احتجاجات إيران تدخل يومها التاسع... والقبضة الأمنية تتصاعد

البرلمان يدعو إلى «مواجهة فعالة» والقضاء يتوعد «مثيري الشغب»

لقطة من فيديو تظهر محتجين في قضاء ملكشاهي بمحافظة إيلام غرب إيران (أ.ف.ب)
لقطة من فيديو تظهر محتجين في قضاء ملكشاهي بمحافظة إيلام غرب إيران (أ.ف.ب)
TT

احتجاجات إيران تدخل يومها التاسع... والقبضة الأمنية تتصاعد

لقطة من فيديو تظهر محتجين في قضاء ملكشاهي بمحافظة إيلام غرب إيران (أ.ف.ب)
لقطة من فيديو تظهر محتجين في قضاء ملكشاهي بمحافظة إيلام غرب إيران (أ.ف.ب)

دخلت الاحتجاجات العامة في إيران يومها التاسع على إيقاع رسائل متشددة من السلطتين التشريعية، والقضائية، في وقت تحاول فيه الحكومة إبقاء خيط سياسي مفتوح مع الشارع، مع تثبيت قبضة أمنية ورقمية موازية.

وقال رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف في افتتاح جلسة علنية للبرلمان إن «الاحتجاج يجب أن يسمع، ويتخذ أساساً للتغيير»، لكنه شدد على أن «حساب» من يعارضون سياسياً «منفصل»، وتجب «مواجهتهم بذكاء، وبأسلوب فعال». وفي الوقت نفسه، توعد رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي «مثيري الشغب» بعدم أي تساهل، آمراً الادعاء العام بالتحرك «وفق القانون وبحزم» ضد من قال إنهم يثيرون الفوضى، أو يدعمونها.

وأفادت تقارير ميدانية بأن التجمعات الاحتجاجية في قلب طهران التجاري تجددت في منطقة «سراج برق»، التي يرتادها التجار وأصحاب المحال، وأفاد شهود عيان على منصة «إكس» بأن قوات أمن اقتحمت مجمعاً تجارياً، وفضت تجمعاً في زقاق مجاور باستخدام الغاز، فيما يظهر في الفيديوهات سحل شخص، واعتقال آخرين.

وجاءت التجمعات بعدما بدت طهران صباح الاثنين أكثر انضباطاً مما شهدته ليالي الأسبوع الأول، فمعظم المتاجر فتحت أبوابها، وعاد كثير من السكان إلى أعمالهم بعد عطلة مطولة، لكن الانتشار الأمني بقي كثيفاً عند التقاطعات الرئيسة، حسبما أوردت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشوهد انتشار لوحدات من الشرطة وقوات مكافحة الشغب عند مفارق رئيسة، وفي محيط مراكز تجارية، وطرق مؤدية إلى الأسواق، إضافة إلى تمركز عناصر أمنية أمام بعض المؤسسات التعليمية، في إطار إجراءات استباقية تحسباً لتجدد التجمعات خلال ساعات النهار. وأعلنت الجامعات الأحد تعليق الدراسة الحضورية، وتقديم دروسها عبر الإنترنت فقط.

ونقلت «الوكالة الفرنسية»، عن وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري»، أن «الاتجاه الملاحظ مساء الأحد يشير إلى انخفاض ملحوظ في عدد التجمعات ونطاقها الجغرافي».

«نمط متغير»

على نقيض الرواية الرسمية، استمرت الاحتجاجات في اتخاذ نمط متغير، حيث تتركز التحركات خلال النهار في الأسواق، ومفاصل النشاط الاقتصادي، قبل أن تتحول ليلاً إلى الأحياء السكنية، والضواحي عبر تجمعات محدودة العدد، وسريعة التشكل، والانفضاض.

وتمركزت هذه التحركات في نقاط تسمح بالاندماج السريع في الحركة اليومية، ثم التحول إلى هتافات خاطفة، ولا سيما في الشوارع المحاذية للمراكز التجارية، والأحياء ذات الكثافة السكانية، مع تنقل متسارع عبر الأزقة، والطرق الفرعية، لتفادي محاولات التطويق.

لقطة من فيديو نُشر الأحد على منصات التواصل الاجتماعي وتُظهر قوات الأمن الإيرانية تفرق محتجين بالغاز المسيل للدموع في وسط طهران الأحد (أ.ف.ب)

وتأتي هذه الاحتجاجات امتداداً مباشراً لغضب الأسواق من تفاقم الضغوط المعيشية، وتسارع تراجع العملة، قبل أن تكتسب بسرعة أبعاداً سياسية أوسع. وبهذا المعنى، تحولت أحدث موجة من التحركات من احتجاجات موضعية محدودة إلى حالة اعتراض عامة ذات انتشار جغرافي متسع، وتركيبة اجتماعية أكثر تنوعاً.

وبحسب معطيات متقاطعة من مصادر حقوقية، وتقارير لناشطين ميدانيين، اتسعت خريطة التحركات مقارنة بالأيام الأولى، مع انتقال بؤر الاحتجاج من مراكز المدن إلى أطرافها، وامتدادها إلى مدن متوسطة وصغيرة لم تكن في صلب المشهد خلال المراحل الأولى.

وفي نهاية اليوم الثامن (الأحد)، أفادت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان في إيران (هرانا) بأن 222 نقطة على الأقل في 78 مدينة ضمن 26 من أصل 31 محافظة في البلاد شهدت خلال ثمانية أيام احتجاجات، أو تجمعات شارعـية، أو إضرابات مهنية، كما شهدت 17 جامعة تحركات احتجاجية طلابية.

وأشار التقرير إلى اعتقال ما لا يقل عن 990 مواطناً خلال هذه الفترة، مع ترجيحات بأن العدد الفعلي أعلى، وإلى تأكيد مقتل 20 شخصاً على الأقل في سياق الاحتجاجات بينهم عنصر واحد من قوات الأمن أو الشرطة.

ووفقاً لبيانات «هرانا» سجلت حتى الآن 51 إصابة، معظمها نتيجة استخدام الرصاص الخرطوشي، والرصاص البلاستيكي، في وقت تتكرر فيه شكاوى من صعوبة رصد الأرقام بدقة بسبب القيود على تدفق المعلومات.

في قم، أكد نائب المحافظ للشؤون السياسية والأمنية مرتضى حيدري مقتل شخصين خلال احتجاجات الأسبوع الماضي، أحدهما يبلغ 34 عاماً، والآخر 17 عاماً، مشيراً إلى أن القاصر لم يشارك في الأحداث، وقتل بسلاح «غير نظامي». وقال إن قوات الأمن استخدمت رصاصاً بلاستيكياً، فيما تحدث عن وفاة أخرى نتيجة انفجار قنبلة يدوية، إضافة إلى توقيف عدد من المحتجين، وسط جدل متواصل بشأن طبيعة القوة المستخدمة.

«اتساع الشعارات الراديكالية»

وكان ليل الأحد اختباراً جديداً للطرفين؛ ففي مدن عدة ظهرت التحركات على شكل موجات متقطعة تبدأ بنداءات من فوق الأسطح، أو عبر تجمعات خاطفة عند دوارات، ومفارق، ثم تتطور أحياناً إلى رشق حجارة، أو إحراق حاويات. وشهدت عشرات المدن -من بينها طهران وشيراز وتبريز ومشهد وكرمانشاه وبندر عباس- مسيرات، أو تجمعات احتجاجية وسط أجواء أمنية مشددة.

في طهران، تجددت الدعوات إلى التجمع في مناطق من العاصمة بعد انتهاء العطلة الرسمية التي أعلنتها السلطات خلال الأيام الماضية، وتركزت التحركات -بحسب ما تم تداوله- حول محيط السوق، ومراكز تجارية، وأحياء سكنية شرقاً وجنوباً. وأظهرت مقاطع من حي هفت حوض هتافات «جاويد شاه (يحيا الشاه)» ، وشعار «هذه هي المعركة الأخيرة بهلوي يعود»، كما ترددت في مواقع أخرى هتافات طالت «ولاية الفقيه»، ومرجعيات الحكم في البلاد.

تفيد مقاطع متداولة من مدن في الشمال والغرب بأن أصوات إطلاق نار، أو إطلاق ذخائر سمعت في بعض المواقع، بينما تظهر مقاطع أخرى استخدام الغاز المسيل للدموع لتفريق مجموعات صغيرة قبل أن تتراجع إلى شوارع أضيق.

كما أفادت وكالة «كردبا» المتخصصة في أخبار المناطق الكردية بإصابة ما لا يقل عن 30 شخصاً خلال احتجاجات يوم السبت في مدينة ملكشاهي.

في مدينة ساري شمال البلاد وردت مقاطع تتضمن سماع إطلاق نار، وترديد شعارات «الموت للديكتاتور»، و«بهلوي يعود»، وهي شعارات تكررت بصيغ مختلفة في أكثر من مدينة خلال الليالي الأخيرة. وفي أصفهان أظهرت مقاطع محتجين يشعلون ناراً في الشارع، ويرددون شعار «لا غزة، ولا لبنان روحي فداء إيران».

وعكست الاحتجاجات الليلية في مدينة مشكان بمحافظة فارس اتساع رقعة الشعارات الراديكالية، حيث تجاوزت المطالب الاقتصادية لتستهدف رأس النظام ورموزه.

ويعكس مضمون الهتافات اتساعاً في سقف الخطاب، إذ لم يعد محصوراً في الغلاء وتراجع العملة، بل بات يحمل طابعاً سياسياً مباشراً، مع تنوع بين شعارات احتجاج اجتماعي وشعارات إسقاط أو تغيير النظام.

تجدد التحذيرات

في طهران حاولت المؤسسة التشريعية تقديم خطاب مزدوج يزاوج بين الاعتراف بوجود احتجاجات محقة، والتشديد على الفصل بين الاحتجاج وما تسميه السلطة فوضى، وهو ما ظهر بوضوح في خطاب رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف.

قاليباف يتحدث إلى بعض النواب خلال جلسة الاثنين (موقع البرلمان)

ولم تبلغ الاحتجاجات الراهنة في إيران، حتى الآن، مستوى الحراك الاحتجاجي الذي هز البلاد أواخر عام 2022 عقب وفاة مهسا أميني، في أثناء توقيفها من شرطة الأخلاق، والتي تحولت إلى أكبر موجة احتجاجات شعبية امتدت لأشهر، وأسفرت عن سقوط مئات القتلى. كما خلفت احتجاجات في عام 2019 عشرات القتلى في إيران بعد الإعلان عن ارتفاع كبير في أسعار البنزين.

وقال قاليباف في افتتاح جلسة البرلمان الاثنين إن «الاحتجاج يجب أن يُسمع ويُتخذ أساساً للتغيير»، ودعا إلى بذل الجهود لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، لكنه أكد أن «حساب» من قال إنهم متصلون «مباشرة، أو بالواسطة بأجهزة استخبارات» منفصل. ودعا إلى «مواجهة فعالة» من دون تقديم تفاصيل عن طبيعة هذه المواجهة، فيما تحدث في ملف اقتصادي موازٍ عن تحويل دعم «قسائم سلع أساسية» مباشرة إلى المواطنين بعد أن كان «محصوراً» بيد أفراد وشركات.

وقالت صحيفة «إيران» الحكومية إن مصادر تمويل هذا الإجراء هي مزيج من المتبقي من حصة الحكومة من عائدات النفط والسحب من صندوق التنمية الوطنية، في وقت تتزايد فيه الشكوك حول أثر أي دعم على موجة الأسعار.

وقالت الحكومة إنها ستمنح 80 مليون شخص قسائم سلعية إلكترونية بقيمة مليون تومان شهرياً للمساعدة في المعيشة، على أن يبدأ استخدامها من الأسبوع التالي. كما أعلن وزير التعاون والعمل والرفاه الاجتماعي، أحمد ميدري، شحن حسابات 70 مليون شخص برصيد أربعة أشهر في إطار آلية «الكالابرغ» أو «قسائم سلع أساسية».

على الخط نفسه لكن بلهجة أكثر صرامة، قال محسني إجئي إن الولايات المتحدة وإسرائيل «دعمتا المحتجين في إيران رسمياً وعلنياً»، مضيفاً أنه «لن يكون هناك أي تساهل» مع «مثيري الشغب» وفق توصيف السلطات.

وحذر إجئي أن «إعلان الدعم الخارجي يسقط ذريعة من يقول إنه خُدع»، وقال إنه إذا كانت قد مُنحت في مراحل سابقة «تساهلات» فلن يتكرر ذلك، ثم أعلن أنه وجه أوامره إلى الادعاء العام «بعدم إبداء أي تغاضٍ».

ورغم اللهجة المتشددة، أقر إجئي بالحق المشروع في التظاهر للمطالب الاقتصادية، قائلاً إن «الجمهورية الإسلامية تستمع إلى المتظاهرين» وتفرق بينهم وبين «مثيري الشغب»، وهو تفريق تكرر في الخطاب الرسمي منذ البداية الاحتجاجات.

وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الأحد إنه وجّه وزارة الداخلية ‌بأن تتخذ نهجاً «ودياً ومسؤولاً» تجاه المتظاهرين. ونقلت عنه وسائل الإعلام قوله: «لا يمكن ‌إقناع ⁠المجتمع ​أو تهدئته ‌بالأساليب القسرية».

في الأثناء، أكد وزير الاتصالات ستار هاشمي تقييد أو قطع الإنترنت، لكنه قال إنه «ليس سياسة مطلقة، ودائمة». مشيراً إلى أن الإجراءات «تابعة لظروف خاصة»، ولقرارات تتخذ مع مراعاة اعتبارات أمنية ومعيشية و«حماية حياة المواطنين»، مضيفاً أن لدى الناس مطالب واحتجاجات، لكن هناك قلق من تضرر الأعمال.

وأفادت مصادر من نشطاء السوق بأن خدمة الإنترنت قطعت بالكامل في محيط السوق، وضمن دائرة تمتد لعدة كيلومترات حوله، مع ضعف شديد في إشارة شبكات الهاتف الجوال.

وأوضح هاشمي أن القلق من اختلال أو قطع الإنترنت، وتأثيره على النشاط الاقتصادي «مفهوم تماماً»، في وقت تحدثت إفادات ميدانية عن تعطّل خدمات دفع، وتراجع التواصل، وصعوبات في بث المقاطع بسبب تذبذب الشبكة.

انتكاسة جديدة للعملة

اقتصادياً، عادت العملة إلى صدارة النقاش مع ارتفاع سعر الدولار مجدداً مقترباً من عتبة 140 ألف تومان بعد أن كان تراجع إلى نحو 135 ألف تومان، فيما بلغ سعر القطعة الذهبية 156 مليون تومان. وكانت العملة الوطنية خسرت أكثر من ثلث قيمتها أمام الدولار منذ عام.

وذكرت صحف إيرانية أن الدولار واصل ارتفاعه من 138 ألفاً و300 تومان إلى 139 ألفاً و750، بينما أثارت قفزة في مركز التبادل الرسمي مخاوف من صدمة في السوق، وسط حديث رسمي عن التحرك نحو توحيد السعر.

لوحة في دار صرافة بطهران تظهر أسعار العملات الأجنبية مع تراجع قيمة الريال الإيراني (رويترز)

في خضم التصعيد، أصدرت رابطة الكتاب الإيرانيين بياناً دعمت فيه «حق الشعب غير المشروط في الاحتجاج»، ودعت الكتاب والفنانين والمؤسسات المتضامنة حول العالم إلى عدم السماح بأن «تمتلئ السجون والمقابر» بالمحتجين.

قالت الرابطة إن الجمهورية الإسلامية «قامت على القمع والتعذيب وسجن المعارضين والمنتقدين والداعين إلى الحرية»، وإنها لطالما «أخمدت أي صوت احتجاجي فوراً»، وذهبت إلى اتهام السلطات بإطلاق النار، ومهاجمة مستشفيات.

واتهم البيان السلطات بأنها «هاجمت المستشفيات لاختطاف الجرحى» وشرعت في «اعتقالات جماعية»، مؤكداً أن عدد القتلى وحصيلة الاعتقالات في ازدياد يومي، بينما تصف السلطات كثيراً من التحركات بأنها أعمال شغب.


مقالات ذات صلة

إردوغان يحذر من تداعيات حرب إيران ويؤكد تحييد تركيا

شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)

إردوغان يحذر من تداعيات حرب إيران ويؤكد تحييد تركيا

حذّر الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الأربعاء، من اتساع نطاق الحرب في إيران، مذكراً بأن أولوية حكومته هي ضمان اجتياز المرحلة الراهنة في المنطقة دون أضرار.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (د.ب.أ)

بزشكيان: لدى إيران الإرادة لوقف الحرب

أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الثلاثاء، أن لدى إيران «الإرادة لوقف الحرب» لكنها تريد «ضمانات» بعدم «تكرار العدوان».

«الشرق الأوسط» (دبي)
رياضة عالمية منتخب إيران قبل مواجهة نظيره منتخب كوستاريكا في أنطاليا (أ.ف.ب)

«وديَّات المونديال»: بحضور إنفانتينو... إيران تكتسح كوستاريكا بخماسية

اكتسح منتخب إيران نظيره كوستاريكا بخمسة أهداف دون رد في مباراة وديّة أقيمت الثلاثاء في إطار استعداده لخوض منافسات كأس العالم 2026.

«الشرق الأوسط» (أنطاليا)
شؤون إقليمية صواريخ إيرانية تُعرض في متحف القوات الجوية التابع لـ«الحرس الثوري» بطهران (رويترز)

«الحرس الثوري» الإيراني: سنستهدف شركات أميركية بالمنطقة ابتداءً من يوم غد

نقلت وسائل إعلام رسمية ​عن «الحرس الثوري» الإيراني قوله، اليوم الثلاثاء، إنه سيستهدف شركات أميركية في المنطقة، ‌ابتداء ‌من ​أول ‌أبريل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه برئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في البيت الأبيض العام الماضي (رويترز) p-circle

هل يضيق سقف الأهداف الأميركية فيما ترفع إيران كلفة التحدي؟

ترمب بين إنهاء الحرب وترك هرمز مغلقاً: هل يضيق سقف الأهداف الأميركية فيما ترفع إيران كلفة التحدي؟

إيلي يوسف (واشنطن)

إيران تتّهم الولايات المتحدة بتقديم مطالب «متطرفة وغير منطقية»

الناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي (وكالة الأنباء الإيرانية)
الناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي (وكالة الأنباء الإيرانية)
TT

إيران تتّهم الولايات المتحدة بتقديم مطالب «متطرفة وغير منطقية»

الناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي (وكالة الأنباء الإيرانية)
الناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي (وكالة الأنباء الإيرانية)

اعتبرت إيران الخميس أن مطالب الولايات المتحدة لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط «متطرفة وغير منطقية» نافية في الوقت نفسه إجراء مفاوضات بشأن وقف إطلاق النار، وفق وسائل إعلام إيرانية.

ونقلت وكالة أنباء «إسنا» الإيرانية عن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي قوله «تم تلقي رسائل عبر وسطاء، بمن فيهم باكستان، لكن لا توجد مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة»، مضيفا أن مطالب واشنطن «متطرفة وغير منطقية».

ونقل عنه التلفزيون الرسمي قوله «نحن مستعدون لأي نوع من الهجوم، بما في ذلك هجوم برّي»، فيما أكّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن طهران تطالب بوقف إطلاق النار.


بزشكيان: إيران لا تضمر العداء للمدنيين الأميركيين

الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)
الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)
TT

بزشكيان: إيران لا تضمر العداء للمدنيين الأميركيين

الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)
الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)

أفادت قناة «برس تي في» التلفزيونية، اليوم الأربعاء، بأن الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان ‌قال في رسالة ‌موجهة ⁠إلى الشعب الأميركي ⁠إن بلاده لا تضمر العداء للمدنيين ⁠الأميركيين، وفق ما أوردته وكالة «رويترز».

وذكر ‌في رسالته ‌أن تصوير ‌إيران ‌على أنها تهديد «لا يتوافق مع الواقع ‌التاريخي ولا مع الحقائق ⁠الواضحة ⁠في الوقت الحاضر».

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في وقت سابق اليوم، إن «الرئيس الجديد للنظام الإيراني» طلب «للتو» من الولايات المتحدة وقف إطلاق النار في الحرب الدائرة منذ أكثر من شهر.

وأضاف ترمب، في منشور على منصته «تروث سوشيال»: «سننظر في الأمر عندما يصبح مضيق هرمز مفتوحاً وخالياً من العوائق. وحتى ذلك الحين، سنواصل قصف إيران حتى ندمرها».

ووصف ترمب «الرئيس الجديد للنظام الإيراني»، فيما يبدو أنه إشارة إلى المرشد مجتبى خامنئي، بأنه «أقل تطرفاً وأكثر ذكاءً من أسلافه».


ترمب يربط وقف الحرب بمصير هرمز... و«الحرس الثوري» يتمسك بإغلاقه

انفجار في بحيرة جيتغر غرب طهران (شبكات التواصل)
انفجار في بحيرة جيتغر غرب طهران (شبكات التواصل)
TT

ترمب يربط وقف الحرب بمصير هرمز... و«الحرس الثوري» يتمسك بإغلاقه

انفجار في بحيرة جيتغر غرب طهران (شبكات التواصل)
انفجار في بحيرة جيتغر غرب طهران (شبكات التواصل)

رفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقف الضغط على إيران عبر مضيق هرمز، رابطاً أي نظر في وقف إطلاق النار بإعادة فتحه، ومكرراً في الوقت نفسه أن الولايات المتحدة قد تنسحب من الحرب سريعاً إذا ضمنت أن طهران لم تعد قادرة على امتلاك سلاح نووي، مع احتفاظه بخيار العودة لتنفيذ «ضربات محددة» عند الحاجة.

وجاء ذلك بينما واصلت واشنطن تعزيز وجودها العسكري في المنطقة، وتكثفت الضربات داخل إيران، في وقت تمسك فيه «الحرس الثوري» بإبقاء المضيق مغلقاً أمام «الأعداء»، ونفت طهران وجود أي خلافات داخلية، وأكدت استعدادها لمواصلة القتال.

وقال ترمب، في منشور على «تروث سوشيال»، إن «رئيس النظام الجديد» في إيران طلب وقف إطلاق النار، مضيفاً أن واشنطن ستنظر في ذلك «عندما يصبح مضيق هرمز مفتوحاً وحراً وخالياً من العوائق». وأضاف: «حتى ذلك الحين، سنقضي على إيران تماماً، أو كما يقولون، نعيدها إلى العصر الحجري». وفي تصريحات أخرى، قال إن «رئيس النظام الجديد أقل تطرفاً وأكثر ذكاء من أسلافه».

وفي مقابلة مع «رويترز» الأربعاء، قال ترمب إن الولايات المتحدة ستنسحب من إيران «بسرعة كبيرة»، لكنها قد تعود لشن «ضربات محددة» إذا لزم الأمر. وأضاف أنه لا يستطيع تحديد موعد دقيق تعد فيه الحرب منتهية، لكنه قال: «سننسحب بسرعة كبيرة».

وأكد أن التحرك الأميركي أدى إلى ضمان عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً، قائلاً: «لن يمتلكوا سلاحاً نووياً لأنهم غير قادرين على ذلك الآن، وبعد ذلك سأنسحب، وسأصطحب الجميع معي، وإذا تطلب الأمر فسنعود لتنفيذ هجمات محددة».

وقال إنه لا يبدي اهتماماً بمخزون إيران من اليورانيوم المخصب، عادّاً أن هدفه الأساسي من الحرب، وهو منع طهران من امتلاك سلاح نووي، قد تحقق بالفعل، من دون أن يوضح كيف تحقق ذلك. واليورانيوم «عميق جداً تحت الأرض، ولا أهتم به». وأضاف: «سنواصل مراقبته دائماً عبر الأقمار الاصطناعية». كما قال إن إيران أصبحت الآن «غير قادرة» على تطوير سلاح نووي.

وقبل ذلك بيوم، قال ترمب من المكتب البيضاوي إن الولايات المتحدة قد تنتهي من حربها مع إيران خلال «أسبوعين، وربما ثلاثة»، مضيفاً أن هدفه كان ضمان ألا تمتلك إيران سلاحاً نووياً، وأن هذا الهدف «تحقق». وقال: «من الممكن أن نتوصل إلى اتفاق لأنهم يريدون إبرام اتفاق أكثر مما أريد أنا إبرامه». كما تحدث عن وجود «مجموعة من الأشخاص مختلفة جداً» في إيران، وقال إنهم «أكثر عقلانية بكثير».

هرمز أولاً

وفي سياق موقفه من هرمز، قال ترمب إن إعادة فتح المضيق يجب ألا تكون مسؤولية أميركية حصراً، مضيفاً أن الدول التي تحتاج إلى نفط الشرق الأوسط يجب أن تتحمل مسؤولية تأمين مرورها عبر الممر البحري. وقال: «إذا أرادت فرنسا أو أي دولة أخرى الحصول على النفط أو الغاز، فستمر عبر المضيق... وستكون قادرة على الدفاع عن نفسها». وأضاف: «ما يحدث في المضيق، لن يكون لنا أي علاقة به». وفي تصريحات أخرى، قال إن المضيق سيفتح «تلقائياً» من قبل «من يتحكم في النفط».

كما هدد ترمب، إذا لم يتم التوصل إلى وقف إطلاق نار «قريباً» ولم يُعد فتح المضيق، بتوسيع الهجوم ليشمل مركز تصدير النفط في جزيرة خرج، وربما محطات تحلية المياه. ولوّح أيضاً بالخروج من حلف شمال الأطلسي إذا لم تساعد الدول الأوروبية في إنهاء إغلاق إيران للمضيق، وقال لصحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية إنه لم يقتنع قط بالحلف، واصفاً إياه بأنه «مجرد قوة من ورق».

خط النهاية

من جانبه، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن الولايات المتحدة «ترى خط النهاية» في الحرب مع إيران، وإنها تحقق أهدافها في وقت أبكر مما كان مخططاً له. وأضاف أن واشنطن دمرت إلى حد بعيد البحرية الإيرانية وسلاح الجو الإيراني، وهي في طريقها إلى تدمير نسبة «كبيرة» من منصات إطلاق الصواريخ، والقضاء على مصانع الصواريخ والطائرات المسيّرة. وقال: «نحن على الجدول الزمني أو متقدمون عليه... ويمكننا رؤية خط النهاية. ليس اليوم، وليس غداً، لكنه آت».

وأضاف روبيو أن «هناك تبادلاً للرسائل» مع إيران، وأن هناك محادثات جارية واحتمالاً لعقد اجتماع مباشر في وقت ما، لكنه شدد على أن ترمب لن يسمح باستخدام «مفاوضات زائفة» في تكتيك تأخيري. وفي المقابل، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن إيران لا تجري مفاوضات مباشرة مع واشنطن، رغم تلقيها رسائل من إدارة ترمب عبر وسطاء.

دخان يتصاعد بعد ضربات على مناطق شمال العاصمة طهران (تلغرام)

وبالتوازي مع الرسائل السياسية، تواصلت التحركات العسكرية الأميركية. فقد تقرر توجه حاملة الطائرات «جورج إتش دبليو بوش» إلى الشرق الأوسط برفقة ثلاث مدمرات، في وقت بدأ فيه آلاف الجنود من الفرقة 82 المحمولة جواً بالوصول إلى المنطقة.

وحذّر خبراء أميركيين من أن الاستيلاء على جزيرة خرج قد يعرّض حياة الجنود الأميركيين للخطر وقد لا ينهي الحرب، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس». وتمثل الجزيرة القلب النابض لصناعة النفط الإيرانية، إذ يمر عبرها 90 في المائة من صادرات البلاد. وقال الخبراء إن إرسال قوات برية إليها قد يكون شديد المخاطر بسبب قربها من البر الإيراني، بما يسمح بإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة ومدفعية عليها. كما حذرت من أن طهران ووكلاءها قد يصعدون الرد، بما في ذلك زرع الألغام في مضيق هرمز أو شن هجمات بطائرات مسيّرة عبر شبه الجزيرة العربية.

ورأى الخبراء أن فرض حصار بحري على السفن التي تحمل النفط الإيراني قد يكون خياراً أكثر أماناً من احتلال الجزيرة، في حين حذرت من أن تعطيل خرج أو تدمير بنيتها النفطية قد يضر بالاقتصاد الإيراني، لكنه قد لا يجبر طهران على الاستسلام. وفي الوقت نفسه، قال روبيو إن لدى الرئيس عدة خيارات لمنع سيطرة إيران الدائمة على المضيق أو فرض رسوم عبور، من دون أن يكرر حديثاً سابقاً عن عدم الحاجة إلى قوات برية.

وضع المضيق

في المقابل، تمسك «الحرس الثوري» بإغلاق هرمز، وقال إن وضع المضيق «تحت سيطرة حاسمة ومطلقة» للقوة البحرية التابعة له، وإنه «لن يُفتح أمام أعداء هذا الشعب بعروض هزلية» من الرئيس الأميركي. وفي بيان آخر، قال «الحرس الثوري» إن المضيق «لن يُفتح أمام أعداء هذه الأمة»، وذلك بعدما ربط ترمب وقف إطلاق النار بإعادة فتحه.

وقال رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، إبراهيم عزيزي، إن مضيق هرمز «سيفتح بالتأكيد»، لكن «ليس للولايات المتحدة»، بل للدول التي «تلتزم بالقواعد الجديدة للجمهورية الإسلامية الإيرانية»، عادّاً أن «فترة الضيافة» الممتدة منذ 47 عاماً قد انتهت. وجاء ذلك بعدما قالت إيران إنها ستسمح لـ«الدول الصديقة»، ومنها باكستان، بتمرير سفنها عبر المضيق، مع إبقائه مغلقاً أمام الشحن التجاري الغربي.

وقال نائب رئيس البرلمان علي نيكزاد إن مضيق هرمز «لن يُفتح أبداً»، وإنه «لم تجر أي مفاوضات ولن تجرى». وأضاف أن الحرب أو السلام أو أي قرار بالتفاوض هو من صلاحيات «الولي الفقيه»، وأنه «لم يصدر حتى الآن أي إذن بالتفاوض». ونفى أيضاً ما تردد عن أن رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف يجري مفاوضات، عادّاً ذلك ادعاء هدفه «إثارة الفرقة».

ورد قاليباف على تصريحات روبيو بشأن إنفاق إيران العسكري، قائلاً إن عدم الإنفاق على السلاح لم يكن ليؤدي إلى وضع أفضل، بل إلى «الاستيلاء على كل حقول النفط خلال 48 ساعة» وخلق «غزات جديدة كثيرة». وأضاف أن هذا هو «الحلم الأميركي الحقيقي»، قبل أن يختم رسالته بكلمة: «أبداً». كما نصح رئيس البرلمان ناشطي الأسواق العالمية بالتحقق بأنفسهم قبل اتخاذ قرارات انفعالية، محذراً من «الاقتباسات المنتقاة» و«إثارة الخوف والانفعال الزائف».

وقال عراقجي إن مستوى الثقة بالولايات المتحدة «صفر»، وإنه لم يصدر حتى الآن أي رد من إيران على الخطة الأميركية المؤلفة من 15 نقطة. وأضاف أن رسائل تصل من واشنطن، بعضها مباشرة وبعضها عبر أصدقاء إيران في المنطقة، لكنه أكد أنه «لم تتشكل حتى الآن أي مفاوضات»، وأن الادعاءات المطروحة في هذا الشأن «غير صحيحة». كما قال إن إيران لم تقدم أي شرط إلى الطرف المقابل، وإنه «لا أحد يستطيع أن يحدد لها مهلة زمنية». وأضاف أن إيران «أكثر خبرة وتجهيزاً» في الحرب البرية، وأنها «مستعدة تماماً» لمواجهة أي تهديد بري.

وفي سياق متصل، نقل التلفزيون الرسمي الإيراني عن المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي أن حديث ترمب عن طلب إيران وقف إطلاق النار «كاذب ولا أساس له من الصحة». كما قال مسؤول إيراني رفيع لـ«سي إن إن» إن تصريحات ترمب لا تمثل مؤشراً موثوقاً لما يجري، ووصف شخصيته بأنها «غير مستقرة وغريبة الأطوار».

وقالت مصادر مطلعة لوكالة «أسوشييتد برس» إن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس كان يتواصل عبر وسطاء بشأن إيران حتى يوم الثلاثاء، ونقل رسالة مفادها أن الرئيس دونالد ترمب «غير صبور»، وأن الضغط على البنية التحتية الإيرانية سيزداد إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق.

وحسب شخص مطلع على هذه الاتصالات، فإن ترمب كلّف فانس بإبلاغ رسالة خاصة مفادها أنه منفتح على وقف إطلاق النار إذا جرت تلبية مطالب معينة.

وفي السياق نفسه ذكرت الوكالة أن مسؤولين أميركيين أعطوا الوسطاء «ضمانات واضحة» بأن عراقجي وقاليباف لن يكونا هدفاً، في ظل الجهود الدبلوماسية الجارية لوقف الحرب مع إيران، حسب مسؤولين إقليميين وشخص مطلع على الأمر.

وقال الشخص المطلع إن باكستان طلبت من واشنطن التدخل لدى إسرائيل لشطب المسؤولين الإيرانيين من قائمة الاستهداف.

نار الداخل

ميدانياً، قالت إفادات محلية متقاطعة ومقاطع متداولة إن ليل الثلاثاء - الأربعاء شهد موجة جديدة من الضربات داخل إيران شملت أهدافاً عسكرية وصناعية واتصالية في محافظات عدة، مع تركّز واضح في أصفهان وشيراز وطهران، وامتدادها إلى بندر عباس والأحواز وكرمان وسيرجان ومناطق أخرى.

وفي أصفهان، تكررت الغارات والانفجارات في مواقع عسكرية حساسية، مساء الأربعاء، وذلك بعدما ترددت تقارير عن ضربات ليلية على مجمع «فولاد مباركة» ومنشآت مرتبطة به، إضافة إلى قصف مواقع في شرق أصفهان قرب منشآت عسكرية وصناعية، وسماع دوي انفجارات في محيط نطنز ونجف آباد خلال ساعات الليل والصباح. وقالت شركة «فولاد مباركة» إن هجوماً عنيفاً أصاب عدة نقاط في المجمع، وإن التقييمات الأولية تشير إلى خسائر كبيرة وتدمير أساسي في وحدات مرتبطة بعملية الإنتاج. بالتزامن أفادت معلومات محلية باستهداف «فولاد سفيد دشت» في محافظة چهارمحال وبختياري.

وفي بندر عباس، تحدثت إفادات متقاطعة عن استهداف مواقع مرتبطة بالبحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» قرب الميناء، فيما تحدثت روايات من شيراز عن موجة ضربات عند نحو الساعة 2:20 فجراً شملت مواقع عسكرية وصناعات إلكترونية ومرافق مرتبطة بالقوات البرية والمحمولة جواً.

وفي طهران، تحدثت مقاطع وصور متداولة عن ضربات متزامنة منذ نحو الساعة 5:35 فجراً على مواقع عدة في شمال شرقي العاصمة ووسطها وغربها، مع أضرار قرب مجمع السفارة الأميركية السابقة، إضافة إلى ضربات مساء الأربعاء على مواقع عسكرية متعددة شملت مقرات مرتبطة بوزارة الدفاع وسلاح الجو في غرب وشرق طهران.

روايتان متصادمتان

برز تباين حاد بين الروايتين الإسرائيلية والإيرانية بشأن الضربة التي استهدفت منشأة «توفيق دارو» في طهران. إذ قال الجيش الإسرائيلي إن الموقع كان يُستخدم، تحت غطاء شركة مدنية، لنقل مواد كيميائية بينها الفنتانيل إلى منظمة «سبند»، وربط ذلك بتطوير أسلحة كيميائية للنظام الإيراني، عادّاً أن الضربة أضعفت هذه القدرات.

في المقابل، قالت السلطات الإيرانية إن المنشأة شركة دوائية حيوية تزود المستشفيات بمواد أولية للأدوية، وإن الصواريخ أصابت وحدات الإنتاج وأقسام البحث والتطوير فيها. وبذلك تحولت الضربة إلى نقطة خلاف مباشرة بين الطرفين: إسرائيل تقدمها كاستهداف لبنية مرتبطة ببرنامج عسكري كيميائي، بينما تصر طهران على أنها شملت منشأة مدنية منتجة للأدوية.

وقال الجيش الإسرائيلي إن سلاح الجو نفذ خلال اليومين الماضيين ضربات على نحو 400 هدف قال إنها تابعة للنظام الإيراني، بينها موجة واسعة من الغارات الليلية استهدفت عشرات المواقع والبنى العسكرية في قلب طهران. وأضاف أن الضربات شملت نحو 15 موقعاً لتصنيع الأسلحة، من بينها مجمع مركزي تابع لوزارة الدفاع الإيرانية، أقيمت داخله مواقع لإنتاج الصواريخ وتطويرها. كما أعلن أنه استهدف بالتوازي منظومات دفاع جوي ومواقع إطلاق ومنشآت لإنتاج وتخزين الصواريخ الباليستية والصواريخ المخصصة لاستهداف الطائرات الإسرائيلية.

تجدد الضربات على منشأة 15 خرداد الصاروخية في منطقة بهارستان بأصفهان (شبكات التواصل)

وقال الجيش الإسرائيلي أيضاً إنه نفذ حتى الآن أكثر من 800 طلعة هجومية مستخدماً نحو 16 ألف قذيفة مختلفة ضد أهداف إيرانية، وإنه حدد أكثر من 5 آلاف هدف جديد داخل إيران، كما أجرى أكثر من ألفي عملية تزويد بالوقود جواً للطائرات المنفذة للغارات. وأعلن أيضاً اغتيال مهدي وفائي في منطقة محلات، وقال إنه كان رئيس فرع الهندسة في «فيلق لبنان» التابع لـ«فيلق القدس».

وفيما يتعلق بالهجمات الإيرانية، قال الجيش الإسرائيلي إنه رصد عدة موجات من الصواريخ أطلقت من إيران باتجاه الأراضي الإسرائيلية، وإن منظومات الدفاع الجوي عملت على اعتراضها. وأفادت خدمة الإسعاف الإسرائيلية بإصابة 14 شخصاً، بينهم فتاة عمرها 11 عاماً في حالة خطيرة. كما تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن استخدام ذخائر عنقودية في الهجوم.

ومن جهته، ومن جهته، قال «الحرس الثوري» إن قائد الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري» الإيراني، مجيد موسوي، كتب في منشور مقتضب: «قريباً... جهزوا ملاجئكم»، بالتزامن مع إعلان «الحرس الثوري» موجة جديدة من الصواريخ، موضحاً أنها استهدفت ما وصفه بقلب الأراضي الإسرائيلية المحتلة بوابل من الصواريخ الثقيلة والدقيقة، بينها صواريخ «قيام» و«عماد» و«قدر» متعددة الرؤوس، وقال إن الهجمات وسعت نطاق «الحياة من صفارة إلى صفارة» لسكان مناطق من بينها رامات غان وحولون وبالماخيم وبني براك شرق تل أبيب.

وفي وقت سابق، قال «الحرس الثوري» إن قوته البحرية نفذت منذ فجر الأربعاء خمس عمليات واسعة مستخدمة مزيجاً من الصواريخ الباليستية وصواريخ «قدر» المجنحة والطائرات المسيّرة الانتحارية، واستهدفت ما وصفه بـ«الأهداف العسكرية البارزة» للأعداء الأميركيين والإسرائيليين. وأضاف أن من بين الأهداف منظومتي رادار للإنذار المبكر الجوي، وناقلة نفط قال إنها إسرائيلية وتحمل اسم «أكوا وان». كما قال إن عدة أسراب من الطائرات المسيّرة الانتحارية أطلقت نحو مجموعة حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»، مضيفاً أنها انسحبت إلى عمق المحيط الهندي.

وأعلن الجيش الإيراني، في بيانه رقم 51، أنه استهدف منذ فجر الأربعاء مواقع تمركز طائرات الإنذار المبكر «أواكس» وطائرات التزويد بالوقود الأميركية في مطار بن غوريون، مستخدماً طائرات «آرش 2» المسيّرة. كما أعلن إسقاط طائرة مسيّرة من طراز «لوكاس» في غرب البلاد، وقال إن عدد المسيّرات التي أسقطتها شبكة الدفاع الجوي المشتركة ارتفع إلى 150.

إصابة كمال خرازي بجروح بالغة

وأقيمت في طهران الأربعاء جنازة لقائد بحرية «الحرس الثوري» العميد البحري علي رضا تنغسيري، الذي قتل في غارة جوية إسرائيلية الأسبوع الماضي. وبث التلفزيون الحكومي لقطات للمعزين وهم يلوحون بالأعلام الإيرانية، بعد جنازة أخرى أقيمت له الثلاثاء في بندر عباس، المدينة الساحلية الرئيسية على مضيق هرمز.

وفي موازاة ذلك، ظهرت رسالة مكتوبة موجهة من المرشد الجديد مجتبى خامنئي إلى زعيم «حزب الله»، عبر فيها عن «استمرار الدعم للمقاومة» ضد الولايات المتحدة وإسرائيل. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي إن خامنئي «يتمتع بصحة جيدة»، لكنه لم يظهر علناً بسبب «ظروف الحرب».

خرازي (أرنا)

وأفادت وسائل إعلام إيرانية بأن منزل كمال خرازي، رئيس المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية الخاضع لمكتب المرشد الإيراني ووزير الخارجية الأسبق، تعرض لقصف في طهران اليوم، ما أسفر عن مقتل زوجته وإصابته بجروح بالغة نقل على إثرها إلى المستشفى.

وقالت التقارير إن الغارة نفذتها طائرات أميركية وإسرائيلية، وإن خرازي أدخل المستشفى بعد إصابته، فيما قُتلت زوجته في القصف.

بموازاة ذلك، نفى مسؤولون إيرانيون وجود خلافات داخلية. وقال إلياس حضرتي، رئيس مجلس الإعلام الحكومي، إنه «لا يوجد أي خلاف في الداخل»، وإن الشعب والحكومة والقوات المسلحة «متحدون ومتماسكون» في الميدان. كما وصف ادعاءات وجود خلاف بين الحكومة والقوات المسلحة بأنها «ترهات». وقال إن ترمب تلقى «تحليلات خاطئة» أوحت له بأن إيران يمكن زعزعتها بسهولة.

كما انتقد مهدي طباطبائي، مسؤول دائرة العلاقات العامة في الرئاسة الإيرانية، خطاباً إعلامياً يحمل الرئيس مسؤولية تدهور الأوضاع المعيشية في خضم الحرب، عادّاً هذا النهج «مشكوكاً فيه». وقال يوسف بزشكيان، نجل الرئيس ومستشاره، إن منتقدي الرئيس يتجاهلون أن البلاد تسعى إلى تحقيق الشروط والحصول على الضمانات، متسائلاً: «وهل نحن نبحث عن الحرب حتى التدمير الكامل لأميركا وإسرائيل؟».

غارة تستهدف مقراً للصناعات الدفاعية الإيرانية في شمال شرقي طهران (شبكات التواصل)

وحسب السلطات، قُتل أكثر من 1900 شخص في إيران منذ بدء الحرب، فيما أُبلغ عن مقتل 19 شخصاً في إسرائيل، وأكثر من عشرين شخصاً في دول الخليج والضفة الغربية المحتلة، إضافة إلى 13 عسكرياً أميركياً. وأعلنت جمعية الهلال الأحمر أن أكثر من 115 ألف وحدة غير عسكرية تضررت أو دمرت، وأن فرقها انتشلت 1526 شخصاً من تحت الأنقاض، بينهم 810 أحياء نقلوا إلى مراكز طبية.