ترمب أمام «عناد» إيران وفخّها... قوة بلا نصر وتسوية بلا مخرج

ترمب يتحدث للصحافيين في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض الأربعاء (إ.ب.أ)
ترمب يتحدث للصحافيين في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض الأربعاء (إ.ب.أ)
TT

ترمب أمام «عناد» إيران وفخّها... قوة بلا نصر وتسوية بلا مخرج

ترمب يتحدث للصحافيين في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض الأربعاء (إ.ب.أ)
ترمب يتحدث للصحافيين في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض الأربعاء (إ.ب.أ)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية محصورة في اختبار القوة حول مضيق هرمز. فبعد الصواريخ الإيرانية على قاعدة أميركية في الأردن، استأنفت واشنطن ضرباتها، فيما وجهت السعودية والولايات المتحدة ضربات لردع ميليشيات موالية لطهران في العراق. ثم جاءت ضربة المسيّرة في ميناء دمياط المصري لتكشف عن إمكان امتداد الخطر إلى آخر ممر آمن نسبياً للطاقة قرب قناة السويس.

ولم يحدد التحقيق المصري بعد الفاعل، وإيران أو أحد حلفائها لم يعلن المسؤولية؛ لذلك يصح التعامل مع الحادث بوصفه مؤشراً خطيراً على اتساع الحرب، لا دليلاً محسوماً على قرار إيراني باستهداف مصر.

وفي المقابل، قالت القيادة المركزية الأميركية (سينتكوم) إنها ضربت عشرات المراكز القيادية ومنشآت الصواريخ والمسيّرات التابعة لـ«الحرس الثوري»، رداً على الهجوم الإيراني.

خيارات كلها سيئة

تهديد دونالد ترمب بـ«الضرب بقسوة» بدأ يُترجم إلى رد واسع، لكنه لا يجيب عن السؤال الأصعب: ما الذي يحقق نهاية سياسية للحرب؟ بحسب «وول ستريت جورنال»، الخيار الأول هو خطة قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، لحملة جوية مكثفة تمتد من 10 إلى 14 يوماً بغية شل جزء كبير من قدرة إيران الصاروخية. ميزتها أنها قد تنقل واشنطن من اعتراض المقذوفات إلى تدمير منصات إطلاقها؛ ومشكلتها أن المنشآت الإيرانية المحصنة أثبتت قدرتها على استعادة نشاطها، فيما تتناقص مخزونات صواريخ الاعتراض الأميركية المطلوبة أيضاً لمواجهة الصين وروسيا وكوريا الشمالية.

الخيار الثاني: ضربات محدودة ومتكررة ضد «الحرس الثوري»، وأذرعه، تجمع الردع مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً. وهو أقل كلفة فوراً، لكنه قد يعيد إنتاج دورة «ضربة مقابل ضربة».

قائد «سنتكوم» الأدميرال براد كوبر يدلي بإفادة أمام الكونغرس (أ.ف.ب)

أما الخيار الثالث، من احتلال جزر أو مواقع تستخدم لتصدير النفط وإطلاق الصواريخ والمسيّرات، فيعني إدخال قوات برية وتعريضها لخسائر كبيرة. ويبقى الخيار الرابع العودة إلى التفاوض، على أساس فتح هرمز وضبط البرنامجين النووي والصاروخي وشبكة الوكلاء، لكنه يفرض على ترمب صياغة تسوية يمكن عرضها نصراً لا تراجعاً.

يلخص الباحث في مؤسسة «نيو أميركا» باراك بارفي المأزق في حديث مع «الشرق الأوسط»، بالقول إن أمام ترمب «مزيجاً من الخيارات لا جيد بينها»: قصف مكثف يستنزف الاعتراضات، أو الاستيلاء على أراضٍ يعرض الجنود للخطر، أو إعلان النصر والانسحاب وترك إيران أكثر جرأة ومسيطرة على هرمز، أو العودة إلى طاولة المفاوضات. ويضيف أن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار، وأن تكتيك البدء والتوقف أربك المجتمع الدولي، وأضعف جدية التهديد الأميركي في نظره.

تباين لا انقسام

محطة «إن بي سي» نقلت عن مصادر وجود خلاف حقيقي داخل إدارة ترمب، لكن وصفه بانقسام عميق قد يكون مبالغاً فيه. كوبر ووزير الدفاع بيت هيغسيث يميلان إلى هجوم أكبر باعتباره وسيلة لخفض الحاجة إلى الدفاع لاحقاً، بينما يحذر رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين من التداعيات من الدرجة الثانية والثالثة ومن استنزاف الاعتراضات. هذا اختلاف مهني في المخاطر والوسائل، لا تمرد على قرار الرئيس؛ والبنتاغون يؤكد وحدة القيادة.

بحسب رواية «إن بي سي» فقد انفجر ترمب غضباً بسبب غياب خيارات جيدة، وعدم تحول الانتصارات التكتيكية إلى مكسب استراتيجي، غير أن البيت الأبيض نفاها تماماً. ولا يكفي التسريب وحده لإثبات أن الإدارة بلا استراتيجية، كما لا يكفي النفي لإلغاء حقيقة أن أهداف الحرب تبدلت بين النووي والصواريخ والوكلاء وفتح هرمز. الأكثر دقة أن واشنطن تملك خططاً عسكرية متعددة، لكنها لم تحسم بعد تعريف النصر السياسي. وهذا يفسر التريث أكثر مما يفسره ضعف الإرادة: كلفة الذخائر، واحتمال سقوط جنود ومدنيين، وصدمة أسعار الطاقة، وخطر الغرق في حرب تناقض وعد ترمب بتجنب الحروب الطويلة.

مقامرة إيرانية خطرة

محللون تحدثوا عن أن ما تفعله طهران ليس «انتحاراً» بالمعنى الحرفي، بل مقامرة شديدة الخطورة. حسابها أن توسيع ساحة الدفاع الأميركية، من الأردن والعراق والسعودية إلى هرمز والبحر الأحمر، يرفع الكلفة على ترمب ويدفعه إلى صفقة. كما يمنح «الحرس الثوري»، زمام المبادرة ويمنع الولايات المتحدة وإسرائيل من اختيار توقيت الضربات وحدهما.

لكن هذه الاستراتيجية بدأت تنتج أثراً معاكساً: السعودية انتقلت من ضبط النفس إلى المشاركة العلنية، ودول المنطقة باتت أكثر استعداداً لحماية منشآتها والرد على الميليشيات، وأي إثبات لمسؤولية طهران عن دمياط سيهدد علاقتها بمصر ومكانة الوسطاء. كما أن ضرب طرق الطاقة البديلة يجمع ضدها مستوردي النفط وشركات الشحن والتأمين، لا خصومها الإقليميين فقط. وقد قفز خام برنت أكثر من 8 في المائة قبل أن يتراجع إلى ما دون 90 دولاراً؛ ومع تهديد هرمز وباب المندب واقتراب الخطر من السويس، تتحول أوراق الضغط الإيرانية إلى مصدر تضخم واضطراب عالمي يمكن أن يسرّع بناء تحالف مضاد لها، وفق «رويترز».

جنود من البحرية الأميركية خلال تدريبات إطلاق نار على سطح السفينة «يو إس إس تريبولي» يوم 2 أبريل 2026 (سنتكوم)

انقسام إيراني بميزان مختل

وأشارت «وول ستريت جورنال» إلى خلافات في داخل إيران أوضح من الخلافات في واشنطن: الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ارتبطوا بالمسار التفاوضي، في مقابل «الحرس الثوري»، والأوساط المقربة من المرشد مجتبى خامنئي، الذين يرون أن الهدوء يقوض نفوذهم، وأن السيطرة على هرمز وشبكة الوكلاء تمنحهم أوراقاً لا يجوز تسليمها. وقد ظهرت هذه الخلافات علناً منذ المفاوضات الأولى.

وعادة ما ينفي المسؤولون الإيرانيون وجود انقسامات داخل دوائر صنع القرار العليا، فيما تبدو الحدود بين المعسكرين أقل وضوحاً مما توحي به هذه الرواية. فقاليباف نفسه أحد أبرز قادة «الحرس الثوري» السابقين الذين انتقلوا إلى مواقع سياسية، كما أن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، محمد باقر ذو القدر، الذي يؤدي دوراً محورياً في بلورة القرارات السياسية والعسكرية، ينتمي بدوره إلى قيادة «الحرس الثوري».

ومع ذلك، تحذر الصحيفة من أن الرهان الأميركي على «المعتدلين» يحتاج إلى حذر؛ فالمشكلة ليست غياب الانقسام، بل اختلال ميزان القوة: «الحرس الثوري»، بات الطرف الأقدر على فرض الوقائع، وقد يدفع التصعيد الخارجي حتى المدنيين إلى الاصطفاف خلفه. لذلك ينبغي أن يجمع الرد الأميركي بين إيلام المسؤولين عن الهجمات وعدم تدمير فرصة التيار التفاوضي.

إيراني يمر أمام صورة للمرشد مجتبى خامنئي في طهران غداة توقيع اتفاق إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة (إ.ب.أ)

وفي العراق تحديداً، يقترح مايكل نايتس، كبير الباحثين في معهد واشنطن، دعم مداهمات عراقية دقيقة لمخازن المسيّرات، والإبقاء على الحوار بين بغداد والرياض، ثم استهداف قادة الميليشيات الأكثر خطورة إذا فشل الضبط العراقي، بدلاً من ضربات واسعة تمنح هذه الفصائل ذريعة لرفض نزع السلاح.

لذلك يرى البعض أن ترمب قد لا يفتقر إلى الخيارات، بل إلى خيار يربط القوة بنهاية قابلة للاستمرار. الضربة الواسعة قد تخفض قدرات إيران ولا تُخضعها، والضربات المحدودة قد تضبط الإيقاع ولا تنهيه، والتفاوض بلا ردع قد يكافئ التصعيد. أما المسار الأقل سوءاً فهو ضغط عسكري مركز، وحماية إقليمية للطاقة، وعزل أذرع طهران من دون تفجير علاقة واشنطن ببغداد، بالتوازي مع عرض تفاوضي محدد المراحل. عندها فقط يصبح تهديد «الرد بقسوة» أداة لتحقيق نتيجة، لا عنواناً لجولة جديدة.


مقالات ذات صلة

إردوغان: تركيا ترغب بالمشاركة في مبادرات تضمن سيادة لبنان

شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس اللبناني جوزيف عون بقصر الرئاسة في أنقرة (الرئاسة التركية)

إردوغان: تركيا ترغب بالمشاركة في مبادرات تضمن سيادة لبنان

تصدرت العلاقات بين تركيا ولبنان وتعزيزها في مختلف المجالات مباحثات الرئيسين؛ التركي رجب طيب إردوغان، واللبناني العماد جوزيف عون، في أنقرة، الخميس.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم العربي ميناء دمياط البحري شمال مصر (هيئة الميناء)

استهداف ميناء دمياط في مصر... تكهنات متضاربة ومسؤولية غامضة

فَتَح أول استهداف يطول ميناءً مصرياً، منذ اندلاع الحرب الإيرانية-الأميركية نهاية فبراير (شباط) الماضي، باب التأويلات على مصراعيه، مع عدم إعلان أي جهة مسؤوليتها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شؤون إقليمية صواريخ «ذو الفقار» الإيرانية معروضة فوق لافتة تتوعد بقتل الرئيس الأميركي دونالد ترمب في ساحة آزادي بطهران الخميس (إ.ب.أ) p-circle

«الحرس الثوري» يصعّد معركة «هرمز»

واصل «الحرس الثوري» الإيراني تشديد موقفه بشأن مضيق هرمز، معلناً أن ناقلتيْ نفط حاولتا عبور الممر بدعم أميركي قبل أن تنسحبا بعد اندلاع حريق بإحداهما.

«الشرق الأوسط» (لندن-واشنطن-طهران)
الولايات المتحدة​ جنود أميركيون يقفون بجوار بطارية صواريخ «باتريوت» (أرشيف-أ.ب)

أميركا لا تنفد من السلاح… لكنها تخسر سباق الوقت

لا تكشف العقود الدفاعية الأميركية الجديدة عن وفرة في السلاح بقدر ما تكشف عن قلق من أن المال وحده لم يعد كافياً لضمان الحصول عليه في الوقت المطلوب.

إيلي يوسف (واشنطن)
المشرق العربي عناصر من الأمن والدفاع المدني يعملون في موقع غارة شمال مدينة المقدادية بمحافظة ديالى العراقية يوم 29 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

الصدر يجدد انتقاداته للميليشيات... والحكيم لتحييد العراق عن الصراعات

حمّل زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، الخميس، استمرار وجود السلاح خارج إطار الدولة مسؤولية مقتل عناصر من «الحشد الشعبي».

حمزة مصطفى (بغداد)