قاليباف… جنرال «الحرس» البارع في فن إعادة التموضع

الناجي الدائم من حروب إيران وصراعاتها الداخلية

قاليباف على هامش مشاركته في مراسم حكومية (أرشيفية-موقع البرلمان)
قاليباف على هامش مشاركته في مراسم حكومية (أرشيفية-موقع البرلمان)
TT

قاليباف… جنرال «الحرس» البارع في فن إعادة التموضع

قاليباف على هامش مشاركته في مراسم حكومية (أرشيفية-موقع البرلمان)
قاليباف على هامش مشاركته في مراسم حكومية (أرشيفية-موقع البرلمان)

من بين رجال المرشد الإيراني الذين عبروا الحرب، والأمن، والسياسة، والاقتصاد، يبرز رئيس البرلمان، والقيادي في «الحرس الثوري» محمد باقر قاليباف بوصفه واحداً من أكثر الشخصيات تعبيراً عن طبيعة نظام الحكم نفسه: نظام يكافئ الولاء، ويستثمر في رجال الميدان، ويمنح الناجين من معارك الداخل والخارج فرصاً متكررة لإعادة التموضع.

وعلى امتداد أربعة عقود، انتقل قاليباف من خنادق الحرب إلى قمرة القيادة، ومن قيادة الشرطة إلى بلدية طهران، ثم إلى رئاسة البرلمان، من دون أن ينجح في تحقيق طموحه الأكبر: الجلوس في قصر الرئاسة.

لكن فشل قاليباف في بلوغ المنصب الأول تنفيذياً لا يعني أنه خسر معركة النفوذ. على العكس، فإن مسيرته تكشف عن نموذج سياسي خاص داخل إيران: رجل دولة أمني الطابع، شديد الصلة بـ«الحرس الثوري»، قادر على تقديم نفسه تارةً بصفة الجنرال الحازم، وتارةً بصفة المدير التنفيذي، وتارةً ثالثة بصفة السياسي البراغماتي القريب من هموم الفئات البائسة. وبين هذه الوجوه المتعاقبة، بقي عنصر واحد ثابتاً: حرصه على البقاء داخل الدائرة الصلبة للنظام، لا على هامشها.

ابن مشهد الذي صعد مع جيل الحرب

ولد قاليباف عام 1961 في طرقبة قرب مشهد، المدينة التي خرج منها عدد كبير من رجال الدولة والأمن في الجمهورية الإسلامية. وكان انتماؤه الجغرافي إلى خراسان مهماً في بيئة سياسية تقوم، إلى جانب الآيديولوجيا، على الشبكات الشخصية، والروابط المحلية. فمشهد لم تكن مجرد مدينة دينية كبرى، بل كانت أيضاً خزاناً بشرياً لنخب النظام، وفيها تتقاطع المؤسسة الدينية مع دوائر الأمن و«الحرس الثوري».

دخل قاليباف الحياة العامة من بوابة الحرب العراقية-الإيرانية. مثل كثيرين من أبناء جيله، صاغت الحرب شخصيته السياسية، والأمنية، ومنحته رأسمال رمزياً ظل يرافقه في كل المناصب اللاحقة. انخرط أولاً في «الباسيج»، ثم في «الحرس الثوري»، وصعد بسرعة لافتة داخل التشكيلات القتالية، حتى بات من أصغر القادة سناً في سنوات الحرب. وتولى مسؤوليات في وحدات بارزة، مثل «نصر خراسان»، ونسج في تلك المرحلة علاقات مع أسماء ستصبح لاحقاً من أعمدة النظام، بينها الجنرال قاسم سليماني، وخليفته إسماعيل قاآني، وغيرهما من كبار قادة «الحرس».

قاليباف والرئيس الأسبق إبراهيم رئيسي شكلا أبرز نموذج لسيطرة أبناء محافظة خراسان على الجهازين التشريعي والتنفيذي (برلمان)

لم تكن حرب الثمانينات بالنسبة إلى قاليباف مجرد سيرة بطولية تروى في الحملات الانتخابية، بل كانت المدرسة التي أتاحت له دخول النخبة الحاكمة من أوسع أبوابها. فمن رحم تلك التجربة خرج جيل كامل من القادة الذين تحولوا لاحقاً إلى شبكة مصالح ونفوذ ممتدة بين المؤسسة العسكرية، والاقتصاد، والسياسة، وكان قاليباف من أكثرهم مهارة في تحويل رصيده العسكري إلى رصيد سياسي.

البوابة الصامتة للنفوذ

بعد انتهاء الحرب، لم يخرج قاليباف من المعادلة كما خرج آلاف المقاتلين. على العكس، انتقل مع «الحرس الثوري» إلى المرحلة التالية من بناء الجمهورية: التمدد داخل الاقتصاد، والدولة. وتولى قيادة مجموعة «خاتم الأنبياء»، الذراع الاقتصادية الأهم لـ«الحرس»، في مرحلة كان فيها هذا الكيان يتحول من مؤسسة هندسية مرتبطة بإعادة الإعمار إلى إمبراطورية اقتصادية تنافس القطاع الخاص، وتستحوذ على المشاريع الكبرى.

صورة من جواز سفر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف

وتعد هذه المحطة بالذات ضرورية لفهم قاليباف. فهي تكشف أن مسيرته لم تكن محصورة في الأمن، أو الحرب، بل مرت أيضاً عبر البنية الاقتصادية التي شكلها «الحرس الثوري» بعد الحرب. ومنذ ذلك الوقت، صار اسمه مرتبطاً بمنظومة ترى الدولة مجالاً لإدارة الموارد والنفوذ معاً، لا مجرد جهاز إداري محايد. وداخل هذه المنظومة، يكتسب رجال «الحرس» قيمة مضاعفة حين يجمعون بين السجل العسكري، والخبرة التنفيذية، والولاء السياسي.

ثم انتقل قاليباف إلى قيادة القوة الجوية في «الحرس» بين عامي 1997 و2000. وقدم نفسه في تلك المرحلة باعتباره ضابطاً حديثاً يجمع بين التخصص العسكري والانفتاح التقني، خصوصاً مع ما تردد عن تدريبات تلقاها في الخارج، واهتمامه بالطيران المدني، والعسكري. وفي الموازاة، حصل على الدكتوراه في الجغرافيا السياسية، في مسار بدا كأنه محاولة مبكرة لبناء صورة مركبة: رجل ميدان يحمل أيضاً لغة الإدارة، والدراسة.

قاليباف يجلس بجوار ابن مدينته مشهد قائد «فيلق القدس» إسماعيل قاآني على هامش مراسم حكومية (موقع البرلمان)

رسالة 1999... لحظة الانكشاف الأمني

إذا كانت الحرب قد صنعت قاليباف العسكري، فإن احتجاجات 1999 صنعت صورته الأمنية الأكثر رسوخاً. ففي تلك السنة، ومع انفجار الحركة الطلابية في طهران، ومدن أخرى، كان قاليباف بين أبرز قادة «الحرس» الذين وقعوا الرسالة الشهيرة إلى الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، ملوحين بتدخل حاسم إذا لم توقف الحكومة الاحتجاجات. لم تكن تلك الرسالة مجرد موقف من أزمة داخلية، بل كانت إعلاناً مبكراً بأن «الحرس» يرى نفسه وصياً على المسار السياسي عندما يعتقد أن النظام مهدد.

لاحقاً، طاردت قاليباف تسجيلات وتصريحات نسبت إليه، وتفاخر فيها بأنه شارك بنفسه في قمع الطلاب، وأنه كان مستعداً للنزول إلى الشارع واستخدام العصا. وفي مناظرات انتخابات الرئاسة 2013، عاد ملفه الأمني إلى الواجهة حين ذكّره حسن روحاني برواية «الكماشة» الشهيرة، في إشارة إلى طريقة التعاطي مع الاحتجاجات الطلابية. ومنذ ذلك الوقت، بقي لقب «جنرال الكماشة» جزءاً من صورته العامة، لا سيما لدى خصومه من الإصلاحيين، والناشطين.

لم يكن هذا الإرث عبئاً داخل المؤسسة الحاكمة؛ بل كان في أحيان كثيرة مصدر قوة. ففي دولة تعطي الأولوية للأمن، والاستقرار، يمكن لسجل كهذا أن يُقرأ باعتباره دليلاً على الحزم، والانضباط، لا على القسوة فقط. ولهذا لم يمنع هذا الماضي صعوده اللاحق، بل ربما مهّد له.

قائد الشرطة... تشدد في المضمون

في عام 2000، عيّن المرشد علي خامنئي قاليباف قائداً للشرطة الإيرانية. كان التعيين ذا دلالة سياسية واضحة. فالرجل جاء من الحرس، وفي لحظة أراد فيها النظام إعادة ضبط الشارع بعد صعود الإصلاحيين، واحتجاجات الطلبة، بدا أنه يمثل الخيار الموثوق من بيت المرشد.

القائد السابق للوحدة الصاروخية أمير علي حاجي زاده يهمس في أذن قاليباف (أرشيفية-موقع البرلمان)

وخلال توليه هذا المنصب، سعى قاليباف إلى إظهار الشرطة بمظهر أكثر حداثة، وتنظيماً. أُدخلت تجهيزات جديدة، وبرز خطاب عن المهنية، والانضباط، وجرى تسويق صورته باعتباره قائداً تنفيذياً قادراً على تحديث المؤسسات. لكن هذا الوجه التحديثي لم يلغِ حقيقة أن عهده شهد أيضاً تشديداً أمنياً على الناشطين، والمثقفين، والصحافيين، فضلاً عن إعادة تفعيل دوريات الآداب العامة وشرطة الأخلاق في الفضاء الاجتماعي.

هنا ظهر التناقض الذي سيرافقه طويلاً: رجل يتحدث بلغة الإدارة الحديثة، لكنه يعمل من داخل منطق أمني صارم. يحاول أن يبدو إصلاحياً في الأدوات، بينما يظل محافظاً في الجوهر. وهذه الازدواجية ستكون لاحقاً منبع قوته، ونقطة ضعفه في آنٍ واحد.

الطيار يخسر أمام الشعبوي

دخل قاليباف السباق الرئاسي أول مرة عام 2005. وكانت تلك لحظة مفصلية، لأن الرجل قرر أن يختبر قدرته على التحول من قائد أمني إلى سياسي وطني. في حملته، بدا مختلفاً عن الصورة المتوقعة لضابط سابق في «الحرس». ظهر بلباس الطيار، وتحدث لغة إدارية وتنموية، وحاول استقطاب الطبقة الوسطى والمدن الحديثة، مقدماً نفسه بصفته تكنوقراطياً قادراً على الإنجاز.

قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمينه العام الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)

غير أن هذه المحاولة انتهت بإخفاق واضح. فقد خرج من الجولة الأولى، بينما تقدم عليه محمود أحمدي نجاد، الذي نجح في مخاطبة الغضب الشعبي بلغة أكثر شعبوية، وأقل نخبوية.

كشفت تلك الهزيمة عن مشكلة مبكرة في مشروع قاليباف السياسي: قدرته على بناء صورة مهنية لم تكن تكفي وحدها للفوز في انتخابات يختلط فيها الولاء الآيديولوجي بالاستقطاب الاجتماعي، وخيارات مراكز القوة.

ومع ذلك، لم تؤدِ الهزيمة إلى خروجه من المشهد. فبعد أشهر قليلة، انتقل إلى منصب عمدة طهران، ليبدأ أطول مرحلة تنفيذية في مسيرته، وربما أكثرها تأثيراً في مستقبله.

بلدية طهران... شبهات الظل

على مدى 12 عاماً في رئاسة بلدية طهران، بنى قاليباف صورته الأكثر انتشاراً: «رجل الإنجاز». توسعت شبكة المترو، وأُطلقت مشاريع بنية تحتية ضخمة، وشُقت طرق، وأنفاق، وجسور، وحرصت آلة إعلامية واسعة على تقديمه بصفته نموذجاً للمدير الفعال الذي يفضّل العمل على الجدل الآيديولوجي.

داخل العاصمة، اكتسب الرجل سمعة مهمة بين مؤيديه بصفته مسؤولاً يعرف كيف يدير مؤسسات كبرى، ويتخذ قرارات سريعة. وقد حاول مراراً استخدام هذه السمعة لتوسيع قاعدته الوطنية، مقدماً نفسه على أنه تكنوقراط براغماتي قادر على الجمع بين الولاء للنظام والكفاءة التنفيذية.

لكن الوجه الآخر لبلدية قاليباف كان أكثر تعقيداً. فقد تراكمت خلال تلك السنوات اتهامات ثقيلة بالفساد، والمحسوبية. ظهرت قضية «الأملاك الفلكية» التي كشفت بيع عقارات تابعة للبلدية بمبالغ منخفضة إلى مسؤولين وشخصيات نافذة. وتلاحقت ملفات مرتبطة بـ«ياس هولدينغ» ومؤسسة تعاون «الحرس»، وبشبهات حول تحويلات مالية، وتعاقدات غير شفافة. كما أُلقي الضوء على ملفات طالت مقربين منه، وفي مقدمهم نائبه السابق عيسى شريفي، الذي أُدين لاحقاً في قضايا فساد كبيرة.

كذلك أُثير الجدل حول دور مؤسسات مرتبطة بعائلته، ومنها مؤسسة خيرية كانت زوجته من بين القائمين عليها، وحول اسم ابنه في ملفات أخرى. ثم جاءت فضيحة «سيسموني غيت» عام 2022 لتضيف إلى صورته عبئاً جديداً، حين أُثيرت ضجة واسعة حول رحلة عائلية إلى تركيا لشراء مستلزمات باهظة. وبصرف النظر عن المآلات القانونية، فإن تراكم هذه القصص عزز الانطباع بأن قاليباف، الذي تحدث طويلاً عن العدالة الاجتماعية والإدارة الجهادية، لم ينجح في التحرر من صورة السياسي الذي تحيط به شبكات المصالح، والامتيازات.

بين الأمن والبراغماتية...شخصية متعددة الوجوه

إذا كان هناك وصف يلخّص مسيرة قاليباف السياسية، فهو أنه رجل يعيد تصنيع نفسه باستمرار. ففي كل محطة انتخابية تقريباً قدّم نسخة مختلفة من شخصيته العامة. في 2005 كان «الطيار» التكنوقراطي. في 2013 ظهر بملامح أمنية أكثر وضوحاً، وبخطاب أقرب إلى المحافظين المتشددين. في 2017 حاول استلهام الشعبوية الاجتماعية، والحديث باسم «96 في المائة» في مواجهة «4 في المائة» من المستفيدين.

قاليباف يلقي كلمته الأخيرة إلى جانب رجل الدين المتشدد علي رضا بناهيان في مدينة مشهد يونيو 2024 (إ.ب.أ)

وفي 2024 تبنى نبرة أكثر هدوءاً، ومرونة، محاولاً الظهور بمظهر السياسي القادر على التفاوض، والانفتاح التكتيكي من دون الاصطدام بجوهر النظام.

هذا التلون لم يكن مجرد مهارة خطابية، بل يعد انعكاساً لقراءته الدقيقة لمزاج المؤسسة الحاكمة وحاجات كل لحظة. فهو لم يكن يوماً معارضاً من داخل النظام، ولا إصلاحياً بالمعنى السياسي، لكنه أدرك أن مجرد ارتداء عباءة الجنرال لا يكفي للوصول إلى الرئاسة. لذا كان يبدل لغته، ومظهره، وتحالفاته، من دون أن يخرج من الإطار العام للولاء.

غير أن هذا التعدد في الوجوه حمل أيضاً تكلفة سياسية. فقد بدا لكثيرين بلا هوية ثابتة، أو على الأقل بلا خط سياسي متماسك. ولم يتمكن، رغم خبرته الطويلة، من كسب ثقة التيارات المحافظة كلها، ولا من اجتذاب الكتلة المترددة في المجتمع، ولا من طيّ صفحات ملفاته القديمة.

محاولات الرئاسة... حضور دائم وخسارات متكررة

عاد قاليباف إلى سباق الرئاسة في 2013، وكان أداؤه آنذاك أفضل من 2005، إذ حل ثانياً خلف حسن روحاني، لكنه خسر بفارق كبير. وفي تلك الحملة، بدا أن خلفيته الأمنية وسعيه إلى استقطاب المحافظين لم يكونا كافيين أمام مرشح نجح في تقديم نفسه بوصفه رجل التسوية والانفراج النووي.

في 2017، دخل السباق مجدداً، لكنه انسحب لصالح إبراهيم رئيسي تحت ضغط توحيد الصف المحافظ. يومها بدا واضحاً أن مراكز القوة لا تراه الخيار الأول داخل التيار المحافظ، وأن عليه أن يكتفي بدور المساند إذا اقتضت مصلحة المعسكر ذلك. وفي 2021 لم ينافس بجدية بعدما بدا أن الطريق مُعبد أمام رئيسي.

ثم جاءت انتخابات 2024 المبكرة بعد وفاة رئيسي، فعاد اسم قاليباف بقوة. غير أن عودته انتهت بإخفاق جديد، هذه المرة أمام منافس من داخل ما يُعرف بـ«جبهة الثورة» نفسها. كانت تلك الخسارة ذات دلالة خاصة، لأنها أظهرت أن الرجل الذي بنى مكانته على خبرته وتاريخه وشبكاته لم يعد قادراً على فرض نفسه حتى داخل المعسكر المحافظ بوصفه الخيار الطبيعي.

رئاسة البرلمان... موقع قوي في مؤسسة محدودة

في 2020، انتقل قاليباف إلى البرلمان، وسرعان ما تولى رئاسته. ومنذ ذلك الحين أعيد انتخابه أكثر من مرة، محافظاً على موقعه في قمة المؤسسة التشريعية. نظرياً، يمنحه هذا المنصب مكانة رفيعة، لأن رئيس البرلمان عضو في مجلس الأمن القومي، ومجلس التنسيق الاقتصادي، ويجلس على رأس أحد فروع السلطة.

قائد «الحرس الثوري» السابق حسين سلامي يتحدث في جلسة برلمانية برئاسة قاليباف في ديسمبر 2024 (تسنيم)

عملياً، فإن نفوذ البرلمان في إيران يبقى محدوداً قياساً بثقل مكتب المرشد، و«الحرس الثوري»، ومجلس صيانة الدستور، وسائر المؤسسات فوق المنتخبة. ومع ذلك، وفرت رئاسة البرلمان لقاليباف منصة مؤسسية مهمة لإدارة التوازنات داخل التيار المحافظ، وبناء علاقات مع النواب، والحفاظ على حضوره اليومي في قلب القرار.

إعادة انتخابه لرئاسة البرلمان عام 2024، بعد أسبوع من وفاة رئيسي، حملت رسالة واضحة: الرجل ما زال يحظى بغطاء من داخل النظام، رغم الجدل الذي يحيط به. فهو ليس الشخصية الأكثر نقاءً آيديولوجياً، ولا الأقدر على استثارة الحماسة الشعبية، لكنه ما زال من رجال المؤسسة الموثوقين في مرحلة تبحث فيها المؤسسة الحاكمة عن تماسك داخلي أكثر من بحثها عن التجديد.

العلاقة مع خامنئي... سر البقاء

لا يمكن فهم استمرار قاليباف من دون التوقف عند علاقته العميقة بـ«الحرس الثوري»، وبالمرشد علي خامنئي. فالرجل ابن جيل الحرب، وابن خراسان، وابن المؤسسات التي صاغها خامنئي منذ توليه القيادة. هذه الصلات لا تعني بالضرورة تطابقاً كاملاً في كل الملفات، لكنها تفسر كيف نجا من عثرات كان يمكن أن تنهي أي مسيرة سياسية في نظام أقل تسامحاً مع الأخطاء، أو الفضائح.

كما أن قاليباف يمثل بالنسبة إلى جزء من المؤسسة نموذجاً مرغوباً: رجل يجمع بين الصرامة الأمنية والخبرة التنفيذية، ولا يفتقر إلى اللغة السياسية حين يحتاج إليها. وفي مرحلة تتزايد فيها أهمية «التكنوقراط الأمنيين» داخل النظام، يظل حضوره مفهوماً، حتى عندما لا يكون هو المرشح المفضل للرئاسة.

المرشد الإيراني يلتقي مع مسؤولين ويبدو خلفه بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي مارس العام الماضي (أ.ب)

ومع ذلك، فإن علاقته بالحرس ليست ضمانة مطلقة. فداخل هذه المؤسسة نفسها أجيال، واتجاهات، وتنافسات. وقد أظهرت محطات عدة أن دعماً من بعض دوائر «الحرس» لا يعني بالضرورة إجماعاً عليه، وأن شخصيات أخرى أكثر تشدداً، أو أقل إثارة للجدل قد تتقدم عليه عندما يتعلق الأمر باختيار رجل المرحلة.

لم يكن دور قاليباف في بلدية طهران إدارياً فقط. ففي احتجاجات 2009 التي اندلعت بعد إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد، ظهر مرة أخرى بوصفه واحداً من رجال النظام الموثوقين في لحظات الخطر. وعلى الرغم من أن منصبه كان مدنياً هذه المرة، فإن اسمه ارتبط بالمساعدة في احتواء الاضطرابات داخل العاصمة، وبالتنسيق مع مؤسسات الدولة والأمن لإبقاء المدينة تحت السيطرة. وقد زاد ذلك من رصيده لدى التيار المحافظ، لأنه أكد أن انتقاله إلى العمل البلدي لم يغيّر موقعه الحقيقي داخل بنية السلطة، بل منحه واجهة مدنية لدور أمني وسياسي أوسع.

هذه القدرة على الجمع بين الإدارة والانضباط الأمني هي بالضبط ما جعل بعض دوائر النظام تنظر إليه باعتباره صالحاً لمهمات متعددة. فهو ليس خطيباً عقائدياً من طراز المحافظين الأشد صلابة، وليس أيضاً رجل مساومات يذهب بعيداً في المرونة. إنه، في نظر مؤيديه، موظف كبير لدى الجمهورية: يعرف كيف يدير مؤسسة، وكيف يضبط طاقمها، وكيف يلتزم بالسقف الذي يرسمه المرشد.

قاليباف ومحسن رضائي القيادي في "الحرس الثوري" ومستشار المرشد الإيراني (موقع رئيس البرلمان-أرشيفية)

حين فاز قاليباف بمقعد طهران في انتخابات 2020، كان ذلك في سياق عزوف انتخابي واسع، واستبعاد كثيف للمنافسين، وهو ما تكرر بدرجات مختلفة في انتخابات 2024. لذلك فإن صعوده النيابي لم يكن نتيجة موجة شعبية جارفة، بل ثمرة ترتيب سياسي سمح للمحافظين بإحكام السيطرة على البرلمان. لكن هذه الحقيقة لم تنتقص من أهمية المنصب بالنسبة إليه. ففي نظام تتوزع القوة بين المؤسسات المنتخبة وغير المنتخبة، يمكن لرئاسة البرلمان أن تتحول إلى نقطة تمركز مهمة، حتى لو تراجعت فعالية المؤسسة نفسها. ومن هذا الموقع، حافظ قاليباف على حضوره في ملفات الاقتصاد والسياسة الداخلية، وعلى صلته اليومية بمراكز النفوذ التي تحتاج دائماً إلى شخص يجمع بين الخبرة، والانضباط، والطموح.

مشروعه السياسي إلى أين؟

بعد أربعة عقود من الصعود والتحول، تبدو مفارقة قاليباف واضحة. فهو رجل نجح في كل شيء تقريباً؛ إلا في الوصول إلى المنصب الذي أراده أكثر من أي شيء آخر. قاد وحدات في الحرب، وأدار مؤسسات أمنية، ورأس أكبر بلدية في البلاد، واعتلى رئاسة البرلمان، وبنى شبكة سياسية وإعلامية واسعة، لكنه ظل عند عتبة الرئاسة، لا داخلها.

ما يميزه ليس فقط طول البقاء، بل قدرته على التكيف. فهو يعرف كيف يخاطب المؤسسة بلغة الولاء، وكيف يخاطب الجمهور بلغة الإدارة، وكيف يوظف خبرته العسكرية لتثبيت صورته رجل دولة، من دون أن يتحول إلى منظر آيديولوجي صرف. لكن هذا التكيف نفسه هو ما جعل صورته مهتزة أحياناً؛ إذ بدا كأنه يملك وجوهاً كثيرة من غير أن يستقر على وجه نهائي مقنع.

صورة نشرها موقع قاليباف الرسمي من لقائه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في يوليو 2024

في المحصلة، يمثل قاليباف نموذجاً دالاً على طبيعة نظام الحكم في مرحلتها الراهنة: نظام لا يفرز فقط رجال العقيدة الخالصة، بل أيضاً رجال البقاء، والمرونة، وإعادة التموضع. وهو، بهذا المعنى، ليس استثناءً داخل النظام، بل أحد أكثر أبنائه تعبيراً عنه.

رجل خرج من الحرب حاملاً شرعيتها، ودخل السياسة محملاً بطموح لا يهدأ، وراكم في الطريق إنجازات، وخصومات، وملفات ثقيلة، ثم انتهى إلى موقع يكفي لضمان بقائه داخل الصف الأول، لكنه لا يكفي لتحقيق حلمه الأكبر.

وربما تكمن قوة قاليباف الحقيقية هنا تحديداً: لا في كونه رجل الحسم النهائي، بل في كونه أحد آخر الناجين الكبار من الجيل الأول في النظام، والقادرين حتى الآن على تبديل المواقع والوجوه، من دون أن يسقطوا خارج الخريطة.

الحرب مع إسرائيل

وفي الحربين اللتين شكّلتا أخطر اختبار للنظام الإيراني في سنواته الأخيرة، برز قاليباف بوصفه واحداً من رجال الطوارئ داخل بنية السلطة. ففي حرب الأيام الاثني عشر في يونيو (حزيران) 2025، سعى إلى تقديم نفسه بصفته وجهاً من وجوه «الصمود» المؤسسي، وقال لاحقاً إن تلك المواجهة «قدّمت إيران 50 عاماً إلى الأمام»، في محاولة لتحويل لحظة الاستنزاف إلى سردية تعبئة واستنهاض.

صورة نشرها موقع قاليباف الرسمي من لقائه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في يوليو 2024

ثم عززت تصريحات وزير التراث رضا صالحي أميري هذه الصورة حين قال إن قاليباف «ارتدى لباس القتال» في غياب بعض القادة، وحضر في ساحة المواجهة لمساندة الرئيس والحكومة. لكن الحرب التي اندلعت في 28 فبراير (شباط) 2026، وقُتل فيها المرشد علي خامنئي، دفعت رئيس البرلمان إلى موقع أكثر حساسية؛ إذ بدا، في لحظة ارتباك نادرة داخل هرم النظام، حلقة وصل بين المؤسستين السياسية والأمنية، مستفيداً من تاريخه في «الحرس الثوري»، ومن شبكاته المتجذرة داخل الدولة.

بذلك، لم تكن الحرب مع إسرائيل مجرد اختبار جديد لقاليباف، بل مناسبة كشفت وظيفته الأعمق في أجهزة صنع القرار: رجل الأزمات الذي يعود كلما ضاقت الدائرة، واحتاج النظام إلى وجه يجمع بين خبرة الميدان وحسابات السلطة.

 

 


مقالات ذات صلة

نتنياهو: إسقاط النظام الإيراني الحل الوحيد لإنهاء التهديد

شؤون إقليمية نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس يحضران حفل تخرج ضباط جدد في الجيش الإسرائيلي في قاعدة بالقرب من ميتسبي رامون الأربعاء (رويترز)

نتنياهو: إسقاط النظام الإيراني الحل الوحيد لإنهاء التهديد

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأربعاء، إن «إسقاط النظام» في إيران هو الحل الوحيد للقضاء على التهديد الإيراني، مضيفاً أنه أعطى توجيهات بهذا الشأن

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية مارة يلتقطون صوراً لممثل إيراني يرتدي قناعاً يجسد وجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب داخل زنزانة رمزية مثبتة على لوحة دعائية في ساحة تجريش بطهران - الأربعاء (أ.ف.ب) p-circle

طهران تعرض مخرجاً للحرب وتستعد لجولة أخرى

جدّدت طهران، الأربعاء، استعدادها للتفاوض مع واشنطن، لكنها ربطت استئناف المحادثات برفع التهديدات، والعقوبات، وتنفيذ شروطها لإنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران-واشنطن)
شؤون إقليمية قاليباف يترأس اجتماعاً للمشرعين عبر الإنترنت نهاية سبتمبر الماضي (البرلمان الإيراني)

قاليباف يلتقي المرشد الإيراني لبحث تطورات الحرب

التقى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وبحثا تطورات الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
المشرق العربي ضباط من الشرطة في الأنبار العراقية يعاينون مقذوفات ومسيَّرات ضُبطت بالمحافظة (إعلام أمني)

كييف تنفي نشر آلاف المسيَّرات في سماء العراق

نفت السفارة الأوكرانية في العراق ما وصفتها بـ«الادعاءات» الإيرانية عن قيام كييف بنشر آلاف الطائرات المسيَّرة في العراق.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي دبابة إسرائيلية تعبر قرب إعلان انتخابي للمرشح غابي آيزنكوت في كريات شمونة قرب الحدود مع لبنان (أ.ب)

طهران لم تطلب تدخّل «حزب الله» في حال تجدد الحرب مع واشنطن

يتصدر المشهد السياسي طلب إدراج ضبط المتفجرات على طريق ضهر البيدر، على جدول أعمال مجلس الوزراء برئاسة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون لإحالته على المجلس العدلي.

محمد شقير (بيروت)

تركيا: «فضيحة صناديق الاستثمار» تشعل التوتر بين إردوغان والمعارضة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)
TT

تركيا: «فضيحة صناديق الاستثمار» تشعل التوتر بين إردوغان والمعارضة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)

رفعت فضيحة التلاعب بأموال صناديق الاستثمار في تركيا من حدة التوتر بين الرئيس رجب طيب إردوغان والمعارضة، التي تطالبه بالاستقالة أو الانتخابات المبكرة؛ بسبب «فشل الحكومة في التعامل مع القضية» التي طالت 455 ألف مستثمر، وأدت إلى ضياع 800 مليار ليرة من أموال صغار المودعين الذين قُدّر عددهم بنصف مليون مواطن. وأكد إردوغان أن كل من تورط في التلاعب بأموال المواطنين، فسيحاسب مهما كان موقعه.

ووصف، في كلمة خلال اجتماع المجموعة البرلمانية لحزب «العدالة والتنمية» الأربعاء، الفضيحة بأنها «قضية شغلت جدول الأعمال شهراً كاملاً» مشيراً إلى أن العملية تسير عبر 3 مراحل: «تتمثل الأولى في سداد الأموال المتراكمة في الصناديق التي تقررت تصفيتها للمستثمرين. والثانية هي محاسبة من حصلوا على أرباح غير عادلة وفاحشة من خلال التلاعب باستخدام أساليب غير قانونية وغير أخلاقية. تقوم مكاتب مدعي العموم لدينا بما يلزم في هذا الشأن في ضوء الأدلة والاعترافات. والمرحلة الثالثة هي اتخاذ الاحتياطات اللازمة لمنع تكرار مشكلة مماثلة».

إردوغان يهاجم المعارضة

وأشار إلى أنه كلف ديوان المحاسبة الحكومي بإعداد تقرير شامل، وإلى أنه ستُتخذ جميع الخطوات الضرورية؛ سواء أعلى المستوى المؤسسي أم الفردي.

إردوغان متحدثاً أمام اجتماع المجموعة البرلمانية لحزب «العدالة والتنمية» (الرئاسة التركية)

ووجه هجوماً حاداً إلى زعيم المعارضة رئيس «الحزب الجديد»، أوزغور أوزيل، الذي قال إننا «في حالة حرب» للدفاع عن حقوق المواطنين، قائلاً: «لقد شعرنا بخيبة أمل كبيرة خلال الأسابيع الثلاثة الماضية. بعض عناصر المعارضة لا يُبدون أي حساسية تجاه السلم الاجتماعي، إنهم يجهلون العمليات السرية ضد تركيا. ليست لديهم خطة، ولا حلول لمشكلات البلاد؛ ولا حتى الحفاظ على الاحترام المتبادل في السياسة».

وأضاف: «هذا الموقف يُشجع أولئك الذين يحلمون بتنفيذ عمليات ضد الدولة على غرار أحداث (غيزي بارك) في إسطنبول عام 2013. أحدهم (يقصد أوزيل) يقول دون تفكير: (نحن في حالة حرب. ما الذي يجري يا سادة؟)».

ودعا المواطنين إلى عدم تصديق المعارضة التي «تسعى إلى تشويه مسؤولين في حكومتنا من دون دليل، والحذر ممن يروجون (التصورات) عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي»، مضيفاً: «لحسن الحظ؛ لدينا ناخبون يقولون إن الحق حق والباطل باطل».

المعارضة تنتقد عجز الحكومة

كان أوزيل قال، خلال كلمته في اجتماع المجموعة البرلمانية لحزبه الثلاثاء، إن «من يصفوننا بـ(المرابين) هم في الحقيقة مرابون، ومقرضون، ومشغلو صناديق، ومستغلّون».

أوزيل متحدثاً عن فضيحة صناديق الاستثمار خلال اجتماع المجموعة البرلمانية لـ«الحزب الجديد» (حساب الحزب على إكس)

وأشار إلى مناقشات موازنة تركيا لعام 2027 الجارية في البرلمان حالياً، قائلاً: «إنها لن تجلب للمواطنين الرخاء. إنها موازنة استمرارية مصممة للحفاظ على نظام حزب (العدالة والتنمية) الفاسد. كان عام 2026 عاماً سيئاً، وللأسف؛ سيكون عام 2027 أسوأ ما دامت هذه الحكومة باقية. سيكون كل يوم أسوأ من سابقه ما دامت هذه الحكومة باقية. لن يبتسم أحد، ولن ينعم أحد بالسلام. الحل الوحيد هو تغيير هذه الحكومة. نحن في حالة حرب من أجل مواطنينا وبسبب الاستيلاء على أموالهم. نحن مستعدون للسجن أو الموت. سيرحل هذا الحزب، وسينتهي النظام الفاسد، وستنعم الأمة بالرخاء».

رئيس حزب «الجيد» مساوات درويش أوغلو (حساب الحزب على إكس)

من جانبه، وجه رئيس حزب «الجيد»، مساوات درويش أوغلو، في كلمة خلال اجتماع المجموعة البرلمانية للحزب الأربعاء، انتقادات حادة إلى الحكومة وإلى الحديث بشأن مطالبة من حصلوا على أموال من الصناديق بإعادتها مقابل عدم معاقبتهم، قائلاً: «لا توجد دولة تقول للسارق: (افعل ما تشاء)، وإن وُجدَتْ، فهي ليست دولة على الإطلاق. فبعد الأموال التي كانوا ينهبونها من ثروات البلاد، أنشأوا الآن (صندوقاً للتوبة) ليعيد السارق ما سرق. هذا لا يمكن أن يحدث في أي مكان بالعالم».

وأضاف: «على مدار أسبوعين، كنت أتحدث من على هذا المنبر عن أكبر عملية اختلاس في تاريخ الجمهورية التركية، وقد جرت تحت رقابة عامة؛ هي فضيحة الصناديق. أؤكد أن هذه ليست حادثة فردية في السوق، بل هي عملية سطو منظمة نُفذت تحت إشراف عام».

وأطاحت الفضيحةُ نائبةَ رئيس حزب «العدالة والتنمية»، فاطمة بتول صايان كايا من الحزب، وجُمّدت الأصول الخاصة بها هي وزوجها، بعد تحقيق أرباح غير مشروعة فاقت ملياري ليرة في 4 أشهر وسحبها قبل تفجر الفضيحة في منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي.

وأقال إردوغان رئيس «هيئة أسواق المال» محمود سوتشو، ونائب وزير الخزانة والمالية، وعين نائب رئيس «دائرة الاستراتيجية والميزانية» برئاسة الجمهورية، كوتلوهان تاشكن، مكانه، وفق ما نشرت الجريدة الرسمية، الثلاثاء، مشيرة إلى أنه قد أُقيلَ عدد آخر من المسؤولين في مؤسسات مالية ورقابية ووزارات وهيئات حكومية تركية، وعُيّن آخرون بدلاً منهم.

وفي أحدث موجة اعتقالات ضمن التحقيقات في الفضيحة، أُوقفَ 26 من بين 31 شخصاً صدرت بحقهم أوامر اعتقال.


نتنياهو: إسقاط النظام الإيراني الحل الوحيد لإنهاء التهديد

نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس يحضران حفل تخرج ضباط جدد في الجيش الإسرائيلي في قاعدة بالقرب من ميتسبي رامون الأربعاء (رويترز)
نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس يحضران حفل تخرج ضباط جدد في الجيش الإسرائيلي في قاعدة بالقرب من ميتسبي رامون الأربعاء (رويترز)
TT

نتنياهو: إسقاط النظام الإيراني الحل الوحيد لإنهاء التهديد

نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس يحضران حفل تخرج ضباط جدد في الجيش الإسرائيلي في قاعدة بالقرب من ميتسبي رامون الأربعاء (رويترز)
نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس يحضران حفل تخرج ضباط جدد في الجيش الإسرائيلي في قاعدة بالقرب من ميتسبي رامون الأربعاء (رويترز)

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأربعاء، إن «إسقاط النظام» في إيران هو الحل الوحيد للقضاء على التهديد الإيراني، مضيفاً أنه أعطى توجيهات بهذا الشأن للجيش و«الموساد» والأجهزة الأمنية.

وقال نتنياهو، خلال تجمع انتخابي في ديمونا جنوب إسرائيل: «أرادت إيران تدميرنا فأوقفناها، وأرادت صنع قنابل نووية فأوقفناها... ومع ذلك، تصرّ على الاستمرار. هناك بالتالي حل واحد لوضع حد لهذه المسألة، هو إسقاط النظام»، بحسب «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأضاف: «تلك هي التوجيهات التي أعطيتها لجيش الدفاع الإسرائيلي والموساد وسائر أجهزتنا الأمنية»، من دون أن يذكر تفاصيل عن طبيعة هذه التوجيهات.

وأدلى نتنياهو بتصريحاته قبل ستة أيام من الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر (تشرين الأول)، التي تُظهر معظم الاستطلاعات فيها تقدماً طفيفاً لكتلة المعارضة على ائتلافه.

خطة لم تُنفذ

وكانت صحيفة «فايننشال تايمز»، قد نقلت عن ثلاثة أشخاص مطلعين أن نتنياهو أوعز إلى الجيش، في وقت سابق من الشهر الحالي، بالتخطيط لحملة قصف على إيران تستمر عدة أيام، كان مقرراً تنفيذها في عطلة نهاية أسبوع 10 أكتوبر.

وقالت المصادر إن الحملة كانت ستستهدف بنية تحتية مدنية، مثل محطات توليد الكهرباء، إلى جانب منشآت نووية وأهداف تابعة للنظام، وإنها لم تُنفذ بسبب معارضة الرئيس الأميركي دونالد ترمب استئناف الحرب قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية في 3 نوفمبر (تشرين الثاني).

وقال أحد المصادر: «سيكون هناك إما اتفاق وإما هجوم». وقالت نائبة المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي للصحيفة إن «الولايات المتحدة لن تهاجم إيران في أي وقت قبل الانتخابات النصفية».

وكان نتنياهو قد قال لوسائل إعلام إسرائيلية هذا الشهر إنه لا يسعى إلى مهاجمة إيران قبل الانتخابات الإسرائيلية.

ورفع الجيش الإسرائيلي حالة التأهب، وألغى إجازات الجنود من الخميس حتى موعد الاقتراع، لضمان إجراء الانتخابات «بأمان وفي موعدها»، بحسب رئيس الأركان إيال زامير.

والتقى وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث نتنياهو، الاثنين، خلال زيارة غير معلنة لإسرائيل، في قاعدة عوفدا الجوية، بحسب «جيروزاليم بوست»، وكانت إيران الموضوع الرئيسي للاجتماع، وفق هيئة البث الإسرائيلية «كان».

«إنهاء المهمة»

وكان ترمب قد كتب، الأحد، في منشور أيد فيه إعادة انتخاب نتنياهو، أن الولايات المتحدة وإسرائيل «ستنهيان المهمة قريباً» ما لم تغيّر إيران سلوكها «بسرعة».

ونشر نتنياهو، الاثنين، تسجيلاً مصوراً لاتصاله بترمب، قال فيه: «دونالد، قلتَ إن لدينا مهمة يجب أن ننهيها، وسننهيها معاً». ورد ترمب: «أنت محارب عظيم، وسنثبت ذلك قريباً جداً».

ويخشى مسؤولون أمنيون إسرائيليون، حاليون وسابقون، أن تؤثر حرب تُشن قرب موعد الانتخابات في العملية الديمقراطية. وقد يستغرق تشكيل حكومة جديدة أسابيع، يبقى خلالها نتنياهو رئيساً لحكومة انتقالية يملك صلاحية قانونية، وإن كانت هشة، لشن حرب حتى لو خسر.

وقال الرئيس السابق لفرع إيران في شعبة الأبحاث بالاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، داني سيترينوفيتش، لموقع «واي نت»: «لا يوجد إطلاقاً ما يبرر حرباً الآن، لا قبل الانتخابات ولا بعدها»، مضيفاً: «لن نُسقط هذا النظام من الجو».


انتخابات إسرائيل: ما وعود نتنياهو وآيزنكوت للناخبين؟

إسرائيليون ينتظرون في محطة حافلات وفوقهم ملصقات انتخابية لحزب «القوة اليهودية» اليميني المتطرف جنوب تل أبيب يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)
إسرائيليون ينتظرون في محطة حافلات وفوقهم ملصقات انتخابية لحزب «القوة اليهودية» اليميني المتطرف جنوب تل أبيب يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

انتخابات إسرائيل: ما وعود نتنياهو وآيزنكوت للناخبين؟

إسرائيليون ينتظرون في محطة حافلات وفوقهم ملصقات انتخابية لحزب «القوة اليهودية» اليميني المتطرف جنوب تل أبيب يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)
إسرائيليون ينتظرون في محطة حافلات وفوقهم ملصقات انتخابية لحزب «القوة اليهودية» اليميني المتطرف جنوب تل أبيب يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

على الرغم من أن موضوعات الانتخابات الإسرائيلية كثيرة، يمكن القول إن قضية الحرب تتنازع غلاء المعيشة في سلم أولويات الناخبين؛ إلا أن الموضوع الأمني يهيمن على أجواء التصويت الذي ينطلق الثلاثاء المقبل بين القوائم المتنافسة على عضوية البرلمان (الكنيست) وتنحصر المنافسة الرئيسية فيها بين رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، ورئيس أركان الجيش السابق غادي آيزنكوت.

وتتباين بطبيعة الحال الوعود الانتخابية لنتنياهو وآيزنكوت؛ إذ تركز المعارضة ممثلة في الثاني على إبراز إخفاقات حكومة نتنياهو في هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وما سبقه من ممارسات حكومية ساعدت على ما تقول إنه «تسبب في تقوية حكم الحركة في غزة، والفشل في إدارة الحرب بعدها وعدم قدرة الحكومة على تحقيق أي من الأهداف المعلنة».

فلسطينيون يحتفلون فوق دبابة إسرائيلية على الجدار العازل قرب خان يونس جنوب قطاع غزة يوم 7 أكتوبر 2023 (أ.ب)

أما رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو فيحاول بنجاح جزئي استبعاد موضوع «7 أكتوبر»، ويركز على ما يرى أنها إنجازات عسكرية حققها متمثلة في: الشراكة الفعلية في الحرب على إيران مع الجيش الأميركي، والعلاقات المميزة مع الرئيس دونالد ترمب وإدارته، وتصفية القيادة الإيرانية العليا وعلى رأسها المرشد علي خامنئي، وتصفية غالبية قادة «حزب الله» وفي مقدمتهم حسن نصر الله، وقادة «حماس» وأبرزهم إسماعيل هنية ويحيى السنوار ومحمد السنوار ومحمد الضيف، وتدمير الجيش السوري واحتلال أراضٍ في سوريا ولبنان وثلثي قطاع غزة، وضرب البنى التحتية لـ«حماس» في الضفة الغربية وتصفية ثلاثة مخيمات لاجئين فيها.

ماذا يريد الناخب الإسرائيلي؟

واقعياً تسيطر على غالبية لا يستهان بها من الناخبين الإسرائيليين «جروح 7 أكتوبر» المفتوحة والتي ستترك أثرها على أجيال، وهو في سبيل عدم تكرارها لا يمانع الاستمرار في الحرب؛ بل الحروب على الجبهات المختلفة. ومع ذلك فإن ثمة إحباطاً عبرت عنه استطلاعات الرأي من فشل نتنياهو في حسم أهداف الحرب، وقد يُعاقَب انتخابياً جراء ذلك وتسقط حكومته.

وفي الوقت نفسه، فإن السؤال عن البديل يفرض نفسه وبقوة أمام المصوتين، والمطروح أمامهم غادي آيزنكوت، كأقوى المرشحين لاستبدال نتنياهو، ويتعهد بخطة تتحدث عن شهور طويلة من استمرار الحرب ذات أهداف ضبابية.

نتنياهو يتعهد بالاستمرار في الحرب وإبقائها مفتوحة، على الأقل لسنتين أخريين، على النحو التالي: «إسقاط حكم (الحرس الثوري) في إيران، لأنه رأس الأفعى؛ فإذا سقط، تتساقط بقية الأعداء – الأذرع – (حزب الله) و(حماس) والحوثي و(حزب الله العراقي)»، وهو يعتبرها «حرباً مفتوحة، ويعارض أي اتفاق مع إيران يبقي النظام مكانه».

أما على المستوى الإقليمي فهو يريد «تعزيز مكانة إسرائيل كقوة عسكرية متفوقة، وفرض (اتفاقيات سلام بالقوة)»، والتفرغ لمعالجة قضايا المجتمع الإسرائيلي الأخرى.

امرأة وفتى من اليهود المتشددين (الحريديم) الإسرائيليين يسيران بالقرب من جدار مغطى بملصقات انتخابية قرب تل أبيب (أ.ف.ب)

بالمقابل، يطرح آيزنكوت خطة لا تبدو مختلفة الأهداف، لكنها مغايرة في الأسلوب، وترتكز طبعاً على مواصلة وتعزيز التحالف مع واشنطن، واستغلال الفرصة التاريخية لشن حرب مشتركة ضد إيران، ومواصلة تصفية الأجنحة العسكرية لـ«حزب الله» و«حماس» و«الجهاد»، ويضيف إليها التعهد باستثمار هذه الإنجازات لتحقيق مكاسب سياسية توازيها في القوة.

وقال آيزنكوت إن معركته «تسير وفق خطة بتنسيق كامل مع الإدارة الأميركية وأصدقاء إسرائيل الآخرين في العالم»، وتعهد بمواصلة «حرب ضد التنظيمات العسكرية في غزة»، في غضون 18 شهراً، جنباً إلى جنب مع تطبيق «خطة الرئيس دونالد ترمب» التي يشدد على أن نتنياهو وافق عليها، وتتضمن «إعمار غزة».

وعلى مستوى لبنان وسوريا، يقول آيزنكوت إنه يريد استثمار «الإنجازات العسكرية»، وإنجاح المفاوضات مع الحكومتين اللبنانية والسورية عبر «تفاهمات أمنية تتحول مع الزمن إلى اتفاقيات سلام»، وكذلك يرى أنه «يمكن الإفادة من الحرب الإيرانية على دول عربية بتوسيع اتفاقيات إبراهيم، وفك العزلة الدولية عن إسرائيل».

مركبات تمر أسفل لوحة إعلانية انتخابية تحمل صورتَي رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو ومنافسه الأبرز غادي آيزنكوت قرب تل أبيب (إ.ب.أ)

وعلى المستوى الداخلي، يبدو آيزنكوت أكثر تحديداً في وعوده؛ ففي خطة الـ100 يوم الأولى من حكمه، يعد بتعيين «لجنة تحقيق رسمية لإخفاقات 7 أكتوبر، وعدم شن حروب وفقاً لمصالح حزبية وسياسية، وتغيير رئاسة الكنيست والبدء بخطة عمل لإلغاء قوانين الانقلاب على منظومة الحكم والجهاز القضائي، ووقف صرف الأموال التي صدّقت عليها الحكومة في الموازنة العامة والتي تُمنح للأحزاب الدينية (الحريديم) بقيمة 10 مليارات دولار في السنة، ووقف أي إجراءات اتُّخذت في سبيل تشجيع تهرب هذه الأحزاب من الخدمة العسكرية».

ماذا يُحضر نتنياهو؟

لم يعد سراً أن نتنياهو يتلبك في قيادة معركته الانتخابية، خصوصاً أن الاستطلاعات تشير إلى أنه سيخسر نصف قوة حزبه الحالية، ويسعى مع الأميركيين لإقامة حكومة مع آيزنكوت إذ أخفق في إحراز أغلبية. وتشير التقارير العبرية إلى أن صفقة «الحكومة المشتركة» ستكون جزءاً من اتفاق أوسع يتضمن إلغاء محاكمة نتنياهو بتهم الفساد مقابل تخليه عن الحكم بعد سنة أو سنتين.

ومع ذلك فإن ثمة مَن ينتظر حصول مفاجأة (بل معجزة) تتيح لنتنياهو الفوز بالحكم من جديد وتشكيل حكومة يمين؛ وفي مقابل ذلك يعبر كثر من الناقدين لنتنياهو من شرائح اجتماعية مختلفة عن إحباطهم المُسبق والتصريح العلني بنيتهم الهجرة من إسرائيل، بينما يستعد آخرون إلى معركة جماهيرية واسعة لعرقلة عمل الحكومة وطرح العصيان المدني.

ماذا ينتظر آيزنكوت؟

وفق المشهد الراهن؛ فإن آيزنكوت سيجد نفسه في بحر من التحديات وسيواجه معارضة شرسة، ليس فقط داخل الكنيست، إذ إنه سيخطو حقل ألغام من العيار الثقيل، ومن بين عقباته ميليشيات استيطانية مسلحة على الأرض، دأبت حكومة نتنياهو على تنميتها وتشجيعها وتوفير الأسلحة لها وكل احتياجاتها اللوجستية، والهدف أن تقاوم أي قرار سياسي لا يعجبها، خصوصاً الانسحاب من قطاع غزة أو إعادة بناء مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية، أو إزالة البؤر الاستيطانية البالغ عددها حالياً 120 على الأقل.

وستكون لديه مشكلة كبيرة كذلك في تسديد ديون الحرب، التي كلفت الخزينة 450 مليار شيقل (150 مليار دولار تقريباً حتى الآن)، ولا مفر من رفع الضرائب لتسديدها.

وهذا كله، عوضاً عن مشكلة تشكيل الحكومة أصلاً؛ فوفقاً للاستطلاعات، ستكون تلك حكومة أقلية في البداية تستند إلى دعم إيجابي (حيث القائمة العربية بقيادة منصور عباس المستعدة لدخول الحكومة)، أو سلبي (حيث القائمة العربية المشتركة التي تمثل وحدة هؤلاء المواطنين العرب تفضل عدم الدخول إلى الحكومة وتلتزم بمنع سقوطها لصالح اليمين) من الأحزاب العربية. لهذا، يبدو أن الحروب الخارجية ستستمر، وقد تترافق مع قرارات تؤجج الحرب الداخلية أيضاً.