لقاح جديد للفيروس المخلوي التنفسي

الحقن بالبروتين الموجود على سطحه يمنح الأطفال المناعة

لقاح جديد للفيروس المخلوي التنفسي
TT

لقاح جديد للفيروس المخلوي التنفسي

لقاح جديد للفيروس المخلوي التنفسي

انتشر اسم الفيروس المخلوي التنفسي respiratory syncytial virus أو اختصاراً RSV بشكل كبير نهاية العام الماضي نظراً لكثرة الإصابات بالمرض وسط مخاوف من إمكانية أن تتحول هذه الإصابات إلى حالة وبائية عامة تعيد إلى الأذهان جائحة «كورونا» التي كانت قاربت على الانتهاء تماماً على وجه التقريب.

التهاب القصبات

ورغم أن المرض يعتبر من الأمراض البسيطة التي تصيب الجهاز التنفسي (التهاب القصيبات الهوائية) فإنه يمكن أن يسبب مضاعفات خطيرة في بعض الأحيان خاصة في الأطفال الذين يعانون من نقص المناعة لسبب أو لآخر مثل الأمراض المزمنة أو الأورام وكذلك كبار العمر. وتقريباً يتسبب المرض في وفاة حوالي 300 طفل كل عام في الولايات المتحدة ولم يكن هناك تطعيم واق من المرض حتى نهاية العام الماضي.

وفى منتصف شهر مايو (أيار) من العام الجاري اجتمعت لجنة من خبراء الصحة في إدارة الغذاء والدواء الأميركية FDA وصوتت بالأغلبية (10 أصوات موافقة ضد 4 أصوات رافضة) على إجازة اللقاح المقدم من شركة فايزر ضد المرض الذي يحمل الاسم التجاري Abrysvoويعتبر الأول من نوعه الذي يتم استخدامه في الرضع لحمايتهم من المرض ويتم التطعيم به أثناء فترة الحمل من خلال إعطاء اللقاح للأمهات عن طريق الحقن في الفترة من الأسبوع 24 إلى الأسبوع 36، وبعد ذلك يقوم اللقاح بتحفيز إنتاج الأجسام المضادة للفيروس في جسم الأم التي تمر بعد ذلك عبر المشيمة إلى الجنين وتعمل على حمايته بعد الولادة.

فكرة اللقاح

تعتمد فكرة اللقاح الجديد على منح الجسم المناعة عن طريق الحقن بالبروتين الموجود على سطح الفيروس الذي يسمى بروتين F، بعد أن تم تصنيعه مختبريا والذي يقوم بالاتحاد بخلايا المريض ومن ثم غزوها وهو الأمر الذي يسبب أعراض المرض ولكن بشكل مخفف. وبعد ذلك يكتسب الجسم المناعة من خلال الإصابة بالبروتين المخلق وعند إصابة الطفل لاحقاً بالفيروس الحقيقي يكون الجسم قد قام بالفعل بتكوين الجيش المناعي اللازم لمقاومته عن طريق الأجسام المناعية المكتسبة من الأم بجانب الآليات المناعية الأخرى في جسم الرضيع مما يخفف من الأعراض ويمنع المضاعفات بشكل كبير.

تبعاً للتجارب التي تم إجراؤها على سلامة اللقاح كان هناك ارتفاع طفيف في معدل حدوث الولادات المبكرة مقارنة بالمجموعة الضابطة control group ومع ذلك كان هذا المعدل لا يزال أقل من مثيله لدى عموم السكان حيث كان معدل نسبة الولادات المبكرة بين 7400 أم مشاركة في التجربة 5.7 في المائة للنساء اللاتي تناولن اللقاح مقارنة بـ4.7 في المائة ممن تلقوا علاجاً وهمياً o و10 في المائة في عموم الولادات. ويحمل العقار الوهمي المستخدم في التجارب الدوائية نفس شكل العلاج أو اللقاح ولكن من دون أي فاعلية طبية لمجرد التأثير النفسي على المريض. والجدير بالذكر أن الشركة المصنعة للقاح البالغين (غلاكسو) كانت أوقفت تجربة لقاح للرضع العام الماضي بسبب ارتفاع معدل المواليد المبتسرين (الخدج) أي المولودين مبكرا.

في التجارب الإكلينيكية التي تم إجراؤها على اللقاح وتم نشرها في شهر أبريل (نيسان) الماضي في مجلة نيو إنغلاند الطبية New England Journal of Medicine انخفض خطر إصابة الأطفال بمضاعفات خطيرة بنسبة 82 في المائة في الأشهر الثلاثة الأولى بعد الولادة ثم انخفضت النسبة إلى 69 في المائة فقط خلال ستة أشهر كما انخفض خطر إصابة الأطفال الرضع بأمراض الجهاز التنفسي الشديدة التي تتطلب زيارة الطبيب بشكل عام بنسبة بلغت 51 في المائة وهو الأمر الذي يشير إلى أن تطعيم الأمهات يعتبر جزءا أساسيا في الوقاية من المرض خاصة أن المناعة تنتقل إلى الأطفال في أول 6 شهور من حياتهم وهي الفترة التي تكون فيها معدلات الخطورة للمضاعفات كبيرة جداً. وعلى سبيل المثال فإن معدلات حجز الأطفال في المستشفيات جراء الفيروس المخلوي في الفترة العمرية من شهر وحتى 5 شهور ضعف الفترة العمرية من 6 وحتى 11 شهراً.

أوضحت إدارة الغذاء والدواء أن التطعيم يعتبر آمنا بشكل كبير والأعراض الجانبية الناتجة من الحقن طفيفة ولا تتعدى نفس الأعراض الناتجة عن التطعيم بأي لقاح آخر وأهمها الإرهاق والصداع وآلام العضلات وألم في موضع الحقن. ومخاطر الولادة المبكرة لا تعتبر كبيرة حيث كانت هناك 200 حالة فقط في 18 دولة حول العالم من أصل 7400 حالة تم إجراء التجارب عليهن وفي المقابل كانت هناك 169 من اللاتي تناولن العقار الوهمي.

كما وضحت شركة فايزر أن الموافقة النهائية على العقار سوف تصدر في شهر أغسطس (آب) المقبل، والاستخدام الفعلي للقاح الجديد ربما يستغرق بضعة شهور أخرى حتى نهاية العام ثم يتم طرحه في الأسواق بعد التأكد التام من فاعليته ومدى الأمان الذي يتمتع به خاصة أنه تمت الموافقة خلال هذا العام أيضاً على لقاح آخر لنفس المرض ولكن يتم استخدامه في البالغين فوق عمر 60 عاماً. ويعتبر الأطفال وكبار العمر من الفئات ذات الخطورة العالية لحدوث مضاعفات المرض ولذلك يجب تطعيمهم. والحرص على أن يتمتع اللقاح بأعلى قدر من الأمان وأقل نسبة مضاعفات خاصة مضاعفات الجهاز العصبي في الأطفال. ومن أهم المخاوف التي تجعل الآباء يحجمون عن تطعيم أطفالهم إصابتهم بمرض التوحد وهي مخاوف لا أساس لها من الصحة.


مقالات ذات صلة

السعودية: إنقاذ حياة 12 مريضاً بأعضاء 5 متوفين دماغياً

يوميات الشرق نجح المركز في التنسيق لإجراء 5 عمليات استئصال أعضاء من متبرعين متوفين دماغياً (واس)

السعودية: إنقاذ حياة 12 مريضاً بأعضاء 5 متوفين دماغياً

أسهم فريق المركز السعودي لزراعة الأعضاء في إنقاذ حياة 12 مريضاً بينهم 4 أطفال، وإنهاء معاناتهم مع أمراض الفشل العضوي، وإعادة البهجة والسرور إلى أسرهم.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
صحتك رغم أن البطيخ ليس من الفواكه المحظورة لمرضى السكري فإن الخبراء يشددون على أن الاعتدال في الكمية واختيار الحصص المناسبة هما العاملان الأساسيان للاستفادة من فوائده دون زيادة خطر ارتفاع سكر الدم (بيكسلز)

ما تأثير تناول البطيخ على مرضى السكري؟

يمكن لمرضى السكري تناول البطيخ باعتدال، رغم ارتفاع مؤشره السكري، مع الالتزام بحصص صغيرة ودمجه مع غذاء متوازن لتقليل تأثيره على سكر الدم.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك يعد نقص فيتامين ب 12 أمراً شائعاً لدى البالغين الذين تزيد أعمارهم عن 50 عاماً بسبب انخفاض حمض المعدة اللازم للامتصاص (بيكساباي)

علامات نقص فيتامين B12 بعد سن الخمسين لا ينبغي تجاهلها

يعد نقص فيتامين ب12 أمراً شائعاً لدى البالغين الذين تزيد أعمارهم عن 50 عاماً بسبب انخفاض حمض المعدة اللازم للامتصاص.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك تركز حمية «الكيتو» على تقليل الكربوهيدرات والسكريات (رويترز)

حمية الكيتو قد تزيد من خطر الإصابة بسرطان الأمعاء الدقيقة

كشفت دراسة جديدة عن أن حمية الكيتو يمكن أن تزيد من خطر الإصابة بسرطان الأمعاء الدقيقة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك تخصيص دقيقتين فقط يومياً لحل الألغاز الذهنية قد يسهم في الحفاظ على صحة الدماغ (رويترز)

دقيقتان يومياً من الألغاز... وصفة بسيطة للحفاظ على صحة الدماغ

كشفت دراسات حديثة أن تخصيص دقيقتين فقط يوميًا لحل الألغاز الذهنية قد يسهم في الحفاظ على صحة الدماغ، ويبطئ التراجع المعرفي مع التقدم في العمر.

«الشرق الأوسط» (لندن)

نهج علاجي جديد لـ«الارتجاع المعدي المريئي»

نهج علاجي جديد لـ«الارتجاع المعدي المريئي»
TT

نهج علاجي جديد لـ«الارتجاع المعدي المريئي»

نهج علاجي جديد لـ«الارتجاع المعدي المريئي»

إذا كنت تعاني مرض «الارتجاع المعدي المريئي gastroesophageal reflux disease GERD»، الذي يتميز بتدفق حمض المعدة بصورة متكررة إلى المريء مسبّباً حرقة المعدة وأعراضاً أخرى، فأنت تعلم أن إدارة هذه الحالة المزمنة تتطلب نهجاً شاملاً متعدد المحاور. وقد يكفي تغيير نمط الحياة، كفقدان الوزن وتجنّب أطعمة بعينها، في بعض الحالات. غير أن الأعراض المزعجة كثيراً ما تعود على الرغم من هذه التغييرات، وفي هذه الحالة يتوافر، لحسن الحظ، عدد من الأدوية الفعّالة.

لكن إذا لم تُجدِ العلاجات التقليدية نفعاً كافياً - سيّما إذا كانت أعراض الارتجاع شديدة أو متكررة، أو إذا كان الارتجاع المتراكم على مدى سنوات قد ألحق ضرراً بالمريء - فإن فئة جديدة من الأدوية تُعرف بـ«حاصرات الحموضة التنافسية للبوتاسيوم potassium-competitive acid blockers»، أو «بي - كابس P-CABs» تُقدّم «بديلاً مفيداً»، وفق ما يقوله الدكتور لورنس فريدمان، رئيس قسم الطب في مستشفى «نيوتن- ويلسلي» والأستاذ في كلية الطب بجامعة هارفارد.

كيف تُستخدم أدوية «بي - كابس»؟الدواء الوحيد من فئة «بي - كابس» المتاح حتى الآن في الولايات المتحدة هو «فونوبرازان vonoprazan» (فوكيزنا Voquezna)، المعتمد والمتاح بوصفة طبية فقط لعلاج الحالات التالية لدى البالغين:

* التهاب المريء التآكلي erosive esophagitis، الذي يُصيب بطانة المريء جراء الارتجاع الحمضي المزمن.

* حرقة المعدة المرتبطة بالارتجاع المعدي المريئي غير التآكلي heartburn associated with non-erosive GERD، الذي تظهر فيه أعراض كحرقة المعدة والارتجاع دون وجود تلف مرئي في المريء.

* مرض القرحة الهضمية المقاوم للعلاج refractory (treatment-resistant) peptic ulcer disease.

* عدوى بكتيريا الملوية البوابية infections with H. pylori، وهي بكتيريا تُصيب بطانة المعدة وتُعدّ سبباً شائعاً للقرحة. وفي حالات عدوى بكتيريا الملوية البوابية، يُؤخذ «فونوبرازان» جنباً إلى جنب مع المضادات الحيوية.

ويُضيف الدكتور فريدمان أن أدوية أخرى من فئة «بي - كابس» قد تُصبح متاحة قريباً، من بينها «تيغوبرازان» tegoprazan، و«كيفيربرازان» keverprazan، و«فيكسوبرازان» fexuprazan، المتوفرة حالياً في بعض الدول الآسيوية.

علاجات الارتجاع المعدي المريئي التقليدية

تُشير التجارب السريرية إلى أن أدوية «بي - كابس» قد تُفيد مَن لم يستجيبوا استجابة جيدة لعلاج الارتجاع التقليدي. وفيما يلي استعراض موجز لأكثر الأدوية المستخدمة في إدارة هذا المرض؛ لفهم الموضع الذي تحتله أدوية «بي - كابس» في المنظومة العلاجية.

* مُخففات الحموضة Acid buffers، مثل «تامز Tums» و«رولايدز Rolaids»، تُساعد على معادلة حموضة المعدة مؤقتاً. وهي غير مكلفة، ومتاحة دون وصفة طبية، وخيار ممتاز لعلاج حرقة المعدة العرضية. غير أنها لا تُقلّص كمية الحمض الذي ينتجه الجسم؛ ما يجعلها أقل جدوى في حالات الارتجاع المتكرر أو الشديد.

* أما «حاصرات مستقبلات الهيستامين إتش-2» H2 blockers مثل «فاموتيدين famotidine» (بيبسيد Pepcid) و«سيميتيدين cimetidine» (تاغاميت Tagamet)، تعمل على منع الإشارات التي تحفّز المعدة على إنتاج الحمض. وهي متاحة بجرعات دون وصفة طبية وأخرى تستلزمها، وأكثر فاعلية من مُخففات الحموضة في حالات الأعراض العادية، ويمكن تناولها قبل الوجبات للوقاية من حرقة المعدة. بيد أن الجسم قد يُطوّر مناعة ضدها مع مرور الوقت.

* تعدّ «مثبطات مضخة البروتون Proton-pump inhibitors (PPIs)»، ومنها «أوميبرازول omeprazole» (بريلوزيك Prilosec)، و«إيزوميبرازول esomeprazole» (نيكسيوم Nexium)، هي الأكثر وصفاً لمرضى الارتجاع. وتعمل على خفض حموضة المعدة عن طريق تثبيط البروتينات الموجودة في بطانة المعدة والمسؤولة عن ضخ أيونات الهيدروجين إليها لرفع مستويات الحمض. وكثيراً ما تكون الخيار الأول لمن يُعانون أعراضاً متكررة.غير أن «مثبطات مضخة البروتون» لا تعمل بصورة فورية، وقد يستغرق وصولها إلى ذروة فاعليتها بضعة أيام. ويوضح الدكتور فريدمان أنها تحتاج أيضاً إلى حمض المعدة لتفعيلها؛ ما يستلزم تناولها قبل الأكل من 30 إلى 60 دقيقة، وهو أمر قد يكون مرهقاً وكثيراً ما ينسى المرضى الالتزام به. علاوة على ذلك، قد تُسبب «مثبطات مضخة البروتون» اضطراباً في المعدة وإسهالاً. ويُنبّه الدكتور فريدمان إلى أن الاستخدام المطوّل لها قد يرفع خطر كسور العظام، وأمراض الكلى، وقصور التغذية؛ لذا ينبغي تناولها بأقل جرعة فعّالة ولفترات قصيرة. ويُضيف: «يمكن التوقف عنها والعودة إليها، أو التنقل بينها وبين أدوية أخرى».

ما الذي يجعل أدوية «بي - كابس» مختلفة؟

تعمل أدوية «بي - كابس» بطريقة مشابهة لأدوية «مثبطات مضخة البروتون» من حيث تثبيط المضخات المنتجة للحمض في المعدة، لكنها تفعل ذلك بآلية مختلفة قليلاً: فبدلاً من الحاجة إلى التنشيط بواسطة حمض المعدة أولاً، تقوم أدوية «بي - كابس» بحظر جزيء أساسي «البوتاسيوم» الذي تحتاج إليه المضخة لأداء وظيفتها. وهذا يعني إمكانية تناولها مع الطعام أو من دونه.كما تعمل أدوية «بي - كابس» بسرعة أكبر مقارنة بأدوية «مثبطات مضخة البروتون» في كبح حموضة المعدة؛ إذ تصل إلى ذروة فاعليتها خلال اليوم الأول من الاستخدام. ونظراً لأن مفعولها طويل الأمد؛ فإنها توفر تحكماً أكثر اتساقاً واستقراراً في مستويات الحموضة طوال الليل والنهار.ويشير الدكتور فريدمان إلى أن الأعراض الجانبية لأدوية «بي - كابس» تبدو مشابهة لتلك المصاحبة لأدوية «مثبطات مضخة البروتون». ويوضح أنه نظراً لأن هذه العقاقير الجديدة لم تُسجل بعد سجلات أمان ممتدة على المدى الطويل كغيرها من الأدوية الأكثر رسوخاً، فإن بعض الأطباء «قد يتخذون موقف التريث والترقب قبل وصفها».ويضيف أن أحد أكبر العوائق التي تحُول دون استخدام أدوية «بي - كابس» في الوقت الحالي هو تكلفتها المادية؛ إذ لا يغطي التأمين الصحي دائماً الأدوية الأحدث عهداً. ويختتم قائلاً: «لكن إذا تساوت جميع العوامل الأخرى، فإنها ستشكل خياراً جيداً للكثير من الأشخاص».

* رسالة هارفارد الصحية

- خدمات «تريبيون ميديا»


الساركوما... سرطان نادر لا يثير الانتباه بأعراضه المألوفة

الساركوما... سرطان نادر لا يثير الانتباه بأعراضه المألوفة
TT

الساركوما... سرطان نادر لا يثير الانتباه بأعراضه المألوفة

الساركوما... سرطان نادر لا يثير الانتباه بأعراضه المألوفة

قد يحمل أحدهم كتلة صغيرة في ذراعه أو ساقه لأشهر، لا تؤلمه، ولا تعوقه عن عمله، أو ممارسة حياته اليومية، فيطمئن إلى أنها مجرد تجمع دهني، أو أثر لإصابة قديمة، ويؤجل مراجعة الطبيب. لكن، في بعض الحالات، قد تكون تلك الكتلة أول إشارة إلى «الساركوما»؛ أحد أندر أنواع السرطان، وأكثرها تنوعاً، وهو مرض لا تكمن خطورته في عدوانيته وحدها بقدر ما تكمن في أن أعراضه الأولى قد تمر بصمت، فلا تثير انتباه المريض، وأحياناً لا تثير الشك حتى لدى الطبيب في الزيارة الأولى.

هذه الحقيقة هي ما يدفع الجمعيات العلمية ومنظمات المرضى حول العالم إلى تخصيص شهر يوليو (تموز) من كل عام للتوعية بالساركوما (Sarcoma Awareness Month)، بهدف التعريف بعلاماته المبكرة، وتشجيع سرعة التشخيص، وتعزيز إحالة المرضى إلى المراكز المتخصصة. فالخبرة الطبية المتراكمة تؤكد أن الاكتشاف المبكر لا يزيد فرص العلاج فحسب، بل قد يغيّر مسار المرض بالكامل، ويتيح في كثير من الحالات علاجات أقل تعقيداً، وأكثر حفاظاً على وظائف الأعضاء، وفق أحدث إرشادات الجمعية الأوروبية لطب الأورام (ESMO)، والشبكة الوطنية الأميركية الشاملة للسرطان (NCCN). ولعل أكثر ما يثير القلق أن كثيراً من مرضى الساركوما يصلون إلى المراكز المتخصصة بعد أشهر من ظهور الأعراض، لأنهم لم يتصوروا أن كتلة صغيرة غير مؤلمة قد تكون ورماً خبيثاً.

نوعان رئيسيان وخصائص مختلفة

رغم أن الساركوما تمثل أقل من واحد في المائة من السرطانات لدى البالغين، فإنه يضم أكثر من مائة نوع فرعي، يختلف كل منها في سلوكه البيولوجي، واستجابته للعلاج. ينشأ الساركوما في الأنسجة الداعمة للجسم، كالعضلات، والدهون، والأوتار، والأربطة، والأوعية الدموية، والأعصاب، والعظام، والغضاريف. ويجعل هذا التنوع الكبير منه واحداً من أكثر مجموعات الأورام تعقيداً من حيث التشخيص، والعلاج، حتى إن التعامل مع هذه المجموعة اليوم يعتمد على فرق طبية متعددة التخصصات، وعلى تقنيات التشخيص الجزيئي التي أصبحت تمثل حجر الزاوية في اختيار العلاج المناسب لكل مريض.

يقسم الأطباء الساركوما إلى مجموعتين رئيستين:

1. ساركوما الأنسجة الرخوة، وهي الأكثر شيوعاً لدى البالغين، ويمكن أن تظهر في أي موضع من الجسم، ولا سيما الأطراف. ويُتوقع، في عام 2026، تسجيل نحو 13910 إصابات بساركوما الأنسجة الرخوة في الولايات المتحدة الأميركية، مع معدل البقاء على قيد الحياة لمدة خمس سنوات نحو 65.7 في المائة.

2. ساركوما العظام التي تُصيب النسيج العظمي نفسه، ويعد الورم العظمي (Osteosarcoma) أكثر أنواعها شيوعاً، خاصة لدى الأطفال، واليافعين. ويُتوقع، في عام 2026، تسجيل نحو 4110 إصابات في أميركا، مع معدل البقاء على قيد الحياة لمدة خمس سنوات نحو 68.7 في المائة.

وكثيراً ما يُشخص هذا المرض بشكل غير دقيق، أو متأخر، نظراً لندرته، وتشابهه مع أنواع أخرى من السرطانات. وفقاً لتقارير الجمعية الأميركية لأبحاث السرطان

(American Association for Cancer Research – AACR-).

ورغم ندرة هذه الأورام، فإنها تمثل نسبة أعلى من الأورام الصلبة لدى الأطفال مقارنة بالبالغين، مما يفسر الاهتمام الكبير بها في طب أورام الأطفال.

وتكمن المشكلة في أن سرطانات الساركوما لا تُعلن عن نفسها في مراحلها الأولى. ففي كثير من الحالات لا تسبب ألماً، ولا تؤثر في الحالة العامة للمريض، بل تقتصر على كتلة تنمو ببطء، أو ألم موضعي متقطع قد يستمر لأسابيع أو أشهر قبل أن يدفع صاحبه إلى مراجعة الطبيب.

ولهذا السبب تشدد الإرشادات الحديثة للجمعية الأوروبية لطب الأورام والشبكة الوطنية الأميركية الشاملة للسرطان على ضرورة عدم إهمال أي كتلة يزداد حجمها تدريجياً، أو يتجاوز قطرها خمسة سنتيمترات، أو تقع في عمق الأنسجة، أو يصاحبها ألم مستمر، أو تعود للظهور بعد استئصالها. ولا تعني هذه العلامات بالضرورة وجود سرطان، لكنها تستوجب تقييماً متخصصاً، لأن التشخيص المبكر يظل العامل الأكثر تأثيراً في نجاح العلاج، وتقليل المضاعفات.

ولا يقتصر الأمر على أورام الأنسجة الرخوة؛ ففي ساركوما العظام قد يكون العرض الأول ألماً يزداد مع الوقت، ويصبح أكثر وضوحاً أثناء الليل، أو مع النشاط البدني، وقد يصاحبه تورم، أو حتى كسر يحدث بعد إصابة بسيطة نتيجة ضعف العظم. وهنا تكمن أهمية عدم الاكتفاء بتفسير الألم على أنه نتيجة للنمو، أو للإجهاد الرياضي، خاصة إذا استمر، أو ازداد تدريجياً، إذ قد يكون ذلك أول مؤشر على وجود مشكلة تحتاج إلى تقييم دقيق.

الأسباب والتشخيص

• لماذا تحدث سرطانات الساركوما؟ ولعل السؤال الذي يطرحه، الآن، كثير من المرضى وعائلاتهم: لماذا تحدث الساركوما؟ رغم كل التقدم العلمي، لا يزال السبب المباشر لمعظم حالات الساركوما غير معروف. وتشير الدراسات إلى أن غالبية المرضى لا يملكون عامل خطر واضحاً، إلا أن بعض المتلازمات الوراثية النادرة، مثل متلازمة لي-فروميني (Li Fraumeni syndrome)، والورم الليفي العصبي من النوع الأول (neurofibromatosis type 1)، إضافة إلى التعرض السابق للعلاج الإشعاعي، أو الإصابة بوذمة لمفية مزمنة قد تزيد من ااحتمال الإصابة لدى فئات محددة، وفق مراجعات حديثة نشرتها مجلة «Nature Reviews Clinical Oncology». وفي المقابل، لا توجد أدلة علمية تثبت أن الساركوما تنشأ نتيجة إصابة مباشرة، أو كدمة، وهي من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً بين الناس.

ولأن معظم حالات الساركوما لا يمكن الوقاية منها، فإن أفضل وسيلة لتحسين النتائج تتمثل في رفع مستوى الوعي بعلاماتها المبكرة، وتسريع الوصول إلى المراكز المتخصصة عند الاشتباه بها. كما أن المتابعة الدورية بعد انتهاء العلاج تُعد جزءاً أساسياً من الرعاية، إذ تهدف إلى الكشف المبكر عن أي عودة للورم، ومتابعة المضاعفات المحتملة، ومساعدة المرضى على استعادة نشاطهم البدني، والنفسي، والعودة إلى حياتهم الطبيعية.

يعتمد تشخيص الساركوما على ثلاثة عناصر رئيسة: التقييم السريري، والتصوير الطبي، والخزعة. ويُعد التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) الخيار الأمثل لتقييم معظم أورام الأنسجة الرخوة، لما يوفره من معلومات دقيقة عن حجم الورم، وحدوده، وعلاقته بالأنسجة المحيطة، بينما يُستخدم التصوير المقطعي المحوسب (CT) في حالات أخرى، خاصة لتقييم الرئتين اللتين تُعدان أكثر مواقع الانتشار شيوعاً في بعض أنواع الساركوما. أما تأكيد التشخيص فلا يتم إلا من خلال الخزعة التي ينبغي أن تُجرى في المركز الذي سيتولى علاج المريض، أو بالتنسيق معه، لأن مكان أخذ العينة وطريقتها قد يؤثران في الخطة الجراحية لاحقاً، وهو ما تؤكد عليه الإرشادات الدولية بصورة متكررة.

ومع تطور علم الأمراض الجزيئي، لم يعد تشخيص الساركوما يعتمد على الفحص المجهري التقليدي وحده، بل أصبح يشمل تحاليل مناعية وجزيئية تساعد في تحديد النوع الفرعي للورم بدقة أكبر، والكشف عن الطفرات، أو الاندماجات الجينية التي قد يكون لها دور في اختيار العلاج. وقد أسهم هذا التطور في إعادة تصنيف عدد من أنواع الساركوما، وأصبح يمثل أحد أهم التحولات في طب الأورام خلال السنوات الأخيرة، وفق تصنيف منظمة الصحة العالمية للأورام.

• العلاج، ويشمل: -الجراحة، لا تزال تمثل حجر الأساس في علاج معظم حالات الساركوما الموضعية، إذ تهدف إلى استئصال الورم بالكامل، مع هامش آمن من الأنسجة السليمة، لتقليل احتمال عودته. وقد أسهمت التقنيات الجراحية الحديثة -إلى جانب التخطيط الدقيق قبل العملية الذي يضعه فريق متعدد التخصصات يضم جراح الأورام، وطبيب الأورام، واختصاصي الأشعة، واختصاصي علم الأمراض، واختصاصي العلاج الإشعاعي، بحيث تُبنى الخطة العلاجية على نوع الورم، ودرجته وخصائصه الجزيئية، وليس على حجمه، أو مكانه فقط- في المحافظة على الأطراف، والأعضاء المصابة لدى معظم المرضى، بعد أن كان بتر الطرف يُعد خياراً شائعاً في الماضي.

-العلاج الإشعاعي، يأتي مكملاً للجراحة في كثير من حالات ساركوما الأنسجة الرخوة، سواء قبل العملية لتصغير حجم الورم، أو بعدها للحد من خطر عودته موضعياً.

-العلاج الكيميائي، لم يعد يُستخدم بالطريقة نفسها في جميع الأنواع، إذ تختلف حساسية الساركوما له بصورة كبيرة؛ فهو جزء أساسي من علاج بعض الأورام، مثل الورم العظمي، والساركوما الإيوينغية (Ewing sarcoma)، بينما يكون دوره محدوداً في أنواع أخرى، وهو ما يعكس التنوع البيولوجي الكبير لهذه الأورام، وفق توصيات الجمعية الأميركية لعلم الأورام السريري (American Society of Clinical Oncology, ASCO).

-العلاجات الموجهة، وهي التي تمثل أبرز ملامح تطور الممارسة السريرية في السنوات الأخيرة، وذلك بعد التعرف على طفرات جينية ومسارات خلوية يمكن استهدافها دوائياً في بعض الأنواع. ويُعد الورم اللحمي المعدي المعوي (GIST) أحد أبرز الأمثلة على نجاح هذا النهج، إذ أدى استهداف الطفرات في جيني (KIT, PDGFRA) إلى تغيير جذري في نتائج العلاج لدى كثير من المرضى.

-الطب الدقيق (Precision Medicine)، حيث يواصل العلاج المناعي تحقيق نتائج واعدة في بعض الأنواع الفرعية، وإن كانت الاستجابة لا تزال متفاوتة، الأمر الذي يجعل اختيار العلاج يعتمد بصورة متزايدة على الخصائص البيولوجية للورم، وهو ما يُعرف اليوم بمفهوم الطب الدقيق.

رسالة شهر التوعية بالساركوما

يحمل شهر يوليو، شهر التوعية بالساركوما، رسالة صحية تتجاوز التعريف بورم نادر، لتؤكد أن تجاهل كتلة تكبر مع مرور الوقت أو ألم يستمر دون تفسير واضح قد يكلّف المريض فرصة التشخيص المبكر. وفي المقابل، فإن الاكتشاف في الوقت المناسب، والإحالة إلى مركز يمتلك الخبرة، والاستفادة من التطورات المتسارعة في التشخيص والعلاج، كلها قادرة على تغيير مسار المرض بصورة كبيرة.

لقد غيّر التقدم العلمي خلال العقدين الماضيين النظرة إلى أورام الساركوما. فبعد أن كان التعامل معها يقتصر على الجراحة في كثير من الحالات، أصبحت اليوم من الأورام التي تستفيد من التكامل بين الجراحة، والعلاج الإشعاعي، والعلاج الدوائي، والطب الجزيئي، والفرق الطبية متعددة التخصصات. ومع استمرار الأبحاث في كشف المزيد من أسرارها البيولوجية، يبقى الأمل قائماً في تطوير علاجات أكثر دقة، وفاعلية، بما ينعكس على زيادة فرص الشفاء، وتحسين جودة الحياة.

تبقى الرسالة الأهم: إن ندرة المرض لا تعني ندرته في الممارسة الطبية، ولا ينبغي أن تقلل من أهمية التفكير فيه. فكلما ازداد وعي المجتمع، وارتفع مستوى الاشتباه به لدى الأطباء، وتسارعت الإحالة إلى المراكز المتخصصة، أصبح بالإمكان اكتشاف الساركوما في مراحل أبكر، وتقديم علاج أكثر فاعلية، وتحويل قصة مرض نادر إلى قصة نجاح طبي تستند إلى العلم، والتشخيص المبكر، والرعاية المتخصصة.

*استشاري طب المجتمع


حنان الأم يحمي الأطفال الخدج من المشكلات العاطفية والنفسية

حنان الأم يحمي الأطفال الخدج من المشكلات العاطفية والنفسية
TT

حنان الأم يحمي الأطفال الخدج من المشكلات العاطفية والنفسية

حنان الأم يحمي الأطفال الخدج من المشكلات العاطفية والنفسية

أظهرت دراسة حديثة لباحثين من جامعة أولو University of Oulu في فنلندا، نُشرت في التاسع من يوليو (تموز) الحالي، بمجلة «طب النمو وعلم الأعصاب» Developmental Medicine & Child Neurology، أن التفاعل الحنون بين الأم وطفلها المولود قبل ميعاد ولادته (الطفل الخديج)، يمكن أن يلعب دوراً مهماً في تقليل المخاطر الطبية المرتبطة بعملية الولادة المبكرة.

الأطفال الخدّج

بالإضافة للمشكلات العضوية الخطيرة المرتبطة بالولادة المبكرة، التي يمكن أن تصل في بعض الأحيان إلى الوفاة، في الأغلب يعاني الأطفال الخدج (المولودون قبل الأسبوع السابع والثلاثين من الحمل)، من مخاطر الإصابة بمشكلات عاطفية وسلوكية حادة مقارنة بالأطفال الذين يولدون في موعدهم، وهذا التأثير يكون من الوضوح بحيث يُطلق على سلوك هؤلاء الأطفال في بعض الأحيان «النمط السلوكي للخدج».

قال الباحثون إن المشكلات العاطفية والنفسية المتعلقة بالولادة المبكرة خطيرة جداً، ولكن لا تنال الاهتمام الكافي، ويكفي أن نعرف أن الأطفال الذين يُولَدون قبل موعد ولادتهم بشكل كبير أكثر عرضة للإصابة بالقلق بأربع مرات مقارنة بأقرانهم الذين وُلدوا في موعد ولادتهم المعتاد، فضلاً عن مشكلات النمو العصبي.

السبب في هذه المشكلات العصبية والعاطفية مع هؤلاء الرضع ربما يكون راجعاً لعدم اكتمال الجهاز العصبي، نتيجة للولادة المبكرة، وتأثر المخ نتيجة لمشكلات التغذية في الحضّانات، والاضطرار لاستخدام بعض الأدوية التي يمكن أن يكون لها تأثير جانبي سلبي على الجهاز العصبي، مثل بعض أدوية القيء.

وكلما كانت الولادة مبكرة زادت هذه المخاطر، ويمكن أن تظهر هذه المشكلات السلوكية، في نقص الانتباه، وضعف التفاعل الاجتماعي، وعدم القدرة على تنظيم المشاعر، وفي الأغلب تستمر هذه السلوكيات في مرحلتي المراهقة والبلوغ.

ونظراً لهذه المخاطر العصبية والنفسية، التي تهدد الأطفال الخدج، هناك اهتمام إكلينيكي كبير بمحاولة الحد من هذه المشكلات، ولذلك يُعد تفاعل الأم الحنون والسريع مع طفلها من العوامل البيئية القابلة للتعديل بعد الولادة، لا سيما إذا تم هذا التفاعل في وقت مبكر من عمر الطفل، وبالتالي يمكن أن يساعد في الحد من المخاطر السلوكية والعاطفية لدى الأطفال والمراهقين لاحقاً، بغضّ النظر عن مدى ولادة الطفل قبل الأوان.

في الدراسة الحالية، قام الباحثون بتحليل مجموعة بيانات ضخمة تضم 2469 زوجاً من الأمهات وأطفالهن، أُخذت من سبع مجموعات مواليد، في خمس دول أوروبية، وتمت ولادة هؤلاء الأطفال جميعاً في الفترة بين عامي 1980 و2014.

وقام الباحثون بتثبيت جميع العوامل التي يمكن أن تؤثر في النتيجة، مثل عمر الحمل، وجنس الرضيع، وعمره، والوزن بالغرامات، وصغر حجمه بالنسبة لعمر الحمل بالأسابيع عند الولادة، وولادات الأم المتعددة، ووجود إعاقة عصبية، والمستوى التعليمي للأم، وحالة الأم النفسية.

وشملت البيانات أيضاً معلومات عن المشكلات السلوكية والعاطفية لدى الأطفال والمراهقين، من خلال استبيانات أجاب عنها الآباء، وسجلات السلوك في المدارس، وتم احتساب درجات للمشكلات السلوكية، وكلما حصل المراهق على درجات أكثر كان ذلك مؤشراً أكبر على المشكلات السلوكية التي يعاني منها، والعكس بالعكس.

تفاعل الأمهات العاطفي

حرص الباحثون أيضاً على تقييم حساسية الأمهات وتفاعلهنّ العاطفي والوجداني، من خلال اختبارات نفسية قياسية، وبعد ذلك أجروا تقييماً للقدرات الإدراكية واللغوية الاستقبالية للأطفال، باستخدام اختبارات معتمدة.

أظهرت النتائج أن الأطفال الذين وُلِدوا قبل موعد ولادتهم بشكل مبكر جداً، وليس أولئك الذين وُلدوا قبل موعد ولادتهم بشكل متوسط إلى متأخر، وأيضاً عانوا من انخفاض مستوى حساسية الأم وتفاعلها العاطفي، هم الذين حصلوا على درجات أعلى في إجمالي المشكلات مقارنةً بالأطفال الذين وُلِدوا في موعدهم.

وظلت هذه النتيجة ثابتة، حتى بعد ضبط مجموعة واسعة من العوامل المؤثرة؛ حيث كان عمر الحمل عند الولادة، وحساسية الوالدين العاطفية، العاملَين الأكثر تأثيراً على المشكلات العاطفية والسلوكية لدى الأطفال والمراهقين.

ووجد الباحثون أن جميع الأطفال استفادوا بالتساوي من الأبوة والأمومة الحانية والمتفاعلة، بغض النظر عن عمر الحمل عند الولادة، مما يوضح الدور المهم للأب، في تقديم الدعم النفسي لأطفاله، وعدم إلقاء المسؤولية كاملة على عاتق الأم.

وكما هو متوقَّع، سجل الأطفال الذين تمت ولادتهم قبل الأوان بشكل مبكر جداً، درجات أقل في اختبارات القدرات المعرفية واللغوية، مقارنة بالأطفال المولودين في موعدهم الطبيعي، ولكن اللافت للنظر أن حساسية الأم كانت مؤثراً إيجابياً ثابتاً حتى في الولادات المبكرة جداً؛ فقد ارتبطت حساسية الأم بشكل عام، بتحسُّن الإدراك والنمو الوجداني للطفل، وأيضاً تطور اللغة بشكل سريع وزيادة المفردات اللغوية والقدرة على استدعائها، وكان الارتباط بين التربية الحانية والمتفاعلة والإدراك أكثر وضوحاً لدى الأطفال المولودين في عمر حمل أصغر، وأيضاً ارتبطت حساسية الأم مع النمو العصبي السليم، والوقاية من المشكلات التي تسبب اضطرابات في الجهاز العصبي، مثل التوحد ونقص الانتباه وفرط النشاط.

أكدت الدراسة أن تغيير العوامل البيئية في المراحل المبكرة من الحياة، مثل التفاعل العاطفي من العائلة، يمكن أن يلعب دوراً مهماً في مسار نمو الطفل، حتى عندما تكون هناك صعوبات في البداية، مثل «الولادة المبكرة».

وتُعد نتائج هذه الدراسة شديدة الأهمية بالنسبة للأطباء والعاملين في المجال الصحي، وتدعو إلى ضرورة أن ينصح الأطباء بتعزيز التفاعلات العاطفية بين الوالدين والأطفال، خصوصاً الأطفال الخدج، وبالنسبة للآباء والأسر، تؤكد النتائج على أهمية التفاعلات الداعمة والتواصل العاطفي بشكل يومي مع الأبناء، لا سيما الذين ولدوا قبل ميعاد ولادتهم.

* استشاري طب الأطفال