تواجه إيران واحدة من أكثر لحظاتها تعقيداً منذ قيام «الجمهورية الإسلامية» عام 1979. فالتحديات التي تحيط بالنظام لم تعد مقتصرة على العقوبات الاقتصادية أو الضغوط الخارجية التقليدية، بل باتت تمسّ جوهر معادلة الحكم نفسها: كيف يمكن للنظام الحفاظ على بقائه من دون أن يسرّع، في الوقت ذاته، العوامل التي تهدد هذا البقاء؟
وفي صلب هذه اللحظة تبرز معضلة وجودية واضحة. فالتراخي في التعامل مع الاحتجاجات الداخلية يفتح الباب أمام اتساعها وتحولها إلى مسار استنزاف سياسي طويل الأمد، في حين أن اللجوء إلى قمع واسع النطاق يرفع منسوب المخاطر الخارجية، في ظل بيئة دولية أكثر عدائية وتهديدات أميركية غير مسبوقة. وبين هذين الخيارين، تتقلص هوامش المناورة أمام طهران إلى مستوى غير مألوف.
احتجاجات عابرة أم تحوّل بنيوي؟
يثير تطور الاحتجاجات الحالية سؤالاً محورياً حول طبيعتها: هل هي موجة اجتماعية قابلة للاحتواء، أم تعبير أعمق عن تحوّل في المزاج الشعبي؟ إن امتداد المظاهرات إلى مدن صغيرة ومتوسطة، واتساع قاعدتها الاجتماعية، يعكسان مستوى متقدماً من السخط، حتى وإن لم يبلغ بعد عتبة الانفجار الشامل.
في هذا السياق، يرى فرزين نديمي، كبير الباحثين في الشأن الإيراني في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، أن هذه الموجة تختلف عن سابقاتها. ويشير في حديث إلى «الشرق الأوسط» إلى أن الاحتجاجات الأخيرة، بخلاف موجات قادها سابقاً طلاب الجامعات أو العمال ذوو الدخل المنخفض في المدن الكبرى، تقودها اليوم فئة الشباب في المدن الصغيرة، وتحظى بدعم طلاب الجامعات في مختلف أنحاء البلاد. ويصفها بأنها «أكثر رسوخاً وانتشاراً»، وإن كانت «لم تصل بعد إلى حجم بعض الاحتجاجات السابقة»، لافتاً إلى غياب الموظفين الحكوميين وعمال النفط، مقابل «حضور نسائي قوي مجدداً».
ويتقاطع هذا التوصيف مع قراءة مايكل روبين، الباحث في معهد «أميركان إنتربرايز»، الذي يلفت إلى ثلاثة اختلافات رئيسية تميز هذه الموجة: طبيعة القوى المشاركة، ورمزية انطلاقها من سوق طهران، إضافة إلى تأثير الضربات الإسرائيلية التي بددت الهالة التي كانت تحيط بإيران. وفي المقابل، يحذر مايكل أوهانلن، كبير الباحثين في «معهد بروكينغز»، من المبالغة في تقدير قدرة الشارع على إحداث تغيير سريع، مشيراً إلى أن النظام الإيراني «منظم للغاية ولا يتردد في استخدام العنف للسيطرة على المجتمع».
«وقود سياسي»
لم تعد الأزمة الاقتصادية في إيران شأناً تقنياً يمكن فصله عن السياسة. فقد أدى انهيار العملة، وتآكل القدرة الشرائية، وتراجع الثقة بالمؤسسات، إلى تحويل الاقتصاد إلى محرك مباشر للاحتجاج. ومع كل جولة تضييق أو عقوبات إضافية، يتعمق الشعور بأن النظام عاجز عن تقديم حلول حقيقية من دون تقديم تنازلات سياسية.
هنا، يرى أليكس فاتانكا، الباحث في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، أن ما يجري يتجاوز الغضب من الأسعار أو تدهور المعيشة. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن الاحتجاجات تعكس «تحولاً أعمق في الرأي العام»، حيث لم يعد الاعتراض موجهاً إلى سياسات بعينها، بل إلى نموذج الحكم نفسه. ويضع هذا التحول، برأيه، النظام أمام سؤال صعب: هل يمكن إنقاذ الاقتصاد من دون إعادة النظر في بنية السلطة؟
المؤسسة الأمنية: تماسك أم إنهاك؟
تشكل الأجهزة الأمنية، من «الحرس الثوري» وذراعه التعبوي «الباسيج» إلى الأجهزة الاستخباراتية، العمود الفقري لقدرة النظام على الصمود. تاريخياً، كانت هذه المؤسسات الضامن الأساسي للاستقرار الداخلي، غير أن الضغوط المتراكمة تطرح اليوم تساؤلات حول مدى تماسكها المعنوي والعقائدي.
ويذهب مايكل روبين إلى القول بوجود «تصدعات تتسع»، مشيراً إلى شائعات عن لجوء طهران إلى نشر قوات من «الحشد الشعبي» العراقي و«لواء فاطميون» الأفغاني، نتيجة تراجع الثقة بقدرة بعض وحدات «الحرس الثوري» على تنفيذ الأوامر. وفي المقابل، يقر فاتانكا بأن هذه المؤسسات لا تزال متماسكة في الوقت الراهن، لكنه يحذر من أن هذا التماسك «يتعرض لضغوط متزايدة» بفعل الإرهاق الاقتصادي والاجتماعي، ما قد يؤدي بمرور الوقت إلى تراجع الروح المعنوية وظهور تصدعات جزئية، حتى وإن ظل الانشقاق العلني غير مرجّح على المدى المنظور.
من الردع إلى كسر المحظورات
إذا كانت التحديات الداخلية تضغط على بنية الحكم، فإن البيئة الخارجية تضاعف مستوى المخاطر. فالتصعيد الأميركي - الإسرائيلي، إلى جانب تراجع وزن الحلفاء الإقليميين، يضع إيران أمام مشهد استراتيجي مختلف جذرياً. وتشير تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بدعم المحتجين الإيرانيين إلى تحول نوعي في الخطاب الأميركي، حيث لم يعد التركيز محصوراً في البرنامج النووي، بل بات الداخل الإيراني جزءاً من معادلة الضغط.
في هذا الإطار، يرى نديمي أن ما جرى في فنزويلا واعتقال نيكولاس مادورو يحمل دلالات مقلقة لطهران، مع تشديده في الوقت نفسه على الفوارق بين الحالتين، معتبراً أن إيران «أكبر وأكثر تعقيداً»، وأن واشنطن لا تعتقد بإمكانية إسقاط نظامها بسهولة من دون بديل داخلي واضح. أما فاتانكا فيرى أن الأثر النفسي لتلك السابقة كبير؛ إذ «أضعف الافتراض بأن القادة محصنون من الاستهداف الشخصي».
الشبكة الإقليمية: ورقة قوة أم عبء؟
تعكس الضربات الإسرائيلية التي طالت قيادات عسكرية ورموزاً سيادية داخل إيران تحولاً في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، من الاحتواء إلى الاستهداف المباشر. ويرى مايكل أوهانلن أن هذا النمط، بعد ما جرى في فنزويلا والهجمات على قيادات البرنامج النووي الإيراني، بات أكثر ترجيحاً في عهد ترمب، بما يعكس استعداداً لكسر محظورات كانت قائمة سابقاً.
في المقابل، يعاد طرح سؤال فاعلية الشبكة الإقليمية الإيرانية. فحسب فاتانكا، لم تعد هذه الأذرع «رادعاً حقيقياً»، بل تحولت، مع ارتفاع كلفتها، إلى عبء استراتيجي. ويوافقه روبين الرأي، معتبراً أنها استنزفت خزينة الدولة، وإن كان لا يستبعد لجوء النظام إلى استخدامها في مواجهة الداخل إذا اشتدت الأزمة.
في ظل هذا التشابك المعقد بين الداخل والخارج، تضيق خيارات النظام الإيراني على نحو غير مسبوق. وبين من يرى في هذا الضعف فرصة لإعادة التوازن الإقليمي، ومن يخشى من فوضى واسعة، يبقى السؤال الجوهري: هل ما تواجهه طهران أزمة إدارة قابلة للاحتواء، أم أزمة وجود قد ترسم ملامح إيران والمنطقة لعقود مقبلة؟






