التهاب إنتان الدم شائع مثل السرطان ومميت مثل النوبة القلبية

يحدث عند الإصابة بعدوى ميكروبية في أحد أعضاء الجسم

إنتان الدم- رسم مجسم لعصيّات البكتريا مع كريات الدم الحمراء والبيضاء
إنتان الدم- رسم مجسم لعصيّات البكتريا مع كريات الدم الحمراء والبيضاء
TT

التهاب إنتان الدم شائع مثل السرطان ومميت مثل النوبة القلبية

إنتان الدم- رسم مجسم لعصيّات البكتريا مع كريات الدم الحمراء والبيضاء
إنتان الدم- رسم مجسم لعصيّات البكتريا مع كريات الدم الحمراء والبيضاء

أفادت نتائج دراسة سويدية حديثة بأن حالات إنتان الدم، هي بالفعل حالات شائعة بما يفوق التوقعات الطبية، وأنها حالات لا تُشَخَّص بشكل كبير، ويمكن تشبيهها بالوباء.

إنتان الدم

وتنشأ حالات إنتان الدم Sepsis عن وجود التهاب ناجم عن عدوى ميكروبية في أحد أعضاء الجسم، ثم لا يتوقف أمر الميكروبات وعمليات تفاعل جهاز مناعة الجسم معها على مكان ذلك العضو، بل يحدث انتقال للميكروبات إلى سائل الدم، أي يحدث تسمم الدم Septicemia، وهو ما يُعد «تدهوراً مرضياً بالغاً»؛ لأن البكتيريا وسمومها يمكن أن تنتقل عبر مجرى الدم إلى أي مكان وعضو آخر في الجسم كله.

وإضافة إلى «تسمم الدم بالميكروبات»، يحدث أيضاً تفاعل غير منضبط لجهاز مناعة الجسم مع هذا الانتشار الميكروبي الواسع النطاق، بمهاجمة جهاز مناعة الجسم لأنسجة وأعضاء الجسم الأخرى المهمة. وبهذا التعقيد، يمكن أن يصبح تسمم الدم مهدداً للحياة بسرعة. وإذا تركت هذه الحالة دون علاج، فإنه يمكن أن يتطور تسمم الدم إلى الإنتان.

وتفيد مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها الأميركية، في تعريفها لحالة الإنتان قائلة: «يحدث الإنتان عندما تؤدي العدوى (الميكروبية) التي أصابت (المريض) بالفعل إلى تفاعل (سلبي) متسلسل في جميع أنحاء الجسم. وتبدأ معظم حالات الإنتان قبل ذهاب المريض إلى المستشفى. وغالباً ما تبدأ حالات العدوى التي تؤدي إلى الإنتان، في الرئة أو المسالك البولية أو الجلد أو الجهاز الهضمي. ودون العلاج في الوقت المناسب، يمكن أن يؤدي الإنتان بسرعة إلى تلف الأنسجة، وفشل الأعضاء، والموت».

وبدورهم يوضح أطباء «مايو كلينيك» قائلين: «الإنتان حالة قد تهدد الحياة بسبب تدمير الجسم لأنسجته عند استجابته للعدوى (الميكروبية). وعندما تهاجم عمليات مكافحة العدوى (بالخطأ) الجسم نفسه (وليس الميكروبات)، فإنها تتسبب في عدم قيام الأعضاء بوظائفها بصورة سليمة وطبيعية. وقد تتفاقم حالة الإنتان فتصير صدمة إنتانية Septic Shock. وينتج عن ذلك انخفاض كبير في ضغط الدم يمكن أن يسبب مشكلات شديدة في أعضاء الجسم، وقد يؤدي إلى الوفاة. ويعزز العلاج المبكر بالمضادات الحيوية والمحاليل الوريدية من فرص البقاء على قيد الحياة».

حالة شائعة

ووفق ما نُشر ضمن عدد 29 أغسطس (آب) الماضي من مجلة «شبكة جاما المفتوحة» الطبية JAMA NETWORK OPEN، حاول الباحثون السويديون من جامعة لوند الإجابة عن سؤال: ما معدل حدوث الإنتان؟ وأفادوا في نتائجهم بأنها «حالة شائعة». وقالوا: «لا توجد بيانات موثوق بها حول وبائيات الإنتان. وهذه النتائج تشير إلى أن الإنتان كان عبئاً كبيراً على الصحة العامة».

وعقّب الدكتور آدم ليندر، الباحث في علاج الإنتان والأستاذ المشارك في قسم طب العدوى بجامعة لوند، قائلاً: «وهذا يجعل الإنتان شائعاً مثل السرطان، مع عواقب سلبية مماثلة طويلة المدى، ومميتاً مثل احتشاء عضلة القلب الحاد في النوبة القلبية. ومن بين الناجين من الإنتان، يعاني ثلاثة أرباعهم أيضاً من مضاعفات طويلة الأمد مثل النوبات القلبية، ومشكلات الكلى، والصعوبات الإدراكية».

وتضيف مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها الأميركية قائلة: «يمكن لأي شخص أن يصاب بالعدوى، وأي عدوى تقريباً يمكن أن تؤدي إلى الإنتان. وفي سنة نموذجية يُصاب ما لا يقل عن 1.7 (واحد فاصلة سبعة) مليون بالغ في أميركا بالإنتان. ويموت ما لا يقل عن 350 ألفاً من البالغين الذين يصابون بالإنتان في أثناء دخولهم المستشفى، أو يُخْرَجون من المستشفى إلى دور العجزة. وإن من بين كل 3 أشخاص يموتون في المستشفى، يكون 1 منهم بالفعل مصاباً بالإنتان أثناء العلاج في المستشفى».

ولفهم الأمر بشكل أعمق، يبدأ حصول حالة إنتان (تسمم) الدم، عندما يُصاب المريض بالتهاب ميكروبي في أحد أعضاء جسمه. وحينما تكون «وطأة» تلك العدوى الميكروبية ثقيلة على الجسم، فإن الأمر يتطور إلى حالة الإنتان لدى المريض.

و«وطأة» العدوى الميكروبية تعتمد على عوامل عدة، منها ما له علاقة بشراسة الميكروبات نفسها، ومنها ما له علاقة بتدني قدرات الجسم على مقاومة الميكروبات التي نفذت إلى جسمه. والملاحظ إكلينيكياً أن أي نوع من أنواع العدوى البكتيرية أو الفيروسية أو الفطرية يُمكن أن يؤدي إلى حالة الإنتان، مثل عدوى التهاب الرئة أو عدوى الكلى والمثانة وأجزاء أخرى من الجهاز البولي، أو عدوى الجهاز الهضمي، أو عدوى مجرى الدم (تجرثم الدم)، أو العدوى في مواقع القسطرة الوريدية، أو عدوى الجروح (الجراحية أو نتيجة الحوادث) أو الحروق.

وترتفع احتمالات تسبب تلك الأنواع من العدوى الميكروبية بحالة الإنتان لدى المرضى المتقدمين في العمر، أو الأطفال الصغار جداً، أو الذين لديهم ضعف في قدرات جهاز المناعة، أو مرضى السكري، أو المُصابين بضعف الكلى المزمن، أو ضعف الكبد، أو مرض السدد المزمن في الرئتين، أو الذين هم مرضى في أقسام العناية المركزة، وجرى تثبيت أجهزة وقساطر وريدية أو أنابيب للتنفس.

أعراض خطيرة

ومن أهم الأعراض التي تظهر على الحالة الإكلينيكية للمريض، والتي يجدر التنبه لها عند «بدء» ملاحظة حصولها، هو انخفاض ضغط الدم الانقباضي (الرقم العالي) إلى أقل من 100 ملم زئبقي أو أقل، وأن يسجل معدل التنفس 22 نفساً في الدقيقة أو أكثر، مع تغيُر وتشوش في الحالة العقلية والذهنية لوعي المريض وإدراكه ما يدور حوله.

وتذكر المصادر الطبية أنه إذا لم يُتَنَبَّه لدلالات هذه الأعراض على الحالة الإكلينيكية للمريض، فإن من المحتمل جداً أن يتطور التدهور وصولاً إلى حالة «الصدمة الإنتانية»، التي من أهم علاماتها وأعراضها حدوث انخفاض حاد في ضغط الدم، ينتج عنه حدوث مشكلات شاذة جداً في طريقة عمل الخلايا وإنتاج الطاقة، ما يرفع من احتمالية الوفاة. كما تشير حينها تحاليل الدم إلى ارتفاع مستويات حمض اللاكتيك في الدم. وللتوضيح، ارتفاع مستويات حمض اللاكتيك بشكل كبير في الدم يعني أن مستوى عمل خلايا الجسم قد تدهور بشكل بالغ، لدرجة أنها لا تستخدم الأكسجين كما ينبغي.

ثم في مراحل متطورة من تدهور الحالة وتفاقم حالة الإنتان، يتدنى تدفق الدم إلى الدماغ والقلب والكليتين، والتي تعد الأعضاء الحيوية في الجسم. ووفق ما يقوله أطباء «مايو كلينيك»: «يتعافى معظم الأشخاص من الإنتان الخفيف، ولكن يبلغ معدل الوفيات بسبب الصدمة الإنتانية 40 بالمائة تقريبًا. وقد يسبب التعرض لنوبة إنتان حادة من زيادة فرص التعرض للعدوى في المستقبل». ويضيف أطباء «جونز هوبكنز»: «الإنتان الذي يتطور إلى صدمة إنتانية يصل معدل الوفيات فيه إلى 50 بالمائة، اعتمادًا على نوع الميكروب. الإنتان هو حالة طبية طارئة، ويحتاج إلى علاج طبي عاجل».

مسارات التعامل العلاجي لحالات إنتان الدم

المتابعة الإكلينيكية الدقيقة للمريض تُمكن الطاقم الطبي من ملاحظة أي تغيرات تطرأ عليه، خصوصاً المرضى المُصابين بالتهاب ميكروبي، والذين بدأ يلاحَظ عليهم انخفاض ضغط الدم، أو الحمى، أو زيادة معدل ضربات القلب، أو زيادة معدل التنفس، أو تدهور مستوى الوعي الذهني.

وحينها، وعند الاشتباه بحدوث تسمم في الدم، وتحسباً لمنع مزيد من التدهور في الحالة الصحية للمريض، تتخذ المعالجة مسارين يجري العمل بهما في الوقت نفسه.

المسار الأول يتجه نحو إجراء مجموعة متنوعة من التحاليل والاختبارات المختبرية التي تتحقق من البحث عن «وجود علامات العدوى الميكروبية»، وتُقيّم مدى حدوث «تلف في عمل الأعضاء».

ويقول أطباء «مايو كلينيك»: «نظراً لأن بعض أعراض الإنتان (مثل الحمى وصعوبة التنفس) يمكن رؤيتها غالباً في حالات أخرى، فقد يكون من الصعب تشخيص الإنتان في مراحله الأولية». ولذا عادة ما يطلب الأطباء اختبارات عدة لمحاولة تحديد العدوى الكامنة.

وفحوصات الدم، عبر أخذ عينات من الدم لتحليلها، تهدف إلى الكشف عن «دلائل العدوى»، كاضطرابات تعداد كريات الدم البيضاء مثلاً، والكشف عن مؤشرات مشكلات تجلط الدم، وتقييم أي اضطرابات في مؤشرات وظائف الكبد أو الكُلى، ومستويات غازات الأكسجين وثاني أكسيد الكربون في الدم، ودرجة حموضة الدم. ومدى اختلال معدلات الصوديوم والبوتاسيوم وغيره من الكهارل.

يضاف إلى ذلك إجراء فحوصات مختبرية أخرى خصوصاً بمحاولة تحديد مصدر العدوى التي تعتمد على تحليل وزراعة عينات من البول والدم وإفرازات الجروح (إن وُجدت) وإفرازات الجهاز التنفسي.

كما تُجرى فحوصات تصوير بالأشعة السينية للصدر لتقييم الرئتين، والتصوير بالموجات فوق الصوتية أو المقطعية لمنطقة البطن لرؤية مناطق الالتهاب في الكبد أو البنكرياس أو أعضاء البطن الأخرى. وقد يكون التصوير بالرنين المغناطيسي مفيداً في الكشف عن التهابات الأنسجة الرخوة أو التهابات العظام.

وفي الوقت نفسه يتم في المسار العلاجي العمل بشكل مبكّر؛ لأن العلاج «المبكر والمكثف» في وحدة الرعاية المركزة يرفع بشكل كبير من احتمال التعافي، خصوصاً اتخاذ تدابير إنقاذ الحياة للمحافظة على استقرار التنفس ووظيفة القلب. وذلك بزيادة أكسجين هواء التنفس، والبدء بحقن السوائل من خلال الوريد بأسرع وقت ممكن، للحفاظ على ضغط الدم. وإذا ظل ضغط الدم منخفضًا جداً، حتى بعد إعطاء السوائل من خلال الوريد، فقد تُعطى أدوية تُسمى «رافعات التوتر الوعائي»، للمساعدة في زيادة مقدار ضغط الدم.

والأساس علاج المريض بالمضادات الحيوية بأسرع وقت ممكن. وتُستخدم عادةً المضادات الحيوية واسعة الطَّيف التي تكون فعالة ضد مجموعة متنوعة من البكتيريا، أولاً. وبعد معرفة نتائج فحوصات الدم، قد يلجأ الطبيب إلى مضاد حيوي مختلف، يستهدف محاربة البكتيريا التي تسبب العدوى على وجه التحديد.


مقالات ذات صلة

العناق أكثر من شعور دافئ… فوائد صحية مذهلة

صحتك العناق يلعب دوراً مهماً في تعزيز العلاقة بين الآباء وأطفالهم (بيكسلز)

العناق أكثر من شعور دافئ… فوائد صحية مذهلة

يُعدّ العناق أحد أبسط أشكال التواصل الإنساني وأكثرها تأثيراً، رغم أنه لا يتطلب كلمات أو مجهوداً كبيراً؛ فهو يحمل في طياته بعداً عاطفياً وجسدياً مهماً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الكورتيزول يُفرز استجابةً للتوتر والتحكم في الضغوط اليومية يُعد من أهم الطرق للحفاظ على مستوياته (بيكسلز)

5 مؤشرات تدل على ارتفاع هرمون التوتر في جسمك

من أبرز المؤشرات الحيوية المرتبطة بالتوتر هرمون «الكورتيزول»، الذي يلعب دوراً أساسياً في مساعدة الجسم على التكيّف مع الضغوط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك يمكن لعادات يومية صغيرة وسهلة أن تُحدث فرقاً حقيقياً في حماية القلب (رويترز)

8 عادات يومية بسيطة تقلل خطر الإصابة بالنوبات القلبية

في الوقت الذي يسعى فيه كثيرون لإجراء تغييرات جذرية في نمط حياتهم من أجل تحسين صحتهم، تكشف دراسات حديثة عن أن الحل قد يكون أبسط بكثير مما نعتقد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك العسل يحتوي بطبيعته على إنزيمات تُسهّل تكسير الكربوهيدرات (بيكسلز)

العسل وصحة الجهاز الهضمي: ماذا يحدث عند تناوله يومياً؟

يُعدّ العسل من أقدم الأغذية الطبيعية التي استخدمها الإنسان، ليس فقط كمصدر للتحلية، بل أيضاً كعنصر داعم للصحة العامة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك الدهون الصحية تلعب دوراً أساسياً في دعم صحة القلب (بيكسلز)

للحفاظ على قلبك... 6 طرق صحية لتناول الدهون

رغم السمعة السيئة التي ارتبطت بالدهون لسنوات طويلة، يؤكد خبراء التغذية أن المشكلة لا تكمن في الدهون نفسها، بل في نوعها وكميتها.

«الشرق الأوسط» (لندن)

العناق أكثر من شعور دافئ… فوائد صحية مذهلة

العناق يلعب دوراً مهماً في تعزيز العلاقة بين الآباء وأطفالهم (بيكسلز)
العناق يلعب دوراً مهماً في تعزيز العلاقة بين الآباء وأطفالهم (بيكسلز)
TT

العناق أكثر من شعور دافئ… فوائد صحية مذهلة

العناق يلعب دوراً مهماً في تعزيز العلاقة بين الآباء وأطفالهم (بيكسلز)
العناق يلعب دوراً مهماً في تعزيز العلاقة بين الآباء وأطفالهم (بيكسلز)

يُعدّ العناق أحد أبسط أشكال التواصل الإنساني وأكثرها تأثيراً، رغم أنه لا يتطلب كلمات أو مجهوداً كبيراً؛ فهو يحمل في طياته بعداً عاطفياً وجسدياً مهماً، إذ يشير عديد من الدراسات إلى أن له تأثيرات إيجابية على الصحة النفسية والجسدية على حد سواء. فمجرد احتضان شخص عزيز يمكن أن يغيّر من استجابة الجسم للتوتر، ويعزز الشعور بالأمان والراحة.

ومن أبرز فوائد العناق، وفقاً لموقع «ويب ميد»:

تخفيف التوتر

عند احتضان شخص عزيز، يفرز الجسم هرمون الأوكسيتوسين، المعروف بتأثيره المهدئ، حيث يساعد على تقليل التوتر ويجعل الشخص أكثر قدرة على التعامل مع الضغوط. وقد ينعكس ذلك على شكل شعور بالارتياح، أو الضحك، أو حتى القدرة على تشتيت الانتباه عن المشكلة وإيجاد حلول لها.

كما يسهم العناق في خفض ضغط الدم وتقليل مستويات هرمون الكورتيزول، وهو الهرمون المرتبط بالتوتر، مما يعزز الشعور بالهدوء والاستقرار النفسي.

فوائد محتملة لصحة القلب

يُعد انخفاض ضغط الدم وتراجع مستويات التوتر من العوامل التي تنعكس إيجاباً على صحة القلب. ويشير العلماء إلى أن النساء قد يلاحظن هذا التأثير بشكل أوضح، إلا أن الفوائد العامة للعناق على صحة القلب تبدو مشتركة بين الجنسين، خصوصاً عند ارتباطه بشعور بالأمان والدعم العاطفي.

تخفيف الألم

لا يقتصر تأثير العناق على الدعم النفسي فقط، بل قد يمتد ليشمل تخفيف الإحساس بالألم. فهرمون الأوكسيتوسين الذي يُفرَز في أثناء العناق يساعد على تقليل إشارات الألم في الجهاز العصبي، مما قد يخفف من الشعور بالانزعاج بعد الإصابة أو التعرض للألم.

وقد لفتت هذه الخصائص اهتمام الباحثين إلى درجة أنهم يدرسون إمكانية استخدام نسخ صناعية من هذا الهرمون في بعض العلاجات الطبية مستقبلاً.

دعم جهاز المناعة ومقاومة نزلات البرد

قد يسهم العناق في تعزيز مقاومة الجسم لبعض الأمراض الشائعة، مثل نزلات البرد، خصوصاً في فترات الضغط النفسي المرتفع، إذ إن التوتر قد يُضعف جهاز المناعة. كما يُعتقد أن الشعور بالدعم العاطفي الناتج عن العناق قد يساعد الجسم على التعافي بشكل أفضل إذا كان الشخص مريضاً بالفعل، وربما يخفف من شدة الأعراض.

تعزيز الروابط العاطفية بين الشريكين

يُطلق على الأوكسيتوسين أحياناً اسم «هرمون الحب»، نظراً إلى ارتفاع مستوياته عند التلامس الجسدي والعناق بين الشريكين. وغالباً ما يرتبط هذا الهرمون بتعزيز مشاعر القرب العاطفي والارتباط.

وتشير الدراسات إلى أن الأزواج الذين يُكثرون من العناق والتواصل الجسدي يميلون إلى الشعور بسعادة أكبر، ويتمتعون بمستويات أقل من التوتر، بالإضافة إلى تحسن عام في الصحة النفسية والعاطفية.

تحسين جودة النوم

يسهم الأوكسيتوسين أيضاً في تعزيز الاسترخاء، وهو ما قد يساعد على النوم بشكل أفضل. ومع ذلك، قد يؤدي النوم في وضعية العناق طوال الليل لدى بعض الأشخاص إلى الاستيقاظ المتكرر.

ورغم ذلك، يمكن الاستفادة من العناق قبل النوم مباشرةً، حيث تساعد الدقائق الأولى من هذا القرب الجسدي على تهدئة الجسم والعقل تمهيداً لنوم أعمق وأكثر راحة.

تعزيز الترابط مع المولود الجديد

يلعب العناق والتلامس الجسدي المباشر دوراً مهماً في تعزيز العلاقة بين الآباء وأطفالهم حديثي الولادة. فهذه الممارسة تساعد على تقوية الشعور بالارتباط العاطفي، وتزيد من استجابة الآباء لاحتياجات الطفل.

وتشير الأبحاث إلى أن الآباء الذين يحتضنون أطفالهم بشكل متكرر يكونون أكثر مشاركة في رعايتهم، بينما قد تشعر الأمهات بمستويات أقل من التوتر أو الحزن بعد الولادة. كما أن الأطفال الذين يتلقون هذا النوع من الاحتضان قد يبكون أقل، وينامون بشكل أفضل، ويبدأون الرضاعة الطبيعية في وقت أبكر.


5 مؤشرات تدل على ارتفاع هرمون التوتر في جسمك

الكورتيزول يُفرز استجابةً للتوتر والتحكم في الضغوط اليومية يُعد من أهم الطرق للحفاظ على مستوياته (بيكسلز)
الكورتيزول يُفرز استجابةً للتوتر والتحكم في الضغوط اليومية يُعد من أهم الطرق للحفاظ على مستوياته (بيكسلز)
TT

5 مؤشرات تدل على ارتفاع هرمون التوتر في جسمك

الكورتيزول يُفرز استجابةً للتوتر والتحكم في الضغوط اليومية يُعد من أهم الطرق للحفاظ على مستوياته (بيكسلز)
الكورتيزول يُفرز استجابةً للتوتر والتحكم في الضغوط اليومية يُعد من أهم الطرق للحفاظ على مستوياته (بيكسلز)

يُعدّ التوتر جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية، غير أن استمراره لفترات طويلة قد يترك آثاراً عميقة على صحة الجسم. ومن أبرز المؤشرات الحيوية المرتبطة بالتوتر هرمون «الكورتيزول»، الذي يلعب دوراً أساسياً في مساعدة الجسم على التكيّف مع الضغوط. لكن عندما ترتفع مستوياته بشكل مزمن، قد يتحول من عنصر داعم إلى عامل مُربك لتوازن الجسم. لذلك، فإن الانتباه إلى العلامات التي قد تشير إلى ارتفاع الكورتيزول يُعد خطوة مهمة للحفاظ على الصحة العامة والوقاية من مضاعفاته.

ما هو الكورتيزول ولماذا يهم؟

الكورتيزول هو هرمون يُفرزه الجسم استجابةً للتوتر، ويساعد في تنظيم عدد من الوظائف الحيوية، مثل ضغط الدم، والتمثيل الغذائي، ونشاط الجهاز المناعي. وفي الظروف الطبيعية، يكون تأثيره إيجابياً ومؤقتاً؛ إذ يُسهم في تمكين الجسم من التعامل مع المواقف الضاغطة.

ومع ذلك، فإن استمرار ارتفاع مستويات الكورتيزول لأسابيع أو أشهر قد يؤدي إلى اضطراب واسع في وظائف الجسم، حيث يمكن أن يؤثر في معظم أجهزته. وقد ارتبطت الزيادة المزمنة في هذا الهرمون بعدد من الحالات الصحية، من بينها: متلازمة تكيس المبايض، ومتلازمة كوشينغ، وارتفاع ضغط الدم، وداء السكري من النوع الثاني، والسمنة.

علامات قد تشير إلى ارتفاع الكورتيزول

نظراً لأن تأثيرات الكورتيزول المرتفعة تتطور تدريجياً، فقد لا ينتبه الكثيرون إلى ارتباط أعراضهم بهذا الاضطراب الهرموني. ولا يقتصر الأمر على الشعور بالتوتر، بل يمتد ليشمل تغيّرات جسدية واضحة.

من أبرز العلامات التي قد تدل على ارتفاع الكورتيزول:

- ظهور خطوط أرجوانية أو علامات تمدد على الجلد

- زيادة ملحوظة في الوزن

- سهولة الإصابة بالكدمات

- ضعف في العضلات

- امتلاء الوجه بشكل دائري (ما يُعرف بالوجه القمري)

وإذا استمرت عدة أعراض من هذه القائمة، فقد يكون من الضروري استشارة الطبيب، حيث يمكن لفحوصات بسيطة للدم أو البول أو اللعاب تحديد ما إذا كانت مستويات الكورتيزول خارج المعدل الطبيعي.

كيف يؤثر الغذاء في مستويات الكورتيزول؟

يلعب النظام الغذائي دوراً مهماً في تنظيم مستويات الكورتيزول؛ إذ يمكن لما تتناوله يومياً أن يسهم في استقرار هذا الهرمون أو زيادته. فالتقلبات الحادة في مستوى السكر في الدم، والجفاف، والإفراط في تناول المنبهات مثل الكافيين، جميعها عوامل قد تؤدي إلى ارتفاع الكورتيزول.

ومن أبرز الاستراتيجيات الغذائية المفيدة:

تناول وجبات متوازنة: يساهم الجمع بين البروتين والألياف والدهون الصحية في الحفاظ على استقرار سكر الدم، ما يقلل من تحفيز إفراز الكورتيزول.

الحد من الكافيين والكحول: قد يؤدي الإفراط في الكافيين إلى رفع مستويات الكورتيزول، كما أن الكحول قد يؤثر سلباً على جودة النوم ويزيد من اختلال هرمونات التوتر.

اتباع نظام غذائي متوسطي: تشير الدراسات إلى أن الأنظمة الغذائية الغنية بالخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة والأسماك وزيت الزيتون قد تساعد في خفض مستويات الكورتيزول الأساسية.

الحفاظ على الترطيب: يمكن أن يؤدي الجفاف إلى ارتفاع الكورتيزول؛ لذا يُنصح بشرب كميات كافية من الماء على مدار اليوم.

دور نمط الحياة في موازنة الكورتيزول

لا يقل نمط الحياة أهمية عن الغذاء في التحكم بمستويات الكورتيزول. فالعادات اليومية، مثل النوم والنشاط البدني، تؤثر بشكل مباشر في توازن هذا الهرمون.

ومن أبرز التغييرات المفيدة:

تحسين جودة النوم: يرتبط قلة النوم بارتفاع مستويات الكورتيزول؛ لذا يُنصح باتباع روتين نوم منتظم، وتجنب الشاشات قبل النوم، وتهيئة بيئة مريحة ومظلمة للنوم.

ممارسة النشاط البدني بانتظام: يساعد النشاط المعتدل، مثل المشي، على تنظيم الكورتيزول، في حين أن الإفراط في التمارين قد يؤدي إلى نتائج عكسية.

دعم الإيقاع اليومي للكورتيزول: يرتفع الكورتيزول طبيعياً في الصباح وينخفض مساءً، ويمكن دعم هذا النمط من خلال التعرض لضوء الشمس صباحاً والاسترخاء في المساء.

تقنيات فعّالة لإدارة التوتر

نظراً لأن الكورتيزول يُفرز استجابةً للتوتر، فإن التحكم في الضغوط اليومية يُعد من أهم الطرق للحفاظ على مستوياته ضمن الحدود الطبيعية.

ومن أبرز الأساليب التي قد تساعد في ذلك:

- ممارسة تمارين اليقظة الذهنية

- تطبيق تمارين التنفس العميق

- الانخراط في أنشطة مهدئة مثل اليوغا

رغم أن الكورتيزول هرمون أساسي وضروري لوظائف الجسم، فإن الحفاظ على توازنه يُعد أمراً بالغ الأهمية. ويمكن من خلال الانتباه إلى العلامات المبكرة، واعتماد نمط حياة صحي، وإدارة التوتر بفاعلية؛ تقليل مخاطر ارتفاعه المزمن والحفاظ على صحة الجسم بشكل عام.


تمارين ذهنية تقوي صحة القلب

الممارسات النفسية الإيجابية تنعكس في النهاية على صحة القلب (جامعة هارفارد)
الممارسات النفسية الإيجابية تنعكس في النهاية على صحة القلب (جامعة هارفارد)
TT

تمارين ذهنية تقوي صحة القلب

الممارسات النفسية الإيجابية تنعكس في النهاية على صحة القلب (جامعة هارفارد)
الممارسات النفسية الإيجابية تنعكس في النهاية على صحة القلب (جامعة هارفارد)

أظهرت دراسة أميركية أن الممارسات النفسية الإيجابية، خصوصاً التمارين الذهنية مثل التأمل الذهني، وتدوين مشاعر الامتنان، وتدريبات التفاؤل، يمكن أن تسهم في خفض عوامل خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية خلال أسابيع قليلة.

وأوضح باحثون من جامعة إلينوي، في الدراسة المنشورة الاثنين بدورية (Cardiology Clinics)، أن الحفاظ على هذه الفوائد على المدى الطويل قد يتطلب دعماً وتعزيزاً دورياً.

وتُعد أمراض القلب والأوعية الدموية مجموعة من الاضطرابات التي تصيب القلب والأوعية، وتشمل أمراض الشرايين التاجية، وارتفاع ضغط الدم، وقصور القلب، وتصلب الشرايين، والسكتات الدماغية. وغالباً ما تنتج عن تراكم الدهون في الشرايين، أو أنماط الحياة غير الصحية، مثل قلة النشاط البدني، وسوء التغذية، والتدخين، إضافة إلى التوتر المزمن، والعوامل الوراثية. وتُعد من أبرز أسباب الوفاة عالمياً، لكنها قابلة للوقاية أو تقليل مخاطرها عبر تحسين نمط الحياة، وممارسة الرياضة بانتظام، وضبط ضغط الدم والكولسترول، والاهتمام بالصحة النفسية.

وخلال الدراسة، حلّل الفريق نتائج 18 تجربة عشوائية محكمة تناولت تأثير التدخلات النفسية الإيجابية، وتمارين اليقظة الذهنية على الصحة النفسية والجسدية. وضمّت الدراسة مئات البالغين ممن لديهم عوامل خطر مرتفعة للإصابة بأمراض القلب، مثل ارتفاع ضغط الدم غير المسيطر عليه أو قصور القلب، وكان متوسط أعمارهم بين أواخر الخمسينات ومنتصف الستينات.

ممارسات إيجابية

وأظهرت النتائج أن البرامج التي تضمنت ممارسات نفسية إيجابية، مثل التأمل الذهني من خلال التركيز على اللحظة الحالية، وتقليل التوتر، وتدوين الامتنان عبر كتابة الأشياء الإيجابية يومياً لتعزيز الشعور بالرضا، والتفاؤل والتفكير الإيجابي عبر تدريب العقل على توقع نتائج أفضل وتقليل التفكير السلبي، أدت إلى خفض ضغط الدم الانقباضي، وتحسن مؤشرات الالتهاب في الجسم خلال فترة تراوحت بين 6 و12 أسبوعاً فقط.

وبيّنت الدراسة أن أكثر البرامج فاعلية كانت تلك التي اعتمدت على تواصل متكرر مع المشاركين، فقد حقق برنامج استمر 8 أسابيع عبر تطبيق «واتساب»، الذي يضم جلسات أسبوعية ومهاماً يومية قصيرة، نتائج سلوكية مميزة، إذ شجّع المشاركين على زيادة النشاط البدني، وتحسين النظام الغذائي، والالتزام بتناول الأدوية في مواعيدها.

كما أظهر برنامج آخر يعتمد على المقابلات التحفيزية نتائج لافتة لدى مرضى القلب، حيث زاد متوسط النشاط البدني بنحو 1800 خطوة يومياً، إلى جانب تحسين الالتزام بالعلاج. أما برامج اليقظة الذهنية، فقد أسهمت بشكل رئيسي في تحسين مستويات النشاط البدني وجودة النظام الغذائي. ووفق الباحثين، فإن سر التأثير يكمن في أن الممارسات النفسية الإيجابية لا تعمل على «تحسين المزاج فقط»، بل تُحدث تغييراً متزامناً في التوتر، والسلوك اليومي، والاستجابة الفسيولوجية للجسم، وهو ما ينعكس في النهاية على صحة القلب. وشددوا على أن الصحة النفسية أصبحت جزءاً أساسياً من الوقاية القلبية، وليست عاملاً ثانوياً، إذ ينعكس تقليل التوتر وتعزيز المشاعر الإيجابية مباشرة على وظائف القلب وضغط الدم.