قاليباف… جنرال «الحرس» البارع في فن إعادة التموضع

الناجي الدائم من حروب إيران وصراعاتها الداخلية

قاليباف على هامش مشاركته في مراسم حكومية (أرشيفية-موقع البرلمان)
قاليباف على هامش مشاركته في مراسم حكومية (أرشيفية-موقع البرلمان)
TT

قاليباف… جنرال «الحرس» البارع في فن إعادة التموضع

قاليباف على هامش مشاركته في مراسم حكومية (أرشيفية-موقع البرلمان)
قاليباف على هامش مشاركته في مراسم حكومية (أرشيفية-موقع البرلمان)

من بين رجال المرشد الإيراني الذين عبروا الحرب، والأمن، والسياسة، والاقتصاد، يبرز رئيس البرلمان، والقيادي في «الحرس الثوري» محمد باقر قاليباف بوصفه واحداً من أكثر الشخصيات تعبيراً عن طبيعة نظام الحكم نفسه: نظام يكافئ الولاء، ويستثمر في رجال الميدان، ويمنح الناجين من معارك الداخل والخارج فرصاً متكررة لإعادة التموضع.

وعلى امتداد أربعة عقود، انتقل قاليباف من خنادق الحرب إلى قمرة القيادة، ومن قيادة الشرطة إلى بلدية طهران، ثم إلى رئاسة البرلمان، من دون أن ينجح في تحقيق طموحه الأكبر: الجلوس في قصر الرئاسة.

لكن فشل قاليباف في بلوغ المنصب الأول تنفيذياً لا يعني أنه خسر معركة النفوذ. على العكس، فإن مسيرته تكشف عن نموذج سياسي خاص داخل إيران: رجل دولة أمني الطابع، شديد الصلة بـ«الحرس الثوري»، قادر على تقديم نفسه تارةً بصفة الجنرال الحازم، وتارةً بصفة المدير التنفيذي، وتارةً ثالثة بصفة السياسي البراغماتي القريب من هموم الفئات البائسة. وبين هذه الوجوه المتعاقبة، بقي عنصر واحد ثابتاً: حرصه على البقاء داخل الدائرة الصلبة للنظام، لا على هامشها.

ابن مشهد الذي صعد مع جيل الحرب

ولد قاليباف عام 1961 في طرقبة قرب مشهد، المدينة التي خرج منها عدد كبير من رجال الدولة والأمن في الجمهورية الإسلامية. وكان انتماؤه الجغرافي إلى خراسان مهماً في بيئة سياسية تقوم، إلى جانب الآيديولوجيا، على الشبكات الشخصية، والروابط المحلية. فمشهد لم تكن مجرد مدينة دينية كبرى، بل كانت أيضاً خزاناً بشرياً لنخب النظام، وفيها تتقاطع المؤسسة الدينية مع دوائر الأمن و«الحرس الثوري».

دخل قاليباف الحياة العامة من بوابة الحرب العراقية-الإيرانية. مثل كثيرين من أبناء جيله، صاغت الحرب شخصيته السياسية، والأمنية، ومنحته رأسمال رمزياً ظل يرافقه في كل المناصب اللاحقة. انخرط أولاً في «الباسيج»، ثم في «الحرس الثوري»، وصعد بسرعة لافتة داخل التشكيلات القتالية، حتى بات من أصغر القادة سناً في سنوات الحرب. وتولى مسؤوليات في وحدات بارزة، مثل «نصر خراسان»، ونسج في تلك المرحلة علاقات مع أسماء ستصبح لاحقاً من أعمدة النظام، بينها الجنرال قاسم سليماني، وخليفته إسماعيل قاآني، وغيرهما من كبار قادة «الحرس».

قاليباف والرئيس الأسبق إبراهيم رئيسي شكلا أبرز نموذج لسيطرة أبناء محافظة خراسان على الجهازين التشريعي والتنفيذي (برلمان)

لم تكن حرب الثمانينات بالنسبة إلى قاليباف مجرد سيرة بطولية تروى في الحملات الانتخابية، بل كانت المدرسة التي أتاحت له دخول النخبة الحاكمة من أوسع أبوابها. فمن رحم تلك التجربة خرج جيل كامل من القادة الذين تحولوا لاحقاً إلى شبكة مصالح ونفوذ ممتدة بين المؤسسة العسكرية، والاقتصاد، والسياسة، وكان قاليباف من أكثرهم مهارة في تحويل رصيده العسكري إلى رصيد سياسي.

البوابة الصامتة للنفوذ

بعد انتهاء الحرب، لم يخرج قاليباف من المعادلة كما خرج آلاف المقاتلين. على العكس، انتقل مع «الحرس الثوري» إلى المرحلة التالية من بناء الجمهورية: التمدد داخل الاقتصاد، والدولة. وتولى قيادة مجموعة «خاتم الأنبياء»، الذراع الاقتصادية الأهم لـ«الحرس»، في مرحلة كان فيها هذا الكيان يتحول من مؤسسة هندسية مرتبطة بإعادة الإعمار إلى إمبراطورية اقتصادية تنافس القطاع الخاص، وتستحوذ على المشاريع الكبرى.

صورة من جواز سفر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف

وتعد هذه المحطة بالذات ضرورية لفهم قاليباف. فهي تكشف أن مسيرته لم تكن محصورة في الأمن، أو الحرب، بل مرت أيضاً عبر البنية الاقتصادية التي شكلها «الحرس الثوري» بعد الحرب. ومنذ ذلك الوقت، صار اسمه مرتبطاً بمنظومة ترى الدولة مجالاً لإدارة الموارد والنفوذ معاً، لا مجرد جهاز إداري محايد. وداخل هذه المنظومة، يكتسب رجال «الحرس» قيمة مضاعفة حين يجمعون بين السجل العسكري، والخبرة التنفيذية، والولاء السياسي.

ثم انتقل قاليباف إلى قيادة القوة الجوية في «الحرس» بين عامي 1997 و2000. وقدم نفسه في تلك المرحلة باعتباره ضابطاً حديثاً يجمع بين التخصص العسكري والانفتاح التقني، خصوصاً مع ما تردد عن تدريبات تلقاها في الخارج، واهتمامه بالطيران المدني، والعسكري. وفي الموازاة، حصل على الدكتوراه في الجغرافيا السياسية، في مسار بدا كأنه محاولة مبكرة لبناء صورة مركبة: رجل ميدان يحمل أيضاً لغة الإدارة، والدراسة.

قاليباف يجلس بجوار ابن مدينته مشهد قائد «فيلق القدس» إسماعيل قاآني على هامش مراسم حكومية (موقع البرلمان)

رسالة 1999... لحظة الانكشاف الأمني

إذا كانت الحرب قد صنعت قاليباف العسكري، فإن احتجاجات 1999 صنعت صورته الأمنية الأكثر رسوخاً. ففي تلك السنة، ومع انفجار الحركة الطلابية في طهران، ومدن أخرى، كان قاليباف بين أبرز قادة «الحرس» الذين وقعوا الرسالة الشهيرة إلى الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، ملوحين بتدخل حاسم إذا لم توقف الحكومة الاحتجاجات. لم تكن تلك الرسالة مجرد موقف من أزمة داخلية، بل كانت إعلاناً مبكراً بأن «الحرس» يرى نفسه وصياً على المسار السياسي عندما يعتقد أن النظام مهدد.

لاحقاً، طاردت قاليباف تسجيلات وتصريحات نسبت إليه، وتفاخر فيها بأنه شارك بنفسه في قمع الطلاب، وأنه كان مستعداً للنزول إلى الشارع واستخدام العصا. وفي مناظرات انتخابات الرئاسة 2013، عاد ملفه الأمني إلى الواجهة حين ذكّره حسن روحاني برواية «الكماشة» الشهيرة، في إشارة إلى طريقة التعاطي مع الاحتجاجات الطلابية. ومنذ ذلك الوقت، بقي لقب «جنرال الكماشة» جزءاً من صورته العامة، لا سيما لدى خصومه من الإصلاحيين، والناشطين.

لم يكن هذا الإرث عبئاً داخل المؤسسة الحاكمة؛ بل كان في أحيان كثيرة مصدر قوة. ففي دولة تعطي الأولوية للأمن، والاستقرار، يمكن لسجل كهذا أن يُقرأ باعتباره دليلاً على الحزم، والانضباط، لا على القسوة فقط. ولهذا لم يمنع هذا الماضي صعوده اللاحق، بل ربما مهّد له.

قائد الشرطة... تشدد في المضمون

في عام 2000، عيّن المرشد علي خامنئي قاليباف قائداً للشرطة الإيرانية. كان التعيين ذا دلالة سياسية واضحة. فالرجل جاء من الحرس، وفي لحظة أراد فيها النظام إعادة ضبط الشارع بعد صعود الإصلاحيين، واحتجاجات الطلبة، بدا أنه يمثل الخيار الموثوق من بيت المرشد.

القائد السابق للوحدة الصاروخية أمير علي حاجي زاده يهمس في أذن قاليباف (أرشيفية-موقع البرلمان)

وخلال توليه هذا المنصب، سعى قاليباف إلى إظهار الشرطة بمظهر أكثر حداثة، وتنظيماً. أُدخلت تجهيزات جديدة، وبرز خطاب عن المهنية، والانضباط، وجرى تسويق صورته باعتباره قائداً تنفيذياً قادراً على تحديث المؤسسات. لكن هذا الوجه التحديثي لم يلغِ حقيقة أن عهده شهد أيضاً تشديداً أمنياً على الناشطين، والمثقفين، والصحافيين، فضلاً عن إعادة تفعيل دوريات الآداب العامة وشرطة الأخلاق في الفضاء الاجتماعي.

هنا ظهر التناقض الذي سيرافقه طويلاً: رجل يتحدث بلغة الإدارة الحديثة، لكنه يعمل من داخل منطق أمني صارم. يحاول أن يبدو إصلاحياً في الأدوات، بينما يظل محافظاً في الجوهر. وهذه الازدواجية ستكون لاحقاً منبع قوته، ونقطة ضعفه في آنٍ واحد.

الطيار يخسر أمام الشعبوي

دخل قاليباف السباق الرئاسي أول مرة عام 2005. وكانت تلك لحظة مفصلية، لأن الرجل قرر أن يختبر قدرته على التحول من قائد أمني إلى سياسي وطني. في حملته، بدا مختلفاً عن الصورة المتوقعة لضابط سابق في «الحرس». ظهر بلباس الطيار، وتحدث لغة إدارية وتنموية، وحاول استقطاب الطبقة الوسطى والمدن الحديثة، مقدماً نفسه بصفته تكنوقراطياً قادراً على الإنجاز.

قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمينه العام الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)

غير أن هذه المحاولة انتهت بإخفاق واضح. فقد خرج من الجولة الأولى، بينما تقدم عليه محمود أحمدي نجاد، الذي نجح في مخاطبة الغضب الشعبي بلغة أكثر شعبوية، وأقل نخبوية.

كشفت تلك الهزيمة عن مشكلة مبكرة في مشروع قاليباف السياسي: قدرته على بناء صورة مهنية لم تكن تكفي وحدها للفوز في انتخابات يختلط فيها الولاء الآيديولوجي بالاستقطاب الاجتماعي، وخيارات مراكز القوة.

ومع ذلك، لم تؤدِ الهزيمة إلى خروجه من المشهد. فبعد أشهر قليلة، انتقل إلى منصب عمدة طهران، ليبدأ أطول مرحلة تنفيذية في مسيرته، وربما أكثرها تأثيراً في مستقبله.

بلدية طهران... شبهات الظل

على مدى 12 عاماً في رئاسة بلدية طهران، بنى قاليباف صورته الأكثر انتشاراً: «رجل الإنجاز». توسعت شبكة المترو، وأُطلقت مشاريع بنية تحتية ضخمة، وشُقت طرق، وأنفاق، وجسور، وحرصت آلة إعلامية واسعة على تقديمه بصفته نموذجاً للمدير الفعال الذي يفضّل العمل على الجدل الآيديولوجي.

داخل العاصمة، اكتسب الرجل سمعة مهمة بين مؤيديه بصفته مسؤولاً يعرف كيف يدير مؤسسات كبرى، ويتخذ قرارات سريعة. وقد حاول مراراً استخدام هذه السمعة لتوسيع قاعدته الوطنية، مقدماً نفسه على أنه تكنوقراط براغماتي قادر على الجمع بين الولاء للنظام والكفاءة التنفيذية.

لكن الوجه الآخر لبلدية قاليباف كان أكثر تعقيداً. فقد تراكمت خلال تلك السنوات اتهامات ثقيلة بالفساد، والمحسوبية. ظهرت قضية «الأملاك الفلكية» التي كشفت بيع عقارات تابعة للبلدية بمبالغ منخفضة إلى مسؤولين وشخصيات نافذة. وتلاحقت ملفات مرتبطة بـ«ياس هولدينغ» ومؤسسة تعاون «الحرس»، وبشبهات حول تحويلات مالية، وتعاقدات غير شفافة. كما أُلقي الضوء على ملفات طالت مقربين منه، وفي مقدمهم نائبه السابق عيسى شريفي، الذي أُدين لاحقاً في قضايا فساد كبيرة.

كذلك أُثير الجدل حول دور مؤسسات مرتبطة بعائلته، ومنها مؤسسة خيرية كانت زوجته من بين القائمين عليها، وحول اسم ابنه في ملفات أخرى. ثم جاءت فضيحة «سيسموني غيت» عام 2022 لتضيف إلى صورته عبئاً جديداً، حين أُثيرت ضجة واسعة حول رحلة عائلية إلى تركيا لشراء مستلزمات باهظة. وبصرف النظر عن المآلات القانونية، فإن تراكم هذه القصص عزز الانطباع بأن قاليباف، الذي تحدث طويلاً عن العدالة الاجتماعية والإدارة الجهادية، لم ينجح في التحرر من صورة السياسي الذي تحيط به شبكات المصالح، والامتيازات.

بين الأمن والبراغماتية...شخصية متعددة الوجوه

إذا كان هناك وصف يلخّص مسيرة قاليباف السياسية، فهو أنه رجل يعيد تصنيع نفسه باستمرار. ففي كل محطة انتخابية تقريباً قدّم نسخة مختلفة من شخصيته العامة. في 2005 كان «الطيار» التكنوقراطي. في 2013 ظهر بملامح أمنية أكثر وضوحاً، وبخطاب أقرب إلى المحافظين المتشددين. في 2017 حاول استلهام الشعبوية الاجتماعية، والحديث باسم «96 في المائة» في مواجهة «4 في المائة» من المستفيدين.

قاليباف يلقي كلمته الأخيرة إلى جانب رجل الدين المتشدد علي رضا بناهيان في مدينة مشهد يونيو 2024 (إ.ب.أ)

وفي 2024 تبنى نبرة أكثر هدوءاً، ومرونة، محاولاً الظهور بمظهر السياسي القادر على التفاوض، والانفتاح التكتيكي من دون الاصطدام بجوهر النظام.

هذا التلون لم يكن مجرد مهارة خطابية، بل يعد انعكاساً لقراءته الدقيقة لمزاج المؤسسة الحاكمة وحاجات كل لحظة. فهو لم يكن يوماً معارضاً من داخل النظام، ولا إصلاحياً بالمعنى السياسي، لكنه أدرك أن مجرد ارتداء عباءة الجنرال لا يكفي للوصول إلى الرئاسة. لذا كان يبدل لغته، ومظهره، وتحالفاته، من دون أن يخرج من الإطار العام للولاء.

غير أن هذا التعدد في الوجوه حمل أيضاً تكلفة سياسية. فقد بدا لكثيرين بلا هوية ثابتة، أو على الأقل بلا خط سياسي متماسك. ولم يتمكن، رغم خبرته الطويلة، من كسب ثقة التيارات المحافظة كلها، ولا من اجتذاب الكتلة المترددة في المجتمع، ولا من طيّ صفحات ملفاته القديمة.

محاولات الرئاسة... حضور دائم وخسارات متكررة

عاد قاليباف إلى سباق الرئاسة في 2013، وكان أداؤه آنذاك أفضل من 2005، إذ حل ثانياً خلف حسن روحاني، لكنه خسر بفارق كبير. وفي تلك الحملة، بدا أن خلفيته الأمنية وسعيه إلى استقطاب المحافظين لم يكونا كافيين أمام مرشح نجح في تقديم نفسه بوصفه رجل التسوية والانفراج النووي.

في 2017، دخل السباق مجدداً، لكنه انسحب لصالح إبراهيم رئيسي تحت ضغط توحيد الصف المحافظ. يومها بدا واضحاً أن مراكز القوة لا تراه الخيار الأول داخل التيار المحافظ، وأن عليه أن يكتفي بدور المساند إذا اقتضت مصلحة المعسكر ذلك. وفي 2021 لم ينافس بجدية بعدما بدا أن الطريق مُعبد أمام رئيسي.

ثم جاءت انتخابات 2024 المبكرة بعد وفاة رئيسي، فعاد اسم قاليباف بقوة. غير أن عودته انتهت بإخفاق جديد، هذه المرة أمام منافس من داخل ما يُعرف بـ«جبهة الثورة» نفسها. كانت تلك الخسارة ذات دلالة خاصة، لأنها أظهرت أن الرجل الذي بنى مكانته على خبرته وتاريخه وشبكاته لم يعد قادراً على فرض نفسه حتى داخل المعسكر المحافظ بوصفه الخيار الطبيعي.

رئاسة البرلمان... موقع قوي في مؤسسة محدودة

في 2020، انتقل قاليباف إلى البرلمان، وسرعان ما تولى رئاسته. ومنذ ذلك الحين أعيد انتخابه أكثر من مرة، محافظاً على موقعه في قمة المؤسسة التشريعية. نظرياً، يمنحه هذا المنصب مكانة رفيعة، لأن رئيس البرلمان عضو في مجلس الأمن القومي، ومجلس التنسيق الاقتصادي، ويجلس على رأس أحد فروع السلطة.

قائد «الحرس الثوري» السابق حسين سلامي يتحدث في جلسة برلمانية برئاسة قاليباف في ديسمبر 2024 (تسنيم)

عملياً، فإن نفوذ البرلمان في إيران يبقى محدوداً قياساً بثقل مكتب المرشد، و«الحرس الثوري»، ومجلس صيانة الدستور، وسائر المؤسسات فوق المنتخبة. ومع ذلك، وفرت رئاسة البرلمان لقاليباف منصة مؤسسية مهمة لإدارة التوازنات داخل التيار المحافظ، وبناء علاقات مع النواب، والحفاظ على حضوره اليومي في قلب القرار.

إعادة انتخابه لرئاسة البرلمان عام 2024، بعد أسبوع من وفاة رئيسي، حملت رسالة واضحة: الرجل ما زال يحظى بغطاء من داخل النظام، رغم الجدل الذي يحيط به. فهو ليس الشخصية الأكثر نقاءً آيديولوجياً، ولا الأقدر على استثارة الحماسة الشعبية، لكنه ما زال من رجال المؤسسة الموثوقين في مرحلة تبحث فيها المؤسسة الحاكمة عن تماسك داخلي أكثر من بحثها عن التجديد.

العلاقة مع خامنئي... سر البقاء

لا يمكن فهم استمرار قاليباف من دون التوقف عند علاقته العميقة بـ«الحرس الثوري»، وبالمرشد علي خامنئي. فالرجل ابن جيل الحرب، وابن خراسان، وابن المؤسسات التي صاغها خامنئي منذ توليه القيادة. هذه الصلات لا تعني بالضرورة تطابقاً كاملاً في كل الملفات، لكنها تفسر كيف نجا من عثرات كان يمكن أن تنهي أي مسيرة سياسية في نظام أقل تسامحاً مع الأخطاء، أو الفضائح.

كما أن قاليباف يمثل بالنسبة إلى جزء من المؤسسة نموذجاً مرغوباً: رجل يجمع بين الصرامة الأمنية والخبرة التنفيذية، ولا يفتقر إلى اللغة السياسية حين يحتاج إليها. وفي مرحلة تتزايد فيها أهمية «التكنوقراط الأمنيين» داخل النظام، يظل حضوره مفهوماً، حتى عندما لا يكون هو المرشح المفضل للرئاسة.

المرشد الإيراني يلتقي مع مسؤولين ويبدو خلفه بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي مارس العام الماضي (أ.ب)

ومع ذلك، فإن علاقته بالحرس ليست ضمانة مطلقة. فداخل هذه المؤسسة نفسها أجيال، واتجاهات، وتنافسات. وقد أظهرت محطات عدة أن دعماً من بعض دوائر «الحرس» لا يعني بالضرورة إجماعاً عليه، وأن شخصيات أخرى أكثر تشدداً، أو أقل إثارة للجدل قد تتقدم عليه عندما يتعلق الأمر باختيار رجل المرحلة.

لم يكن دور قاليباف في بلدية طهران إدارياً فقط. ففي احتجاجات 2009 التي اندلعت بعد إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد، ظهر مرة أخرى بوصفه واحداً من رجال النظام الموثوقين في لحظات الخطر. وعلى الرغم من أن منصبه كان مدنياً هذه المرة، فإن اسمه ارتبط بالمساعدة في احتواء الاضطرابات داخل العاصمة، وبالتنسيق مع مؤسسات الدولة والأمن لإبقاء المدينة تحت السيطرة. وقد زاد ذلك من رصيده لدى التيار المحافظ، لأنه أكد أن انتقاله إلى العمل البلدي لم يغيّر موقعه الحقيقي داخل بنية السلطة، بل منحه واجهة مدنية لدور أمني وسياسي أوسع.

هذه القدرة على الجمع بين الإدارة والانضباط الأمني هي بالضبط ما جعل بعض دوائر النظام تنظر إليه باعتباره صالحاً لمهمات متعددة. فهو ليس خطيباً عقائدياً من طراز المحافظين الأشد صلابة، وليس أيضاً رجل مساومات يذهب بعيداً في المرونة. إنه، في نظر مؤيديه، موظف كبير لدى الجمهورية: يعرف كيف يدير مؤسسة، وكيف يضبط طاقمها، وكيف يلتزم بالسقف الذي يرسمه المرشد.

قاليباف ومحسن رضائي القيادي في "الحرس الثوري" ومستشار المرشد الإيراني (موقع رئيس البرلمان-أرشيفية)

حين فاز قاليباف بمقعد طهران في انتخابات 2020، كان ذلك في سياق عزوف انتخابي واسع، واستبعاد كثيف للمنافسين، وهو ما تكرر بدرجات مختلفة في انتخابات 2024. لذلك فإن صعوده النيابي لم يكن نتيجة موجة شعبية جارفة، بل ثمرة ترتيب سياسي سمح للمحافظين بإحكام السيطرة على البرلمان. لكن هذه الحقيقة لم تنتقص من أهمية المنصب بالنسبة إليه. ففي نظام تتوزع القوة بين المؤسسات المنتخبة وغير المنتخبة، يمكن لرئاسة البرلمان أن تتحول إلى نقطة تمركز مهمة، حتى لو تراجعت فعالية المؤسسة نفسها. ومن هذا الموقع، حافظ قاليباف على حضوره في ملفات الاقتصاد والسياسة الداخلية، وعلى صلته اليومية بمراكز النفوذ التي تحتاج دائماً إلى شخص يجمع بين الخبرة، والانضباط، والطموح.

مشروعه السياسي إلى أين؟

بعد أربعة عقود من الصعود والتحول، تبدو مفارقة قاليباف واضحة. فهو رجل نجح في كل شيء تقريباً؛ إلا في الوصول إلى المنصب الذي أراده أكثر من أي شيء آخر. قاد وحدات في الحرب، وأدار مؤسسات أمنية، ورأس أكبر بلدية في البلاد، واعتلى رئاسة البرلمان، وبنى شبكة سياسية وإعلامية واسعة، لكنه ظل عند عتبة الرئاسة، لا داخلها.

ما يميزه ليس فقط طول البقاء، بل قدرته على التكيف. فهو يعرف كيف يخاطب المؤسسة بلغة الولاء، وكيف يخاطب الجمهور بلغة الإدارة، وكيف يوظف خبرته العسكرية لتثبيت صورته رجل دولة، من دون أن يتحول إلى منظر آيديولوجي صرف. لكن هذا التكيف نفسه هو ما جعل صورته مهتزة أحياناً؛ إذ بدا كأنه يملك وجوهاً كثيرة من غير أن يستقر على وجه نهائي مقنع.

صورة نشرها موقع قاليباف الرسمي من لقائه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في يوليو 2024

في المحصلة، يمثل قاليباف نموذجاً دالاً على طبيعة نظام الحكم في مرحلتها الراهنة: نظام لا يفرز فقط رجال العقيدة الخالصة، بل أيضاً رجال البقاء، والمرونة، وإعادة التموضع. وهو، بهذا المعنى، ليس استثناءً داخل النظام، بل أحد أكثر أبنائه تعبيراً عنه.

رجل خرج من الحرب حاملاً شرعيتها، ودخل السياسة محملاً بطموح لا يهدأ، وراكم في الطريق إنجازات، وخصومات، وملفات ثقيلة، ثم انتهى إلى موقع يكفي لضمان بقائه داخل الصف الأول، لكنه لا يكفي لتحقيق حلمه الأكبر.

وربما تكمن قوة قاليباف الحقيقية هنا تحديداً: لا في كونه رجل الحسم النهائي، بل في كونه أحد آخر الناجين الكبار من الجيل الأول في النظام، والقادرين حتى الآن على تبديل المواقع والوجوه، من دون أن يسقطوا خارج الخريطة.

الحرب مع إسرائيل

وفي الحربين اللتين شكّلتا أخطر اختبار للنظام الإيراني في سنواته الأخيرة، برز قاليباف بوصفه واحداً من رجال الطوارئ داخل بنية السلطة. ففي حرب الأيام الاثني عشر في يونيو (حزيران) 2025، سعى إلى تقديم نفسه بصفته وجهاً من وجوه «الصمود» المؤسسي، وقال لاحقاً إن تلك المواجهة «قدّمت إيران 50 عاماً إلى الأمام»، في محاولة لتحويل لحظة الاستنزاف إلى سردية تعبئة واستنهاض.

صورة نشرها موقع قاليباف الرسمي من لقائه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في يوليو 2024

ثم عززت تصريحات وزير التراث رضا صالحي أميري هذه الصورة حين قال إن قاليباف «ارتدى لباس القتال» في غياب بعض القادة، وحضر في ساحة المواجهة لمساندة الرئيس والحكومة. لكن الحرب التي اندلعت في 28 فبراير (شباط) 2026، وقُتل فيها المرشد علي خامنئي، دفعت رئيس البرلمان إلى موقع أكثر حساسية؛ إذ بدا، في لحظة ارتباك نادرة داخل هرم النظام، حلقة وصل بين المؤسستين السياسية والأمنية، مستفيداً من تاريخه في «الحرس الثوري»، ومن شبكاته المتجذرة داخل الدولة.

بذلك، لم تكن الحرب مع إسرائيل مجرد اختبار جديد لقاليباف، بل مناسبة كشفت وظيفته الأعمق في أجهزة صنع القرار: رجل الأزمات الذي يعود كلما ضاقت الدائرة، واحتاج النظام إلى وجه يجمع بين خبرة الميدان وحسابات السلطة.


مقالات ذات صلة

ماكرون: فرنسا «لم تفكر مطلقاً» بنشر سفن حربية في «هرمز»

شؤون إقليمية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث خلال مؤتمر صحافي في نيروبي (أ.ف.ب) p-circle

ماكرون: فرنسا «لم تفكر مطلقاً» بنشر سفن حربية في «هرمز»

قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الأحد، إن باريس «لم تفكر مطلقاً» بنشر سفن حربية في مضيق هرمز، بل القيام بمهمة تأمين للملاحة البحرية «منسّقة مع إيران».

«الشرق الأوسط» (نيروبي )
الخليج أعضاء التنظيم المرتبط بـ«ولاية الفقيه» الذين قُبض عليهم في البحرين (بنا)

البحرين: أعضاء التنظيم المقبوض عليهم مرتبطون بـ«المجلس العلمائي»

أوضحت وزارة الداخلية البحرينية، الأحد، أن التنظيم المرتبط بـ«ولاية الفقيه» قائمٌ على أعضاء من «المجلس العلمائي» المنحل.

«الشرق الأوسط» (المنامة)
تحليل إخباري صورة أرشيفية لزيارة ترمب إلى بكين في نوفمبر 2017 (أ.ب) p-circle

تحليل إخباري ترمب وشي يبحثان إعادة ضبط العلاقة الأميركية - الصينية

قالت بكين إنها «ستشعر بارتياح كبير» إذا رأت مرونة في الموقف الأميركي تجاه تايوان، وربما تراجعاً عن بعض صفقات بيع الأسلحة للجزيرة.

هبة القدسي (واشنطن)
الاقتصاد مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

تحذيرات من «رفع» الفائدة الأميركية لمواجهة تداعيات حرب إيران

حذر عمالقة إدارة الأصول في العالم من أن «الاحتياطي الفيدرالي» قد يضطر إلى «رفع» أسعار الفائدة بدلاً من خفضها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني (رويترز)

خاص «فيتو» إيراني مفاجئ يعطّل تشكيل الحكومة العراقية

قال مسؤولان عراقيان، الأحد، إن «فيتو» إيرانياً، لمنع إقصاء الفصائل المسلحة من الحقائب الوزارية، عرقل مفاوضات تشكيل الحكومة العراقية.

علي السراي (لندن)

ماكرون: فرنسا «لم تفكر مطلقاً» بنشر سفن حربية في «هرمز»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث خلال مؤتمر صحافي في نيروبي (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث خلال مؤتمر صحافي في نيروبي (أ.ف.ب)
TT

ماكرون: فرنسا «لم تفكر مطلقاً» بنشر سفن حربية في «هرمز»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث خلال مؤتمر صحافي في نيروبي (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث خلال مؤتمر صحافي في نيروبي (أ.ف.ب)

قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الأحد، إن باريس «لم تفكر مطلقاً» بنشر سفن حربية في مضيق هرمز، بل القيام بمهمة تأمين للملاحة البحرية «منسّقة مع إيران»، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشدد ماكرون خلال مؤتمر صحافي في نيروبي عاصمة كينيا على تمسكه بهذا الموقف، وذلك بعدما حذّرت طهران من رد «حاسم وفوري» على فرنسا وبريطانيا في حال نشرتا سفناً حربية في المضيق، بعد إعلان من لندن وباريس بهذا الشأن.

وحذرت إيران، الأحد، بريطانيا وفرنسا من أنّ قواتها المسلّحة سترد بشكل «حاسم وفوري» على أي قطع حربية تُرسل إلى مضيق هرمز، وذلك بعد إعلان البلدين نشر سفن في المنطقة تمهيداً لتنفيذ مهمة لحماية الملاحة عبره بعد الحرب.

وقال نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي في منشور على منصة «إكس»: «نذكّرهم بأنه في أوقات الحرب والسلم، إيران هي الوحيدة التي يمكنها أن ترسّخ الأمن في هذا المضيق، ولن تسمح لأي دولة بالتدخل في مثل هذه الأمور».

وتعمل لندن وباريس على قيادة مهمة متعددة الجنسية لتأمين الملاحة في المضيق. وأعلنت بريطانيا، السبت، أنها ستنشر مدمّرة في المنطقة، بينما عبرت حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول، الأربعاء، قناة السويس متجهة إلى منطقة الخليج.


بدء محاكمة إمام أوغلو بتهمة التجسس في تركيا

تظاهر الآلاف أمام بلدية إسطنبول في 18 مارس مطالبين بالإفراج عن أكرم إمام اوغلو بمناسبة مرور عام على اعتقاله (رويترز)
تظاهر الآلاف أمام بلدية إسطنبول في 18 مارس مطالبين بالإفراج عن أكرم إمام اوغلو بمناسبة مرور عام على اعتقاله (رويترز)
TT

بدء محاكمة إمام أوغلو بتهمة التجسس في تركيا

تظاهر الآلاف أمام بلدية إسطنبول في 18 مارس مطالبين بالإفراج عن أكرم إمام اوغلو بمناسبة مرور عام على اعتقاله (رويترز)
تظاهر الآلاف أمام بلدية إسطنبول في 18 مارس مطالبين بالإفراج عن أكرم إمام اوغلو بمناسبة مرور عام على اعتقاله (رويترز)

يمثل رئيس بلدية إسطنبول المحتجز، أكرم إمام أوغلو، أمام المحكمة في قضية جديدة بتهمة «التجسس السياسي»، وذلك فيما تتواصل ملاحقته بتهمة الفساد للشهر الثالث على التوالي.

وتعقد الدائرة 25 لمحكمة جنايات إسطنبول، الاثنين، أولى جلساتها، في سجن سيليفري بغرب إسطنبول، لمحاكمة إمام أوغلو، المرشح الرئاسي لحزب «الشعب الجمهوري»، أكبر أحزاب المعارضة، بتهمة «التجسس السياسي»، استناداً إلى ادعاء بتسريب بيانات ملايين الناخبين في الانتخابات المحلية بإسطنبول التي فاز بها عام 2019، إلى أجهزة مخابرات أجنبية؛ من بينها «الموساد» الإسرائيلي.

وقبلت المحكمة في 28 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، لائحة الاتهام المقدمة ضد إمام أوغلو و3 آخرين، والتي تطالب بعقوبة السجن لكل منهم لمدد تتراوح بين 15 و20 سنة، ومنعهم من ممارسة أي نشاط سياسي لمدة مماثلة لمدة العقوبة.

تسريب معلومات وتجسس

يحاكم في هذه القضية مع إمام أوغلو، كل من مستشاره الصحافي نجاتي أوزكان، ومدير «قناة تيلي 1» المعارضة؛ الصحافي مردان يانارداغ، اللذين صدر قرار بتوقيفهما أيضاً، للاشتباه في تسهيلهما تسريب بيانات سرية تخص 4.7 مليون ناخب خلال الانتخابات المحلية في 2019، نُقلت بعد ذلك إلى أجهزة مخابرات أجنبية.

إمام أوغلو خلال إحدى جلسات محاكمته في قضية تزوير شهادته الجامعية (إعلام تركي)

وتم ربط التحقيق مع إمام أوغلو وأوزكان ويانارداغ بقضية تجسس تعود إلى يوليو (تموز) 2025، أوقف فيها رجل الأعمال حسين غون، بتهمة التجسس لصالح دول أجنبية، من بينها إسرائيل.

وتبيّن أن غون التقى مرة واحدة مع أوزكان قبل 15 يوماً فقط من جولة إعادة الانتخابات المحلية في بلدية إسطنبول التي أجريت في 23 يونيو (حزيران) عام 2019، حيث عرض العمل في تقديم تحليلات لمواقع التواصل الاجتماعي حول التصويت المتوقع في هذه الجولة؛ لكن لم يتم قبول طلبه، وتمت الاستجابة فقط لطلبه بتقديم التهنئة لإمام أوغلو عقب الفوز في الانتخابات للمرة الثانية بجولة الإعادة، حيث حضر مع سيدة قال إنها «أمه الروحية» والتقطا صورة معه، كما تبين أنه أجرى اتصالاً مع الصحافي يانارداغ.

واتهم غون بالتواصل مع أعضاء رفيعي المستوى في أجهزة المخابرات البريطانية والأميريكية والإسرائيلية، واستفاد من مبدأ «التوبة الفعالة»، بعد اعترافه بأنه عميل للمخابرات البريطانية، وتحول إلى مخبر في قضية إمام أوغلو، وقُدمت مراسلاته دليلاً في القضية، وخُصِص جزء كبير من لائحة الاتهام، المؤلفة من 160 صفحة، للمواد الرقمية والمراسلات والتصريحات الخاصة به.

ويؤكد دفاع المتهمين أن الادعاء حاول ربط أمور منفصلة لا صلة لها بالموضوع وتقديم المراسلات، التي تم الحصول عليها من هاتف غون، بوصف ذلك دليلاً رئيسياً على نشاط التجسس في قضية إمام أوغلو.

ويعرّف قانون العقوبات التركي «التجسس السياسي»، بأنه «الحصول على معلومات ينبغي أن تبقى سرية لأمن الدولة أو مصالحها السياسية، لأغراض التجسس».

الصحافي مردان يانارداغ المعتقل في قضية تجسس متهم فيها إمام أوغلو (من حسابه في «إكس»)

ودعت «منظمة العفو الدولية»، الجمعة، إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن الصحافي يانارداغ، المحتجز منذ 26 أكتوبر 2025، قائلة إن «الصحافيين في تركيا يكممون باستخدام قوانين فضفاضة وغامضة للغاية».

قضية الفساد ببلدية إسطنبول

تتواصل محاكمة إمام أوغلو، الذي ينظر إليه على أنه أقوى منافسي الرئيس رجب طيب إردوغان على رئاسة تركيا، للشهر الثالث على التوالي، بتهمة تشكيل منظمة إجرامية ارتكبت أعمال فساد ورشوة وتلاعب بالمناقصات في شركات ومشروعات بلدية إسطنبول.

ويواجه إمام أوغلو، الذي اعتقل في 19 مارس (آذار) 2025، في هذه القضية، 142 اتهاماً تبلغ مدة العقوبة فيها 2430 سنة.

نفذت السلطات التركية حملة اعتقالات جديدة الجمعة في إطار تحقيقات الفساد ببلدية إسطنبول (إعلام تركي)

ونفذت السلطات التركية، الجمعة، موجة اعتقالات جديدة في هذه القضية، شملت 29 مسؤولاً وموظفاً، بتهم المشاركة في «نظام مناقصات وهمية أو غير قانونية» من خلال شركة تابعة لبلدية إسطنبول، متخصصة في تنسيق الحدائق والمتنزهات.

وبالإضافة إلى ذلك، يحاكم إمام أوغلو في كثير من القضايا الأخرى؛ من بينها اتهامه بتزوير شهادته الجامعية التي تم إلغاؤها من جانب جامعة إسطنبول قبل اعتقاله بيوم واحد، ليفقد واحداً من أهم شروط الترشح للرئاسة، ما دفع إلى الاعتقاد على نطاق واسع؛ سواء على مستوى المعارضة أو الشارع التركي، بأن الاتهامات والقضايا الموجهة ضده «ذات دوافع سياسية»، وهدفها إبعاده عن منافسة إردوغان على الرئاسة.

وترفض الحكومة التركية هذه الاتهامات، مؤكدة أنها لا تتدخل في عمل القضاء.

استطلاع رأي

أظهرت نتائج أحدث استطلاعات الرأي حول فرص مرشحي الرئاسة حال التوجه إلى انتخابات مبكرة قبل الموعد المقرر في عام 2028، أن انتخابات الرئاسة قد تشهد جولة إعادة، وفي هذه الحالة سيتفوق إمام أوغلو على إردوغان بحصوله على 57.35 في المائة من الأصوات، مقابل 42.65 في المائة لإردوغان.

شارك الآلاف في تجمع لحزب «الشعب الجمهوري» بمدينة ريزا مسقط رأس الرئيس إردوغان السبت مطالبين بإطلاق سراح إمام أوغلو وإجراء انتخابات مبكرة (حساب الحزب في «إكس»)

وأوضح الاستطلاع «أجندة تركيا»، الذي أجرته شركة «غونديمار» في الفترة من 23 إلى 26 أبريل (نيسان) الماضي، أنه حال عدم قدرة إمام أوغلو على خوض الانتخابات واختيار حزب «الشعب الجمهوري» ترشيح رئيس بلدية أنقرة، منصور ياواش، فإنه سيحصل على 57.83 في المائة، مقابل حصول إردوغان على 42.17 في المائة.

وأظهر الاستطلاع أيضاً استمرار احتلال حزب «الشعب الجمهوري» المرتبة الأولى منذ الانتخابات المحلية في 2024، وحصوله على 36.10 في المائة من الأصوات، بينما حل حزب «العدالة والتنمية» الحاكم برئاسة إردوغان، ثانياً، بنسبة 28.56 في المائة.


طهران ترد على المقترح الأميركي وسط تصاعد التوتر البحري

صورة نشرتها القيادة المركزية السبت من مروحية تهبط على متن حاملة طائرات أثناء عملياتها بالمنطقة
صورة نشرتها القيادة المركزية السبت من مروحية تهبط على متن حاملة طائرات أثناء عملياتها بالمنطقة
TT

طهران ترد على المقترح الأميركي وسط تصاعد التوتر البحري

صورة نشرتها القيادة المركزية السبت من مروحية تهبط على متن حاملة طائرات أثناء عملياتها بالمنطقة
صورة نشرتها القيادة المركزية السبت من مروحية تهبط على متن حاملة طائرات أثناء عملياتها بالمنطقة

أرسلت إيران، الأحد، ردَّها على أحدث نص أميركي مقترَح لإنهاء الحرب إلى الوسيط الباكستاني، في وقت اشتعلت فيه النيران بسفينة شحن، بعد إصابتها بمقذوف مجهول قبالة ساحل قطر، في أحدث هجوم على سفن في الخليج العربي منذ وقف إطلاق نار هش بين الولايات المتحدة وإيران.

وتنتظر واشنطن رد إيران على مقترح جديد لاتفاق ينهي الحرب، ويعيد فتح المضيق أمام الملاحة البحرية، ويقلّص برنامج إيران النووي.

وشهدت الأيام الأخيرة أكبر تصعيد في القتال داخل المضيق وحوله منذ بدء وقف إطلاق النار قبل شهر، وتعرضت الإمارات العربية المتحدة لهجوم جديد، الجمعة.

وأفادت وكالة «إرنا» الرسمية، الأحد، بأن الرد الإيراني جاء بعد استكمال دراسة المقترحات الأميركية وصوغ ملاحظات طهران النهائية.

وبحسب «إرنا»، تركز الخطة المقترحة في هذه المرحلة على وضع حد نهائي؛ بإنهاء الحرب «في جميع الجبهات، خصوصاً لبنان»، وضمان أمن الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز، وسط استمرار الاتصالات غير المباشرة عبر وسطاء إقليميين.

وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن بلاده «لن تنحني أبداً أمام العدو»، مضيفاً أن الحديث عن التفاوض «لا يعني التسليم أو التراجع». وكتب على منصة «إكس» أن الهدف من الحوار هو «إحقاق حقوق الشعب الإيراني والدفاع المقتدر عن المصالح الوطنية».

ومن جانبه، قال السفير الإيراني لدى الصين، عبد الرضا رحماني فضلي، إن «أي اتفاق محتمل يجب أن يكون مصحوباً بضمانات من القوى الكبرى، وأن يُطرح أيضاً في مجلس الأمن الدولي».

وجاء في منشوره على منصة «إكس» أن «الصين وروسيا قوتان كبيرتان ومؤثرتان»، عادّاً أنه بالنظر إلى المكانة التي تتمتع بها الصين لدى إيران ودول الخليج، «يمكن أن تكون بكين ضامناً لأي اتفاق محتمل».

وجاء التطور بعدما ساد هدوء نسبي حول مضيق هرمز في وقت مبكر من الأحد، بعد أيام من التصعيد المتقطع، بينما كانت الولايات المتحدة تنتظر رد إيران على أحدث مقترحاتها لإنهاء أكثر من شهرين من القتال وبدء محادثات سلام.

وأبلغ رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الأحد، أن استخدام مضيق هرمز أداة ضغط لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة في الخليج.

وقالت وزارة الخارجية القطرية إن آل ثاني شدد، خلال اتصال مع عراقجي، على ضرورة استجابة جميع الأطراف لجهود الوساطة، بما يهيئ الظروف المناسبة لتحقيق تقدم في المفاوضات، ويحد من احتمالات تجدد التصعيد.

وجاء الاتصال بعد يومين من لقاء آل ثاني نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، الجمعة، لبحث النزاع في إيران وآخر تطورات المفاوضات. ونقلت «سي بي إس نيوز» عن مطلعين على لقاء آل ثاني وفانس أن الانطباع العام كان وجود «زخم إيجابي» في المسار الدبلوماسي.

كما التقى رئيس الوزراء القطري في ميامي، السبت، المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، ثم وزير الخارجية ماركو روبيو، في اجتماعات تناولت جهود إنهاء الحرب.

وعبّرت ناقلة غاز طبيعي قطرية مضيق هرمز، الأحد، للمرة الأولى منذ بدء الحرب مع إيران، متجهةً إلى باكستان، في خطوة تزامنت مع استمرار واشنطن في ترقب الرد الإيراني على المقترحات الأميركية.

رسالة وسط النار

وبعد نحو 48 ساعة من الهدوء النسبي الذي أعقب اشتباكات متفرقة، الأسبوع الماضي، ووقف إطلاق النار المستمر منذ شهر، رصدت الكويت عدة طائرات مسيّرة معادية في مجالها الجوي في وقت مبكر من الأحد، وفق السلطات.

وتقول إدارة ترمب إن وقف إطلاق النار الساري منذ شهر لا يزال قائماً. لكنه تعرض لاختبارات متكررة، مع تقييد إيران حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو ممر مائي استراتيجي أساسي لتدفق النفط عالمياً، وفرض الولايات المتحدة حصاراً على الموانئ الإيرانية.

وفي الهجوم البحري الذي وقع، الأحد، قال مركز عمليات التجارة البحرية البريطانية إن الضربة تسببت في حريق صغير على متن السفينة، جرى إخماده. وقال المركز إن الهجوم وقع على بُعد 23 ميلاً بحرياً، أي 43 كيلومتراً، شمال شرقي العاصمة القطرية، الدوحة.

وأضاف أنه لم ترد تقارير عن وقوع إصابات. ولم يقدم المركز تفاصيل عن مالك السفينة أو مصدرها، كما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم.

لكن الأسبوع الماضي شهد عدة هجمات على سفن في الخليج العربي. ويوم الجمعة، ضربت الولايات المتحدة ناقلتي نفط إيرانيتين بعد أن قالت إن السفينتين كانتا تحاولان اختراق الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية.

وأعلن الجيش الكويتي، الأحد، أنه رد على هجوم بطائرات مسيّرة، في وقت يواجه فيه وقف إطلاق النار الهش في الحرب مع إيران اختباراً جديداً. وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع الكويتية، العميد سعود عبد العزيز العتيبي، إن طائرات مسيّرة معادية دخلت المجال الجوي للكويت في وقت مبكر من الأحد، وإن القوات ردَّت «وفقاً للإجراءات المعمول بها».

الممر القلق

قبالة خليج عمان، جنوب شرقي إيران، نبَّهت محافظة بلوشستان إلى أن دوي الانفجار الذي سُمع في ميناء تشابهار ناجم عن تفجير ذخائر غير منفجرة من «الحرب المفروضة الثالثة»، مؤكدة أنه لا يوجد ما يدعو إلى قلق السكان.

وأضافت المحافظة أنه نظراً إلى استمرار عملية إبطال مفعول الذخائر غير المنفجرة في المنطقة، قد تستمر أصوات الانفجارات خلال الأسابيع المقبلة.

وأفادت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري»، الجمعة، بوقوع اشتباكات متفرقة بين القوات الإيرانية والسفن الأميركية في المضيق. وقال الجيش الأميركي إنه ضرب سفينتين مرتبطتين بإيران كانتا تحاولان دخول ميناء إيراني، مما أجبرهما على العودة أدراجهما.

وأشارت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الأحد، إلى أن سفينة شحن سائبة أبلغت عن تعرضها لمقذوف شمال شرقي الدوحة. وقالت الهيئة إن حريقاً صغيراً أُخمد، من دون وقوع إصابات أو أضرار بيئية، وإن السلطات تحقق في مصدر المقذوف.

وجددت بحرية «الحرس الثوري»، الأحد، تحذيرها من أن أي هجوم على ناقلات النفط الإيرانية أو السفن التجارية سيُقابل بـ«هجوم ثقيل» على إحدى «القواعد الأميركية في المنطقة وعلى سفن العدو».

بحار أميركي يوجه تعليمات لمقاتلة تحاول الإقلاع من حاملة طائرات أميركية في المنطقة (سنتكوم)

وقال قائد الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، إن صواريخ ومسيّرات الوحدة «أقفلت» على أهداف أميركية في المنطقة.

وكتب موسوي، في منشور على حسابه في منصة «إكس» المحظورة بإيران: «صواريخ ومسيّرات الوحدة الصاروخية في (الحرس الثوري) أقفلت على الأهداف الأميركية في المنطقة وعلى سفن العدو المعتدي. نحن في انتظار أمر الإطلاق».

وقال مشرعون إيرانيون إنهم بصدد صياغة مشروع قانون لإضفاء الطابع الرسمي على إدارة إيران للمضيق، مع بنود تشمل حظر مرور سفن «الدول المعادية».

وقال المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، النائب المتشدد إبراهيم رضائي، الأحد، إن «مرحلة ضبط النفس انتهت بدءاً من اليوم»، محذراً من أن أي تعرض للسفن الإيرانية سيقابَل بـ«رد إيراني ثقيل وحاسم» على السفن والقواعد الأميركية.

وكتب رضائي على منصة «إكس» أن «الوقت يمرّ ضد الأميركيين»، مضيفاً أن من مصلحة واشنطن «ألا ترتكب حماقة وألا تغرق أكثر في المستنقع الذي وقعت فيه». وتابع: «أفضل طريق هو الاستسلام وتقديم التنازلات. عليكم أن تعتادوا النظام الإقليمي الجديد».

وانتقد النائب المحافظ مجتبى يوسفي ما وصفه بإهمال الخطة «الاستراتيجية» المتعلقة بمضيق هرمز وعدم إقرارها، رغم «إنجاز مراحلها الأولى»، عادّاً أنها «ستحفظ موقع إيران المتفوق في المنافسات الجيوسياسية والميدان الدبلوماسي».

وكتب علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني، في مقال بصحيفة «إيران» الحكومية، أن الولايات المتحدة «ستُضطر قريباً إلى الخروج، ليس فقط من إيران، بل من المنطقة بأكملها».

وأضاف ولايتي أن «الإمبراطورية الأميركية في طور السقوط بعد هزيمة الولايات المتحدة أمام الجمهورية الإسلامية وجبهة المقاومة، وبعد أن بات مضيق هرمز في قبضتنا»، وفق تعبيره.

«جاهزية كاملة»

وأوضحت وکالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» أن قائد عمليات هيئة الأركان المشتركة، علي عبداللهي قدم تقريراً للمرشد مجتبى خامنئي عن جاهزية القوات المسلحة، وأصدر الأخير «توجيهات جديدة لمواصلة العمليات العسكرية ومواجهة الخصوم بحزم»، من دون أن تحدد موعد اللقاء. ونقلت عن عبداللهي قوله إن القوات الإيرانية «على أتم الاستعداد لمواجهة أي عمل» من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، مضيفاً أن أي «خطأ» يرتكبه الخصوم سيُقابَل برد إيراني «سريع وحاسم».

وفي وقت متأخر، السبت، قال المتحدث باسم الجيش الإيراني، محمد أكرمي نيا، للتلفزيون الرسمي، إن السفن التابعة للدول التي تتبع الولايات المتحدة في فرض العقوبات على إيران «ستواجه، من الآن فصاعداً، مشكلات حتماً في عبور مضيق هرمز».

ونقلت وكالة «إرنا» الرسمية عن أكرمي نيا قوله إن «الأميركيين لن يكونوا قادرين أبداً على تحويل هذه المساحة الواسعة في شمال المحيط الهندي، عبر تغطية أسطولهم، إلى حصار حقيقي».

وأضاف أن «الهدف من ادعاء فرض الحصار، من دون شك، هو محاولة لتحييد إدارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية لمضيق هرمز عبر إجراءات دعائية».

وتابع: «تجارتنا البحرية لا تزال جارية بسهولة؛ ولم يُحتجز سوى عدد محدود من السفن. وفي المقابل، تمكنّا نحن أيضاً من منع عبور ونشاط سفن النظام الصهيوني واحتجازها».

وقال أكرمي نيا إن القوات الإيرانية في «جاهزية كاملة» لحماية المواقع النووية التي يُخزن فيها اليورانيوم. وقال لوكالة «إرنا»، في وقت متأخر من السبت: «رأينا أنه من الممكن أن يكونوا ينوون سرقته عبر عمليات تسلل أو عمليات إنزال بالمروحيات». ولم يقدم مزيداً من التفاصيل.

ويُعد مصير مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب إحدى نقاط الخلاف الرئيسية في المفاوضات. وتقول الوكالة النووية التابعة للأمم المتحدة إن إيران تمتلك أكثر من 440 كيلوغراماً، أي 970 رطلاً، من اليورانيوم المخصب حتى درجة نقاء 60 في المائة، وهي خطوة تقنية قصيرة تفصل عن مستويات الاستخدام العسكري.

وقال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل ماريانو غروسي، لوكالة «أسوشييتد برس»، الشهر الماضي، إن غالبية اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب لا تزال على الأرجح في مجمع أصفهان النووي.

وتعرضت منشأة أصفهان لقصف بغارات جوية أميركية - إسرائيلية خلال حرب الاثني عشر يوماً العام الماضي، كما واجهت هجمات أقل كثافة في حرب هذا العام.

وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن تفويض الوكالة يقتصر على التحقق، «وليس توجيه رسائل سياسية» بشأن مضيق هرمز أو الصواريخ الإيرانية أو طريقة تصرف طهران.

وأضاف بقائي، في منشور على منصة «إكس»، أن «المؤسسات تفقد صدقيتها، ومع الوقت فاعليتها أيضاً»، عندما تُمسّ «المهنية والحياد» لمصلحة الإشارات السياسية أو الطموحات الشخصية.

ضغط دبلوماسي

وكرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته باستئناف القصف على نطاق واسع إذا لم تقبل إيران اتفاقاً لإعادة فتح المضيق وتقليص برنامجها النووي. وقد أغلقت إيران إلى حد كبير هذا الممر الحيوي للطاقة العالمية، منذ أن أطلقت الضربات المشتركة التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل، في 28 فبراير (شباط)، الحرب، مما تسبب في ارتفاع عالمي في أسعار الوقود واضطراب الأسواق العالمية.

وقال وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، الجمعة، إن واشنطن تتوقع رداً خلال ساعات. لكن لم تظهر أي مؤشرات على تحرك من طهران بشأن المقترح، الذي من شأنه إنهاء الحرب رسمياً قبل بدء محادثات بشأن القضايا الأكثر إثارة للجدل، بما في ذلك البرنامج النووي الإيراني.

والتقى روبيو رئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني في ميامي، السبت، وبحثا الحاجة إلى مواصلة العمل معاً «لردع التهديدات وتعزيز الاستقرار والأمن في أنحاء الشرق الأوسط»، وفق بيان لوزارة الخارجية الأميركية لم يذكر إيران.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن الولايات المتحدة تحتاج إلى «أسبوعين فقط» لضرب «كل هدف» في إيران، عادّاً أن طهران «هُزمت عسكرياً».

وفي مقابلة مع الصحافية المستقلة شيريل أتكيسون بُثت الأحد وسُجلت الأسبوع الماضي، قال ترمب إن الإيرانيين «هُزموا عسكرياً. ربما لا يعرفون ذلك في أذهانهم، لكنني أعتقد أنهم يعرفون». وأضاف: «هذا لا يعني أنهم انتهوا».

المدمرة «يو إس إس جون فين» تبحر في بحر العرب خلف المدمرة «يو إس إس ميليوس» وسفينة الإمداد «يو إس إن إس كارل براشير» وحاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» (سنتكوم)

وقال إن الجيش الأميركي يمكنه أن «يدخل لأسبوعين إضافيين وينفذ كل هدف»، مضيفاً: «لدينا أهداف معينة أردناها، ونفذنا على الأرجح 70 في المائة منها، لكن لدينا أهداف أخرى يمكن تصور ضربها». وتابع: «حتى لو لم نفعل ذلك، فستكون مجرد لمسات أخيرة».

وانتقد ترمب حلف شمال الأطلسي، واصفاً إياه بأنه «نمر من ورق»، متهماً حلفاء واشنطن بعدم تقديم المساعدة في الحملة ضد طهران.

وتأتي تصريحاته بينما أفادت تقارير بأن إيران ردت على أحدث مقترح أميركي لإنهاء الصراع الذي بدأ في 28 فبراير بضربات أميركية وإسرائيلية على إيران.

وقال ترمب لقناة «إل سي آي» الفرنسية، السبت، إنه لا يزال يتوقع معرفة رد إيران «قريباً جداً».

من جانبه، صرح وزير الطاقة الأميركي كريس رايت في مقابلة مع شبكة «سي بي إس» بأن الولايات المتحدة تصعّد الضغط الاقتصادي على القادة الإيرانيين لدفعهم إلى طاولة التفاوض، متوقعاً أن يستغرق الاتفاق بشأن البرنامج النووي بضعة أسابيع، لا أن يتحول إلى عملية تفاوض طويلة، رغم المخاوف من تأثير إضافي على أسواق النفط.

وقال إن «الأمور صعبة على قادة إيران حالياً»، وإن لديهم «دافعاً كبيراً» للتوصل إلى اتفاق، مشيراً إلى أن الطريق لم يتضح بعد، لكن واشنطن «تعرف إلى أين سينتهي الأمر»، مضيفاً: «في نهاية المطاف، سيكون هناك تدفق حر للملاحة عبر مضيق هرمز، وسيكون هناك إنهاء للبرنامج النووي الإيراني».

ورأى رايت أن إنهاء البرنامج النووي الإيراني سيتحقق «على الأرجح بالتفاوض»، لكنه أضاف أنه «لا يجب بالضرورة أن يتحقق بالتفاوض»، واصفاً ذلك بأنه «أمر حاسم».

ونبه أن إيران تمتلك نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، عادّاً أن هذه النسبة «قريبة جداً من مستوى الاستخدام العسكري، وأعلى بكثير من أي استخدام تجاري محتمل».

واتهم رايت طهران بأنها «كذبت طوال الوقت» عندما قالت إن برنامجها النووي مخصص للأغراض المدنية أو لتوليد الطاقة، قائلاً إنه «كان دائماً متعلقاً بالأسلحة»، وإن العالم «لا يمكنه التعايش مع إيران مسلحة نووياً».

وأضاف أن إنهاء البرنامج النووي الإيراني «تحدٍّ صعب»، وقد يسبب «اضطراباً قصير المدى»، لكنه عدّ ذلك مقايضة ضرورية لتجنب تهديد طويل الأمد للسلام في المنطقة، ولإمدادات الطاقة، وللأميركيين.

في سياق مواز، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لشبكة «سي بي إس» إن الحرب مع إيران «لم تنتهِ بعد»، عادّاً أن إخراج اليورانيوم المخصب من إيران لا يزال شرطاً أساسياً لإنهاء الصراع

حصار واختبار

ومع اقتراب زيارة ترمب إلى الصين هذا الأسبوع، تزداد الضغوط لوضع حد للحرب، التي أشعلت أزمة طاقة عالمية وتشكل تهديداً كبيراً للاقتصاد العالمي.

وكانت ناقلة قطرية محملة بالغاز الطبيعي المسال تبحر، السبت، باتجاه المضيق، في طريقها إلى باكستان، وفق بيانات الشحن الصادرة عن «إل إس إي جي»، في خطوة قالت مصادر إنها حظيت بموافقة إيران لبناء الثقة مع قطر وباكستان، وكلتاهما وسيط في الحرب.

وإذا اكتملت الرحلة، فستكون أول عبور لسفينة قطرية محملة بالغاز الطبيعي المسال عبر المضيق، منذ أن بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب في 28 فبراير.

وقالت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) إن الحصار البحري الأميركي على إيران لا يزال مطبَّقاً بالكامل، موضحة أن قواتها أعادت توجيه61 سفينة تجارية وعطّلت 4 سفن منذ 13 أبريل (نيسان)، لمنعها من دخول الموانئ الإيرانية أو مغادرتها.

وأشار إلى أن أكثر من 20 سفينة حربية أميركية تواصل تنفيذ الحصار البحري المفروض على إيران.

ونشرت «سنتكوم» مقطعاً مصوراً قالت إنه يُظهر مقاتلة تابعة للبحرية الأميركية من طراز «إف إيه - 18» تتزود بالوقود من طائرة «كيه سي - 135 ستراتوتانكر» تابعة لسلاح الجو الأميركي، أثناء دورية جوية فوق الشرق الأوسط، في إطار العمليات اللوجستية الداعمة للانتشار العسكري الأميركي في المنطقة.

كما نشرت القيادة المركزية صوراً لبحارة أميركيين على متن حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»، التي تعمل حالياً في الشرق الأوسط، وهم ينفذون أعمال صيانة ليلية ونهارية لإبقاء الطائرات البحرية جاهزة للمهام.

وفرضت واشنطن حصاراً على السفن الإيرانية، الشهر الماضي. لكنّ تقييماً لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) أشار إلى أن إيران لن تتعرض لضغوط اقتصادية شديدة جراء الحصار الأميركي لمدة أربعة أشهر أخرى تقريباً، وفق مسؤول أميركي مطلع على الأمر، مما يثير تساؤلات حول نفوذ ترمب على طهران، في صراع لا يحظى بشعبية لدى الناخبين وحلفاء الولايات المتحدة.

ووصف مسؤول استخباراتي رفيع «الادعاءات» المتعلقة بتحليل «سي آي إيه»، الذي نشرته «واشنطن بوست» أولاً، بأنها غير صحيحة.

وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، السبت، إنه يأمل في أن ينتهي الصراع بين الولايات المتحدة وإيران في أسرع وقت ممكن، مضيفاً أنه إذا لم يحدث ذلك فسيكون الجميع خاسرين.

وقالت بريطانيا، التي تعمل مع فرنسا على مقترح لضمان سلامة العبور في مضيق هرمز بمجرد استقرار الأوضاع، السبت، إنها سترسل سفينة حربية إلى الشرق الأوسط استعداداً لمهمة متعددة الجنسيات.

في المقابل، حذّر نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي من أن وجود سفن حربية فرنسية وبريطانية في مضيق هرمز، إذا كان بهدف «مرافقة الإجراءات الأميركية غير القانونية والمخالفة للقانون الدولي»، سيُقابل بـ«رد فوري وحاسم».

وقال غريب آبادي إن أي نشر أو تمركز لمدمرات حول مضيق هرمز بذريعة «حماية الملاحة» لا يعدو كونه «تصعيداً للأزمة».