خامنئي يلتقي بزشكيان وسط غموض متواصل

مكتب المرشد: بحثا تطورات الحرب والأوضاع الاقتصادية والمعيشية

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال مؤتمر صحافي بمناسبة الذكرى الثالثة لتوليه منصبه السبت (الرئاسة الإيرانية)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال مؤتمر صحافي بمناسبة الذكرى الثالثة لتوليه منصبه السبت (الرئاسة الإيرانية)
TT

خامنئي يلتقي بزشكيان وسط غموض متواصل

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال مؤتمر صحافي بمناسبة الذكرى الثالثة لتوليه منصبه السبت (الرئاسة الإيرانية)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال مؤتمر صحافي بمناسبة الذكرى الثالثة لتوليه منصبه السبت (الرئاسة الإيرانية)

أعلن الموقع الرسمي لمكتب المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الأحد، أنه التقى الرئيس مسعود بزشكيان وبحث معه تطورات الحرب والأوضاع الاقتصادية والمعيشية ومستقبل البلاد، في ثاني لقاء معلن بينهما منذ اختيار خامنئي خلفاً لوالده، من دون نشر صورة أو تسجيل مصور للاجتماع.

وذكر الموقع أن اللقاء عُقد بالتزامن مع بدء السنة الثالثة من رئاسة بزشكيان، وشمل بحثاً مفصلاً في «قضايا ومشكلات البلاد»، وفي مقدمتها تأمين الاحتياجات المعيشية للسكان، والظروف الراهنة للحرب، والتطورات العسكرية، والمرحلة المقبلة.

وتناولت المحادثات أيضاً سبل تأمين الموارد وإدارة الإنفاق بالريال الإيراني، والعملات الأجنبية والطاقة، إلى جانب التعاون الاقتصادي مع أطراف خارجية. ولم يورد الموقع تفاصيل إضافية عن المناقشات أو أي قرارات أسفر عنها الاجتماع.

ولم يظهر مجتبى خامنئي أمام الجمهور منذ اختياره مرشداً لإيران خلفاً لوالده علي خامنئي، الذي قُتل خلال الحرب، وظلت المواد الرسمية المتعلقة به طوال الأشهر الماضية مقتصرة على بيانات ورسائل مكتوبة منسوبة إليه، من دون صور حديثة أو تسجيلات صوتية أو مصورة موثقة زمنياً.

وقال قاسم قريشي، نائب قائد قوات «الباسيج»، الأحد، إن صوراً ووثائق مصورة لخامنئي «بين الناس وفي الشوارع»، وأخرى خلال اجتماعات مع قادة القوات المسلحة، ستنشر لاحقاً. وأضاف أن نشر هذه المواد «سيجلب العار مجدداً» لمن وصفهم بأعداء الشعب الإيراني ومنتقديه.

وفي تطور منفصل، بثت وسائل إعلام رسمية إيرانية تسجيلاً مصوراً غير مؤرخ قالت إنه يظهر خامنئي، من دون أن يتضح متى صُورت اللقطات.

وقال بزشكيان في مقابلة بثها التلفزيون الرسمي، الأربعاء، إن التواصل مع خامنئي «صعب جداً في الوقت الراهن». وأضاف أن صعوبة التواصل لا تقلل من أهمية وجود المرشد، قائلاً إن ذلك يشكل «مكسباً كبيراً» يتيح للبلاد الاستمرار.

وأشار بزشكيان إلى أن الظروف الحالية أتاحت لبعض «المغرضين» تقديم صورة مختلفة عن خامنئي، لكنه دافع عن علاقته به، موضحاً أنه تمكن من عقد اجتماعات مثمرة معه.

وكان بزشكيان قد ذكر في وقت سابق أنه التقى مجتبى خامنئي بعد اختياره مرشداً، من دون أن تُنشر صور لذلك اللقاء.

إيرانيات يمررن أمام لافتة تحمل صور المرشد المؤسس الخميني والمرشد السابق علي خامنئي وخليفته ونجله مجتبى بشمال طهران (أ.ب)

بزشكيان يتحدث عن القيادة

وجاء الإعلان عن أحدث اجتماع غداة مؤتمر صحافي عقده بزشكيان، تناول خلاله الحرب والمفاوضات وآلية اتخاذ القرارات في إيران، فضلاً عن الخلافات التي رافقت تنفيذ التفاهمات السابقة مع الولايات المتحدة.

وتحدث بزشكيان عن علاقته بعلي خامنئي، مشيراً إلى أنه كان يتراجع عن أي قرار حكومي إذا شعر بأنه يتعارض مع توجهات المرشد السابق، وأن خامنئي كان يدعم الحكومة وسياساتها ويساعدها على مواصلة عملها.

وأوضح أن الحفاظ على وحدة مؤسسات الدولة شكّل أساساً في تعامله مع المرشد السابق، مضيفاً أنه كان يضع قرارات الحكومة جانباً إذا وجد أنها تختلف مع موقفه.

وفي حديثه عن آلية اتخاذ القرارات المتعلقة بالحرب، أوضح بزشكيان أن قرار خوض الحرب أو وقفها لا يدخل ضمن اختصاص الحكومة، وأن دورها يتمثل في توفير الاحتياجات والدعم اللازمين لتنفيذ القرارات.

وأشار إلى أن القادة العسكريين هم الأقدر على تقدير إمكانات البلاد وقدراتها، وأن القرار النهائي يعود إلى المرشد، فيما تلتزم الحكومة بما يقرره.

ويأتي الإعلان بعد أشهر من الغموض بشأن وضع خامنئي وآلية ممارسته صلاحياته. واختير مرشداً في 8 مارس (آذار)، لكنه غاب عن جنازة والده ولم يظهر علناً منذ ذلك الحين.

وقالت ثلاثة مصادر مقربة منه لـ«رويترز» في أبريل (نيسان) إن الضربة التي قتلت علي خامنئي أصابت مجتبى أيضاً بجروح بالغة في الوجه والساقين، بينما عزت مصادر أخرى في يوليو (تموز) استمرار غيابه إلى اعتبارات صحية وأمنية.

وفي الأسبوع الماضي، عزت صحيفة «همشهري»، التابعة لبلدية طهران، عدم نشر أي تسجيل صوتي له إلى مخاوف أمنية، زاعمة أن تقنيات تحليل الصوت قد تكشف موقع التسجيل وحالة المتحدث والبيئة المحيطة به. ولم تقدم الصحيفة دليلاً مستقلاً يثبت أن هذه الاعتبارات هي السبب الفعلي لغيابه.

وفي السياق نفسه، قالت «همشهري» إن تعقب خامنئي بات أكثر صعوبة بعد تشديد ترتيبات الحماية وتقليص وسائل الاتصال، فيما ظلت الأسئلة قائمة حول مكان وجوده وحالته الصحية والأشخاص المخولين بنقل توجيهاته إلى مؤسسات الدولة المختلفة الرئيسية.

وزاد الغموض بعدما أعلن وزير الخارجية عباس عراقجي في يوليو أنه لم يلتقِ خامنئي وجهاً لوجه منذ توليه المنصب، في حين ظل بزشكيان وقائد عمليات هيئة الأركان علي عبد اللهي بين العدد المحدود من المسؤولين الذين أعلنوا لقاءه، من دون نشر صور أو تسجيلات توثق تلك الاجتماعات.

وكانت قناة «إيران إنترناشيونال» المعارضة قد أفادت، نقلاً عن مصادر لم تسمها، بأن بزشكيان التقى خامنئي في مايو داخل سيارة ذات نوافذ داكنة في موقع مجهول بطهران، وأنه لم يُسمح له بمصافحته أو رؤية وجهه. ولم تقدم القناة دليلاً مستقلاً على الرواية.

وقال بزشكيان آنذاك إنه عقد لقاء استمر ساعتين ونصف الساعة مع خامنئي في «أجواء ودية»، من دون تحديد مكانه.

صناعة القرار

وتزامن غياب خامنئي مع خلافات داخلية بشأن المفاوضات وتوزيع النفوذ بين الحكومة والمجلس الأعلى للأمن القومي والمؤسسات العسكرية. وكان بزشكيان قد نفى، الثلاثاء، تقارير عن استقالته أو تهديده بالتنحي، مؤكداً أن حكومته «منسقة بالكامل» مع القوات المسلحة.

وسبق ذلك انتشار تصريحات لمحمد باقر خرازي، الأمين العام لجماعة «حزب الله إيران»، زعم فيها أن بزشكيان هدد بالاستقالة عشرات المرات، وأن خامنئي حذره من قبول استقالته إذا كررها. كما تحدث خرازي عن تغييرات محتملة في المجلس الأعلى للأمن القومي وتقييد دور عراقجي في المفاوضات.

ونفت الرئاسة الإيرانية هذه المزاعم، كما نفى مكتب المرشد الاقتباس المنسوب إلى خامنئي. واستدعت محكمة رجال الدين الخاصة خرازي لاحقاً للتحقيق، وحذف تسجيلاته المتعلقة بالاستقالة من حسابه على «إنستغرام»، حسبما أفادت وسائل إعلام إيرانية السبت.

الرئيس الإيراني خلال مؤتمر صحافي في طهران أمس (الرئاسة الإيرانية)

وكشف بزشكيان أن اجتماعات المجلس الأعلى للأمن القومي التي سبقت تفاهم إسلام آباد ضمت كبار القادة العسكريين والأمنيين، وأنهم أيدوا تنفيذ ما جرى الاتفاق عليه استناداً إلى التقييمات العسكرية والأمنية.

ودافع الرئيس الإيراني عن تفاهم إسلام آباد، مشدداً على أنه لم يتضمن تنازلاً عن المصالح الإيرانية. وأشار إلى أن بعض العقوبات والقيود المفروضة على طهران بدأت تخفف بعد التوصل إليه.

وتطرق إلى الخلاف الذي نشأ لاحقاً بشأن تنفيذ التفاهم، موضحاً أنه كان ينبغي تشكيل فريق لبحث خرقه ومعالجة المشكلة، بدلاً من انتقال المواجهة مجدداً إلى التصعيد مع الولايات المتحدة.

وتزامن الإعلان عن لقاء بزشكيان ومجتبى خامنئي مع استمرار المفاوضات الإيرانية - العُمانية بشأن ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز، والخلافات الداخلية بشأن شروط إعادة حركة الملاحة بصورة طبيعية ومستقبل التفاهمات مع الولايات المتحدة.


مقالات ذات صلة

خفايا تقويض «حصر السلاح» في بغداد... ترسانة الفصائل باقية حتى 2028

خاص خريجون من كلية الشرطة يستعرضون أمام رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال حفل ببغداد يوم 13 سبتمبر 2026 (إعلام حكومي)

خفايا تقويض «حصر السلاح» في بغداد... ترسانة الفصائل باقية حتى 2028

نجحت فصائل عراقية بمساعدة إيرانية في إفراغ خطة حصر السلاح بعدما حاصرت رئيس الحكومة علي الزيدي سياسياً وانتزعت منه أدوات الضغط والتنفيذ، وفق مصادر موثوقة.

علي السراي (الرياض)
الولايات المتحدة​ طائرة من طراز «إف-15 إي» تابعة لسلاح الجو الأميركي (صورة من سلاح الجو الأميركي) p-circle

تحطمت طائرته وسقط بلا مظلة... كيف نجا ضابط أميركي من الموت في جبال إيران؟

روى ضابط في سلاح الجو الأميركي تفاصيل مثيرة عن نجاته بعد تحطم طائرته المقاتِلة فوق منطقة جبلية بالصحراء الإيرانية في أبريل الماضي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد قناة السويس (رويترز)

«ميرسك» و«هاباغ-لويد» تعيدان مزيداً من سفن الحاويات إلى قناة السويس

أعلنت شركتا الشحن «ميرسك» الدنماركية و«هاباغ-لويد» الألمانية، يوم الاثنين، أن أربع خدمات مشتركة لنقل الحاويات ستستأنف المرور عبر قناة السويس.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
الاقتصاد مقر البنك المركزي الأوروبي في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)

مسؤول بـ«المركزي الأوروبي»: البنك قد يحتاج لرفع الفائدة تدريجياً لمواجهة التضخم

قال مارتينز كازاكس، صانع السياسة النقدية بـ«المركزي الأوروبي»، إن البنك قد يحتاج إلى رفع أسعار الفائدة تدريجياً وبمزيد من الخطوات لمواجهة التضخم.

«الشرق الأوسط» (فرنكفورت)
الاقتصاد ناقلة نفط راسية في أحد موانئ النفط البحرية الجنوبية للعراق قرب البصرة (رويترز)

النفط يقفز فوق 107 دولارات مع تصاعد الهجمات في الخليج

ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 3 في المائة في التعاملات المبكرة، يوم الاثنين، مع تصاعد المخاوف بشأن الإمدادات.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

إيران: التقارير عن نشاط في «جبل الفأس» لا أساس لها

إيرانيون يسيرون أمام لوحة إعلانية سياسية في وسط طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون أمام لوحة إعلانية سياسية في وسط طهران (إ.ب.أ)
TT

إيران: التقارير عن نشاط في «جبل الفأس» لا أساس لها

إيرانيون يسيرون أمام لوحة إعلانية سياسية في وسط طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون أمام لوحة إعلانية سياسية في وسط طهران (إ.ب.أ)

قال المتحدث ​باسم وزارة الخارجية الإيرانية اليوم (الاثنين) إن التقارير التي تتحدث عن ‌وجود أنشطة ‌في ​موقع بيكاكس ‌ماونتن (جبل الفأس) ⁠لا ​أساس لها ⁠من الصحة، وذلك بعد أن ذكر ⁠الرئيس الأميركي دونالد ‌ترمب ‌أن ​الولايات ‌المتحدة تراقب ‌أنشطة هناك. وكان ترمب قد قال الأسبوع ‌الماضي إن الولايات المتحدة قد ⁠تضرب بيكاكس ⁠ماونتن وحث إيران على توخي الحذر.

ونشرت هيئة شكلتها ​إيران لإدارة حركة المرور في مضيق هرمز اليوم، قائمة محدثة تضم 77 سفينة «تخالف البروتوكولات الإيرانية الخاصة بمضيق هرمز». وذكرت الهيئة ⁠أن السفن المدرجة في ‌القائمة ‌ستواجه قيودا عند عبورها ​مستقبلاً بما ‌في ذلك عن طريق ‌فرض غرامات أو الاحتجاز أو المصادرة، مضيفة أنه سيتم إدراج أي سفن تتعاون مع ‌تلك السفن المخالفة للقائمة أيضاً.

وأفادت الهيئة عبر إكس بتوجيه «تحذير ⁠لشركات ⁠التأمين، وأندية الحماية والتعويض، وهيئات التصنيف البحري بضرورة الامتناع عن تقديم خدماتها لهذه السفن لتجنب التبعات المترتبة على التعامل معها».

وأندية الحماية والتعويض هي روابط للتأمين التبادلي توفر لمالكي السفن ومستأجريها تغطية للمسؤوليات ​البحرية تجاه ​الغير.

إسقاط مسيرة فوق مضيق هرمز

إلى ذلك، أعلنت العلاقات العامة لـ«الحرس الثوري» الإيراني، صباح اليوم، اعتراض طائرة مسيرة متطورة من طراز «إم كيو 1» وتدميرها بواسطة منظومة الدفاع الجوي التابعة للقوة الجوفضائية لـ«الحرس الثوري» فوق أجواء مضيق هرمز، وفقاً لوسائل إعلام إيرانية.

من جهة أخرى ، أفاد التلفزيون الرسمي الإيراني بأن رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، محمد إسلامي، جرى منعه من الدخول إلى فيينا حيث كان من المقرر أن يحضر اجتماعاً للمنظمة الدولية للطاقة الذرية بسبب «عقبات» وضعتها الولايات المتحدة.

وأورد التلفزيون أن «محمد إسلامي ووفده استقلوا رحلة عادية إلى فيينا (السبت) لكن تم اعتراضهم في الطريق بسبب عقبات وضعتها الولايات المتحدة»، مشيراً إلى أنهما عادا إلى طهران، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان من المتوقع حضور إسلامي إلى مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية للمشاركة في المؤتمر العام السنوي حول الطاقة النووية.

ويأتي هذا في الوقت الذي تواجه الدبلوماسية في الشرق الأوسط حجر عثرة على ما يبدو، في حين أدت هجمات جديدة استهدفت أهم مسارين لنقل النفط في المنطقة إلى تفاقم المخاوف بشأن إمدادات الطاقة العالمية.

ولا يزال المضيق يشكل مخاطر على نقل النفط، إذ أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أمس الأحد أن مقذوفاً أصاب سفينة في أثناء مرورها عبر مضيق هرمز، مما تسبب في اندلاع حريق وأجبر الطاقم على إخلاء السفينة.

من جانبها، قالت إيران إن شخصاً واحداً لقي حتفه وأصيب أربعة من أفراد الطاقم بجروح على متن سفينة تجارية إيرانية تعرضت للهجوم قبالة سواحلها.

وأظهرت بيانات أولية لتتبع حركة السفن اليوم أن عدد سفن نقل البضائع العابرة لمضيق هرمز انخفض إلى أقل من 10 سفن مطلع الأسبوع، وهو ما يقل بكثير عن متوسط 10 أيام البالغ 14 سفينة، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ولا تشمل هذه البيانات السفن التي ربما عبرت المضيق مع إيقاف تشغيل أجهزة الإرسال الخاصة بنظام التعرف الآلي لتجنب رصدها.


واشنطن لا تريد اتفاقاً «غير مثالي» مع طهران

صورة نشرتها البحرية الأميركية لحاملة الطائرات "يو إس إس جورج واشنطن" من فئة "نيميتز" أثناء أداء عمليات طيران روتينية على سطحها في المنطقة أمس (أ.ف.ب)
صورة نشرتها البحرية الأميركية لحاملة الطائرات "يو إس إس جورج واشنطن" من فئة "نيميتز" أثناء أداء عمليات طيران روتينية على سطحها في المنطقة أمس (أ.ف.ب)
TT

واشنطن لا تريد اتفاقاً «غير مثالي» مع طهران

صورة نشرتها البحرية الأميركية لحاملة الطائرات "يو إس إس جورج واشنطن" من فئة "نيميتز" أثناء أداء عمليات طيران روتينية على سطحها في المنطقة أمس (أ.ف.ب)
صورة نشرتها البحرية الأميركية لحاملة الطائرات "يو إس إس جورج واشنطن" من فئة "نيميتز" أثناء أداء عمليات طيران روتينية على سطحها في المنطقة أمس (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، إن إيران «تسعى بشدة» إلى التوصل لاتفاق مع واشنطن، لكنه شدّد على أنه لن يقبل بتسوية وصفها بأنها «غير مثالية»، مجدداً تأكيده أن طهران لن تحصل على سلاح نووي. وأضاف ترمب، خلال زيارة إلى آيرلندا، أن إيران «تتصل باستمرار» سعياً إلى إجراء محادثات، لكن «عليهم أن يتوصلوا إلى اتفاق مناسب... لن أبرم معهم اتفاقاً غير مناسب».

وطرح ترمب احتمال استمرار انخراط الولايات المتحدة في إيران، وربط ذلك بإمكانية الاحتفاظ بالنفط، مشبهاً هذا الخيار بالترتيبات الأميركية المتعلقة بفنزويلا. وقال الرئيس الأميركي: «سنخرج في نهاية المطاف من إيران، إلا إذا قررنا البقاء والاحتفاظ بالنفط مثل فنزويلا»، مضيفاً أن الإيرادات الأميركية من فنزويلا «دفعت ثمن الحرب مرات كثيرة».

وتأتي هذه التصريحات فيما أصبح مضيق هرمز من أبرز أوراق الضغط في الحرب، نظراً إلى أهميته لحركة صادرات النفط والغاز من منطقة الخليج.

من جانبه، أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن طهران ومسقط توصلتا إلى تفاهم بشأن إطار عمل لتنظيم الملاحة في مضيق هرمز. وقال بزشكيان، أمس، إن الجانبين أجريا محادثات بشأن المضيق، وتوصلا إلى «إطار عمل محدد وخطة عمل»، على أن يناقش اجتماع وزاري في عُمان، اليوم (الاثنين)، تفاصيل هذا التفاهم.

من جهة أخرى، كشف تحقيق لصحيفة «نيويورك تايمز» أن الهجمات على السفن في مضيق هرمز نفذتها مجموعة متشددة في إيران من دون تفويض القيادة العليا، وأفشلت مساراً كان يقترب من إنهاء الحرب.

وبحسب التحقيق، فإن الهجمات التي وقعت في أوائل يوليو (تموز) لم تكن جزءاً من قرار رسمي متفق عليه داخل مؤسسات الحكم الإيرانية، لكنها أدت عملياً إلى نسف التفاهمات التي كانت واشنطن وطهران تعملان عليها، وإعادة الصراع إلى مسار التصعيد العسكري.


كيف أجهض متشددون إيرانيون اتفاق السلام مع ترمب؟

ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)
ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)
TT

كيف أجهض متشددون إيرانيون اتفاق السلام مع ترمب؟

ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)
ترمب يرفع وثيقة «الاتفاق الإطاري» المبرمة مع إيران بعد توقيعها في قصر فرساي مساء 18 يونيو (أ.ف.ب)

كان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في أوج نفوذه مطلع يوليو (تموز)، بعد نجاحه للتو في التفاوض على اتفاق سلام مع الولايات المتحدة. وكان قد سافر إلى العراق المجاور للمشاركة في مراسم تشييع ضخمة للمرشد الأعلى الإيراني الذي قُتل في الحرب علي خامنئي.

وفجأة، تلقى خبراً صادماً.

فقد فتحت القوات الإيرانية النار على ثلاث سفن تجارية في مضيق هرمز، ما أدى إلى اشتعال ناقلة نفط قطرية وإلحاق أضرار بسفن أخرى. وأصبحت إيران تحت وطأة انتقادات دولية واسعة.

وفي غضب واضح، اتصل بزشكيان هاتفياً بالجنرال أحمد وحيدي، القائد العام لـ «الحرس الثوري» الإيراني القوي، وبصوت مرتفع وصف ما حدث بأنه عمل متهور وطالب بتفسيرات، وفقاً لخمسة مسؤولين إيرانيين وعضوين في «الحرس الثوري» مطلعين على الأحداث.

وقال المسؤولون الخمسة إن وحيدي أبلغ الرئيس بأنه لم يأذن بالهجوم ولم يكن على علم مسبق به. وأضاف أنه حتى المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يؤدي دوراً محورياً في كل من الحرب والمفاوضات، لم يكن على علم بالعملية.

في الواقع، لم يكن كثير من قادة البلاد يعلمون أن فصيلاً متشدداً هامشياً قرر التحرك من تلقاء نفسه. وفي نهاية المطاف، أدت تلك التحركات السرية إلى إفشال جهود قادها براغماتيون أكثر اعتدالاً في إيران لإنهاء الأعمال القتالية مع الولايات المتحدة وإصلاح اقتصاد البلاد المتعثر.

شكوك في صحة رسائل خامنئي

صورة كبيرة لمجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)

ونجح المتشددون، جزئياً، لأن الشخص الوحيد الذي يملك السلطة لحسم مثل هذه الخلافات ــ المرشد الجديد مجتبى خامنئي ــ ظل بمثابة «شبح» منذ توليه منصبه في مارس (آذار). فلم يظهر علناً، ولم يُسمع صوته. كما أثيرت تساؤلات حول صحة البيانات والرسائل المكتوبة المنسوبة إليه، بما في ذلك من جانب بزشكيان نفسه، وفقاً لثلاثة مسؤولين إيرانيين.

وعاد بزشكيان فوراً إلى طهران، في صباح اليوم التالي، وبينما كانت مراسم التشييع لا تزال جارية، ردت الولايات المتحدة بشن غارات جوية على إيران، وعاد البلدان إلى الحرب. وقال مسؤولون إيرانيون كبار وعضو في «الحرس الثوري»، في مقابلات، إن ما أعقب ذلك كان من أكثر المواجهات السياسية اضطراباً داخل القيادة الإيرانية في الذاكرة الحديثة. ودخل مسؤولون في مشادات وصراخ متبادل، وهدد جنرالان كبيران بالاستقالة، فيما تبادل المسؤولون اتهامات بالخيانة والغدر.

وأضاف المسؤولون أن تداعيات تلك المواجهات أسهمت في إجراء تغيير في قيادة المجلس الأعلى للأمن القومي، وفي تعيين المرشد للجنرال محسن رضائي، وهو سياسي مخضرم وقائد سابق لـ «الحرس الثوري»، على رأس المجلس، نظراً إلى الاعتقاد بأنه يمتلك المهارة اللازمة للوساطة بين الفصائل السياسية المتنافسة.

المتشددون في موقع أقوى

لكن الانقسامات لا تزال قائمة، فيما أصبح المتشددون الذين دفعوا إيران نحو التصعيد في موقع أقوى. وفي الأسبوع الماضي، تبادلت إيران والولايات المتحدة الهجمات، إذ استهدفت إيران مراراً سفناً حربية أميركية للمرة الأولى، بينما فجرت الولايات المتحدة ما لا يقل عن ثماني ناقلات نفط إيرانية.

ويستند هذا التقرير عن المداولات الداخلية لقيادة إيران إلى مقابلات مع ثمانية مسؤولين إيرانيين، وثلاثة أعضاء في «الحرس الثوري»، وأربعة مسؤولين سابقين، إضافة إلى مراجعة عشرات الخطب والتصريحات لمسؤولين حكوميين وقادة عسكريين، نُشرت في الصحافة الإيرانية ووسائل التواصل الاجتماعي بين يونيو (حزيران) وسبتمبر (أيلول). وتحدث المسؤولون الذين أُجريت معهم المقابلات شريطة عدم الكشف عن هوياتهم، نظراً إلى حساسية القضايا المتعلقة بالأمن القومي.

«رجل المخابرات» النافذ

حسين طائب القائد الجديد لوحدات «الباسيج» الذراع التعبوية لـ«الحرس الثوري» (همشهري)

وقال ثلاثة مسؤولين إيرانيين إن التحقيقات التي أجرتها الحكومة والأجهزة الأمنية خلصت إلى أن قرار استهداف السفن التجارية الثلاث في يوليو (تموز) يعود إلى حسين طائب، وهو رجل دين ومسؤول استخبارات نافذ عارض اتفاق السلام مع الولايات المتحدة منذ البداية.

وقال المسؤولون إن طائب كان يبلغ المرشد الأعلى الجديد بأن إيران ارتكبت خطأ بإنهاء الحرب والموافقة على الاتفاق. وفي خطاب ألقاه مؤخراً أمام عائلات عسكريين، قال طائب إنه لم يكن معارضاً للمحادثات، لكنه أضاف أن «المفاوضات التي تتجاهل حقوق شعبنا وتتنازل أمام المطالب المفرطة للعدو لا مكان لها في السياسة الإيرانية».

وكان خامنئي قد عيّن طائب مؤخراً رئيساً لقوات «الباسيج»، التي تتولى مسؤولية قمع المعارضة والاضطرابات الداخلية.

وكان طائب قد شغل لأكثر من 20 عاماً منصب رئيس جهاز الاستخبارات التابع لـ «الحرس الثوري»، قبل أن يعزله المرشد السابق في عام 2022 بسبب إخفاقات، من بينها اختراق إسرائيلي لصفوف الجهاز وإحباط مؤامرة في تركيا.

وعاد طائب إلى الواجهة بعد مقتل المرشد السابق علي خامنئي، في بداية الحرب ولعب دوراً رئيسياً في اختيار نجله مجتبى خلفاً له، وفقاً لما قاله مسؤولون في ذلك الوقت.

«القضاء على آفاق أي مفاوضات»

بزشكيان في أثناء لقائه قيادات عسكرية (أرشيفية- الرئاسة الإيرانية)

وقال علي رضا نامور حقيقي، وهو خبير في الشأن الإيراني ومسؤول سابق لا يزال يحتفظ بعلاقات وثيقة داخل الحكومة الإيرانية، في مقابلة من كندا: «تم تدبير الهجوم على السفن بهدف نسف مذكرة التفاهم مع ترمب، والقضاء على آفاق أي مفاوضات أو اتفاقات مستقبلية».

وعندما طالب بزشكيان بمعرفة الجهة التي هاجمت السفن الثلاث، أُبلغ بأن قادة ميدانيين تصرفوا من تلقاء أنفسهم، استناداً إلى أمر يمنحهم صلاحية مهاجمة أي سفينة تنتهك سيطرة إيران على المضيق من دون انتظار موافقة القيادة المركزية، وفقاً للمسؤولين المطلعين على تلك المناقشات.

وفي إحدى علامات الخلاف، لم يصدر «الحرس الثوري» أي بيان يعلن فيه مسؤوليته عن هجوم 7 يوليو، كما جرت العادة في هجمات أخرى قبل ذلك وبعده. ونقل مسؤولون إيرانيون الرواية نفسها إلى الولايات المتحدة وبعض حلفائها الإقليميين في الساعات الأولى التي أعقبت الهجمات، محملين مسؤولية ما حدث لعناصر مارقة، وفقاً لمسؤولين أميركيين أطلعوا الصحافيين على التطورات في ذلك الوقت، وللمسؤولين الإيرانيين الثلاثة.

وأُوفد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى عُمان، التي تؤدي دوراً رئيسياً في الوساطة، في محاولة لتهدئة التوترات مع واشنطن.

وفي الوقت نفسه، كان المتشددون في الشوارع وعلى شاشات التلفزيون الرسمي الإيراني يهاجمون علناً فريق التفاوض واتفاق السلام الذي توصل إليه، فيما كانت الحشود، خلال التجمعات الليلية، تهتف للمطالبة بالعودة إلى الحرب.

* «خدمة نيويورك تايمز»