إيران تشدد قبضتها الأمنية رغم ظروف الحرب

ملاحقة تمتد إلى الداعمين لا المشاركين فقط

امرأة في طهران تحمل صورة لشخص قُتل في احتجاجات سابقة مناهضة للحكومة في إيران (أ.ف.ب)
امرأة في طهران تحمل صورة لشخص قُتل في احتجاجات سابقة مناهضة للحكومة في إيران (أ.ف.ب)
TT

إيران تشدد قبضتها الأمنية رغم ظروف الحرب

امرأة في طهران تحمل صورة لشخص قُتل في احتجاجات سابقة مناهضة للحكومة في إيران (أ.ف.ب)
امرأة في طهران تحمل صورة لشخص قُتل في احتجاجات سابقة مناهضة للحكومة في إيران (أ.ف.ب)

رغم ظروف الحرب التي تمر بها إيران، فقد تشددت سلطاتها الأمنية عقب موجة الاضطرابات الأخيرة التي هزّت عدداً من المدن؛ إذ تشير تقارير حقوقية وإعلامية إلى أن السلطات وسّعت نطاق حملتها من ملاحقة المحتجين في الشوارع إلى استهداف كل من يُشتبه في تقديمه دعماً مباشراً أو غير مباشر لهم، في تحول يعكس، وفق مراقبين، انتقالاً من إدارة الأزمة إلى إعادة صياغة المجال العام تحت سقف أمني أكثر صرامة.

وبحسب معطيات أوردها تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، فإن الحملة لم تعد تقتصر على النشطاء السياسيين أو المشاركين في الاحتجاجات، بل امتدت لتشمل أطباء ومحامين وأكاديميين وأصحاب أعمال ومواطنين عاديين، في إطار مقاربة أمنية تعد أي شكل من أشكال المساندة للمحتجين جزءاً من النشاط المعارض.

من الشارع إلى «شبكات الدعم»

تُظهر التطورات الأخيرة، وفق التقرير، أن الأجهزة الأمنية الإيرانية انتقلت إلى مرحلة أكثر اتساعاً في التعامل مع تداعيات الاحتجاجات؛ إذ لم يعد الهدف فقط تفريق التجمعات أو توقيف المشاركين، بل تفكيك ما تصفه السلطات بـ«شبكات الدعم» التي ساعدت المصابين أو وفرت لهم العلاج أو الدعم القانوني والإعلامي والمالي.

وتشير المعطيات إلى أن هذا التوجه أدى إلى فتح تحقيقات مع أشخاص لم يشاركوا مباشرة في التظاهرات، لكنهم قدموا خدمات إنسانية أو مهنية للمصابين؛ ما يعكس اتساع مفهوم المشاركة في الاحتجاجات من منظور الأجهزة الأمنية.

من أكثر الجوانب حساسية في الحملة، وفق ما أورده التقرير، استهداف العاملين في القطاع الصحي، حيث تعرض عدد من الأطباء للمساءلة على خلفية علاج مصابين خارج القنوات الرسمية أو عدم الإبلاغ عن حالات أخرى.

وأدى ذلك إلى حالة من القلق داخل الوسط الطبي، في ظل ازدياد خشية الأطباء من ممارسة مهامهم الإنسانية بشكل طبيعي، خصوصاً بعد لجوء بعض المصابين إلى عيادات خاصة أو أطباء يعملون بشكل غير معلن لتجنب الاعتقال.

ويحذر مراقبون من أن هذا المناخ قد يخلق فجوة بين المرضى والمؤسسات الصحية الرسمية، ويدفع نحو مزيد من العمل غير المنظم في القطاع الطبي.

أدوات اقتصادية للضغط

إيرانية تتسوق في سوق محلية في طهران 28 أبريل (رويترز)

لا تقتصر الإجراءات، بحسب التقرير، على الجانب الأمني فقط، بل تشمل أيضاً أدوات اقتصادية؛ إذ تم تسجيل حالات إغلاق أو مصادرة أو تقييد نشاط مؤسسات تجارية يُشتبه في ارتباط أصحابها بدعم المحتجين أو المشاركة في الإضرابات.

ويبدو أن الهدف من هذه الإجراءات هو توسيع دائرة الردع لتشمل البعد المعيشي والاقتصادي، بحيث تمتد تكلفة أي نشاط احتجاجي أو داعم له إلى مصدر رزق الأفراد والشركات.

في موازاة ذلك، تشير المعطيات إلى اعتماد متزايد من قبل السلطات على أدوات تقنية متطورة لتعقب المشاركين في الاحتجاجات، بما في ذلك تحليل مقاطع الفيديو المنتشرة على الإنترنت، واستخدام كاميرات المراقبة، وتتبع النشاط الرقمي على منصات التواصل الاجتماعي.

كما تلعب البلاغات الفردية دوراً إضافياً في تعزيز قدرة الأجهزة الأمنية على تحديد هويات المشاركين أو الداعمين، حتى بعد انتهاء موجات التظاهر.

مناخ عام من الخوف

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في مدينة مشهد 10 يناير (رويترز)

تنعكس هذه السياسات، وفق التقرير، على المجتمع الإيراني بشكل أوسع، حيث يسود شعور متزايد بالحذر والخوف من أي ارتباط سابق أو غير مباشر بالاحتجاجات، حتى على مستوى التعبير الشخصي أو النقاش السياسي داخل العائلات والمجتمع.

ويشير مراقبون إلى أن هذا المناخ قد يؤدي إلى تراجع المساحات العامة للنقاش السياسي، وتعزيز حالة من الانكفاء الذاتي داخل المجتمع، في ظل الخشية من الاستدعاء أو الملاحقة.

في المقابل، تؤكد السلطات الإيرانية أن الإجراءات المتخذة تستهدف ما تصفه بـ«العناصر التخريبية» و«الجهات المرتبطة بالخارج»، معتبرة أن الاحتجاجات تضمنت محاولات لزعزعة الاستقرار الداخلي. وتشدد الرواية الرسمية على أن التدخل الأمني كان ضرورياً للحفاظ على الأمن العام، ومنع الانزلاق نحو الفوضى، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية وضغوطاً خارجية متزايدة.

في المقابل، تعرب منظمات حقوقية عن قلقها من اتساع نطاق الاعتقالات ليشمل فئات لا علاقة مباشرة لها بأعمال العنف، معتبرة أن الحملة باتت تمتد إلى من قدموا دعماً إنسانياً أو لوجستياً للمصابين.

وتحذر هذه المنظمات من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى ترسيخ حالة من الردع الشامل، تهدف ليس فقط إلى وقف الاحتجاجات، بل إلى منع نشوء أي حراك مشابه مستقبلاً.

يخلص التقرير إلى أن إيران تمر بمرحلة إعادة ضبط واسعة لمعادلات الداخل بعد الاضطرابات الأخيرة، تقوم على مزيج من الإجراءات الأمنية والاقتصادية والتقنية، بهدف إحكام السيطرة على المجال العام، ومنع تكرار موجات الاحتجاج.

لكن في المقابل، يرى محللون أن هذا النهج، رغم فاعليته في المدى القصير، فإنه قد يفاقم التوترات الكامنة داخل المجتمع، خصوصاً إذا استمرت العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي شكلت وقوداً للاضطرابات دون معالجة.

وبينما تراهن السلطات على الردع الأمني لتثبيت الاستقرار، يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة هذه المقاربة على احتواء جذور الاحتقان السياسي والاجتماعي، أم أنها تؤجل انفجاراته إلى مستقبل غير معلوم.


مقالات ذات صلة

أمين مجلس الأمن القومي الإيراني يهدد بإغلاق ممرات ومضائق أخرى

شؤون إقليمية ذو القدر يتحدث في مقابلة صحافية مع وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» ديسمبر 2020

أمين مجلس الأمن القومي الإيراني يهدد بإغلاق ممرات ومضائق أخرى

أكد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محمد باقر ذو القدر أن مواصلة الولايات المتحدة «تأجيج نيران الحرب» سيزيد من إحكام إغلاق مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية مروحية أميركية من طراز «إم إتش-60 آر سي هوك» تستعد للإقلاع من على متن المدمرة «يو إس إس مايكل مورفي» خلال دعمها الحصار البحري الأميركي على إيران في المياه الإقليمية (سنتكوم)

تقرير: ترمب أمر البنتاغون بالاستعداد لضرب إيران بحلول الأحد

أمر الرئيس الأميركي دونالد ترمب بمواصلة الضربات العسكرية على إيران، مع احتمال بدء جولة جديدة بحلول يوم الأحد، بعدما خلص إلى أن المسار الدبلوماسي لم يحقق نتائج.

«الشرق الأوسط» (لندن) «الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية طائرة مسيّرة ومنظومة صاروخية إيرانيتان معروضتان في ساحة آزادي بطهران، 30 يوليو 2026 (رويترز)

واشنطن تعرض مكافئة لاستهداف شبكة مسيّرات «الحرس الثوري»

أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، الجمعة، رصد مكافأة تصل إلى 15 مليون دولار مقابل معلومات تؤدي إلى تعطيل الآليات المالية الداعمة لشبكة إنتاج الطائرات المسيّرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب متوجهاً إلى طائرة «إير فورس وان» في مطار هاغرستاون بولاية ماريلاند، بعد اجتماع حكومي في كامب ديفيد (غيتي/أ.ف.ب) p-circle

ترمب يبحث عن مخرج من حرب إيران

حقق الرئيس الأميركي دونالد ترمب اختراقاً دبلوماسياً مرحباً به مع الإعلان المفاجئ عن اتفاق لنزع سلاح حركة «حماس»، لكنه لا يزال عالقاً في الحرب مع إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن_واشنطن)
الولايات المتحدة​ وزير الخزانة ‌الأميركي ‌سكوت ​بيسنت يتحدث للصحافيين خارج البيت الأبيض (أ.ب)

وزير الخزانة الأميركي: الأصول الإيرانية المصادَرة ستذهب إلى الشعب الإيراني

قال وزير الخزانة ‌الأميركي ‌سكوت ​بيسنت، ‌للصحافيين، اليوم ​الجمعة، إن الولايات المتحدة تبحث ‌عن ‌أصول ​إيرانية «في ‌جميع أنحاء ‌العالم».

«الشرق الأوسط» (كامب ‌ديفيد (الولايات المتحدة) )