ضعف القلب مع قوة انقباض طبيعية... مفارقة تبحث عن مسارات المعالجة

ازدياد انتشاره وتنوع حالاته

ضعف القلب مع قوة انقباض طبيعية... مفارقة تبحث عن مسارات المعالجة
TT

ضعف القلب مع قوة انقباض طبيعية... مفارقة تبحث عن مسارات المعالجة

ضعف القلب مع قوة انقباض طبيعية... مفارقة تبحث عن مسارات المعالجة

ضمن بيان طبي جديد، أصدرت الكلية الأميركية لأمراض القلب (ACC) قرار إجماع الخبراء (ECD) حول مسار معالجة حالات ضعف القلب التي تكون فيها قوة انقباض القلب وضخه للدم طبيعية. وهي الحالة الإكلينيكية التي تُسمى طبياً «ضعف القلب مع حفظ الكسر القذفي (HFpEF)».
وأفاد البيان الذي نُشر ضمن عدد 19 أبريل (نيسان) الحالي من مجلة الكلية الأميركية لطب القلب (JACC)، بأن: «ضعف القلب مع حفظ الكسر القذفي، أحد التحديات التشخيصية والعلاجية الأكثر إلحاحاً في الطب الإكلينيكي اليوم. وذلك نظراً لانتشاره المتزايد، وتدني التشخيص، وسوء التشخيص، وخيارات العلاج المحدودة، والعبء الكبير على نظام الرعاية الصحية في جميع أنحاء العالم».
كانت هيئة تحرير مجلة «طب القلب Cardiology Magazine»، الصادرة عن الكلية الأميركية لطب القلب، قد نشرت في أول أعدادها عام 2022 مقالة بعنوان «قصة الغلاف - ضعف القلب مع حفظ الكسر القذفي: عام جديد، أمل جديد». وقالوا فيها: «يُطلق على ضعف القلب مع حفظ الكسر القذفي بأنه أكبر حاجة لم تتم تلبيتها في طب القلب والأوعية الدموية».

- مقياس قذف الدم
و«الكسر القذفي» هو مقياس لنسبة الدم الخارج من القلب في كل مرة ينقبض فيها. والطبيعي أن يستوعب البطين الأيسر الدم القادم إليه من الرئتين بعد تنقيته من ثاني أكسيد الكربون وتزويده بالأكسجين، ثم تنقبض عضلته بقوة طبيعية كي تضخ وتقذف هذا الدم النقي إلى أرجاء الجسم. والطبيعي أن يَنتج عن عمليتي الانقباض والضخ هذه قذف نسبة 55% من الدم الذي استوعبه البطين الأيسر. وعندما يضعف القلب عن الانقباض ويقذف هذه النسبة فإن ضعف القلب يُطلق عليه «ضعف القلب مع انخفاض الكسر القذفي HFrEF - Heart failure with preserved ejection fraction»، وهي الحالة الغالبة من بين حالات ضعف القلب.
ولكن في السنوات الماضية تعرّف أطباء القلب على حالات مختلفة من ضعف القلب، تظهر فيها على المريض أعراض وعلامات ضعف القلب (ضيق النفس، وتورم الساقين، وتجمع السوائل في الرئتين)، ولكن مع وجود قوة انقباض ونسبة قذف للدم بمقدار وبشكل طبيعي. وهي حالات «ضعف القلب مع حفظ الكسر القذفي» التي تمثل بالفعل مفارقة إكلينيكية، ما جعلها إشكالية لدى أوساط طب القلب، ولدى المرضى، حول تصور حصول هذا الأمر بهذه المفارقة. وبالتالي شكَّلت هذه الحالات إشكاليات طبية متفرعة، في ضرورة توفر عناصر تشخيص دقيقة لهذه الحالات، بغية عدم الإفراط في تشخيصها ليشمل مجموعات من المرضى الذين لا تنطبق عليهم تلك العناصر اللازمة لدقة التشخيص. وأيضاً، في طرق ومسارات المعالجة الناجحة.

- مسارات التشخيص والمعالجة
ولذا تجتهد أوساط طب القلب في وضع أسس واضحة للتشخيص ولمسارات المعالجة. ومن بين أهمها هذا الإصدار الحديث للكلية الأميركية لطب القلب المكون من 44 صفحة، الذي سلّط الضوء على «الحاجة الماسّة» لتشخيص «ضعف القلب مع حفظ الكسر القذفي» بـ«دقة»، وذلك للسماح بتنفيذ العلاجات «المستندة إلى الأدلة العلمية والمبادئ التوجيهية»، في «الوقت المناسب» لتحسين نتائج المرضى.
وتفيد الإحصائيات الطبية بأن حالات «ضعف القلب مع حفظ الكسر القذفي» آخذة في «الارتفاع» في الولايات المتحدة وبقية مناطق العالم. ويُعزى ذلك في جانب منه إلى زيادة العمر وأعباء السمنة وتداعيات عيش نمط الحياة الكسولة عن ممارسة النشاط البدني. وأصبحت حالات «ضعف القلب مع حفظ الكسر القذفي» تشكل أكثر من 50% من إجمالي حالات ضعف القلب. ولكن لا تزال «غير معترف بها» في الممارسة السريرية اليومية، كما قال ذلك صراحةً فريق كتابة هذه الوثيقة الطبية بقيادة البروفسور ميشيل كيتلسون، الطبيب في مركز «سيدارز سيناي» الطبي في لوس أنجليس بكاليفورنيا. وأضافت الوثيقة أن حالات «ضعف القلب مع حفظ الكسر القذفي» هي حالات معقّدة، وغالباً ما تكون مصحوبة بأمراض مصاحبة متعددة ومتداخلة، بما في ذلك ارتفاع ضغط الدم والسكري والسمنة وتوقف التنفس في أثناء النوم، مما يتطلب نهج معالجة متعدد التخصصات (Multidisciplinary Approach). وأكد فريق كتابة الوثيقة الطبية أن الهدف من إصدارهم الجديد للكلية الأميركية لطب القلب، هو وضع هيكل لخطوات التشخيص وآليات اتخاذ القرارات الإكلينيكية حيالها، وإدارة معالجة الأمراض المصاحبة، وتنفيذ أحدث سُبل العلاج الطبي (الدوائية وغير الدوائية) الموجّه بالإرشادات الطبية المبنية على الأدلة والبراهين العلمية، وتقديم الرعاية العلاجية بشكل شامل.
وكان أطباء من كلية الطب بجامعة «ييل» في كونيتيكت، قد نشروا ضمن عدد 20 أكتوبر (تشرين الأول) 2020 لمجلة «جاما JAMA» الطبية، دراستهم بعنوان «فشل القلب مع الحفاظ على الكسر القذفي: حان الوقت لإعادة الضبط Reset». وقالوا: «من بين 5 ملايين مريض في الولايات المتحدة تم تشخيص إصابتهم بضعف القلب، ما يقرب من 50% منهم لديهم ضعف القلب مع حفظ الكسر القذفي. ويتزايد انتشاره سنوياً مقارنةً بنوع فشل القلب مع انخفاض الكسر القذفي. وبحلول عام 2030 من المتوقع أن يصل الإنفاق السنوي على الرعاية الصحية لحالات ضعف القلب إلى نحو 70 مليار دولار سنوياً. ويمثل ضعف القلب مع حفظ الكسر القذفي مشكلة صحية عامة مهمة، ستزداد مع تقدم السكان في العمر، ومع انتشار متزايد ومتزامن لعوامل الخطر المرتبطة به، بما في ذلك ارتفاع ضغط الدم والسمنة والسكري».

- ضعف القلب... مشكلات الضخ والملء
> ضعف القلب هو حالة مرضية يعجز القلبُ فيها عن ضخ الكمية الكافية من الدم التي يحتاج إليها الجسم كي يعمل بكفاءة وبراحة. أي حالة يتأثر سلباً بها كل جزء من الجسم.
وفي الحالة الطبيعية يتمدد القلب مع امتلائه بالدم (في أثناء الانبساط)، ثم يتقلص ليضخ الدم خارجاً (في أثناء الانقباض).
وتحدث الإصابة بضعف القلب عندما يكون الفعل الانقباضي (الضخ) أو الفعل الانبساطي (الملء) غير كافٍ. وعادةً ما يكون ذلك بسبب ضعف عضلة القلب، أو تصلبها، أو كليهما. وهذه الإصابة قد تكون حادة، أي يحدث الضعف فيها خلال وقت قصير، وذلك في قليل من الحالات. وبالتالي تظهر أعراض ضعف القلب سريعاً.
ولكن في غالبية الحالات، يحصل الأمر بمسار مزمن. وبالتالي لا تظهر أي أعراض على المريض في بداية الحالة، ولكن في غضون أشهر أو سنوات، يبدأ المريض بالشعور بإرهاق وضيق في التنفس، ثم تظهر تجمعات السوائل في الساقين والرئتين والبطن.
وعندما يشتبه الطبيب بإصابة المريض بالضعف القلبي، بناءً على الأعراض التي يعاني منها، فإنه يبدأ بإجراء الفحوصات. ومن أهمها تصوير القلب بالموجات فوق الصوتية Echocardiography (الإيكو)، وتخطيط القلب، وأشعة الصدر، وعدد من العناصر في تحاليل الدم. ثم قد يطلب الطبيب فحوصات أخرى متقدمة، إما لتقييم الشرايين القلبية وإما لتقييم أدق لوضع الصمامات القلبية، وإما لتقييم كهرباء القلب، وإما لتقييم حالة عضلة القلب نفسها.
وتتخذ المعالجة مسارين متوافقين في الوقت: مسار عاجل يُعالج الأعراض للتخفيف منها، أي تراكم السوائل، ويعالج أي اضطرابات حادة لا يمكن تأخير التعامل العلاجي السريع معها، سواء في الشرايين (نوبة الجلطة القلبية) أم في إيقاع نبض القلب (ارتجاف أذيني متسارع) أم في الصمامات (ضيق الصمام الأورطي الشديد). ومسار يتفرع إلى عدة مسارات وفق نوع ومسبِّب الضعف. أي هل هو ضعف قدرة الانقباض أو ضعف قدرة الانبساط. وبعد تحديد نوع الضعف، يبدأ البحث عن مسببات الضعف، سواء كانت حادة أو مزمنة. ثم يبدأ العمل في معالجة أصل المشكلة.

- 11 سبباً غير قلبي لضعف القلب
> ليس بالضرورة أن يكون ضعف القلب ناجماً عن مرض مبدؤه أحد أجزاء القلب نفسه، بل ثمة عدة أسباب غير قلبية تُؤثر على القلب وتتسبب بضعفه. سواء تتسبب بالضعف الانقباضي أو الانبساطي. ومن أهمها:
1. ارتفاع ضغط الدم: عندما لا يتم علاجه بشكل صحيح، يسبب إجهاداً متواصلاً لعضلة القلب، لضخ الدم بقوة أكبر من المعتاد، في مواجهة الضغط المرتفع في الشرايين. وبالتالي تزداد ثخانة جدران القلب و-أو تتصلب، ومن ثمّ لا يمتلئ القلب المتصلب بالدم بالسرعة المعتادة أو بالكمية الكافية، ويضخ كمية أقل من الدم مع كل نبضة.
2. مرض السكري والسمنة: وكلاهما عبر آليات متعددة، سيؤديان بعد فترة إلى حدوث تغيرات تزيد من صلابة جدران القلب، وبالتالي ضعف القلب.
3. التقدّم في العمر مع وجود أمراض مُصاحبة: جدران القلب تميل للتصلب أكثر مع التقدم في العمر. وتؤدي الإصابة المرافقة بكل من ارتفاع ضغط الدم والبدانة والسكّري، وهو أمر شائع لدى كبار السن، إلى زيادة خطر الضعف القلبي.
4. التهاب عضلة القلب Myocarditis: يمكن لالتهاب عضلة القلب الناجم عن عدوى بكتيرية أو فيروسية أو غيرها أن يُلحق ضرراً بعضلة القلب، مما يضعف قدرتها على ضخ الدم.
5. الأدوية: مثل أدوية العلاج الكيميائي Chemotherapy للسرطان التي تتأثر بها عضلة القلب، وأدوية مُضادات الالتهابات غير الستيرويدية NSAID (الشائعة الاستخدام)، تدفع الجسم للاحتفاظ بالسوائل، مما يزيد من العبء الملقى على عاتق القلب ويُعجّل بضعفه.
6. الدَاءُ النَّشَوانِي Amyloidosis: وهو مرض تحدث الإصابة به عندما يتراكم بروتين يُسمى الأميلويد (بروتين شاذ لا يوجد في الحالة الطبيعية في الجسم) في أعضاء الجسم، ما يُضعفها عن أداء وظائفها. ومن الأعضاء التي قد تتأثر به عضلة القلب.
7. التهاب التأمور المُضيق Constrictive Pericarditis: وفيه يتصلب الغشاء الذي يغلف القلب (التأمور)، ويمنع القلب من الامتلاء بالدم أو ضخ الدم، حتى وإن كانت عضلة القلب سليمة.
8. ارتفاع ضغط الدم في الشرايين الرئوية: وهذا يحصل نتيجة عدة أسباب، من أهمها جلطات شرايين الرئة Pulmonary Embolism (الانصمام الرئوي)، نتيجة انتقال الجلطات من الأوردة العميقة في الساقين أو الفخذين. وكذلك مرض انقطاع التنفس في أثناء النوم، ومرض السدد الرئوي المزمن.
9. فقر الدم: تؤدي الإصابة بفقر الدم إلى تقليل كمية الأكسجين التي يحملها الدم، مما يفرض على القلب العمل بجد أكبر لإيصال نفس كمية الأكسجين إلى الأنسجة. وهناك أسباب كثيرة لفقر الدم، بما في ذلك فشل القلب نفسه.
10. اضطرابات الغُدَّة الدرقية: يؤدي فرط نشاط الغدة الدرقية Hyperthyroidism إلى تحفيز القلب بشكل زائد، فيضخ الدم بسرعة كبيرة، ولكن دون كمية كافية في كل نبضة. وعندما يضعف نشاط الغدة الدرقية Hypothyroidism تصبح جميع عضلات الجسم، بما في ذلك عضلة القلب، ضعيفة، لأن العضلات تعتمد على هرمونات الغُدَّة الدرقية لتعمل بشكل طبيعي.
11. الضعف الكُلوي: يؤدي الفشل الكلوي إلى إلحاق الضرر بالقلب، لأن الكلى تعجز عن التخلص من السوائل الزائدة في المجرى الدموي، وبالتالي يزداد العبء الملقى على عاتق القلب. وفي نهاية المطاف، يعجز القلب عن تلبية حاجة الجسم من الدم، وتتطور الإصابة بضعف القلب.


مقالات ذات صلة

علاج مبتكر يحمي المفاصل من التلف

يوميات الشرق التهاب المفاصل من الأمراض التي تسبب ألماً وتورماً وتيبساً وصعوبةً في الحركة (جامعة برمنغهام)

علاج مبتكر يحمي المفاصل من التلف

توصل فريق بحثي دولي إلى نتائج مبشّرة لعلاج جديد يعتمد على جزيء طبيعي موجود في الجسم أظهر قدرة ملحوظة على إبطاء أو إيقاف تطور التهاب المفاصل الالتهابي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق تمارين المقاومة مثل رفع الأوزان الخفيفة تحسّن صحة القلب والعضلات (جامعة هارفارد)

تمارين تحسن اللياقة وقوة العضلات لدى مرضى القلب

أفادت دراسة بريطانية بأن اتباع خطة رياضية تجمع بين التمارين الهوائية وتمارين المقاومة يُعد خياراً أكثر فاعلية وأماناً لتحسين أداء القلب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق المعكرونة تصنف غالباً ضمن الكربوهيدرات المكررة التي ينصح بتناولها باعتدال (جامعة ولاية أوهايو)

فوائد صحية مدهشة للمعكرونة الباردة

كشف خبراء تغذية أن تناول المعكرونة بعد تبريدها، بدلاً من تناولها ساخنة مباشرة عقب الطهي، قد يمنح الجسم فوائد صحية مدهشة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي رئيس الوزراء الأردني جعفر يستقبل الوفد الوزاري السوري صباح الأحد (بترا)

انطلاق الاجتماع الوزاري لمجلس التنسيق الأعلى السوري الأردني

يشهد الاجتماع توقيع 9 وثائق، تشمل اتفاقيات ومذكرات تفاهم تغطي قطاعات حيوية، من بينها الإعلام، والعدل، والتعليم العالي، والصحة، والسياحة، والبريد، والتنمية.

«الشرق الأوسط» (دمشق - عمّان)
صحتك رجل يقيس ضغطه عبر جهاز المعصم (بيكساباي)

ما تأثير مسكنات الألم على ضغط الدم؟

يمكن لمسكنات الألم المضادة للالتهابات، مثل الإيبوبروفين، أن ترفع ضغط الدم، مما يزيد من خطر الإصابة بنوبة قلبية أو سكتة دماغية. يُنصح مرضى ارتفاع ضغط بتجنبها.


نقص الأكسجين لدى الخدج يرتبط بمشكلات دائمة في الذاكرة

نقص الأكسجين لدى الخدج يرتبط بمشكلات دائمة في الذاكرة
TT

نقص الأكسجين لدى الخدج يرتبط بمشكلات دائمة في الذاكرة

نقص الأكسجين لدى الخدج يرتبط بمشكلات دائمة في الذاكرة

كشفت دراسة حديثة لباحثين من جامعة أوريغون للصحة والعلوم Oregon Health and Science University في الولايات المتحدة، ونُشرت في نهاية شهر مارس (آذار) من العام الحالي، في مجلة علم الأعصاب «Neuroscience»، عن الآلية التي تربط نقص الأكسجين الخفيف في الخدج بحدوث مشكلات في الذاكرة تستمر مدى الحياة، من خلال تجاربهم على نموذج من الفئران.

نقص الأكسجين وآثاره

قد يعاني بعض الرضع الخدج، خاصة الذين يولدون قبل ميعاد ولادتهم بفترة طويلة، أثناء وجودهم في الحضانة من نقص الأكسجين في أنسجتهم، وخلاياهم، وفي الأغلب يحدث هذا النقص بسبب عدم نضج الجهاز التنفسي بشكل كامل.

ورغم أن نقص الأكسجين الشديد يؤثر بالسلب على أجزاء كثيرة في الجسم، فإن المخ يُعد واحداً من أكثر الأعضاء التي تتأثر سلباً بأي نقص في الأكسجين، حتى لو كان بشكل طفيف. وهذا النقص في الأكسجين يرتبط بشكل واضح بحدوث مشكلات في النمو العصبي للرضع، بما في ذلك تأخر النمو الإدراكي، والحركي، ولذلك كان من المهم فهم الآليات التي يسبب بها نقص الأكسجين هذه المشكلات في المخ.

التأخر الإدراكي

ويؤدي التأخر الإدراكي إلى صعوبات كبيرة في التعلم، ويؤثر على القدرات العقلية بشكل كبير، وذلك لعدم قدرة المخ على تخزين واستعادة المعلومات، وعدم القدرة على التواصل اللغوي بشكل كامل، بجانب ضعف المعالجة البصرية المكانية، بما فيها القدرة على تحديد المواقع، وتفسير المعلومات البصرية.

حاولت معظم الدراسات السابقة تفسير هذه الآلية من خلال التركيز على كيفية تسبب نقص الأكسجين في تلف المادة البيضاء White matter في المخ، وبالتالي موت الخلايا العصبية. وتتكون المادة البيضاء من ألياف عصبية مغلفة بغلاف دهني كثيف، ولذلك سميت بالمادة البيضاء.

وتقوم المادة البيضاء بربط مناطق المخ المختلفة في دوائر وظيفية، بحيث تعمل مثل شبكة توصيل كهربائية، ما يسهل التواصل السريع بين هذه المناطق، وهي ضرورية لدعم الوظائف الإدراكية المختلفة، بما فيها الذاكرة، والقدرة على استدعاء معلومة معينة، بينما يرتبط تدهورها وتلفها بالتراجع الإدراكي، وصعوبة التعلم.

تثبيط نمو قنوات التواصل العصبي

في هذه الدراسة، التي تُعد الأولى من نوعها التي تُفسر آلية التأثير السلبي لنقص الأكسجين على خلايا المخ، وجد الباحثون أن هذا النقص يثبط نمو قنوات بروتين ضرورية للتواصل بين الخلايا العصبية. وفي حالة تثبيطه تتأثر شبكة التوصيل العصبية بشكل واضح، ليس بشكل فوري، ولكن على المدى الطويل.

أوضح الباحثون أن التغيرات الجزيئية التي تحدث في خلايا المخ، جراء النقص الطفيف في الأكسجين، تتسبب في حدوث نوع من التلف الدماغي التدريجي، وبالتالي لا تظهر الأعراض بشكل واضح إلا عند الوصول لمرحلة البلوغ، لأن قناة البروتين التي يحدث لها التثبيط لا يكتمل نموها إلا خلال مرحلة الانتقال من الطفولة إلى المراهقة.

استعادة لاحقة لقنوات التواصل

في هذه الدراسة نجح الفريق البحثي في استعادة وظائف هذه القناة في خلايا المخ، من خلال التجربة على نماذج للبالغين من الفئران، كانت قد تعرضت لنقص الأكسجين الخفيف بعد الولادة المبكرة، وعن طريق استهداف بروتين معين، وتغيير خصائصه، لم يحدث التثبيط في القنوات المسؤولة عن التوصيل العصبي.

لاحظ الباحثون أن النماذج الحيوانية لم تتعرض إلى تدهور في الذاكرة، وقالوا إن نفس الآلية التي تمكنوا بها من استعادة وظائف القناة في الفئران يمكن أن يتم تطبيقها على الرضع في المستقبل القريب، مما يُبشر بأمل في تطوير علاج هذه الحالات، وحمايتهم من المشكلات المتعلقة بتأخر الإدراك.


دراسة: فقر الدم قد يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالسرطان

أظهرت الدراسة أن الأشخاص الذين أُصيبوا بفقر دم حديثاً كانوا أكثر عرضة بشكل ملحوظ لتشخيص السرطان (بكسلز)
أظهرت الدراسة أن الأشخاص الذين أُصيبوا بفقر دم حديثاً كانوا أكثر عرضة بشكل ملحوظ لتشخيص السرطان (بكسلز)
TT

دراسة: فقر الدم قد يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالسرطان

أظهرت الدراسة أن الأشخاص الذين أُصيبوا بفقر دم حديثاً كانوا أكثر عرضة بشكل ملحوظ لتشخيص السرطان (بكسلز)
أظهرت الدراسة أن الأشخاص الذين أُصيبوا بفقر دم حديثاً كانوا أكثر عرضة بشكل ملحوظ لتشخيص السرطان (بكسلز)

تشير دراسة سويدية حديثة إلى أن فقر الدم (الأنيميا)، أحد أكثر اضطرابات الدم شيوعاً، قد يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالسرطان.

ووفق تقرير نشرته شبكة «فوكس نيوز»، سعت الدراسة إلى تحديد ما إذا كان ظهور «الأنيميا» حديثاً يشكّل علامة مبكرة على السرطان أو على ارتفاع خطر الوفاة، وذلك عبر تحليل بيانات أكثر من 380 ألف بالغ في السويد، نصفهم يعانون من فقر دم حديث التشخيص.

كان جميع المشاركين فوق سن 18 عاماً وخالين من السرطان عند بداية الدراسة.

وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين أُصيبوا بفقر دم حديثاً كانوا أكثر عرضة بشكل ملحوظ لتشخيص السرطان، خصوصاً خلال الأشهر الثلاثة الأولى، إذ بلغت النسبة 6.2 في المائة لدى الرجال و2.8 في المائة لدى النساء.

كما أظهر المصابون بفقر الدم ارتفاعاً كبيراً في خطر الوفاة خلال فترة متابعة استمرت 18 شهراً.

ووجد الباحثون أن أنواعاً محددة من «الأنيميا» ترتبط بشكل منفصل بتطور المرض ومعدلات الوفاة.

وكان فقر الدم صغير الكريات -حيث تكون خلايا الدم الحمراء أصغر من الطبيعي- الأكثر ارتباطاً بالسرطان، خصوصاً الأنواع التي تصيب الجهاز الهضمي والدم.

وكان فقر الدم كبير الكريات، حيث تكون خلايا الدم الحمراء أكبر من الطبيعي، أكثر ارتباطاً بارتفاع خطر الوفاة بشكل عام مقارنةً بارتباطه بالسرطان.

وخلص الباحثون إلى أن فقر الدم حديث الظهور يُعدّ «مؤشراً قوياً ومستداماً» على خطر الإصابة بالسرطان والوفاة لأي سبب.

وقالت الباحثة الرئيسية، إلينيور نيملاندر، إن خطر السرطان والوفاة يكون في أعلى مستوياته خلال الأشهر الأولى بعد اكتشاف «الأنيميا»، لكنه يظل مرتفعاً لاحقاً أيضاً.

وأضافت أن النتائج تشير إلى أن فقر الدم قد يكون علامة على وجود مرض كامن، وليس حالة مستقلة بحد ذاته.

وأوضحت إلينيور نيملاندر، في تصريح لـ«فوكس نيوز»، أن مؤشرات مثل حجم خلايا الدم الحمراء متاحة بالفعل بشكل روتيني في الرعاية الأولية، مشيرة إلى أن الدراسة تُبرز إمكانية استخدام هذه البيانات الحالية لرصد المخاطر مبكراً.

وأضافت أن استمرار ارتفاع المخاطر مع مرور الوقت يسلّط الضوء على ضرورة المتابعة المنظمة ووضع خطط واضحة للتقييم المستمر، حتى في حال عدم اكتشاف السرطان في البداية.

وبما أن الدراسة رصدية، فهي تُظهر وجود ارتباط بين فقر الدم وخطر السرطان أو الوفاة، لكنها لا تثبت أن «الأنيميا» هي السبب المباشر.

كما لم تشمل جميع أسباب فقر الدم، مثل استهلاك الكحول، وسوء التغذية، وأمراض الكبد المزمنة، والحالات الالتهابية أو فقدان الدم المرتبط بأمراض نسائية.

وأضافت إلينيور نيملاندر أن بعض النتائج قد تتأثر أيضاً بعوامل مثل من يخضع للفحوصات، والأمراض الكامنة، واختلاف طرق تقييم فقر الدم بين أنظمة الرعاية الصحية المختلفة.


دراسة تحد الكمية المناسبة من القهوة لتخفيف التوتر

تناول القهوة باعتدال، نحو كوبين إلى ثلاثة أكواب يومياً، يرتبط بأدنى خطر للإصابة باضطرابات المزاج والتوتر (أرشيفية-رويترز)
تناول القهوة باعتدال، نحو كوبين إلى ثلاثة أكواب يومياً، يرتبط بأدنى خطر للإصابة باضطرابات المزاج والتوتر (أرشيفية-رويترز)
TT

دراسة تحد الكمية المناسبة من القهوة لتخفيف التوتر

تناول القهوة باعتدال، نحو كوبين إلى ثلاثة أكواب يومياً، يرتبط بأدنى خطر للإصابة باضطرابات المزاج والتوتر (أرشيفية-رويترز)
تناول القهوة باعتدال، نحو كوبين إلى ثلاثة أكواب يومياً، يرتبط بأدنى خطر للإصابة باضطرابات المزاج والتوتر (أرشيفية-رويترز)

تُعرف القهوة بأنها قد تُسبب أحياناً شعوراً مزعجاً بالتوتر، إلا أن دراسات حديثة تشير إلى أنها قد تسهم في خفض التوتر عند تناولها باعتدال.

ماذا وجدت الدراسة؟

وفق تقريرٍ أورده موقع «verywellhealth»، أظهرت الدراسة، المنشورة في «Journal of Affective Disorders»، أن تناول القهوة باعتدال - نحو كوبين إلى ثلاثة أكواب يومياً - يرتبط بأدنى خطر للإصابة باضطرابات المزاج والتوتر، بما في ذلك الاكتئاب والقلق وغيرهما من الحالات المرتبطة بالإجهاد.

كما تبيَّن أن تناول كميات أقل أو أكثر من ذلك يكون أقل فائدة، فشرب أقل من كوبين إلى ثلاثة يومياً لم يُظهر فائدة واضحة للصحة النفسية، بينما يؤدي شرب أكثر من ثلاثة أكواب إلى ثبات الفائدة، وربما عكسها، مع احتمال زيادة القلق وتدهور جودة النوم.

وقالت اختصاصية التغذية مورغان إل. ووكر: «تدعم هذه الدراسة أن الاستهلاك المعتدل هو النقطة المثالية، وهو ما يتماشى مع التوصيات العامة الحالية للكافيين. عند تجاوز هذا الحد، نبدأ رؤية آثار سلبية مثل ضعف النوم، والتوتر، أو زيادة القلق، خصوصاً لدى الأشخاص الحساسين للكافيين».

كما وجدت الدراسة أن الاختلافات الجينية في كيفية استقلاب الكافيين لم تُغيّر النتائج العامة، مع وجود فروق طفيفة بين الجنسين، حيث ظهر تأثير وقائي أقوى قليلاً لدى الرجال.

وكانت النتائج متشابهة عبر أنواع القهوة المختلفة، بما في ذلك منزوعة الكافيين، ما يشير إلى أن الفوائد قد تعود إلى مكونات أخرى في القهوة غير الكافيين، مثل مضادات الأكسدة أو المركبات الحيوية الأخرى.

قيود الدراسة العلمية

تشير لوسيانا سواريس، أستاذة ومديرة برنامج الماجستير في التغذية السريرية بجامعة «Johnson & Wales»، إلى أن لهذه الدراسة عدة قيود، فهي دراسة رصدية وليست سببية، ما يعني أنها تُظهر ارتباطاً إيجابياً بين استهلاك القهوة والصحة النفسية ضمن حدود معينة، لكنها لا تفسّر السبب.

وأضافت سواريس: «قد يعكس استهلاك القهوة أيضاً نمط حياة معيناً، إذ يرتبط عادةً بالروتين والتنظيم والتفاعل الاجتماعي».

كما أن المشاركين أبلغوا بأنفسهم عن كميات استهلاكهم، ما قد يعني وجود مبالغة أو تقليل في التقدير، وبالتالي قد لا تكون البيانات دقيقة تماماً. كذلك لا تقدم الدراسة تفاصيل عن طريقة تحضير القهوة أو الإضافات مثل الحليب أو السكر أو المنكهات.

ولا تتوفر أيضاً معلومات عن توقيت شرب القهوة، وهو عامل مهم لأن الكافيين قد يؤثر في جودة النوم.

وقالت ووكر: «من المهم وضع نتائج هذه الدراسة في سياقها الصحيح»، مشيرة إلى أنها لا تأخذ بالكامل في الحسبان عوامل أساسية أخرى مثل جودة النظام الغذائي، والنوم، وإدارة التوتر، أو النشاط البدني، وهي عوامل تلعب دوراً أكبر بكثير.

ماذا يعني ذلك لشارب القهوة العادي؟

في الواقع، تؤكد النتائج ما تقوله ووكر عادةً لمرضاها: يمكن أن تكون القهوة جزءاً من نمط حياة صحي وتوفر فوائد عند تناولها باعتدال، لكن الإكثار منها ليس أفضل.

كما شددت على أن تحمُّل الكافيين يختلف من شخص لآخر، قائلة: «بعض الناس يشعرون بحالة ممتازة مع كوبيْن، بينما قد يعاني آخرون آثاراً جانبية بالكمية نفسها أو حتى أقل».

وأوضحت سواريس أن القهوة قد تدعم نمط حياة مفيداً للصحة النفسية عبر تحسين اليقظة والتحفيز، والمساهمة في الروتين اليومي والتفاعل الاجتماعي، إضافة إلى احتوائها على مركبات مضادة للالتهاب تدعم صحة الدماغ، لكنها لا تُعد علاجاً لمشاكل الصحة النفسية.

وقالت: «من المهم فهم أن القهوة لا ينبغي استخدامها لعلاج الاكتئاب أو القلق، ولن تجعل الشخص يشعر بتحسن فوري».