إسماعيل خطيب… وزير الاستخبارات من حرب الظل إلى الاغتيال

ركز على تخفيف الخلافات بين الأجهزة الأمنية الموازية في إيران

صورة نشرها الموقع الرسمي للمرشد الإيراني لوزير الاستخبارات إسماعيل خطيب نوفمبر العام الماضي
صورة نشرها الموقع الرسمي للمرشد الإيراني لوزير الاستخبارات إسماعيل خطيب نوفمبر العام الماضي
TT

إسماعيل خطيب… وزير الاستخبارات من حرب الظل إلى الاغتيال

صورة نشرها الموقع الرسمي للمرشد الإيراني لوزير الاستخبارات إسماعيل خطيب نوفمبر العام الماضي
صورة نشرها الموقع الرسمي للمرشد الإيراني لوزير الاستخبارات إسماعيل خطيب نوفمبر العام الماضي

في هيكل المؤسسة الحاكمة في طهران، لا يعد منصب وزير الاستخبارات مجرد حقيبة حكومية عادية. فالوزارة التي تأسست بعد ثورة عام 1979، أحد أهم أعمدة النظام الأمني، وتتولى إدارة شبكة واسعة من العمليات الاستخباراتية داخل إيران وخارجها.

ورغم أن الرئيس الإيراني يرشح الوزير رسمياً، فإن هذا المنصب الحساس يحسم عملياً بموافقة وإشراف المرشد، ما يجعله جزءاً من البنية الأمنية المرتبطة مباشرة بمكتب القيادة.

من هذا الموقع صعد رجل الدين المحافظ إسماعيل خطيب إلى رأس جهاز الاستخبارات الإيراني عام 2021، بعد مسيرة امتدت أكثر من أربعة عقود داخل المؤسسات الأمنية والقضائية في الجمهورية الإسلامية.

غير أن نهاية تلك المسيرة جاءت بشكل دراماتيكي خلال الحرب بين إيران وإسرائيل. ففي اليوم التاسع عشر من الحرب أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن سلاح الجو الإسرائيلي نفذ ضربة في طهران أدت إلى مقتل خطيب.

وقال الجيش الإسرائيلي إن خطيب كان مسؤولاً عن إدارة جهاز يشرف على عمليات التجسس والعمليات السرية للنظام، فضلاً عن دوره في قمع الاحتجاجات داخل إيران.

وجاء ذلك بعد أيام من إعلان آخر سلط الضوء على اسمه خارج إيران؛ إذ عرض برنامج «مكافآت من أجل العدالة» التابع لوزارة الخارجية الأميركية مكافأة تصل إلى عشرة ملايين دولار مقابل معلومات عن عدد من كبار المسؤولين الإيرانيين المرتبطين بـ«الحرس الثوري» ومكتب المرشد، بينهم إسماعيل خطيب.

وكان خطيب، على مدى سنوات، أحد رجال الأمن الذين عملوا بعيداً عن الأضواء داخل مؤسسات الاستخبارات، قبل أن يصبح في قلب الصراع الإيراني – الإسرائيلي مع تصاعد حرب الظل بين الطرفين في السنوات الأخيرة.

وجاء الإعلان عن مقتله ليضيف اسمه إلى قائمة القتلى من أعضاء مجلس الأمن القومي الإيراني، بعد مقتل أمين عام المجلس علي لاريجاني ومحمد باكبور قائد «الحرس الثوري».

من الحوزة إلى مؤسسات الثورة

ولد إسماعيل خطيب عام 1961 في مدينة قائنات بمحافظة خراسان الجنوبية شرق إيران. وفي منتصف السبعينات توجه إلى الحوزة العلمية في قم، حيث درس الفقه والأصول على يد عدد من كبار المراجع الدينيين.

كان من بين أساتذته رجال دين بارزون مثل محمد فاضل لنكراني وناصر مكارم شيرازي ومجتبى تهراني، كما حضر دروس الفقه التي كان يلقيها علي خامنئي قبل أن يصبح مرشداً للبلاد. وكانت هذه الخلفية الدينية المسار التقليدي لكثير من رجال الدين الذين دخلوا مؤسسات الدولة بعد ثورة 1979 التي أطاحت بنظام الشاه.

بعد تأسيس «الجمهورية الإسلامية»، انخرط خطيب سريعاً في مؤسسات النظام الجديد. ففي سن التاسعة عشرة التحق بـ«الحرس الثوري»، وعمل في وحدات الاستخبارات والعمليات خلال الحرب الإيرانية – العراقية في الثمانينات. وتشير معلومات إلى أنه أصيب خلال الحرب، ما جعله لاحقاً ضمن فئة «المحاربين القدامى»، وهي صفة تحمل وزناً سياسياً في الساحة الإيرانية.

الدخول إلى وزارة الاستخبارات

في منتصف الثمانينات، وبعد تأسيس وزارة الاستخبارات والأمن عام 1983، انتقل خطيب إلى العمل داخل الوزارة الجديدة التي أصبحت الجهاز الاستخباراتي المدني الرئيسي في البلاد. وعمل في البداية في أقسام مختلفة، بينها قسم الشؤون الخارجية والتحليل الاستخباراتي بالوزارة، قبل أن يبرز اسمه في التسعينات عندما عين مديراً لدائرة الاستخبارات بمحافظة قم.

وكانت قم معقل رجال الدين، إحدى أكثر المحافظات حساسية في إيران نظراً لوجود الحوزة العلمية وشبكة المؤسسات الدينية فيها. وكانت إدارة الملف الأمني في هذه المدينة تعني التعامل مع توازنات معقدة بين رجال الدين والتيارات السياسية المختلفة داخل النظام.

واستمر خطيب في هذا المنصب الحساس لأكثر من عقد، في فترة شهدت توترات سياسية داخل المدينة، أبرزها الأحداث المرتبطة بنائب المرشد الأول حسين علي منتظري، الذي كان في وقت ما خليفة محتملاً للمرشد الأول (الخميني) قبل أن يتم إقصاؤه.

خامنئي يستقبل وزير الاستخبارات إسماعيل خطيب زاده ومسؤولي الأجهزة الأمنية العام الماضي (موقع المرشد)

العمل قرب مركز السلطة

مع مرور الوقت انتقل خطيب إلى مواقع أكثر قرباً من مركز القرار. ففي عام 2010 انضم إلى مكتب المرشد علي خامنئي في وحدة مسؤولة عن أمن وحماية القيادة، وهو موقع حساس لا يبلغه إلا مسؤولون من أعلى المستويات في الجهاز الاستخباراتي.

وبعد ذلك بعامين جرى تعيينه مديراً لمركز حماية واستخبارات السلطة القضائية، وهو جهاز يتولى مراقبة المؤسسات القضائية وموظفيها وضمان ولائهم السياسي.

وبقي في هذا المنصب حتى عام 2019، في فترة كان فيها صادق لاريجاني رئيساً للسلطة القضائية. ومع انتقال إبراهيم رئيسي لاحقاً إلى رئاسة القضاء، تعززت العلاقة بين الرجلين.

محطة «آستان قدس»

في عام 2019 انتقل خطيب إلى مؤسسة «آستان قدس رضوي» في مدينة مشهد، وهي واحدة من أكبر المؤسسات الاقتصادية والدينية في إيران وتشرف على إدارة ضريح الإمام الرضا.

وتولى خطيب هناك مسؤولية الأمن والحماية في المؤسسة، التي تعد جزءاً مهماً من شبكة المؤسسات المرتبطة مباشرة بمكتب المرشد. وبقي في هذا الموقع حتى عام 2021، عندما عاد إلى المؤسسة التي أمضى فيها معظم حياته المهنية، لكن هذه المرة على رأسها.

وزير الاستخبارات

في أغسطس (آب) 2021، وبعد انتخاب إبراهيم رئيسي رئيساً لإيران، رشحه لمنصب وزير الاستخبارات في حكومته. وكما هو معتاد في هذا المنصب، جاء التعيين بعد موافقة المرشد علي خامنئي، الذي يمتلك الكلمة الحاسمة في اختيار الشخصيات التي تتولى المواقع الأمنية الحساسة.

كان خطيب بذلك الوزير الثامن للاستخبارات منذ تأسيس الوزارة. وتولى منصبه في وقت كانت فيه إيران تواجه سلسلة من التحديات الأمنية، بينها عمليات تخريب في منشآت نووية واغتيالات استهدفت علماء ومسؤولين، فضلاً عن الصراع الاستخباراتي المتصاعد مع إسرائيل.

لكن المشهد السياسي في إيران تغير بعد وفاة الرئيس إبراهيم رئيسي في مايو (أيار) 2024 إثر تحطم المروحية التي كانت تقله في شمال غربي البلاد. وبعد الانتخابات التي أعقبت الحادث، شكل الرئيس مسعود بزشكيان حكومته الجديدة.

وكان خطيب من الوزراء القلائل في حكومة رئيسي الذين حافظوا على مناصبهم في الحكومة الجديدة. فقد أعاد بزشكيان ترشيحه لوزارة الاستخبارات عند تشكيل حكومته، في خطوة فسرها مراقبون بأنها تعكس حساسية هذا المنصب داخل بنية النظام، حيث يتم اختيار وزير الاستخبارات تقليدياً بالتشاور مع المرشد علي خامنئي.

غير أن الإبقاء عليه في منصبه أثار انتقادات من بعض الأوساط السياسية والإصلاحية التي كانت تأمل في تغيير وجوه الأجهزة الأمنية مع وصول بزشكيان إلى الرئاسة.

صراع الأجهزة الأمنية

تولى خطيب في بداية مهامه الوزارية العمل على ترتيب العلاقة في إحدى القضايا الأساسية داخل المؤسسة الأمنية، وهي العلاقة المعقدة بين وزارة الاستخبارات والجهاز الموازي لها، منظمة استخبارات «الحرس الثوري». وهو من بين الأسباب لبقاء خطيب في الوزارة في حكومة بزشكيان.

خطيب يغادر مقر الحكومة الإيرانية (أرشيفية_إيسنا)

ويمتلك الجهازان صلاحيات متداخلة وغالباً ما يتنافسان على الملفات الأمنية الكبرى. وحاول خطيب خلال سنواته في الوزارة الدفع نحو تنسيق أكبر بين المؤسستين، خصوصاً في مواجهة ما وصفه النظام بـ«الاختراقات الأجنبية». لكن التوازن بين الجهازين ظل معقداً، نظراً لارتباط كل منهما بشبكة مختلفة من مراكز القوة داخل النظام.

الاحتجاجات والعقوبات

شهدت فترة تولي خطيب الوزارة واحدة من أكبر موجات الاحتجاج في إيران خلال العقد الأخير. ففي عام 2022 اندلعت احتجاجات واسعة بعد وفاة مهسا أميني في أثناء احتجازها لدى شرطة الأخلاق.

ولعبت الأجهزة الأمنية، بما فيها وزارة الاستخبارات، دوراً رئيسياً في مواجهة الاحتجاجات من خلال الاعتقالات والتحقيقات وملاحقة الناشطين.

وفي تلك الفترة تبنى خطيب الخطاب الرسمي للنظام الذي عدّ الاحتجاجات نتيجة تدخلات خارجية، متهماً الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل بالوقوف وراءها.

وأدرجت الولايات المتحدة في سبتمبر (أيلول) 2022 خطيب ووزارة الاستخبارات على قائمة العقوبات، متهمة الجهاز بإدارة شبكات هجمات سيبرانية استهدفت حكومات وشركات في دول مختلفة، بينها ألبانيا.

إخفاقات أمنية

رغم إعلان الوزارة مراراً عن تفكيك شبكات تجسس، واجهت الأجهزة الأمنية الإيرانية خلال تلك السنوات انتقادات بسبب عدة إخفاقات.

من أبرزها الهجوم الدموي في كرمان عام 2024 خلال مراسم إحياء ذكرى مقتل قاسم سليماني، الذي أدى إلى عشرات القتلى. كما شكلت عمليات اغتيال داخل إيران، بينها اغتيال شخصيات مرتبطة بمحور «المقاومة»، إحراجاً للأجهزة الأمنية.

وزير الخارجية عباس عراقجي يهمس في أذن وزير الاستخبارات إسماعيل خطيب على هامش اجتماع الحكومة يوم 9 يوليو الماضي (الرئاسة الإيرانية)

وأثارت هذه الأحداث نقاشاً داخل النخبة الإيرانية حول قدرة المنظومة الأمنية على مواجهة الاختراقات الخارجية.

وتصاعدت الانتقادات بعد مقتل عدد كبير من المسؤولين الإيرانيين، من قيادات عسكرية وعلماء نوويين، خلال الحرب التي استمرت 12 يوماً في يونيو (حزيران)، خصوصاً في ظل ما شاع عن اختراقات استخباراتية واسعة.

نهاية مسيرة أمنية

ظل إسماعيل خطيب طوال مسيرته الشخصية بعيداً عن الأضواء مقارنة بكثير من المسؤولين الإيرانيين. لم يكن سياسياً جماهيرياً، بل رجل جهاز أمني صعد تدريجياً داخل مؤسسات الدولة.

لكن الحرب بين إيران وإسرائيل عام 2026 وضعت اسمه في قلب المواجهة. فقد أنهى الإعلان الإسرائيلي عن مقتله في اليوم التاسع عشر من الحرب مسيرة امتدت لأكثر من أربعين عاماً داخل أجهزة الأمن.

وسواء عدّ اغتياله ضربة استخباراتية كبيرة أو مجرد فصل جديد في الصراع الإقليمي، فإن سيرة خطيب تعكس مساراً شائعاً داخل المؤسسة الأمنية ذات التركيب المعقد: رجل دين بدأ في الحوزة، التحق بـ«الحرس الثوري» في سنوات الثورة الأولى، ثم صعد عبر أجهزة الأمن ليصل إلى قمة أحد أكثر المناصب حساسية في الدولة الإيرانية.


مقالات ذات صلة

مجلس الطاقة العالمي لـ«الشرق الأوسط»: تنويع المسارات ضرورة لمواجهة الصدمات

خاص نساء يركبن ألواح التجديف مع ظهور سفن في مضيق هرمز بالقرب من شاطئ بندر عباس بإيران (رويترز)

مجلس الطاقة العالمي لـ«الشرق الأوسط»: تنويع المسارات ضرورة لمواجهة الصدمات

قالت الأمينة العامة والرئيسة التنفيذية لمجلس الطاقة العالمي لـ«الشرق الأوسط» إن تنويع مسارات إمدادات الطاقة ضرورة لمواجهة الصدمات.

هلا صغبيني (الرياض)
الاقتصاد ختم بنك الاحتياطي الهندي يظهر على بوابة خارج مقر البنك في مومباي (رويترز)

الهند ترفع الفائدة للمرة الأولى منذ نحو 4 سنوات

رفع البنك المركزي الهندي سعر إعادة الشراء (الريبو) 25 نقطة أساس إلى 5.5 في المائة، الأربعاء، في أول زيادة لسعر الفائدة منذ نحو 4 سنوات.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد سائق دراجة نارية يحصل على الوقود بأسعار مدعومة ضمن برنامج حكومي حديث مخصص لذوي الدخل المحدود، في محطة وقود بمدينة لاهور، باكستان (أ.ب)

باكستان تدعم الوقود لـ9 ملايين شخص لمواجهة موجة الغلاء

قدمت الحكومة الباكستانية دعماً لأسعار الوقود لأكثر من 9 ملايين شخص من ذوي الدخل المنخفض، في محاولة لتخفيف أثر ارتفاع أسعار الطاقة على الأسر.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
الاقتصاد أنابيب وصمامات للنفط الخام في الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي في فريبورت بولاية تكساس (رويترز)

النفط يرتفع مع تهديد العواصف والإضرابات للإمدادات

ارتفعت أسعار النفط، الأربعاء، مع موازنة الأسواق بين مخاوف من اضطراب الإمدادات وبين زيادة تدفقات الخام من الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد 
الأمير عبدالعزيز بن سلمان لدى وصوله إلى البحرين للمشاركة في منتدى ومعرض «صنع في الخليج 2026» (إكس)

السعودية تستعيد تدفقات خط «شرق ــ غرب»

استعادت السعودية تدفقات النفط عبر خط أنابيب «شرق – غرب» إلى نحو 5.8 مليون برميل يومياً، بعد إعادة تشغيله خلال خمسة أو ستة أيام من تعرضه لهجوم، في خطوة تعكس.

هلا صغبيني (الرياض) «الشرق الأوسط» (المنامة)

روبيو: إيران فقدت السيطرة على مضيق هرمز

سفن في مضيق هرمز قرب شاطئ بندر عباس بإيران (رويترز)
سفن في مضيق هرمز قرب شاطئ بندر عباس بإيران (رويترز)
TT

روبيو: إيران فقدت السيطرة على مضيق هرمز

سفن في مضيق هرمز قرب شاطئ بندر عباس بإيران (رويترز)
سفن في مضيق هرمز قرب شاطئ بندر عباس بإيران (رويترز)

قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأربعاء، إن إيران «فقدت السيطرة الكاملة» على مضيق هرمز، مضيفاً أن الاقتصاد الإيراني «يشهد انهياراً حراً تاماً وشاملاً».

وصرّح روبيو، خلال زيارة لأثينا: «تكاد كميات النفط المتدفقة حالياً تُضاهي تلك التي كانت تُنقَل قبل بدء هذا النزاع، ومن ثم فقد فقدوا السيطرة الكاملة» على المضيق الحيوي لصادرات المحروقات من الخليج.


فانس: على إيران خفض قدرات تخصيب اليورانيوم «جوهرياً» لإنهاء الحرب

نائب الرئيس جيه دي فانس يخطب أمام المناصرين الجمهوريين (أ.ب)
نائب الرئيس جيه دي فانس يخطب أمام المناصرين الجمهوريين (أ.ب)
TT

فانس: على إيران خفض قدرات تخصيب اليورانيوم «جوهرياً» لإنهاء الحرب

نائب الرئيس جيه دي فانس يخطب أمام المناصرين الجمهوريين (أ.ب)
نائب الرئيس جيه دي فانس يخطب أمام المناصرين الجمهوريين (أ.ب)

قال جيه دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، في مقابلة حصرية مع «رويترز»، إن على إيران أن تُجري خفضاً «جوهرياً» لقدراتها في تخصيب اليورانيوم؛ لتلبية مطالب الولايات المتحدة وإنهاء الحرب المستمرة بين البلدين منذ أكثر من سبعة أشهر، حتى في الوقت الذي لا تزال فيه واشنطن غير متأكدة من الكيفية التي تتخذ بها طهران قراراتها في المفاوضات.

ولطالما شكّك فانس في تدخل الولايات المتحدة في حروب خارجية، إلا أنه لعب دوراً رائداً في التفاوض لحل الصراع وتوسط في إبرام اتفاق مؤقت في يونيو (حزيران) الماضي سرعان ما انهار. وهزت الحرب أسواق الطاقة العالمية وأصبحت عبئاً سياسياً على الرئيس الأميركي دونالد ترمب وزملائه في الحزب الجمهوري، قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

وقال فانس، في المقابلة، يوم الاثنين الماضي، عقب جولة انتخابية في ألاسكا، إن أي اتفاق سيتطلّب من إيران خفض قدرتها على التخصيب النووي، وليس تقديم تأكيدات بخفض قدراتها النووية في المستقبل.

وأضاف: «إذا كنتم لا تريدون سلاحاً نووياً، فلماذا تحتاجون إلى وقود مخصَّب بنسبة 60 في المائة؟ وإذا كنتم تريدون إظهار الالتزام بعدم تصنيع سلاح نووي، فلا تصنعوا وقوداً عالي التخصيب. هذه مسألة أساسية للغاية».

وتابع: «أعتقد أنه إذا أرادوا إظهار التزامهم بعدم صنع سلاح نووي، فسيتخذون إجراءات ملموسة بشأن قدراتهم في مجال التخصيب».

وتبادلت إيران والولايات المتحدة مقترحات، في الأسابيع القليلة الماضية، تهدف إلى إنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، وهو ممر شحن حيوي للطاقة على المستوى العالمي. ورفض ترمب العرض الأحدث لطهران، وحذّر من أن العمليات العسكرية قد تتصاعد بعد انتخابات التجديد النصفي.

وذكر فانس أن الولايات المتحدة لا تزال منفتحة على التوصل إلى اتفاق، لكنها ستشترط تنازلات نووية إيرانية ملموسة، وقال: «لن نستبدل الأقوال بالأفعال».

وأوضح فانس أن مما يزيد الأمور تعقيداً أن واشنطن غير متأكدة بشأن من يتخذ القرارات في طهران.

وأضاف أن الولايات المتحدة تُجري محادثات مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ووزير الخارجية عباس عراقجي، لكنه أشار إلى أنه من غير الواضح مدى السلطة التي يتمتعان بها ضمن هيكل السلطة الإيراني، وذلك بعد أن أسفرت الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة في بداية الحرب عن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي.

وقال فانس: «مِن بين الأمور التي لاحظناها أنه ليس من الواضح تماماً كيف تتخذ بلادهم القرارات».

كان ترمب قد قال، أمس الثلاثاء، إن «أكبر مشكلة» لديه هي أنه لا أحد يعرف مَن يدير إيران.

وذكر المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، يوم الأحد، أن المسؤولين الأميركيين يدركون جيداً مَن هم نظراؤهم الإيرانيون، وكيف يعمل نظامُ صنع القرار في إيران.

وقال بقائي، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «المشكلة في الواقع عكسُ ذلك تماماً، فهي تكمن في المواقف المتناقضة والرسائل المتضاربة الصادرة عن المسؤولين الأميركيين».

فانس يقف إلى جانب ويتكوف وكوشنر في سويسرا 21 يونيو 2026 (أ.ب)

وصرّح فانس، لـ«رويترز»، بأنه أجرى شخصياً محادثات مع قادة ميدانيين لتقييم الأوضاع في ساحة المعركة. ورفض المخاوف بشأن النقص الحاد في الذخائر، مضيفاً أنه في حين أن القوات الإيرانية تتمكن، بين الحين والآخر، من ضرب السفن التجارية في مضيق هرمز، فإنها غير قادرة، إلى حد كبير، على منع تصدير الطاقة عبر هذا الممر المائي.

ورفض فانس الكشف عما إذا كان يتولى قيادة محادثات للتوصل إلى اتفاق، على الرغم من أنه يشار إليه، بشكل متكرر، بوصفه كبير مفاوضي البيت الأبيض.

وقال: «نحن مشاركون، بالتأكيد؛ وفي نهاية المطاف، فإن رئيس الولايات المتحدة هو من يقود دفة الأمور».

وصارت الحرب، التي تبلغ تكلفتها شهرياً ثلاثة مليارات دولار، قضية رئيسية في الحملة الانتخابية. وجعل ارتفاع أسعار الطاقة ترمب والجمهوريين بحاجة للدفاع عن أنفسهم في ولايات تشهد منافسة وستحدد مَن سيتحكم في الكونغرس.

وسعى فانس إلى التخفيف من حِدة الانتقادات الموجهة إلى طريقة تعامل ترمب مع الصراع، قائلاً للناخبين إنهم يجب ألا يدَعوا هذه القضية تمنعهم من دعم الجمهوريين في الانتخابات، الشهر المقبل.

وفي ألاسكا، نظّم فانس تجمعاً، دعماً للسيناتور الجمهوري دان سوليفان، الذي يخوض معركة إعادة انتخاب متقاربة مع منافِسته الديمقراطية ماري بيلتولا. وكان ترمب قد فاز في ألاسكا بفارق 13 نقطة مئوية في عام 2024، لكن ارتفاع تكاليف المعيشة اليومية جعل النتيجة في الولاية غير مؤكَّدة.

وقبل المقابلة مع «رويترز»، ركز فانس جزءاً كبيراً من خطابه على المخاوف المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف، وخاصة ما يتعلق بالطاقة، فالموقع النائي لألاسكا يجعل السلع الاستهلاكية أكثر تكلفة، كما أن إنتاج الطاقة يُعد صناعة رئيسية.

وهتف الحضور في التجمع عندما كاد سوليفان يقدم فانس على أنه رئيس للولايات المتحدة وليس نائب الرئيس. ويُنظَر إلى فانس على أنه أحد المرشحين الجمهوريين البارزين لخلافة ترمب في البيت الأبيض.

وقال فانس، لـ«رويترز»، بعد ذلك إنه لم يقرر بعدُ ما إذا كان سيترشح للرئاسة في عام 2028.

وتابع: «أنا بطبيعتي شخص يميل إلى التروي. لم أفكر في الأمر كثيراً حقاً».


مساعٍ إقليمية لدفع حوار واشنطن وطهران

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة الأخيرة في نيويورك (الخارجية الإيرانية)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة الأخيرة في نيويورك (الخارجية الإيرانية)
TT

مساعٍ إقليمية لدفع حوار واشنطن وطهران

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة الأخيرة في نيويورك (الخارجية الإيرانية)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة الأخيرة في نيويورك (الخارجية الإيرانية)

أعربت طهران، أمس (الثلاثاء)، استعدادها لخوض المفاوضات مع واشنطن، بالتزامن مع مساعٍ إقليمية لدفع الحوار بينهما. وقالت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، فاطمة مهاجراني، إن «المنطق يقتضي أن نختار مسار الحوار؛ ولكن لن نتنازل عن حقوقنا تحت أي ظرف».

من جانبه، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية إن الاتصالات والزيارات مستمرة بهدف تحقيق تقدم على مسار المحادثات بين واشنطن وطهران. وأضاف أن قطر تدعم أي مبادرة تتخذها دول المنطقة، بما فيها «حلف مكة المكرمة»، ما دامت تهدف إلى تحقيق الاستقرار.

في سياق متصل، رشح الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، مهرداد أخلاقي كتابجي، المعروف بارتباطاته الوثيقة بصناعات الصواريخ في البلاد، لمنصب وزير الدفاع. وفي المقابل، سجل البرلمان الإيراني طلباً لاستجواب وزير الخارجية، عباس عراقجي، على خلفية ما قيل إنه تواصل مع الجانب الأميركي من دون موافقة المرشد.