ترمب أمام «عناد» إيران وفخّها... قوة بلا نصر وتسوية بلا مخرج

ترمب يتحدث للصحافيين في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض الأربعاء (إ.ب.أ)
ترمب يتحدث للصحافيين في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض الأربعاء (إ.ب.أ)
TT

ترمب أمام «عناد» إيران وفخّها... قوة بلا نصر وتسوية بلا مخرج

ترمب يتحدث للصحافيين في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض الأربعاء (إ.ب.أ)
ترمب يتحدث للصحافيين في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض الأربعاء (إ.ب.أ)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية محصورة في اختبار القوة حول مضيق هرمز. فبعد الصواريخ الإيرانية على قاعدة أميركية في الأردن، استأنفت واشنطن ضرباتها، فيما وجهت السعودية والولايات المتحدة ضربات لردع ميليشيات موالية لطهران في العراق. ثم جاءت ضربة المسيّرة في ميناء دمياط المصري لتكشف عن إمكان امتداد الخطر إلى آخر ممر آمن نسبياً للطاقة قرب قناة السويس.

ولم يحدد التحقيق المصري بعد الفاعل، وإيران أو أحد حلفائها لم يعلن المسؤولية؛ لذلك يصح التعامل مع الحادث بوصفه مؤشراً خطيراً على اتساع الحرب، لا دليلاً محسوماً على قرار إيراني باستهداف مصر.

وفي المقابل، قالت القيادة المركزية الأميركية (سينتكوم) إنها ضربت عشرات المراكز القيادية ومنشآت الصواريخ والمسيّرات التابعة لـ«الحرس الثوري»، رداً على الهجوم الإيراني.

خيارات كلها سيئة

تهديد دونالد ترمب بـ«الضرب بقسوة» بدأ يُترجم إلى رد واسع، لكنه لا يجيب عن السؤال الأصعب: ما الذي يحقق نهاية سياسية للحرب؟ بحسب «وول ستريت جورنال»، الخيار الأول هو خطة قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، لحملة جوية مكثفة تمتد من 10 إلى 14 يوماً بغية شل جزء كبير من قدرة إيران الصاروخية. ميزتها أنها قد تنقل واشنطن من اعتراض المقذوفات إلى تدمير منصات إطلاقها؛ ومشكلتها أن المنشآت الإيرانية المحصنة أثبتت قدرتها على استعادة نشاطها، فيما تتناقص مخزونات صواريخ الاعتراض الأميركية المطلوبة أيضاً لمواجهة الصين وروسيا وكوريا الشمالية.

الخيار الثاني: ضربات محدودة ومتكررة ضد «الحرس الثوري»، وأذرعه، تجمع الردع مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً. وهو أقل كلفة فوراً، لكنه قد يعيد إنتاج دورة «ضربة مقابل ضربة».

قائد «سنتكوم» الأدميرال براد كوبر يدلي بإفادة أمام الكونغرس (أ.ف.ب)

أما الخيار الثالث، من احتلال جزر أو مواقع تستخدم لتصدير النفط وإطلاق الصواريخ والمسيّرات، فيعني إدخال قوات برية وتعريضها لخسائر كبيرة. ويبقى الخيار الرابع العودة إلى التفاوض، على أساس فتح هرمز وضبط البرنامجين النووي والصاروخي وشبكة الوكلاء، لكنه يفرض على ترمب صياغة تسوية يمكن عرضها نصراً لا تراجعاً.

يلخص الباحث في مؤسسة «نيو أميركا» باراك بارفي المأزق في حديث مع «الشرق الأوسط»، بالقول إن أمام ترمب «مزيجاً من الخيارات لا جيد بينها»: قصف مكثف يستنزف الاعتراضات، أو الاستيلاء على أراضٍ يعرض الجنود للخطر، أو إعلان النصر والانسحاب وترك إيران أكثر جرأة ومسيطرة على هرمز، أو العودة إلى طاولة المفاوضات. ويضيف أن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار، وأن تكتيك البدء والتوقف أربك المجتمع الدولي، وأضعف جدية التهديد الأميركي في نظره.

تباين لا انقسام

محطة «إن بي سي» نقلت عن مصادر وجود خلاف حقيقي داخل إدارة ترمب، لكن وصفه بانقسام عميق قد يكون مبالغاً فيه. كوبر ووزير الدفاع بيت هيغسيث يميلان إلى هجوم أكبر باعتباره وسيلة لخفض الحاجة إلى الدفاع لاحقاً، بينما يحذر رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين من التداعيات من الدرجة الثانية والثالثة ومن استنزاف الاعتراضات. هذا اختلاف مهني في المخاطر والوسائل، لا تمرد على قرار الرئيس؛ والبنتاغون يؤكد وحدة القيادة.

بحسب رواية «إن بي سي» فقد انفجر ترمب غضباً بسبب غياب خيارات جيدة، وعدم تحول الانتصارات التكتيكية إلى مكسب استراتيجي، غير أن البيت الأبيض نفاها تماماً. ولا يكفي التسريب وحده لإثبات أن الإدارة بلا استراتيجية، كما لا يكفي النفي لإلغاء حقيقة أن أهداف الحرب تبدلت بين النووي والصواريخ والوكلاء وفتح هرمز. الأكثر دقة أن واشنطن تملك خططاً عسكرية متعددة، لكنها لم تحسم بعد تعريف النصر السياسي. وهذا يفسر التريث أكثر مما يفسره ضعف الإرادة: كلفة الذخائر، واحتمال سقوط جنود ومدنيين، وصدمة أسعار الطاقة، وخطر الغرق في حرب تناقض وعد ترمب بتجنب الحروب الطويلة.

مقامرة إيرانية خطرة

محللون تحدثوا عن أن ما تفعله طهران ليس «انتحاراً» بالمعنى الحرفي، بل مقامرة شديدة الخطورة. حسابها أن توسيع ساحة الدفاع الأميركية، من الأردن والعراق والسعودية إلى هرمز والبحر الأحمر، يرفع الكلفة على ترمب ويدفعه إلى صفقة. كما يمنح «الحرس الثوري»، زمام المبادرة ويمنع الولايات المتحدة وإسرائيل من اختيار توقيت الضربات وحدهما.

لكن هذه الاستراتيجية بدأت تنتج أثراً معاكساً: السعودية انتقلت من ضبط النفس إلى المشاركة العلنية، ودول المنطقة باتت أكثر استعداداً لحماية منشآتها والرد على الميليشيات، وأي إثبات لمسؤولية طهران عن دمياط سيهدد علاقتها بمصر ومكانة الوسطاء. كما أن ضرب طرق الطاقة البديلة يجمع ضدها مستوردي النفط وشركات الشحن والتأمين، لا خصومها الإقليميين فقط. وقد قفز خام برنت أكثر من 8 في المائة قبل أن يتراجع إلى ما دون 90 دولاراً؛ ومع تهديد هرمز وباب المندب واقتراب الخطر من السويس، تتحول أوراق الضغط الإيرانية إلى مصدر تضخم واضطراب عالمي يمكن أن يسرّع بناء تحالف مضاد لها، وفق «رويترز».

جنود من البحرية الأميركية خلال تدريبات إطلاق نار على سطح السفينة «يو إس إس تريبولي» يوم 2 أبريل 2026 (سنتكوم)

انقسام إيراني بميزان مختل

وأشارت «وول ستريت جورنال» إلى خلافات في داخل إيران أوضح من الخلافات في واشنطن: الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ارتبطوا بالمسار التفاوضي، في مقابل «الحرس الثوري»، والأوساط المقربة من المرشد مجتبى خامنئي، الذين يرون أن الهدوء يقوض نفوذهم، وأن السيطرة على هرمز وشبكة الوكلاء تمنحهم أوراقاً لا يجوز تسليمها. وقد ظهرت هذه الخلافات علناً منذ المفاوضات الأولى.

وعادة ما ينفي المسؤولون الإيرانيون وجود انقسامات داخل دوائر صنع القرار العليا، فيما تبدو الحدود بين المعسكرين أقل وضوحاً مما توحي به هذه الرواية. فقاليباف نفسه أحد أبرز قادة «الحرس الثوري» السابقين الذين انتقلوا إلى مواقع سياسية، كما أن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، محمد باقر ذو القدر، الذي يؤدي دوراً محورياً في بلورة القرارات السياسية والعسكرية، ينتمي بدوره إلى قيادة «الحرس الثوري».

ومع ذلك، تحذر الصحيفة من أن الرهان الأميركي على «المعتدلين» يحتاج إلى حذر؛ فالمشكلة ليست غياب الانقسام، بل اختلال ميزان القوة: «الحرس الثوري»، بات الطرف الأقدر على فرض الوقائع، وقد يدفع التصعيد الخارجي حتى المدنيين إلى الاصطفاف خلفه. لذلك ينبغي أن يجمع الرد الأميركي بين إيلام المسؤولين عن الهجمات وعدم تدمير فرصة التيار التفاوضي.

إيراني يمر أمام صورة للمرشد مجتبى خامنئي في طهران غداة توقيع اتفاق إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة (إ.ب.أ)

وفي العراق تحديداً، يقترح مايكل نايتس، كبير الباحثين في معهد واشنطن، دعم مداهمات عراقية دقيقة لمخازن المسيّرات، والإبقاء على الحوار بين بغداد والرياض، ثم استهداف قادة الميليشيات الأكثر خطورة إذا فشل الضبط العراقي، بدلاً من ضربات واسعة تمنح هذه الفصائل ذريعة لرفض نزع السلاح.

لذلك يرى البعض أن ترمب قد لا يفتقر إلى الخيارات، بل إلى خيار يربط القوة بنهاية قابلة للاستمرار. الضربة الواسعة قد تخفض قدرات إيران ولا تُخضعها، والضربات المحدودة قد تضبط الإيقاع ولا تنهيه، والتفاوض بلا ردع قد يكافئ التصعيد. أما المسار الأقل سوءاً فهو ضغط عسكري مركز، وحماية إقليمية للطاقة، وعزل أذرع طهران من دون تفجير علاقة واشنطن ببغداد، بالتوازي مع عرض تفاوضي محدد المراحل. عندها فقط يصبح تهديد «الرد بقسوة» أداة لتحقيق نتيجة، لا عنواناً لجولة جديدة.


مقالات ذات صلة

ترمب يلوّح بضرب «جبل الفأس»

شؤون إقليمية بزشكيان في زيارة لمنشأة أجهزة الطرد المركزي ضمن البرنامج النووي الإيراني (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)

ترمب يلوّح بضرب «جبل الفأس»

تتواصل الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران في ظلّ غياب مؤشرات واضحة على قرب التوصل إلى تسوية، وسط تصاعد التهديدات العسكرية وتبادل الاتهامات بشأن أمن الملاحة في

«الشرق الأوسط» (واشنطن - طهران)
شؤون إقليمية تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)

إيران تلتف على الحصار الأميركي بصادرات وقود محدودة

تمكنت إيران من تصدير شحنات محدودة من غاز البترول المسال ووقود الطائرات منذ يوليو، رغم الحصار البحري الأميركي المفروض على صادراتها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على هامش قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان (أ.ف.ب)

إيران تنفي مجدداً السعي لامتلاك سلاح نووي وتبدي استعدادها للحوار

نفى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال محادثات مع رئيس وزراء جورجيا، سعي طهران لامتلاك أسلحة نووية، وأعرب عن استعداده للحوار، مديناً العقوبات الأميركية.

«الشرق الأوسط» (تبليسي)
شؤون إقليمية صورة وُزعت دون تحديد تاريخها لـ«أم القنابل» في قاعدة «إيغلين» الجوية بولاية فلوريدا الأميركية (رويترز)

واشنطن تصعّد تهديداتها ضد المنشآت النووية الإيرانية

تتواصل الأزمة بين واشنطن وطهران، في ظل غياب مؤشرات واضحة على قرب التوصل إلى تسوية، مع تصاعد التهديدات العسكرية وتبادل الاتهامات بشأن أمن الملاحة في هرمز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - طهران - لندن)
المشرق العربي وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين (إعلام حكومي)

وزير الخارجية: العراق يدعم مسارات السلام

أكد وزير الخارجية فؤاد حسين، الجمعة، أن العراق لا يسعى إلى الحرب، ويدعم مسارات السلام، بينما حذر من تعثر الجهود الرامية لخفض التوتر بين واشنطن وطهران.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

ترمب يلوّح بضرب «جبل الفأس»

بزشكيان في زيارة لمنشأة أجهزة الطرد المركزي ضمن البرنامج النووي الإيراني (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان في زيارة لمنشأة أجهزة الطرد المركزي ضمن البرنامج النووي الإيراني (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)
TT

ترمب يلوّح بضرب «جبل الفأس»

بزشكيان في زيارة لمنشأة أجهزة الطرد المركزي ضمن البرنامج النووي الإيراني (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان في زيارة لمنشأة أجهزة الطرد المركزي ضمن البرنامج النووي الإيراني (أرشيفية - الرئاسة الإيرانية)

تتواصل الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران في ظلّ غياب مؤشرات واضحة على قرب التوصل إلى تسوية، وسط تصاعد التهديدات العسكرية وتبادل الاتهامات بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز.

وفي ظلّ هذه الأجواء، لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإمكانية استهداف موقع «جبل الفأس»، في إطار مساعي واشنطن لمنع طهران من امتلاك سلاح نووي. وبرّر ترمب تصعيده قائلاً إن إيران قد تستخدم السلاح النووي «إذا تمكنت من الحصول عليه».

في المقابل، استبعد الرئيس الأميركي استخدام السلاح النووي ضد إيران، مؤكداً أن واشنطن لا تحتاج إلى مثل هذه الأسلحة لتحقيق أهدافها العسكرية. لكنه أشار إلى إمكانية اللجوء إلى أسلحة تقليدية شديدة التدمير، في إشارة إلى قنبلة «جي بي يو 43/ بي» المعروفة أيضاً باسم «أم القنابل»، والتي تُعدّ أقوى سلاح أميركي غير نووي.

من جانبه، أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أمس، أن بلاده لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، وأنها مستعدة للحوار، مشدداً على أن طهران لن تخضع للعقوبات.


إيران تلتف على الحصار الأميركي بصادرات وقود محدودة

تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)
تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)
TT

إيران تلتف على الحصار الأميركي بصادرات وقود محدودة

تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)
تحاول الشركات الآسيوية تنويع مصادر نفطها جراء حرب إيران (رويترز)

تمكنت إيران من تصدير شحنات محدودة من غاز البترول المسال ووقود الطائرات منذ يوليو (تموز)، رغم الحصار البحري الأميركي المفروض على صادراتها، مستفيدة من عمليات نقل الشحنات بين السفن في مياه الخليج، وفق معلومات استخباراتية بحرية ومصادر في قطاع الشحن.

وفي حين تؤكد واشنطن أن الحصار يحدّ بصورة كبيرة من صادرات الطاقة الإيرانية، تكشف هذه الشحنات عن محاولات طهران الالتفاف على القيود والحفاظ على منافذ محدودة لتصريف منتجاتها النفطية.

وقالت أربعة مصادر عاملة في مجال الأمن البحري ومتابعة تحركات النفط في الخليج لوكالة «رويترز» إن إيران تمكنت خلال الأسابيع الأخيرة من تمرير شحنات من غاز البترول المسال، عبر إخفائها ضمن عمليات متزايدة لنقل المنتجات النفطية من سفينة إلى أخرى.

ولم تكن هذه الصادرات قد ظهرت في تقارير سابقة بهذه الصورة، وهي، رغم محدودية حجمها مقارنة بصادرات إيران من الطاقة قبل فرض الحصار، تقدم مؤشرات على استمرار تدفق بعض المنتجات النفطية الإيرانية إلى الأسواق الخارجية.

وأظهر تحليل أجرته منظمة «متحدون ضد إيران النووية»، التي تراقب حركة ناقلات النفط المرتبطة بإيران باستخدام بيانات تتبع السفن وصور الأقمار الصناعية، أن ما لا يقل عن 8 ناقلات غاز محملة بغاز البترول المسال الإيراني غادرت خليج عُمان منذ منتصف يوليو.

صور الأقمار الصناعية

بزشكيان يترأس اجتماعاً حكومياً لمناقشة إدارة استهلاك الوقود بحضور وزيرَي الداخلية والنفط وقادة الشرطة الإيرانية الأحد (الرئاسة الإيرانية)

كما أظهرت صور الأقمار الصناعية وتحليلات مجموعة الاستخبارات البحرية «سينماكس» وصول ناقلة أخرى تحمل وقود طائرات إيرانياً إلى ميانمار في سبتمبر (أيلول).

ووفقاً لتحليل «رويترز» لبيانات السفن والعقوبات الأميركية، فإن 6 من ناقلات الغاز الـ8، إلى جانب ناقلة وقود الطائرات، تخضع لعقوبات أميركية بسبب نقل منتجات نفطية وبتروكيماوية إيرانية.

وقالت جميما شيلي، الباحثة في منظمة «متحدون ضد إيران النووية»، إن المنظمة رصدت عدداً محدوداً من الناقلات التي تحمل غاز البترول المسال الإيراني، في حين أعادت القوات الأميركية توجيه الغالبية العظمى من الناقلات المحملة بمنتجات إيرانية.

وأضافت أن بعض ناقلات الغاز نقلت شحناتها بالقرب من مدينتي شناص وصحار الساحليتين في عُمان، بينما انتظرت ناقلات أخرى في خليج عُمان قبل محاولة تجاوز الحصار الأميركي، الذي قالت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) إنه يمتد عبر الخليج بالقرب من الحدود الإيرانية الباكستانية.

وقدّرت شيلي إجمالي شحنات غاز البترول المسال التي رصدتها المنظمة بنحو 4.1 مليون برميل، مشيرة إلى أن هذه التحركات تبدو مدفوعة بانتهاز فرص محدودة لتصدير المنتجات، أكثر من كونها دليلاً على تحول استراتيجي واسع نحو استخدام سفن أصغر للالتفاف على القيود.

ووفقاً لتحليل المنظمة، اتجهت معظم الشحنات إلى ميناء في ماليزيا، حيث يُرجح إجراء عمليات إضافية لنقلها بين السفن، قبل وصولها إلى وجهات محتملة في الصين.

الجيش الأميركي: الحصار محكم

في المقابل، تؤكد القيادة المركزية الأميركية أن الحصار البحري لا يزال محكماً، وأن مرور بعض السفن لا يعني بالضرورة نجاحها في الإفلات من القيود.

وقال مسؤول عسكري أميركي لـ«رويترز» إن القوات الأميركية تقيّم حركة كل سفينة على حدة، من خلال إجراءات تشمل مراجعة الوثائق، مشيراً إلى أن بعض السفن قد يُسمح لها بالمرور لأسباب إنسانية.

وأوضح المسؤول أن إدراج سفينة على قوائم العقوبات الأميركية ليس العامل الوحيد الذي يحدد خضوعها للحصار، لافتاً إلى أن القوات تراقب بعض السفن عن كثب من دون اتخاذ إجراءات مباشرة ضدها لأسباب عملياتية.

وفي تحديث صدر في 13 أكتوبر (تشرين الأول)، قالت القيادة المركزية الأميركية إن قواتها عطّلت 4 سفن تجارية وأعادت 135 سفينة أخرى خلال الحصار الأخير، الذي استمر ثلاثة أشهر وفق البيان. وكانت القيادة قد ذكرت في تصريحات سابقة أنها أعادت سفناً قادمة من آسيا وصادرت بعض الناقلات.

تشكيك أميركي في البيانات

وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد (الرئاسة الإيرانية)

وشكك متحدث باسم وزارة الخزانة الأميركية في دقة بيانات الشحن التي تشير إلى نجاح سفن في تجاوز الحصار، قائلاً إن بعض السفن قد تتلاعب بمواقعها أو تستخدم هويات مزيفة أثناء عمليات التحميل، داعياً إلى التعامل مع هذه البيانات بحذر.

وأضاف أن ما وصفه بـ«الإقصاء الاقتصادي»، إلى جانب الحصار البحري، يفاقم الضغوط على إيران ويحدّ من قدرتها على تحقيق الإيرادات.

وفرضت الولايات المتحدة الحصار للمرة الأولى في 13 أبريل (نيسان)، قبل أن ترفعه في يونيو (حزيران) عقب التوصل إلى مسودة تفاهم مع إيران، ثم تعيد فرضه في 14 يوليو بعد انهيار الاتفاق، وفق المعلومات الواردة في التقرير.

وترافق الحصار مع حملة عقوبات مالية وتجارية تستهدف تقليص الإيرادات الإيرانية وقطع ما تبقى لطهران من روابط مالية خارجية. وفي هذا السياق، فرضت واشنطن الأسبوع الماضي عقوبات جديدة على 17 سفينة قالت إنها شاركت في نقل النفط الخام والبتروكيماويات والمنتجات البترولية الإيرانية.

ضغوط تدفع طهران للمجازفة

وتأتي محاولات تصدير المنتجات النفطية في وقت تواجه فيه إيران ضغوطاً اقتصادية متزايدة، وسط تراجع قدرتها على بيع النفط الخام وتزايد القيود المفروضة على تعاملاتها التجارية والمالية.

وقال توربيورن سولتفيدت، المحلل الكبير لشؤون الشرق الأوسط لدى شركة «فيريسك مابلكروفت» المتخصصة في معلومات المخاطر، إن تدهور الأوضاع الاقتصادية قد يدفع إيران إلى تحمل مخاطر أكبر في محاولة تمرير شحنات محدودة، رغم عدم وجود مؤشرات على احتمال تخفيف الحصار.

وأشار إلى أن وقود الطائرات قد يمثل خياراً مناسباً لإيران في هذه الظروف، نظراً إلى الضغوط المتزايدة التي يتعرض لها قطاع الطيران الإيراني بسبب العقوبات الأميركية، وما قد ينجم عنها من توقف عدد متزايد من الطائرات، الأمر الذي قد يترك فائضاً من وقود الطائرات في المصافي المحلية.

وفي مؤشر على حجم الضغوط التي تواجهها صادرات الطاقة الإيرانية، قالت شركة «كبلر» المتخصصة في تحليل بيانات الشحن والطاقة إن صادرات النفط الخام الإيراني انخفضت إلى الصفر في سبتمبر، في أول شهر لا تُسجل فيه أي شحنة منذ أن بدأت الشركة تتبع أنشطة إيران عام 2013.

من جانبه، قال وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، إن الحصار منع معظم مشتريات الصين من النفط الإيراني، وجعل إيران غير قادرة على توريد النفط الخام إلى عملائها.

وتشير هذه المعطيات إلى أن الحصار الأميركي يفرض قيوداً واسعة على صادرات الطاقة الإيرانية، وإن كانت الشحنات المحدودة من غاز البترول المسال ووقود الطائرات توضح أن طهران لا تزال تحاول استغلال الثغرات المتاحة في حركة الشحن البحري. لكن استمرار هذه العمليات لا يعني بالضرورة نشوء مسار بديل قادر على تعويض خسائر صادرات النفط الخام، خصوصاً في ظل تشديد العقوبات ومراقبة الناقلات وعمليات النقل بين السفن.


إيران تنفي مجدداً السعي لامتلاك سلاح نووي وتبدي استعدادها للحوار

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على هامش قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان (أ.ف.ب)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على هامش قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان (أ.ف.ب)
TT

إيران تنفي مجدداً السعي لامتلاك سلاح نووي وتبدي استعدادها للحوار

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على هامش قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان (أ.ف.ب)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على هامش قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان (أ.ف.ب)

نفى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الجمعة، خلال محادثات مع رئيس وزراء جورجيا، سعي طهران لامتلاك أسلحة نووية، وأعرب عن استعداده للحوار، مديناً العقوبات الأميركية.

وفي لقائه إيراكلي كوباخيدزه، دعا بزشكيان أيضاً إلى توثيق العلاقات مع جورجيا، بعد أسابيع من قطع تبليسي الروابط الجوية بين البلدين استجابة للعقوبات الأميركية على شركات طيران إيرانية.

التقى المسؤولان على هامش قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال بزشكيان، وفق بيان صادر عن مكتبه، إن «إيران لا تسعى لامتلاك أسلحة نووية، ونحن نعد الدعاية المغرضة ضد بلادنا محض أكاذيب».

وأضاف: «كنا دائماً مستعدين للحوار. إنهم يظنون أن بإمكانهم إجبارنا على الاستسلام، لكننا لن نرضخ للإكراه»، واصفاً العقوبات الأميركية المفروضة على طهران بأنها «غير مبررة وغير إنسانية».

كما دعا بزشكيان خلال لقائه كوباخيدزه إلى وضع جدول زمني واضح لتوسيع التعاون بين طهران وتبليسي، وفق ما أفادت به وكالة «تسنيم» الإيرانية للأنباء.

ونقلت الوكالة عن كوباخيدزه قوله إنه يعارض التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية للدول المجاورة، لكن مكتبه لم يشر إلى تلك التصريحات في بيانه بشأن الاجتماع.

وذكر البيان أن المسؤولين ناقشا العلاقات الثنائية والأمن الإقليمي، مع تأكيد كوباخيدزه على «أهمية الحوار والدبلوماسية لخفض التصعيد، وإرساء سلام دائم».

وكانت وكالة الطيران المدني الجورجية قد أعلنت في سبتمبر (أيلول) أنها ستلتزم بالعقوبات الأميركية، في حين أكد كوباخيدزه أن تبليسي لا تفرض عقوبات ثنائية على طهران.