فانس وقاليباف يفتتحان مساراً مباشراً لإنهاء الحرب

شهباز شريف رعى محادثات السلام... والمحادثات الفنية انتقلت إلى صياغة النصوص

صورة نشرها التلفزيون الرسمي من اجتماع الوفد الإيراني على هامش محادثات باكستان
صورة نشرها التلفزيون الرسمي من اجتماع الوفد الإيراني على هامش محادثات باكستان
TT

فانس وقاليباف يفتتحان مساراً مباشراً لإنهاء الحرب

صورة نشرها التلفزيون الرسمي من اجتماع الوفد الإيراني على هامش محادثات باكستان
صورة نشرها التلفزيون الرسمي من اجتماع الوفد الإيراني على هامش محادثات باكستان

باشرت قيادات أميركية وإيرانية رفيعة المستوى، السبت، في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، مفاوضات مباشرة لإنهاء الحرب التي اندلعت بين الجانبين قبل ستة أسابيع، وذلك في أعلى مستوى من المحادثات بين واشنطن وطهران منذ نصف قرن.

ويرأس الوفد الأميركي نائب الرئيس جي دي فانس، فيما يرأس الوفد الإيراني رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف. وبعد نحو ثلاث ساعات على بدء المحادثات، أكد البيت الأبيض أن الوفدَين أجريا، بحضور مسؤولين باكستانيين، مباحثات ثلاثية مباشرة وجهاً لوجه في إسلام آباد.

وأوضح مسؤول رفيع في البيت الأبيض أن الأطراف الثلاثة تعقد مباحثات مباشرة، بخلاف المفاوضات التي كانت واشنطن وطهران قد أجرتاها في الأشهر الماضية عبر وسطاء ينقلون الرسائل بين وفدين يجلسان في غرفتين منفصلتين.

ويضم الوفد الأميركي يضم أيضاً المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب.

وفي سياق متصل، أفادت «نيويورك تايمز» -نقلاً عن مسؤول في البيت الأبيض واثنين من المسؤولين الإيرانيين المطلعين على المحادثات- بأن لقاءً مباشراً عُقد بين قاليباف وفانس. وقالت الصحيفة إن الاجتماع جرى بحضور رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف.

شهباز شريف يصافح قاليباف قبل بدء المفاوضات في إسلام آباد (رويترز)

وكانت وسائل إعلام إيرانية في إسلام آباد قد أفادت، في وقت سابق، بأن المفاوضات بدأت عقب مشاورات مكثفة وتقدم في الاتصالات الجارية. وقالت وكالة «تسنيم»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، إن هذا التطور «جاء في ظل تقييد الهجمات الإسرائيلية من بيروت إلى مناطق جنوب لبنان»، بما عدّته طهران مؤشراً على تقدم في تنفيذ وقف إطلاق النار، إلى جانب قبول الجانب الأميركي الإفراج عن الأصول الإيرانية، والحاجة إلى إجراء نقاشات فنية وخبراتية أكثر تفصيلاً بشأن هذه الملفات.

وأضافت الوكالة، أن هذه المرحلة سبقتها «مشاورات مكثفة وتقدم في المحادثات»، وأن ما جرى في تلك الاتصالات أسفر، حسب تعبيرها، عن تفاهم يقضي بوقف الهجمات الإسرائيلية على بيروت وحصرها في «مناطق جنوب لبنان».

كما ذكرت أن الطرف الأميركي قبل الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمّدة، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن هذا الملف «يحتاج إلى محادثات فنية وخبراتية أكثر دقة» قبل استكماله.

لكن الوكالة أوضحت أن إيران ترى أن وقف إطلاق النار في لبنان لم يُنفّذ بالكامل بعد، وأن الولايات المتحدة مطالبة بإلزام إسرائيل بتنفيذ هذا التعهد. وأضافت أن الوفد الإيراني يتابع هذه المسألة بجدية، سواء عبر الوسيط الباكستاني أو داخل غرفة المحادثات.

وقال المتحدث باسم «الخارجية الإيرانية»، إسماعيل بقائي، إن الوفد نقل مطالب طهران في إطار حزمة النقاط العشر التي كانت إيران قد أعلنتها سابقاً.

في وقت لاحق، قال وكيل لجنة الإعلام في الرئاسة الإيرانية، محمد غلزاري، إن اللجان المختلفة عقدت منذ صباح السبت عدة اجتماعات لتنسيق المواقف، قبل أن تعلن جاهزيتها لبدء المفاوضات بعد التوصل إلى ما وصفه بـ«انسجام كامل» في الرؤى.

وأضاف أن انطلاق المفاوضات الثلاثية جاء بعد تطورات قال إنها شملت اتصالات متواصلة مع السفير الإيراني لدى لبنان، للتحقق من توقف الهجمات على بيروت، وتسجيل ملاحظات على ما عدّته طهران خروقاً لوقف إطلاق النار، إلى جانب تهيئة الظروف للإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة.

وأشار غلزاري إلى أن المفاوضات انتقلت، مع ازدياد جديتها، إلى مرحلة فنية، موضحاً أن عدداً من أعضاء اللجان التخصصية في الوفد الإيراني توجهوا إلى موقع الاجتماعات، وأن هذا المسار لا يزال مستمراً.

وفي السياق نفسه، أشارت وسائل إعلام إيرانية تبادل نصوص مكتوبة بشأن القضايا المطروحة على جدول البحث.

في سياق موازٍ، أفاد مفاوضون بوجود «حالة جمود» في المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان بشأن السيطرة على مضيق هرمز، حسب ما نقلته صحيفة «فاينانشال تايمز».

ونقلت الصحيفة عن شخصَين مطلعَين على سير المفاوضات أن مسألة إعادة فتح المضيق لا تزال نقطة خلاف رئيسية تعرقل التقدم. وقال أحد المصدرين إن إيران تصر على احتفاظها بالسيطرة على الممر المائي وحقها في فرض رسوم عبور على السفن، مشيراً إلى أن المفاوضين الإيرانيين يرفضون مقترحات تتعلق بـ«إدارة مشتركة»، رغم عقد لقاء رفيع المستوى بين فانس وقاليباف.

وأضاف أن المفاوضين عقدوا «عشاء عمل»، على أن تتبعه مناقشات فنية في جولة ثالثة لاحقاً مساء السبت.

وقال مسؤولان باكستانيان لوكالة «أسوشييتد برس»، إن القيادة السياسية والعسكرية العليا في باكستان تشجع كلا الجانبَين على حل خلافاتهما لضمان سلام دائم في المنطقة، وأن المحادثات تسير قدماً، وأعربا عن أملهما في التوصل إلى حل يُرضي الطرفَين.

«مرحلة صعبة»

وتُعد المحادثات غير المباشرة عالية المخاطر، لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط، لكن وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه باكستان لا يزال يواجه عقبات، مع استمرار تبادل إطلاق النار بين الجيش الإسرائيلي ومقاتلي «حزب الله» على طول الحدود في جنوب لبنان، وإصرار إيران على شروط مسبقة قبل بدء التفاوض.

وحذر رئيس الوزراء الباكستاني، من أن الصراع يدخل «مرحلة صعبة»، في حين تحاول الأطراف الانتقال من وقف مؤقت للقتال إلى تسوية أكثر ديمومة، مضيفاً أنهم يقفون عند لحظة «حاسمة».

رئيس الوزراء الباكستاني يستقبل نائب الرئيس الأميركي اليوم في إسلام آباد (أ.ب)

عقدة البداية

هبط الوفد الأميركي على طائرتَين تابعتَين لسلاح الجو الأميركي في قاعدة جوية بإسلام آباد صباح السبت. وقالت وزارة الخارجية الباكستانية إن وزير الخارجية والداخلية، وقائد الجيش، استقبلوا، السبت، الوفد الأميركي برئاسة فانس.

وأضافت، في بيان، أن وزير الخارجية اسحاق دار يأمل في أن تشارك الولايات المتحدة وإيران بشكل بناء في محادثات السلام. وذكر بيان لوزارة الخارجية الباكستانية أن دار جدد تأكيد رغبة إسلام آباد في مواصلة العمل لتقريب الطرفَين من «حل دائم وراسخ للصراع».

وقبل مغادرته إلى باكستان، حذّر فانس إيران من «التلاعب» بالولايات المتحدة. وبعد ساعات، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه يتمنى التوفيق لفانس، مضيفاً: «سنكتشف ما الذي يحدث. لقد هُزموا عسكرياً».

في المقابل، وصل الوفد الإيراني في وقت مبكر من صباح السبت إلى إسلام آباد. وقال قاليباف، على منصة «إكس» إن المناقشات لن تُعقد إلا إذا تحقق وقف لإطلاق النار من جانب إسرائيل في لبنان، وأُفرج عن الأصول الإيرانية المجمدة.

ويضم الوفد الإيراني فريق المفاوضين النوويين برئاسة وزير الخارجية عباس عراقجي، بالإضافة إلى رئيس البنك المركزي عبد الناصر همتي، ونائب أمين مجلس الأمن القومي للشؤون الدولية علي باقري كني، وأمين لجنة الدفاع العليا علي أكبر أحمديان، إلى جانب عدد من أعضاء البرلمان.

شهباز شريف يستقبل الوفد الإيراني (إرنا)

وستكون هذه المحادثات الأعلى مستوى بين الولايات المتحدة وإيران منذ الثورة عام 1979، كما أنها أول مفاوضات رسمية مباشرة بين الجانبين منذ عام 2015، حين توصلا إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني.

وكان ترمب قد سحب بلاده من الاتفاق في 2018 خلال ولايته الأولى، فيما حظر المرشد السابق علي خامنئي، الذي قُتل في بداية الحرب قبل ستة أسابيع، أي محادثات مباشرة أخرى بين المسؤولين الأميركيين والإيرانيين.

رسائل إيرانية

وكان الوفد الإيراني قد عقد اجتماعاً، صباح السبت، لبحث مسار المفاوضات. وقبل ساعات، قال التلفزيون الرسمي الإيراني إن قاليباف، اجتمع مع رئيس الوزراء الباكستاني لبحث توقيت وطريقة «المفاوضات المحتملة».

وفي السياق نفسه، أفادت وكالتا «فارس» و«تسنيم»، التابعتان لـ«الحرس الثوري»، أن الوفد الإيراني أبلغ قائد الجيش الباكستاني عاصم منير احتجاجه على ما وصفه بإخلال الولايات المتحدة بالتزاماتها في هذه المرحلة من المفاوضات.

وأضافتا أن طهران كانت قد طرحت شروطاً لبدء المحادثات بعد طلب أميركي بوقف إطلاق النار، شملت الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمّدة وتطبيق وقف لإطلاق النار في لبنان، مشيرتَين إلى أن الوسيط الباكستاني أبلغ إيران بموافقة واشنطن على هذه الشروط، إلا أنها لم تُنفذ حتى الآن.

وحسب ما نقلته الوكالتان، فإن إيران أبقت، رداً على ذلك، على القيود المفروضة على عبور ناقلات النفط في مضيق هرمز دون تغيير.

وفي موازاة ذلك، أفادت وكالة «فارس» بأن طهران لا تقبل ما وصفته بـ«محاولة فصل إسرائيل عن الولايات المتحدة» في مسار المفاوضات الجارية، محذرة من سيناريو يُحمّل إسرائيل المسؤولية ويبرّئ واشنطن.

ونقلت عن مصدر مطلع قوله إن بعض الجهات تحاول تقديم إسرائيل بوصفها طرفاً مستقلاً ومخرباً، بما يتيح للإدارة الأميركية التنصل من مسؤوليتها، لكن الجمهورية الإسلامية «ترفض بشكل كامل هذا الفصل وهذه الازدواجية»، وتحمّل الولايات المتحدة مسؤولية عدم التوصل إلى نتائج في هذه المحادثات.

شروط مسبقة

وفي موازاة ذلك، قال مصدر إيراني رفيع المستوى إن الولايات المتحدة وافقت على الإفراج عن أصول إيرانية مجمّدة في قطر وبنوك أجنبية أخرى، غير أن مسؤولاً أميركياً سارع إلى نفي ذلك.

ووصف المصدر الإيراني هذه الخطوة بأنها مؤشر على «الجدية» في السعي إلى التوصل لاتفاق خلال محادثات إسلام آباد، مشيراً إلى أن الإفراج عن الأصول كان أحد المطالب التي نقلتها طهران إلى الجانب الأميركي في الرسائل المتبادلة، وأن إيران تلقت موافقة أميركية في هذا الشأن.

وأضاف المصدر، الذي طلب عدم كشف هويته نظراً إلى حساسية الملف، أن رفع التجميد عن هذه الأصول «مرتبط مباشرة بضمان المرور الآمن عبر مضيق هرمز»، في إشارة إلى أحد أبرز الملفات المطروحة على جدول الأعمال.

ولم يكشف المصدر عن القيمة الإجمالية للأصول التي قال إن واشنطن وافقت على الإفراج عنها. لكن مصدراً إيرانياً ثانياً قال إن الولايات المتحدة وافقت على الإفراج عن ستة مليارات دولار من الأموال الإيرانية المجمدة لدى قطر.

ولم تصدر وزارة الخارجية القطرية تعليقاً فورياً على هذه المعلومات.

وتعود هذه الأموال، المجمدة في الأصل منذ عام 2018، إلى عائدات مبيعات نفط إيرانية إلى كوريا الجنوبية، وكانت قد حجزت في بنوك كورية جنوبية بعد إعادة فرض العقوبات الأميركية على إيران خلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترمب، عقب انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي.

قائد الجيش الباكستاني عاصم منير ووزير الخارجية إسحاق دار برفقة المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف (في الوسط) وجاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي (ثالثاً من اليسار) بعد وصول الوفد الأميركي إلى قاعدة نور خان الجوية العسكرية في إسلام آباد (أ.ف.ب)

وكان من المفترض الإفراج عن مبلغ الستة مليارات دولار في عام 2023 ضمن صفقة لتبادل السجناء بين الولايات المتحدة وإيران، لكن إدارة الرئيس السابق جو بايدن أعادت تجميد الأموال بعد هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 على إسرائيل.

وقال مسؤولون أميركيون في ذلك الوقت إن إيران لن تتمكن من الوصول إلى هذه الأموال في المستقبل القريب، مؤكدين احتفاظ واشنطن بحقها في تجميد الحساب بالكامل.

وبموجب صفقة تبادل السجناء التي جرت بوساطة قطرية في سبتمبر (أيلول) 2023، حُولت الأموال إلى حسابات مصرفية في قطر. وشملت الصفقة إطلاق سراح خمسة مواطنين أميركيين كانوا محتجزين في إيران، مقابل الإفراج عن الأموال وإطلاق سراح خمسة إيرانيين كانوا محتجزين في الولايات المتحدة.

وقال مسؤولون أميركيون، آنذاك، إن هذه الأموال مخصصة للاستخدامات الإنسانية فقط، وإنها ستُصرف عبر جهات معتمدة لتأمين الغذاء والدواء والمعدات الطبية والمنتجات الزراعية المرسلة إلى إيران، تحت إشراف وزارة الخزانة الأميركية.

واشنطن ترفع السقف

قال قاليباف على منصة «إكس» إن واشنطن وافقت مسبقاً على رفع الحظر عن الأصول الإيرانية وعلى وقف إطلاق النار في لبنان، حيث أسفرت الهجمات الإسرائيلية على مقاتلي جماعة «حزب الله» المدعومة من إيران عن مقتل ما يقرب من ألفي شخص منذ بدء القتال في مارس (آذار)، مضيفاً أن المحادثات لن تبدأ حتى يتم الوفاء بهذه التعهدات.

وقال عراقجي إن بلاده تدخل محادثات السبت مع الولايات المتحدة وهي تحمل «عدم ثقة عميقاً»، لأن الجمهورية الإسلامية تعرضت لهجومين خلال المفاوضات المتعلقة ببرنامجها النووي.

وحذّر عراقجي من أن بلاده سترد إذا تعرضت لهجوم، وفق ما نشره مكتبه على «تلغرام». كما دعا، خلال حديثه الجمعة مع نظيره الألماني يوهان فاديفول، إلى وقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان.

وقالت إسرائيل والولايات المتحدة إن الحملة في لبنان ليست جزءاً من وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، في حين تصر طهران على أنها كذلك.

وذكرت وسائل إعلام إيرانية رسمية أن قاليباف قال، في تصريح منفصل، إن إيران مستعدة للتوصل إلى اتفاق إذا عرضت واشنطن ما وصفه بأنه اتفاق حقيقي ومنحت بلاده حقوقها.

ولم يعلق البيت الأبيض حتى الآن على المطالب الإيرانية، لكن ترمب كتب على وسائل التواصل الاجتماعي أن السبب الوحيد لبقاء الإيرانيين على قيد الحياة هو أن يتفاوضوا على اتفاق.

وقال: «يبدو أن الإيرانيين لا يدركون أنه ليست لديهم أي أوراق رابحة، سوى ابتزاز العالم على المدى القصير باستخدام الممرات المائية الدولية. والسبب الوحيد لبقائهم على قيد الحياة اليوم هو التفاوض!».

وقال فانس، في أثناء توجهه إلى باكستان، إنه يتوقع نتيجة إيجابية، لكنه أضاف: «إذا كانوا سيحاولون التلاعب بنا، فسوف يجدون أن فريق التفاوض ليس متجاوباً إلى هذا الحد».

وذكرت مصادر في إسلام آباد أن مسؤولين باكستانيين عقدوا محادثات أولية، كلٌّ على حدة، مع فرق تحضيرية من الجانبَين.

«هرمز» في قلب التفاوض

تشهد إسلام آباد إغلاقاً غير مسبوق قبل بدء المحادثات؛ إذ انتشر آلاف من أفراد القوات شبه العسكرية وقوات الجيش في الشوارع.

وقال وزير الدولة للشؤون الداخلية الباكستاني، طلال تشودري: «اتخذنا إجراءات أمنية متعددة المستويات لهذا الحدث تعتمد على التنسيق والمعلومات المخابراتية والمراقبة المستمرة، لضمان عدم حدوث أي اضطرابات والسيطرة الكاملة».

وكان ترمب قد أعلن، الثلاثاء، وقف إطلاق نار لمدة أسبوعَين في الحرب، ما أدى إلى توقف الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية على إيران.

إيرانية تمر أمام جدارية دعائية تحاكي محادثات مفترضة مع الولايات المتحدة على حائط سفارتها السابقة في طهران (أ.ف.ب)

لكن ذلك لم ينهِ الإغلاق الإيراني لمضيق هرمز، الذي تسبب في أكبر اضطراب على الإطلاق في إمدادات الطاقة العالمية، ولم يهدّئ وتيرة الحرب الموازية بين إسرائيل و«حزب الله».

ويشمل جدول أعمال طهران في محادثات إسلام آباد أيضاً مطالب بتنازلات جديدة كبيرة، بينها إنهاء العقوبات التي شلّت اقتصادها لسنوات، والاعتراف بسلطتها على مضيق هرمز، حيث تهدف إلى تحصيل رسوم عبور والسيطرة على الوصول إليه، فيما من شأنه أن يمثّل تحولاً كبيراً في ميزان القوى الإقليمي.

وكانت السفن الإيرانية تُبحر عبر المضيق دون عوائق، الجمعة، في حين ظلت سفن الدول الأخرى محاصرة داخله.

وأدى تعطّل إمدادات الطاقة إلى تفاقم التضخم وتباطؤ الاقتصاد العالمي، ومن المتوقع أن يستمر تأثير ذلك لعدة أشهر حتى لو نجح المفاوضون في إعادة فتح المضيق.

ظل الحرب الثقيلة

جاء الموقف المتشدد الذي اتخذه قادة إيران قبل المفاوضات في أعقاب رسالة من المرشد الجديد مجتبى خامنئي، الخميس.

وقال خامنئي، الذي لم يظهر علناً منذ توليه المنصب خلفاً لوالده الذي قُتل في اليوم الأول من الحرب، إن إيران ستطالب بتعويض عن جميع الأضرار التي لحقت بها خلال الصراع، مضيفاً: «لن نترك بالتأكيد المجرمين المعتدين الذين هاجموا بلدنا دون عقاب».

وعلى الرغم من أن ترمب قد أعلن النصر وأضعف القدرات العسكرية الإيرانية، لم تحقق الحرب كثيراً من الأهداف التي حددها في البداية، مثل حرمان إيران من القدرة على ضرب جيرانها، وتفكيك برنامجها النووي، وتسهيل إطاحة شعبها بحكومته.

ولا تزال إيران تمتلك صواريخ وطائرات مسيرة قادرة على ضرب جيرانها، ومخزوناً يزيد على 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب إلى مستوى قريب من المستوى المطلوب لصنع قنبلة. كما صمد حكامها، الذين واجهوا انتفاضة شعبية قبل أشهر قليلة، في وجه الهجوم دون أي بادرة على وجود معارضة منظمة.

وقال النائب الأول للرئيس الإيراني، محمد رضا عارف، السبت، إن محادثات السلام بين الولايات المتحدة وإيران يمكن أن تسفر عن اتفاق إذا عمل المسؤولون الأميركيون لصالح بلادهم بما يتماشى مع مبدأ «أميركا أولاً» الذي يتبناه الرئيس دونالد ترمب.

وقال عارف، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي: «لكن إذا واجهنا ممثلين عن مبدأ (إسرائيل أولاً)، فلن يكون هناك اتفاق». وحذر من أن «العالم سيواجه تكاليف أكبر» إذا فشلت المحادثات واستأنفت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب ضد إيران.

قوات الأمن الباكستانية عند نقطة تقطع طريقاً يؤدي إلى فندق «سيرينا» مقر محادثات السلام الأميركية-الإيرانية في إسلام آباد (رويترز)

وقال الجنرال المتقاعد والمحلل الدفاعي البارز طارق راشد خان، السبت: «أعتقد أنه ستكون هناك أخبار جيدة، أخبار كبيرة هذا الأسبوع نتيجة لهذه المحادثات».

وأضاف أن قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير لعب دوراً مهماً في دفع الجانبَين إلى طاولة المفاوضات، وأن باكستان عرضت التوسط، لأن أي تصعيد إضافي قد يؤدي إلى اندلاع صراع أوسع.

بدت شوارع العاصمة الباكستانية، التي تكون عادة مزدحمة، مهجورة السبت، بعدما أغلقت قوات الأمن الطرق قبل انعقاد المحادثات بين مسؤولين رفيعي المستوى من إيران والولايات المتحدة لإنهاء حربهما التي استمرت قرابة ستة أسابيع. وحثّت السلطات الباكستانية سكان إسلام آباد على البقاء في منازلهم، ما جعل المدينة تبدو وكأنها خاضعة لحظر تجول.

وقال وزير الإعلام الباكستاني، عطا الله تارار، إن الحكومة أنشأت مركزاً إعلامياً حديثاً ومتطوراً لتسهيل عمل الصحافيين الباكستانيين والأجانب الذين يغطون المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران.

وأضاف للصحافيين أن المنشأة الواقعة في مركز جناح للمؤتمرات توفر خدمة إنترنت عالية السرعة ومجموعة من الخدمات المجانية لدعم التغطية الإعلامية. كما جرى ترتيب خدمات نقل مكوكية لنقل الصحافيين بين المركز الإعلامي وفندق يقع في المركز التجاري الرئيسي للمدينة.


مقالات ذات صلة

نتنياهو يلجأ لأساليب انتخابية قديمة لتحسين صورته الأمنية رغم هجوم «حماس»

شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو يقف إلى جانب زوجته سارة في أثناء الإدلاء بصوتيهما في يوم الانتخابات العامة الإسرائيلية وذلك في مركز اقتراع بالقدس في الأول من نوفمبر 2022 (رويترز) p-circle

نتنياهو يلجأ لأساليب انتخابية قديمة لتحسين صورته الأمنية رغم هجوم «حماس»

يستخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي نفس أساليب الحملات الانتخابية التي أثبتت فاعليتها على مدى عقود في محاولته الاحتفاظ بالسلطة في الانتخابات المقررة الشهر المقبل.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الاقتصاد ناقلة النفط «هيلغا» عند إحدى محطات النفط البحرية الجنوبية في العراق بالقرب من البصرة (رويترز)

أسعار النفط تعكس اتجاهها وتتراجع مع تركيز المستثمرين على إمدادات الشرق الأوسط

عكست أسعار النفط اتجاهها خلال النصف الثاني من جلسة يوم الثلاثاء، وتراجعت مع تركيز المستثمرين على مؤشرات تعافي صادرات الخام من المنطقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية أشخاص يتجولون في سوق محلية بطهران 26 سبتمبر 2026 (رويترز)

الإيرانيون تحت وطأة تكاليف متصاعدة بعد 7 أشهر من الحرب

قد يُظهر قادة إيران ثقة بمسار حربهم مع الولايات المتحدة، لكن الحياة تزداد صعوبة بالنسبة إلى المواطنين العاديين الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف الضروريات الأساسية.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو (رويترز)

نتنياهو: هناك «مؤشرات» على أن أعداءنا سيحاولون مهاجمتنا قبل الانتخابات

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الثلاثاء، إن هناك «مؤشرات» على محاولة أعداء إسرائيل مهاجمتها قبل الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الاقتصاد اجتماع وزراء الطاقة الأوروبيين في دبلن (الاتحاد الأوروبي)

أوروبا تواجه شتاءً صعباً بعد فاتورة طاقة إضافية بـ100 مليار يورو

تدخل أزمة الطاقة الأوروبية مرحلة أكثر حساسية مع اقتراب الشتاء، بعدما تكبّد الاتحاد الأوروبي أكثر من 100 مليار يورو (113.5 مليار دولار) إضافية على واردات الطاقة.

«الشرق الأوسط» (دبلن)

فيلم وثائقي يكشف تفاصيل جديدة عن سرية عملية «البيجر» الإسرائيلية

مواطنون وعناصر إسعاف أمام السيارة التي استُهدفت بغارة إسرائيلية في زبدين في جنوب لبنان وأدت إلى مقتل مصاب بتفجيرات «البيجر» وزوجته (أ.ف.ب)
مواطنون وعناصر إسعاف أمام السيارة التي استُهدفت بغارة إسرائيلية في زبدين في جنوب لبنان وأدت إلى مقتل مصاب بتفجيرات «البيجر» وزوجته (أ.ف.ب)
TT

فيلم وثائقي يكشف تفاصيل جديدة عن سرية عملية «البيجر» الإسرائيلية

مواطنون وعناصر إسعاف أمام السيارة التي استُهدفت بغارة إسرائيلية في زبدين في جنوب لبنان وأدت إلى مقتل مصاب بتفجيرات «البيجر» وزوجته (أ.ف.ب)
مواطنون وعناصر إسعاف أمام السيارة التي استُهدفت بغارة إسرائيلية في زبدين في جنوب لبنان وأدت إلى مقتل مصاب بتفجيرات «البيجر» وزوجته (أ.ف.ب)

يكشف فيلم وثائقي جديد تفاصيل لم تكن معروفة من قبل عن العملية الإسرائيلية التي أدت إلى تفجير آلاف أجهزة «البيجر» التي كان يستخدمها عناصر «حزب الله» في لبنان، مسلطاً الضوء على السباق الذي خاضته إسرائيل للحفاظ على سرية العملية بعدما بدأت تظهر داخل التنظيم شكوك بشأن الأجهزة.

ووفقاً لمواقع عبرية، يحمل الفيلم، الذي أخرجه جاستن بولك، اسم «Paging Hezbollah»، ويتناول مراحل الإعداد للعملية التي استغرقت سنوات، وصولاً إلى تفجير أجهزة «البيجر» في سبتمبر (أيلول) 2024. ويضم مقابلات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ورئيس الموساد السابق دافيد برنياع، والقائد السابق للمنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي أوري غوردين، إلى جانب إفادات من مسؤولين إسرائيليين سابقين.

ومن بين أبرز التفاصيل التي ظهرت بالتزامن مع الفيلم رواية وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت عن الأيام التي سبقت تنفيذ العملية، عندما بدأت إسرائيل تخشى أن يكون «حزب الله» قد اقترب من اكتشاف حقيقة الأجهزة التي جرى العبث بها وزرع متفجرات داخلها.

وقال غالانت إن إسرائيل علمت خلال الأسبوع الأول من أغسطس (آب) 2024 بأن أحد عناصر «حزب الله» بدأ يشك في أجهزة «البيجر»، ويحاول معرفة ما إذا كانت قد تعرضت للتلاعب.

وفي مقابلة أجراها بعد إقالته من الحكومة، ولم تسمح الرقابة العسكرية بنشر أجزاء منها في حينه، قال إن إسرائيل تمكنت من تحديد هوية الشخص الذي أثارت الأجهزة شكوكه و«تخلصت منه»، في محاولة لمنع انتشار الشكوك داخل التنظيم.

عنصر أمن في «حزب الله» يحمل جهاز «وكي توكي» بعد إزالة البطارية في أثناء تشييع عناصر بالحزب قُتلوا خلال تفجيرات «البيجر» (أ.ف.ب)

لكن الشك لم يكن الخطر الوحيد الذي واجه العملية، فقد اكتشفت إسرائيل أن «حزب الله» بدأ يفحص بعض أجهزة «البيجر»، وأن معدات متخصصة كانت في طريقها إلى لبنان للمساعدة في تحديد ما إذا كانت الأجهزة قد تحتوي على متفجرات.

وبحسب الرواية الإسرائيلية، كانت إيران قد أرسلت جهازاً للأشعة لفحص أجهزة «البيجر». وقال غالانت إن إسرائيل قررت تدمير معدات الفحص، إلى جانب أهداف أخرى، حتى لا يدرك «حزب الله» أن الضربات مرتبطة مباشرة بالعملية السرية.

وأصبح الوقت عاملاً حاسماً. فمع ظهور مؤشرات على أن الأجهزة قد تخضع لفحص أكثر دقة، كان أمام إسرائيل، وفق رواية غالانت، خيار تنفيذ العملية قبل أن تنكشف أو المخاطرة بأن يؤدي استمرار الانتظار إلى كشفها بالكامل.

وكان نتنياهو قد كشف في وقت سابق جانباً من هذه التفاصيل، قائلاً إن إسرائيل علمت في الأسبوع الثالث من سبتمبر بأن «حزب الله» أرسل ثلاثة أجهزة «بيجر» إلى إيران لفحصها. وأضاف أن إسرائيل قصفت قبل ذلك جهاز فحص كان التنظيم يستعد لإدخاله، كما قتلت الشخص الذي كان سيشغله.

وفي 17 سبتمبر 2024، بدأت العملية بانفجار آلاف أجهزة «البيجر» في أنحاء مختلفة من لبنان، قبل أن تتبعها في اليوم التالي تفجيرات استهدفت أجهزة اتصال لاسلكية. ووفق أرقام أوردتها مصادر إسرائيلية، أدت العمليتان إلى مقتل 39 شخصاً وإصابة أكثر من 3400.

ووصف غالانت العملية بأنها أُعدت على مدى نحو عقد، وقال إن تفجير أجهزة «البيجر» أدى إلى إصابات واسعة بين عناصر «حزب الله»، خصوصاً في الأصابع والعينين والفخذين.

أما أجهزة الاتصال اللاسلكية التي فُجرت في اليوم التالي، فكانت أكبر حجماً وتحتوي على كميات أكبر من المتفجرات، بحسب غالانت. لكن معظمها كان موجوداً داخل مستودعات عند تفجيرها، ما حدّ من تأثير العملية مقارنة بالمرحلة الأولى.

ويقدم الفيلم الوثائقي، إلى جانب إفادات المسؤولين الإسرائيليين، صورة عن الطريقة التي حاولت بها إسرائيل إبقاء العملية مخفية حتى اللحظة الأخيرة. فلم تكن المسألة، وفق الرواية الإسرائيلية، مجرد زرع متفجرات داخل أجهزة اتصال وإدخالها إلى صفوف «حزب الله»، وإنما الحفاظ على سرية الخطة بعدما بدأت داخل التنظيم محاولات للتحقق من سلامة الأجهزة.

وبحسب غالانت، جرى التعامل مع الأحداث على أنها سلسلة من الضربات المنفصلة، بدلاً من الكشف عن وجود عملية واحدة مترابطة. وكان الهدف من ذلك منع «حزب الله» من جمع الخيوط وفهم الصورة كاملة قبل أن يحين موعد تفجير الأجهزة.

ومع عرض «Paging Hezbollah»، تعود عملية «البيجر» إلى الواجهة من زاوية مختلفة: ليس فقط باعتبارها هجوماً واسعاً استهدف وسائل اتصال «حزب الله»، وإنما أيضاً باعتبارها عملية سرية دخلت في أيامها الأخيرة سباقاً بين الحفاظ على الخطة وإمكانية اكتشافها من داخل التنظيم نفسه.


نتنياهو يلجأ لأساليب انتخابية قديمة لتحسين صورته الأمنية رغم هجوم «حماس»

رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو يقف إلى جانب زوجته سارة في أثناء الإدلاء بصوتيهما في يوم الانتخابات العامة الإسرائيلية وذلك في مركز اقتراع بالقدس في الأول من نوفمبر 2022 (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو يقف إلى جانب زوجته سارة في أثناء الإدلاء بصوتيهما في يوم الانتخابات العامة الإسرائيلية وذلك في مركز اقتراع بالقدس في الأول من نوفمبر 2022 (رويترز)
TT

نتنياهو يلجأ لأساليب انتخابية قديمة لتحسين صورته الأمنية رغم هجوم «حماس»

رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو يقف إلى جانب زوجته سارة في أثناء الإدلاء بصوتيهما في يوم الانتخابات العامة الإسرائيلية وذلك في مركز اقتراع بالقدس في الأول من نوفمبر 2022 (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو يقف إلى جانب زوجته سارة في أثناء الإدلاء بصوتيهما في يوم الانتخابات العامة الإسرائيلية وذلك في مركز اقتراع بالقدس في الأول من نوفمبر 2022 (رويترز)

يستخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفس أساليب الحملات الانتخابية التي أثبتت فاعليتها على مدى عقود في محاولته الاحتفاظ بالسلطة في الانتخابات المقررة الشهر المقبل، ويقدم نفسه على أنه الشخص الوحيد القادر على ضمان أمن الإسرائيليين في منطقة معادية.

لكن قبل الانتخابات بأربعة أسابيع، يجد نتنياهو صعوبات في إنقاذ مصداقيته الأمنية التي حطمها هجوم حركة «حماس» المباغت على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 في أثناء فترة رئاسته للحكومة، في أحد أسوأ الإخفاقات الأمنية في تاريخ البلاد، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وانتخابات 27 أكتوبر هي الأولى في إسرائيل منذ ذلك اليوم الذي شهد سقوط أكبر عدد من القتلى في تاريخها، وكان أسوأ هجوم على اليهود دبرته حركة مسلحة فلسطينية وفاجأت به الجيش الإسرائيلي منذ المحرقة (الهولوكوست).

ويرفع حزب «الليكود» اليميني، الذي ينتمي إليه نتنياهو، شعاراً رسمياً هو «نتنياهو لا يستسلم». وتتوقع معظم استطلاعات الرأي أن الحزب سيخسر نحو ثلث مقاعده في البرلمان.

ويصور نتنياهو منافسيه السياسيين، في خطاباته ومقاطع الفيديو القصيرة الخاصة بالحملة الانتخابية، على أنهم يساريون ضعفاء يفتقرون إلى العزيمة لشن حرب على أعداء إسرائيل، وإلى الشجاعة اللازمة لمواجهة منتقديها في الخارج.

لكن يوهانان بليسنر، رئيس معهد الديمقراطية الإسرائيلي غير الحزبي، قال إن السؤال الكبير هو ما إذا كان نتنياهو، الذي سيبلغ 77 عاماً قبل الانتخابات، لا يزال قادراً على تقديم نفسه باعتباره أكثر المؤهلين لقيادة إسرائيل فيما يتعلق بشؤون الأمن القومي والدبلوماسية أم لا.

واضطر نتنياهو في الأسابيع القليلة الماضية إلى نفي تقارير إعلامية أفادت بأن شركاءه في الشرق الأوسط حذروه من هجوم محتمل لحركة «حماس»، وهو ما استغله خصومه السياسيون.

وقال بليسنر: «هذا أمر جديد. خاض السيد نتنياهو الانتخابات من قبل، لكنه لم يخضها أبداً بعد هذا الفشل الأمني الكبير».

وأضاف أنها «في نواحٍ عديدة استفتاء على رئيس الوزراء الحالي ومسؤوليته عن الفشل ومسؤولية الحكومة والطريقة التي نفذوا بها رد إسرائيل».

نتنياهو يواجه العالم

وأدى هجوم «حماس» على إسرائيل إلى اندلاع حرب على جبهات متعددة حقق فيها الجيش الإسرائيلي بعض النجاحات ضد الحركة الفلسطينية وحلفائها: «حزب الله» و«إيران»، لكنه لم يحقق سوى مكاسب استراتيجية قليلة. ويقول نتنياهو إن الصراع غيّر المنطقة وسيظل يغيرها.

لكن تصرفات إسرائيل في حرب غزة، التي أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين وتحويل جزء كبير من القطاع إلى أنقاض، أدت إلى عزلها دبلوماسياً بشكل أكبر. وانسحبت عشرات الوفود من القاعة عندما بدأ نتنياهو كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأسبوع الماضي.

وتراجع التأييد لإسرائيل حتى في الولايات المتحدة، أهم حليف لها.

وظهرت صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وهو يصافح نتنياهو على لوحات الدعاية الانتخابية في حملة عام 2019، لكن صورته غابت هذه المرة عن مقاطع الفيديو الخاصة بحملة حزب «الليكود».

غير أن نتنياهو، الذي ظل لأطول فترة يقضيها رئيس وزراء في المنصب وانتخب رئيساً للحكومة لأول مرة في عام 1996، لم يحد عن الأساليب الانتخابية التي أبقته في السلطة بشكل شبه متواصل منذ عام 2009.

وقال مصدر مقرب من نتنياهو إن رئيس الوزراء يتعامل مع كل الانتخابات كما لو أنه سيخسرها، وإن هذا كان أحد الأسباب التي جعلته يفوز في أحيان كثيرة حتى عندما كانت الظروف ضده.

وذكر مصدر آخر مطلع أن فريق نتنياهو يتمتع بالتركيز على ما يبدو، ولا يظهر أي علامة على الذعر أو التشتت رغم استطلاعات الرأي.

وحظيت كلمة نتنياهو في الأمم المتحدة، والتي دافع فيها بقوة عن إجراءات إسرائيل في المنطقة وهاجم فيها المنتقدين، بتغطية مكثفة على قناته على منصة «تلغرام» التي يستخدمها إلى حد كبير في نشر الرسائل السياسية.

ونشر ستة مقاطع قبل الكلمة، منها مقطع قال فيه: «فخور بتمثيلكم أمام العالم، وعلى وشك الصعود (إلى المنصة) للدفاع عن إسرائيل ضد الأمم المتحدة»، بالإضافة إلى خمسة مقتطفات من كلمته.

وكان الرابط المؤدي إلى الكلمة بالكامل مصحوباً بتعليق باللغة العبرية يقول: «نتنياهو يواجه العالم».

طريق مسدود في النهاية؟

أثار موضوع معتاد آخر في حملة نتنياهو الخوف بين الأحزاب التي تمثل الأقلية العربية في إسرائيل عن طريق التحذير من تشكيل حكومة مع فصائل عربية ستكون متساهلة جداً تجاه الفلسطينيين وتعرض الأمن للخطر إذا فاز منافسوه السياسيون في الانتخابات.

والمنافس الرئيسي لنتنياهو هو غادي آيزينكوت، وهو قائد سابق للجيش من الصقور فقد ابنه في أثناء خدمته في غزة، ويترأس حزب «يشار الجديد» من تيار الوسط. وتعني كلمة (يشار) بالعبرية: «مستقيم» أو «نزيه».

وظهر آيزينكوت منذ يوم السبت فقط في أربعة منشورات لحزب «الليكود»، من بينها صور تم إنشاؤها بالذكاء الاصطناعي، تظهره مع قادة الأحزاب العربية.

وقال نتنياهو في مقطع فيديو انتخابي بتاريخ 18 سبتمبر (أيلول): «لا يوجد شيء مستقيم. حزب (يشار( مجرد خدعة. يوجد إما اليسار وإما اليمين. هذا هو جوهر هذه الانتخابات. هل تريدون دولة فلسطينية؟ (أم) تريدون دولة يهودية؟».

لكن أموتز آسا إيل، المحلل السياسي في معهد شالوم هارتمان، قال إن استخدام نتنياهو للأساليب المعروفة ضد آيزينكوت قد تكون محاولة صعب نجاحها بسبب خلفية آيزينكوت الأمنية ومرشحي الأحزاب اليمينية الوسطية.

ورغم أن استطلاعات الرأي بشأن الانتخابات غالباً ما تكون غير دقيقة، يعلم نتنياهو أن حصوله على أغلبية برلمانية تسمح له بتشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة أمر مستبعد.

وقال آسا إيل: «يبدو أن سياسة نتنياهو تتمثل ببساطة في الفوز بما يكفي لمنع ظهور حكومة بديلة والوصول إلى حالة الجمود تبقيه رئيساً مؤقتاً للوزراء لحين إجراء انتخابات أخرى».


الإيرانيون تحت وطأة تكاليف متصاعدة بعد 7 أشهر من الحرب

أشخاص يتجولون في سوق محلية بطهران 26 سبتمبر 2026 (رويترز)
أشخاص يتجولون في سوق محلية بطهران 26 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

الإيرانيون تحت وطأة تكاليف متصاعدة بعد 7 أشهر من الحرب

أشخاص يتجولون في سوق محلية بطهران 26 سبتمبر 2026 (رويترز)
أشخاص يتجولون في سوق محلية بطهران 26 سبتمبر 2026 (رويترز)

قد يُظهر قادة إيران ثقة في مسار حربهم مع الولايات المتحدة، لكن الحياة تزداد صعوبة بالنسبة إلى المواطنين العاديين الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف الضروريات الأساسية أو الإيجار، إذ يقطع الحصار الأميركي شريان الحياة المالي للدولة، أي صادرات النفط.

ومن مهندس أُجبر على مغادرة طهران بسبب ارتفاع الإيجار، إلى امرأة اضطرت إلى الإقلاع عن التدخين بسبب سعر السجائر، ومقدمي رعاية يكافحون لشراء الأدوية، تتأثر جوانب الحياة اليومية كلها، حسب استطلاع أجرته وكالة «رويترز».

وقال بهنام رياضي، مالك مطعم أُجريت معه مقابلة مصورة في طهران: «أضطر إلى بيع ما أقدمه بهامش ربح ضئيل جداً، ومع ذلك لا أستطيع إغلاق عملي لأنني سأصبح عاطلاً عن العمل».

أشخاص يتجولون في بازار تجريش بطهران 23 سبتمبر 2026 (رويترز)

ولا يستطيع رياضي رفع أسعاره لأن زبائنه لا يستطيعون دفع المزيد، ومعظمهم لا يشتري الآن سوى الضروريات.

ولا يتضح إلى أي مدى قد تدفع الضغوط الاقتصادية إيران نحو تسوية دبلوماسية، فيما تشدد إيران بدورها قبضتها على صادرات الطاقة عبر مضيق هرمز، ما يدفع أسعار النفط والغاز إلى الارتفاع في الولايات المتحدة وحول العالم.

الضغوط تدفع نحو الدبلوماسية

وقالت مصادر أميركية وإيرانية وأخرى في الشرق الأوسط الأسبوع الماضي إن الضغوط الاقتصادية كانت أحد دوافع التحرك الدبلوماسي الأخير. وعبّر مسؤولون إيرانيون مراراً عن مخاوفهم من الاضطرابات، وقمعت السلطات بلا رحمة بوادر المعارضة.

وفي يناير (كانون الثاني)، قبل أكثر من شهر من شن الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران، قتلت السلطات آلاف المتظاهرين الذين أرهقتهم الضائقة الاقتصادية المتراكمة على مدى سنوات.

لكن جميع من تحدثت إليهم «رويترز» قالوا إن لديهم الآن من الهموم اليومية ما يكفي لكيلا يفكروا في الاحتجاج.

عناصر من «الباسيج» يحملون نماذج لصواريخ خلال مسيرة عسكرية في طهران 18 سبتمبر 2026 (رويترز)

وتعيش هدية، وهي ربة منزل في الستينات من عمرها في شمال إيران، على راتب تقاعد زوجها من الخدمة المدنية. وبالكاد تستطيع تحمل تكاليف الدواء، أو حتى حفاضات البالغين التي تحتاج إليها والدتها المسنة المصابة بمرض ألزهايمر.

وأرادت أن تشتري لحفيدها حقيبة جديدة لأول يوم له في المدرسة هذا الخريف، لكن ثمنها بلغ خمسة أو ستة أضعاف ما كانت تتوقعه، فلم تستطع في النهاية أن تشتري له سوى دفتر وأقلام رصاص.

ومثل معظم الإيرانيين الذين تحدثت إليهم «رويترز» عبر الهاتف أو تطبيقات المراسلة، لم ترغب في الكشف عن هويتها، خشية التعرض للعقاب بسبب التحدث إلى وسائل إعلام أجنبية.

وقال (أ. ج.)، وهو مدرس طلب الاكتفاء بالأحرف الأولى من اسمه، إنه لا يستطيع دائماً تحمل تكاليف الدواء الذي تحتاج إليه والدته.

وكان قد انتقل للعيش مع والدته وإخوته في قرية بشمال البلاد، تاركاً طهران بعدما تحولت المدارس إلى التعليم عبر الإنترنت بسبب الحرب، لكنه يخشى ألا يقدر على تكاليف العودة إذا استؤنف التدريس الحضوري.

شخص يمر أمام شاشة تعرض معلومات عن أسعار صرف العملات في طهران 27 سبتمبر 2026 (رويترز)

وفي سنندج، مركز محافظة كردستان، قالت نازنين، وهي معالجة نفسية تبلغ 34 عاماً، إنها أقلعت عن التدخين بسبب كلفته، بعدما كانت ترى في السابق أن الإقلاع مستحيل.

أما من يستطيعون تحمل كلفة تجاوز القنوات المعتادة للحصول على السلع أو الخدمات عبر السوق السوداء، فيجدون أنها باتت أكثر انتشاراً وأعلى كلفة.

وقال رجل إنه دفع 200 دولار بالعملة الصعبة لجراح لتجاوز الإجراءات البيروقراطية اللازمة لإجراء عملية جراحية.

وقال آخر إن طلبات الشرطة للرشى أصبحت أكثر تكراراً، وإنه اضطر إلى دفع مبلغ أكبر من ذي قبل بعد أن أوقِف عند نقطة تفتيش من دون أوراق هوية.

خسائر كبيرة

وقال مهندس معماري، اكتفى بذكر الحرفين الأولين من اسمه (أ. أ.)، إن الإيرانيين الأكثر ثراء يقلصون إنفاقهم أيضاً، مضيفاً: «كلهم أصبحوا فقراء مقارنة بنمط الحياة الذي اعتادوه».

وتعرض إطار سيارته لثقب الأسبوع الماضي، وهو مضطر إلى القيادة بالإطار الاحتياطي أسبوعين إلى أن يحصل على بديل رخيص، لأنه لم يعد قادراً على شراء الإطارات المتاحة فوراً.

ويخشى أن تتجه إيران نحو نقص في الوقود، ما قد يعطل سلاسل الإمداد ويتسبب في فوضى اقتصادية أوسع.

إيرانيتان تتناولان الغداء في مطعم بطهران 26 سبتمبر 2026 (رويترز)

وبالفعل، تتسبب الحرب في خسائر كبيرة للوظائف في القطاع الخاص.

وقالت (م. هـ.)، وهي امرأة في طهران طلبت أيضاً الاكتفاء بالحرفين الأولين من اسمها، إنها فقدت هذا الشهر وظيفتها في قسم المشتريات في شركة محلية، رغم أن عقدها لمدة عام كان قد جُدد في اليوم السابق فقط.

وعليها الآن أن تعيد الأموال التي دفعتها الشركة إلى نظام الضمان الاجتماعي الإيراني عن العام المقبل. وحددت عائلتها أولويات الإنفاق بصرامة، وفي مقدمتها الطعام.

وقالت: «الحمد لله أننا ما زلنا قادرين على تحمل تكلفة الإنترنت، كي نبقى على تواصل، وربما نشاهد فيلماً».

وقال بيجن، وهو مهندس سابق يبلغ 40 عاماً ويعطي الآن دروساً للطلاب لكسب المال، إنه وزوجته غادرا شقتهما في طهران وانتقلا إلى منطقة خارج العاصمة وصفها بأنها «أشبه بحي فقير».

عناصر من «الباسيج» خلال مسيرة عسكرية في طهران 18 سبتمبر 2026 (رويترز)

واستنفد الزوجان مدخراتهما، ويخططان للانتقال إلى مدينة أخرى يأملان أن تكون المعيشة فيها أقل كلفة.

ويرى أصحاب المتاجر تراجع مستويات المعيشة أوضح من غيرهم. وقال رامين يوسفي‌نيا، في مقابلة مصورة في طهران، إن جميع زبائن متجره للبقالة قلصوا مشترياتهم.

وقال: «ما كانوا يشترون منه خمس أو عشر قطع، لا يستطيعون الآن شراء أكثر من قطعتين. ولا تسألوني حتى عن المدخرات. هذا هو الواقع».