومع هذا، تظل الحقيقة أن العلاج ببدائل التستوستيرون لن يُعيد عقارب الساعة إلى الوراء فجأة، فنمط الحياة الصحي، وممارسة الرياضة بانتظام، والنظرة الإيجابية تظل مفاتيح الحياة الصحية».
• رسالة هارفارد «مراقبة صحة الرجل»، خدمات «تريبيون ميديا»