يوسي كوهين: تاجر «أرجنتيني» جنّد لبنانياً أوصل الموساد إلى عماد مغنية

«الشرق الأوسط» تنشر قراءة موسعة في كتاب رئيس الاستخبارات الإسرائيلية السابق «بالأحابيل تصنع لك حرباً» (1 من 3)

جانب من تشييع عماد مغنية في ضاحية بيروت الجنوبية يوم 14 فبراير 2008 (غيتي)
جانب من تشييع عماد مغنية في ضاحية بيروت الجنوبية يوم 14 فبراير 2008 (غيتي)
TT

يوسي كوهين: تاجر «أرجنتيني» جنّد لبنانياً أوصل الموساد إلى عماد مغنية

جانب من تشييع عماد مغنية في ضاحية بيروت الجنوبية يوم 14 فبراير 2008 (غيتي)
جانب من تشييع عماد مغنية في ضاحية بيروت الجنوبية يوم 14 فبراير 2008 (غيتي)

تنشر «الشرق الأوسط»، على ثلاث حلقات، قراءة مطولة في كتاب المدير السابق لجهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد)، يوسي كوهين. يحمل الكتاب عنوان «بالأحابيل تصنع لك حرباً» بنسخته الصادرة باللغة العبرية، فيما اسم الكتاب باللغة الإنجليزية مختلف: «سيف الحرية: إسرائيل الموساد والحرب السرية».

«قبل بضعة شهور، كنت عائداً من رحلة عمل في نيويورك، وكالعادة تأخر إقلاع الطائرة». يضيف يوسي كوهين، رئيس الموساد السابق، في كتابه الذي صدر في نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي: «في ردهة الانتظار، كنت أجلس بجانب بروفسور مرموق من جامعة إسرائيلية معروفة (في الفصل الأخير من الكتاب يؤكد أنها جامعة حيفا). نحن نعرف بعضنا بعضاً من الاسم؛ لكننا نلتقي للمرة الأولى، فدار بيننا حوار ثقافي سياسي جميل. لكنه حرص على أن يقول لي إنني (جنرال يميني)، مضيفاً: (نحن نختلف بعضنا عن بعض. أنت يميني جداً وأنا يساري جداً. إنني مؤيد للسلام، مؤيد للتعايش اليهودي العربي. كثير من طلابي عرب). رحت أشرح له: (أنا يميني ليبرالي. لكنني أولاً يهودي مؤمن، وإسرائيلي وطني، وصهيوني مخلص، لكنني ديمقراطي بحق. أنا لا أكره العرب، ولا حتى من يكرهونني. لكنني مستعد لأن أقطع رأس من يريد أن يقضي على دولتي وكياني. وفي الوقت ذاته أنا معجب بنيلسون مانديلا ومارتن لوثر كينغ والمهاتما غاندي). وهكذا ظللنا نتناقش حتى قال لي: (يوسي. أنت يجب أن تكون رئيساً للحكومة)، فأجبته: (وهل تأتي معي؟). فضحك وقال: (لا طبعاً. ستقتلني زوجتي)».

قبل ذلك بنحو 30 صفحة، يروي كوهين قصة أخرى عن عمله كان يخبر بها زوجته، آية، مؤكداً أنها عبرت اختبار جهاز الأمن الصعب الذي يصنّفها على أنها كاتمة أسرار، ولذلك فإنها تصلح لتكون زوجة ضابط في الموساد. يقول: «كان تعليقها كما يلي: يوسي أنت يجب أن تصبح رئيساً للموساد».

بالطبع، صار كوهين رئيساً لهذا الجهاز، الذي يُعدّ من أهم أجهزة الأمن الإسرائيلية. وفي الحرب الأخيرة مع إيران وحلفائها في المنطقة، تم الكشف عن نجاحه في زرع خلايا كبيرة من العملاء على الأرض الإيرانية. نفّذ هؤلاء العملاء عمليات دقيقة، وجمعوا معلومات دسمة عن المشروع النووي الإيراني وعن قيادات الحرس الثوري، وهي عمليات رفعت من شأن كوهين وجعلت منه اسماً لامعاً، خصوصاً في أروقة أجهزة الأمن الغربية.

غلاف الكتاب بنسخته العبرية

بعد صدور الكتاب، سارع محللون إلى القول إنه جاء ليكون بمثابة بساط أحمر يريد كوهين أن يفرشه أمامه في طريقه إلى منصب رئيس الوزراء. قد يكون هذا طموحاً شرعياً، وقد يكون تعبيراً عن نرجسية عالية، لكن الأكيد أنه يأتي في وقت تعاني فيه الدولة العبرية من أزمة قيادة حادة.

كانت كل كلمة في الكتاب تصب في هدف إبراز مزايا كوهين وخصاله، في حال أراد أن يلعب دوراً سياسياً في المستقبل. فعندما يتحدث عن سيرته الذاتية، يُبرز ماضيه كابنٍ للصهيونية الدينية، فيكسب بذلك اليمين، ويُبرز قيم التضحية لخدمة الوطن ليكسب بذلك الوسط الإسرائيلي واليسار، ويُبرز المغامرات الكبيرة والخطيرة التي قام بها ليكسب الشباب، ويتحدث عن العمليات الناجحة للموساد حتى تكون نداً للإخفاقات التي وقعت فيها إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عندما وقع هجوم «حماس» المباغت الذي احتل فيه مقاتلوها 11 موقعاً عسكرياً و22 قرية وقتلوا مئات الإسرائيليين.

في كل فصول الكتاب، يتحدث كوهين عن حاجة إسرائيل إلى قيادة جديدة تتمتع بصفات قيادية تتغلب فيها المصلحة الوطنية على الذاتية، ويتجلى فيها القائد الجديد في تحقيق مهمة مقدسة؛ هي توحيد صفوف الشعب والقضاء على روح الفرقة والعداء الداخلي. يتخذ كوهين من قصص «الموساد»، جهاز المخابرات الإسرائيلية الخارجية، نموذجاً يُثبت فيه أنه هو بالذات القائد الذي يصلح لإسرائيل؛ فيتحدث عن صفاته بوصفه رجلاً قوياً يتحكم بمرؤوسيه، وصاحبَ أفكار جهنمية خلاقة، وإنساناً قديراً على تفعيل شبكة واسعة من العملاء من بعيد، وإنساناً مضحّياً يجنّد إلى جانبه أناساً مضحّين مقله. يُبرز نفسه بوصفه شخصاً لا يخشى المغامرات ولا الصدامات، وبوصفه شخصاً يستطيع ترويض أناس حتى في صفوف العدو.

يروي كوهين أنه في ذات مرة، قال له الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، في البيت الأبيض: «كيف حال أقوى رجل في الشرق الأوسط؟». ثم يروي عن لقائه بالرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، واصفاً إياه بـ«الزميل»، باعتبار أن كليهما قادم من أجهزة المخابرات. يقتبس كوهين من رؤساء للمخابرات الأميركية ممن عمل معهم، أنهم يعدّونه «أكبر وطني إسرائيلي، وأكبر صديق لأميركا».

يروي كوهين في الكتاب، قائلاً: «زوجتي تقول إنني منذ البداية وضعت هدفاً لأن أكون قائداً للموساد، لكنني لا أتذكر أنني قلت هذا. بيد أنني في قرارة نفسي أردت أن أكون قائداً، بل أن أكون قائداً لكل القادة». يقول إنه يستلهم الروح القيادية من ثلاث شخصيات سياسية في التاريخ الإسرائيلي؛ ديفيد بن غوريون، مؤسس الدولة الذي ينتمي إلى الليبرالية الاشتراكية، وزئيف جابوتنسكي ومناحيم بيغن، مؤسسي اليمين الصهيوني، ومن شخصية أمنية هي مئير دجان، الرئيس الأسبق للموساد. ويقصد كوهين بذلك وحدة الحركة الصهيونية بطرفيها؛ الاشتراكي الليبرالي واليميني الصهيوني، ومعهم جنرال أمن. وتبدو هذه رسالة تحاكي الشغف اليهودي اليوم في إسرائيل، إذ إن الناس ملّوا الخلافات والصراعات ويطالبون السياسيين بتوحيد صفوفهم.

ويقول كوهين إن الجنرال دجان أثّر عليه بشكل خارق. ويوضح أن من أهم المبادئ التي علّمه إياها: «يجب ضرب عدوك بمشرط الجرّاح. وظيفة أجهزة الأمن أن تعمل كل ما في وسعها لكي تؤجل الحرب المقبلة، لأطول وقت ممكن، لكن من خلال استغلال الوقت لاستخدام الوسائل السرية بشكل موضعي».

الاختراق الأمني لإيران... نجاح مذهل

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يستمع إلى رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية محمد إسلامي أثناء زيارته «معرض للإنجازات النووية» بطهران - 9 أبريل 2025 (الرئاسة الإيرانية - أ.ب)

قضية الاختراق الأمني لإيران جاءت مركزية في كتاب كوهين. يقول إنه تم وضع هذا الاختراق مهمة أولى منذ مطلع سنوات الألفية الثانية، وهي مهمة سجّلت نجاحاً مذهلاً، كما يروي قائد «الموساد» السابق.

كانت المعلومات المتوافرة للإسرائيليين آنذاك تحدثت عن قيام باكستان، وفيما بعد كوريا الشمالية، بتزويد الخبرة النووية لطهران. فقام رئيس الموساد، مئير دجان، بتعيين قائد لوحدة جديدة هدفها كشف المشروع النووي الإيراني ومشروع إنتاج الصواريخ الباليستية وتصفيتهما. اكتشفت الوحدة، في إطار عملها، تفاصيل عن قيام إيران بإسناد تنظيمات وأذرع؛ مثل «حزب الله» و«حماس» و«الجهاد الإسلامي»، فكانت المهمة الأولى ادخال أجهزة وعتاد «مخترق» إلى قلب «حزب الله» (تم استخدام قسم منها في حرب عام 2006) وإلى قلب إيران، بالإضافة إلى استخدام السلاح السيبراني ضد الإيرانيين وحلفائهم. وهكذا، تمكنت الوحدة من متابعة نشاط عدد من القادة العسكريين وعلماء الذرّة ووضع ملف لكل منهم، يشمل أدق التفاصيل عن عاداته وسلوكه اليومي والأماكن التي يتردد إليها.

كان كوهين أحد الضباط الأكثر انشغالاً بهذه المهمة، وهو يتحدث عن ذلك بكثرة في كل فصول الكتاب. يشير إلى أن رئيس الحكومة الذي أشرف على هذه المهام لـ«الموساد» كان بالأساس بنيامين نتنياهو، وهو يعطيه رصيده في ذلك، لكنه لا ينسى الإشارة إلى أنه هو صاحب الأفكار الأساسية وليس نتنياهو.

ويوجد سبب لذلك كما يبدو، يتعدى مسألة النرجسية التي تتسم بها شخصية كل منهما. فكوهين يحاول في الكتاب التحرر من ارتباط اسمه بنتنياهو كموالٍ له. ويبدأ ذلك بالتصريح بأنه اقترح مرات عدة المبادرة لهجوم على إيران وعلى «حزب الله»، كل على انفراد أو على كليهما معاً، وكان رؤساء أركان الجيش الإسرائيلي المتوالون يعارضون الواحد تلو الآخر اقتراحه هذا. كان نتنياهو، رئيس الحكومة في تلك الفترة، يقف مع رؤساء الأركان ويجهض الهجوم، بدعوى أنه قد يجر إلى حرب يتم فيها تدمير بنايات عدة في المدن الإسرائيلية.

في مكان آخر من الكتاب، ينتقد كوهين نتنياهو على التوصل إلى هدنة مع «حماس» سنة 2014، ويقول: «يومها كان يجب اتخاذ قرار بتصفيتها». لكن كوهين يقدم هدية كبرى لنتنياهو عندما يعفيه من مسؤولية الفشل في 7 أكتوبر 2023، ويحمّلها لقادة أجهزة الأمن. في هذا الإطار، يكتب كوهين محاضرة في ثقافة تحمّل المسؤولية ويلوم قادة الأجهزة الأمنية على خلافاتهم مع نتنياهو، ويقول إنه حرص على أن يكون مخلصاً للدولة وليس للشخص، لكنه احترم نتنياهو وكان معجباً به بوصفه رئيس حكومة برغماتياً.

صورة تجمع قاسم سليماني ونصر الله وعماد مغنية مرفوعة على مبنى بضاحية بيروت الجنوبية قرب موقع الاستهداف الإسرائيلي في حارة حريك (إ.ب.أ)

الأمر نفسه ينطبق على اغتيال قاسم سليماني، قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني. يقول كوهين إنه قدم خطة مفصلة لذلك أيّدها كل رؤساء أجهزة المخابرات، لكن رئيس الأركان أفيف كوخافي، اعترض، ونتنياهو أيّده، وطلب من كوهين أن يبلغ الأميركيين بذلك. اغتاظ الرئيس دونالد ترمب (في دورة حكمه الأولى) من قرار نتنياهو. كذلك استاءت رئيسة وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه)، جينا هاسبيل، التي قالت لكوهين (بحسب ما ينقل عنها): «الجنرالات عندكم مثل الجنرالات عندنا، لا يحبون القتال».

ويقول كوهين في هذا المجال: «قمت بزيارة عاجلة إلى الولايات المتحدة، وقدّمت لهم معلومات وفيرة جداً عن سليماني. وقد كنت أسميه (الأمير الصغير)، وقد اختار الأميركيون هذا الاسم ليطلقوه على عملية الاغتيال. وبعد نجاحها (في يناير/ كانون الثاني عام 2020) قدم الأميركيون لي ميدالية عرفان بالجميل. وخلال حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) 2025، انتقم الإيرانيون بقصف بيتي في تل أبيب».

وعن تلك الحرب، يقول كوهين إنها أدت إلى تدمير قدرات الدفاع الجوي الإيراني، «والدليل أنها لم تطلق النار على الطائرات الإسرائيلية المهاجمة، وتدمير غالبية اليورانيوم المخصب والمفاعل المتخصصة بالتخصيب، وحققت الردع. فإيران اليوم لم تعد حصينة، وتعرف أن إسرائيل والولايات المتحدة تحررتا من الخوف من مهاجمتها». ولكنه يستغرب لماذا لم يتخذ القرار في تل أبيب أو واشنطن، بعد، بإسقاط «نظام الملالي». وبجملة واحدة، بلا تفاصيل، يقول إن الحرب الأخيرة فوتت فرصة إسقاط النظام الإيراني.

اغتيال عماد مغنية

عماد مغنية

في الفصل السادس من الكتاب، يروي يوسي كوهين كيف قام بتجنيد عميل لبناني للموساد، كان مقرباً من عماد مغنية، الذي كان رئيساً لأركان العمليات في «حزب الله»، فيقول إنه وضع عينه على «شخص متعلم من قدامى المخربين في لبنان»، الذي كان يكبره بعشرين سنة من العمر. ولغرض الكتابة، يطلق عليه الاسم المستعار «عبد الله». كان مقرباً جداً من الحزب. اكتشف أن الرجل يبحث عن مستقبل اقتصادي آمن يضمن له مستقبله، في أميركا اللاتينية.

زيادة في الاحتياط، التقاه في المرة الأولى وهو غير مسلّح، لكنه حمل مسدساً في اللقاء الثاني، ثم ألصق به مراقباً عن بُعد يتابع تحركاته وتنقلاته كما لو أنه باحث يراقب فأر التجارب في مختبره. وقد تبيّن له أن انتماء عبد الله لـ«حزب الله» انتماءٌ عقائدي من خلال العقيدة الدينية، ومن خلال إيمانه بأنه يحمي لبنان، «وهذا عز الطلب».

الحقبة الزمنية كانت في مطلع التسعينات من القرن الماضي. الغطاء الذي اختاره الضابط في الموساد يوسي كوهين لنفسه، أنه رجل أعمال أرجنتيني يفتش عن شريك لعمل مشروع تجاري في الشرق الأوسط. وبعد عدة لقاءات، شعر فيها كوهين بأن الرجل أحبه ويثق به، عرض عليه أن يكونا شريكين.

وبعد لقاءات عدة جاء بعرض حول ماهية العمل، فقال إن هناك شركة تعرض عليهما القيام بعمل استقصائي عن «حزب الله»، لقاء مبلغ محترم من المال. لأول وهلة رفض عبد الله المهمة بشكل قاطع، وقطع الاتصال مع كوهين لعدة أيام. لكنه بشكل مفاجئ عاد إليه وأبلغه موافقته. وزارا معاً إسرائيل، وتجولا في تل أبيب، ولم يعرف عبد الله أن شريكه الأرجنتيني ضابطٌ في الموساد.

وكانت المهمة الكبرى معرفة مصير الجنديين الإسرائيليين؛ رحميم الشيخ ويوسي فينك، اللذين وقعا في أسر «حزب الله» بعد وقوعهما في كمين للحزب سنة 1986. كان برند شميد لاور، المستشار الأمني للمستشار الألماني هلموت كول، يتوسط بين إسرائيل و«حزب الله» لصفقة تبادل بشأنهما.

رفض «حزب الله» الإفصاح إن كانا ميتين أو على قيد الحياة، وطلب لقاءهما عدداً كبيراً من الأسرى اللبنانيين والفلسطينيين. وقد نجح عبد الله في جلب الخبر اليقين، بأنهما توفيا متأثرين بجراحهما. وقد غيّر هذا «سعر الصفقة» بشكل حاد. عندئذ أدرك كوهين أن عبد الله صيد ثمين جداً؛ له علاقات ممتازة وقدرات عالية ومخلص في أداء الدور.

لكن الأهم حصل في الشهور والسنين المقبلة؛ فقد تمكن عبد الله من جمع معلومات مذهلة عن عماد مغنية الذي كان مطلوباً في 42 دولة بالعالم، وخصصت الولايات المتحدة جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يأتي بمعلومات تؤدي إلى القبض عليه، بسبب مسؤوليته عن مقتل كثير من الأميركيين في لبنان. وكانت إسرائيل معنية بتصفيته.

لا يتحدث كوهين كثيراً عن تفاصيل هذه العملية، التي تمت في سنة 2008 بدمشق، إذ اغتيل بتفجير سيارته. لكن رئيس الحكومة الأسبق، إيهود أولمرت، اعترف في سنة 2024، بأن حكومته مسؤولة عن العملية، وبأن خلية من الموساد هي التي وضعت الخطة ونفذتها بشراكة مع المخابرات الأميركية.

​ «قمت بزيارة عاجلة إلى الولايات المتحدة وقدّمت لهم معلومات وفيرة جداً عن سليماني. وقد كنت أسميه (الأمير الصغير)، وقد اختار الأميركيون هذا الاسم ليطلقوه على عملية الاغتيال. وبعد نجاحها (في يناير/كانون الثاني عام 2020) قدم الأميركيون لي ميدالية عرفان بالجميل. وخلال حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) 2025، انتقم الإيرانيون بقصف بيتي في تل أبيب».

يوسي كوهين


مقالات ذات صلة

في خضم الحرب... «الموساد» يسعى إلى تجنيد إيرانيين

شؤون إقليمية شعار جهاز «الموساد» وخلفه علم إسرائيل (رويترز) p-circle

في خضم الحرب... «الموساد» يسعى إلى تجنيد إيرانيين

يُكثّف جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي (الموساد) جهوده، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، للوصول إلى مواطنين إيرانيين وتجنيدهم ضد الجمهورية الإيرانية، في الحرب.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
خاص لبنانيتان تسيران قرب موقع استهدفته إسرائيل كان لباحة صيانة جرافات ببلدة أنصار جنوب لبنان خلال سبتمبر 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)

خاص اعترافات عميل لإسرائيل تكشف عن مدى اختراق بنية «حزب الله»

أظهرت التحقيقات التي خضع لها الموقوف «أ.م» مدى الجهد الذي يبذله «الموساد» في تجنيد العملاء، بحيث يُجنّد الخطرون بالخارج قبل نقلهم إلى إسرائيل وتكليفهم المهام.

يوسف دياب (بيروت)
الولايات المتحدة​ إبستين وماكسويل في صورة نشرتها وزارة العدل الأميركية بتاريخ 19 ديسمبر 2025 (رويترز) p-circle

هل كان إبستين عميلاً للموساد؟ وثائق جديدة تثير تساؤلات

ترسم الملفات التي نشرتها وزارة العدل الأميركية صورة متناقضة ومربكة لعلاقة جيفري إبستين بإسرائيل، وخصوصاً برئيس وزرائها الأسبق إيهود باراك.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية صورة لعميلَي «الموساد» المزعومين وهما التركي من أصل فلسطيني فيصل كريم أوغلو (يميناً) والتركي محمد بوداك دريا (الداخلية التركية)

تركيا تعتقل عميلَين لـ«الموساد»... أحدهما من أصل فلسطيني

ألقت المخابرات التركية القبض على شخصين أحدهما فلسطيني كانا يعملان لمصلحة «الموساد» الإسرائيلي، في عملية مشتركة مع شعبة مكافحة الإرهاب ونيابة إسطنبول.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

نتنياهو يراقب مفاوضات واشنطن مع طهران بـ«الشك والمخاوف»

ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

نتنياهو يراقب مفاوضات واشنطن مع طهران بـ«الشك والمخاوف»

ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

قال مسؤولون إسرائيليون إن تل أبيب تعمل الآن على ضمان أن يلبي أي اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران مطالبها، مع إعطاء الأولوية لإنهاء برنامج إيران النووي وفرض قيود صارمة على تخصيب اليورانيوم.

وأكّد مسؤولون إسرائيليون لـ«القناة 12» الإسرائيلية أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تواصل مع مساعده الأكثر ثقة، رون ديرمر، للعمل نيابة عن إسرائيل مع الولايات المتحدة بشأن هذا الاتفاق.

وجاءت توجيهات نتنياهو في ظل تقديرات مسؤولين إسرائيليين أن قادة إيران قد يكونون مستعدين لاتفاق، لكن هناك شكوكاً حول ما إذ سيكون وفق ما تريده إسرائيل.

وحذّرت مصادر إسرائيلية من أن أي اتفاق ناجح من منظور تل أبيب سيتطلب فعلياً استسلام إيران، وهذا مشكوك فيه.

«اتفاق سيئ»

تخشى إسرائيل بحسب «القناة 12» و«يديعوت أحرونوت» ومواقع أخرى من احتمال تبلور «اتفاق سيئ» مع إيران، يفشل في معالجة المخزون الذي يتجاوز 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، وهو ما يكفي لإنتاج 11 قنبلة نووية.

وقالت «يديعوت أحرونوت» إن إسرائيل متشككة للغاية بشأن إمكانية أن تؤدي المفاوضات إلى اتفاق ينهي الحرب، ولكن من ناحية أخرى - بما أن الرئيس هو دونالد ترمب - فإنهم لا يستبعدون أي شيء، ويتابعون المحادثات من كثب.

وأوضح مصدر إسرائيلي أن «الأميركيين قدّموا للإيرانيين مسودة تتضمن 15 بنداً، ويبدو ظاهرياً أنها مستحيلة التحقيق، لأنه من المستبعد أن يتخلى الإيرانيون عن كل شيء». وقال: «إنها أشبه باتفاقية استسلام إذا قبلوها؛ إزالة اليورانيوم المخصب، والتخلي عن البرنامج النووي، ووقف برنامج الصواريخ، ووقف تمويل الوكلاء».

من جهة أخرى، تخشى إسرائيل أن يكون ترمب يرغب في وقف الحرب بسبب ارتفاع أسعار الوقود والطاقة والضغوط الداخلية والخارجية، وبالتالي قد يتنازل عن بعض خطوطه الحمراء، ساعياً إلى «صورة النصر» وإنهاء الحرب.

وأعربت مصادر أمنية لـ«القناة 12» عن قلقها بشأن مصير مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، وقال أحد المصادر إن إسرائيل لا تعرف ما إذا كان سيتم التوصل إلى اتفاق في المستقبل القريب أم أن هذه مناورة نموذجية من ترمب.

وقالت المصادر: «إذا تم إبرام اتفاق لا يتضمن إخراج اليورانيوم المخصب من إيران، فإن أي كلمات رنانة عن الدمار وتقويض القدرات لن تكون حقيقية. حينها ستكون النهاية فشلاً ذريعاً».

مع ذلك، تأمل إسرائيل أن يصرّ ترمب على موقفه، ووفقاً لمصدر إسرائيلي لـ«يديعوت» قال إن تل أبيب «لا تتوقع من الرئيس الأميركي التنازل عن القضايا الرئيسية، على الأقل ليس فيما يتعلق بالملف النووي».

وأضاف: «إذا استجابت إيران للمطالب الأميركية، فسترحب إسرائيل بمثل هذا الاتفاق حتى لو لم يسقط نظام المرشد الإيراني في نهاية المطاف».

سحب الدخان تتصاعد من موقع قصفه الطيران الإسرائيلي في طهران (رويترز)

«عدم يقين»

وفي ظل حالة عدم اليقين بشأن الاتفاق، تسعى إسرائيل إلى تكثيف الضربات، لكن الأحوال الجوية بحسب «يديعوت» تعيق ذلك.

وقال مسؤول إسرائيلي: «نحاول تدمير كل شيء، لكن الأحوال الجوية تؤثر على عدد الرحلات الجوية المتاحة. فقد كان الطقس سيئاً طوال الأسبوعين الماضيين تقريباً، ورغم الضربات القوية التي نفذناها، فإن الهجوم لا يزال أكثر صعوبة بسبب مخاطر التحليق في طقس سيئ».

وواصل الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، ضرب إيران، لكن الإسرائيليين تلقوا بدورهم ضربات غير مسبوقة وصادمة إلى حد ما.

وأصاب، الثلاثاء، صاروخ برأس حربي يزن 100 كيلوغرام شارعاً صغيراً في وسط تل أبيب، وكانت النتيجة صادمة بالنسبة للإسرائيليين الذين لم يصدقوا ما شاهدوه وسط تل أبيب، حيث دمار هائل في الشارع؛ 3 مبانٍ ومركبات محطمة.

وعنونت «يديعوت أحرونوت»: «مبانٍ مدمرة وسيارات محطمة تماماً».

وقالت «يديعوت» مع بثّ كثير من الصور إن قصفاً صاروخياً برأس حربي يزن 100 كيلوغرام في شارع صغير بوسط تل أبيب تسبب بأضرار جسيمة.

وقال أحد السكان لـ«يديعوت»: «دخلت أنا وزوجتي إلى غرفة الطوارئ، وأغلقنا الباب، وفجأة انفجر الصاروخ. اختفت غرفة النوم بأكملها». وقال آخر: «تركت المنزل في خضم كارثة»، ولاحقاً تم إجلاء عشرات السكان.

عامل طوارئ في موقع ارتطام شظايا صاروخ إيراني في تل أبيب (رويترز)

رشقات إيرانية

وكان الهجوم على تل أبيب واحداً من رشقات صاروخية عدة أطلقت من إيران باتجاه إسرائيل، ليل الاثنين وصباح الثلاثاء، استهدفت شمال وجنوب ووسط إسرائيل، ما دفع كثيرين لهروب متكرر إلى الملاجئ.

وصرّح العقيد ميكي دافيد، المسؤول في قيادة الجبهة الداخلية، بأن الرأس الحربي الذي سقط في تل أبيب ألحق أضراراً جسيمة بالمباني. كذلك، صرّح رون حولدئي، رئيس بلدية تل أبيب، لصحافيين في موقع الحادث: «العديد من المنازل قد تضررت، وأفترض أنه سيتم اكتشاف منازل أخرى بمجرد انتهاء عمليات الفحص».

وقال دورون، أحد سكان الحي المتضرر، لصحيفة «معاريف»، إنه لم يتوقف عن الارتجاف بعد الاصطدام. وقال: «كان دوياً هائلاً. ذهبت إلى الدرج مع شريكتي، وفجأة سمعت دوياً هائلاً».

وفي الأيام الأخيرة، تراجعت وتيرة الضربات الإيرانية على إسرائيل إلى نحو 10 صواريخ يومياً، بعد أن كانت 90 صاروخاً في اليوم الأول للحرب، لكن لوحظ أن الصواريخ الأخيرة تضرب في كل مكان شمال ووسط وجنوب وتنجح أحياناً كثيرة في ترك دمار واسع.

ومع استمرار الصواريخ، أعلنت وزارة الداخلية أن موسم السباحة لن يبدأ في هذه المرحلة، وستبقى الشواطئ مغلقة بتوجيهات قيادة الجبهة الداخلية. وكان من المقرر أن يبدأ موسم السباحة الأربعاء.

وتوجد تقييدات كثيرة في إسرائيل، من بينها أن المدارس مغلقة، ويمنع التجمهر أو الفعاليات، ويجب على السكان البقاء قرب الملاجئ.


إردوغان: نعمل على إحلال السلام في إيران

​الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (د.ب.أ)
​الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (د.ب.أ)
TT

إردوغان: نعمل على إحلال السلام في إيران

​الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (د.ب.أ)
​الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (د.ب.أ)

كشف ​الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، اليوم (الثلاثاء)، عن أن أنقرة ‌ستواصل بذل ‌كل ​ما ‌في ⁠وسعها ​من أجل إحلال ⁠السلام خلال الحرب على إيران التي ⁠أثَّرت سلباً ‌على ‌الاقتصاد التركي ​والعالم ‌بأسره.

وأضاف ‌إردوغان أن الحكومة تدرس اتخاذ تدابير ‌مختلفة لحماية الاقتصاد من الحرب الأميركية - ⁠الإسرائيلية ⁠على إيران، التي اجتاحت المنطقة، وأدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة.

من جهته، قال وزير ​الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار للصحافيين عقب اجتماع لمجلس الوزراء، ‌اليوم، ‌إنه ​لا ‌توجد ⁠أي ​مشكلات في تدفق ⁠الغاز الطبيعي من إيران، وإن مرافق التخزين التركية ⁠ممتلئة بنسبة ‌71 ‌في المائة.

ونقلت ​وسائل ‌إعلام ‌تركية عن الوزير قوله: «لا توجد أي مشكلات ‌في تدفق الغاز من إيران».

وجاء هذا ⁠التصريح ⁠بعد أن أشار تقرير إعلامي في وقت سابق إلى توقف التدفقات.


محمد باقر ذو القدر… رجل الشبكات الصلبة في قلب «الحرس الثوري»

ذو القدر يتحدث في مقابلة صحافية مع وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» ديسمبر 2020
ذو القدر يتحدث في مقابلة صحافية مع وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» ديسمبر 2020
TT

محمد باقر ذو القدر… رجل الشبكات الصلبة في قلب «الحرس الثوري»

ذو القدر يتحدث في مقابلة صحافية مع وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» ديسمبر 2020
ذو القدر يتحدث في مقابلة صحافية مع وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» ديسمبر 2020

لم يكن محمد باقر ذو القدر اسماً طارئاً حين تولى أمانة مجلس الأمن القومي. فبعد أسبوع من مقتل علي لاريجاني، وفي ظل حرب استنزفت قسماً من الصف القيادي الأول، وقع الاختيار على شخصية خرجت من إحدى أهم حلقات الدولة العميقة التي صاغت مفاصل الحكم الصلبة في «الجمهورية الإسلامية».

وأفاد مهدي طباطبائي، نائب الرئيس الإيراني لشؤون الاتصالات، الثلاثاء، بتعيين الجنرال ذو القدر خلفاً للاريجاني. وكتب على منصة «إكس» أن المرشد الجديد مجتبى خامنئي وافق على التعيين.

ويتولى المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يرأسه رسمياً الرئيس المنتخب مسعود بزشكيان، تنسيق الشؤون الأمنية والسياسة الخارجية، ويضم كبار المسؤولين في الجيش والمخابرات والحكومة، إضافةً إلى ممثلين عن المرشد الذي يملك الكلمة الفصل في شؤون الدولة.

وبدا التعيين ترجمة مباشرةً لأولويات الدولة في زمن الخطر. ومن المتوقع أن يصدر المرشد الجديد مرسوماً ثانياً بتسمية ذو القدر ممثلاً له في المجلس، لتمكينه من التصويت وفق الدستور.

تكمن أهمية ذو القدر في أنه لا يمثل نوع السياسيين الذين يصعدون عبر المنابر أو الانتخابات أو القدرة على مخاطبة الرأي العام. إنه من طراز آخر: رجال الشبكات التي سبقت الدولة ثم دخلتها، ورجال المؤسسة الذين راكموا النفوذ بهدوء داخل الأجهزة، لا على واجهاتها.

من هنا تبدو سيرته أقل شبهاً بمسار إداري بين مناصب متعاقبة، وأكثر شبهاً بخيط متصل بين أكثر مفاصل السلطة الإيرانية صلابة.

يكتسب صعود الجنرال ذو القدر إلى أعلى منصب أمني أهمية خاصة في هذه اللحظة. فالرجل لا يُقرأ فقط من خلال المناصب التي شغلها، بل من خلال الدور الذي أدّاه داخل بنية الحكم. خرج من الحرب بخبرة في التنظيم والعمل عبر الشبكات، وترسخ في «الحرس الثوري» داخل صلب الدولة العميقة، ثم راكم أدوات نفوذ إضافية عبر الداخلية والقضاء ومجلس تشخيص مصلحة النظام.

وعليه، يحمل تعيينه معنى يتجاوز حدود المنصب، إذ يكشف عن منطق أوسع في المؤسسة الحاكمة: في لحظات الانكماش واشتداد الضيق، يتقدم رجال البنية على أصحاب الحضور العلني والواجهة.

من «منصورون» إلى الدولة

يصعب فهم ذو القدر من دون العودة إلى البيئة السياسية التي خرج منها. فهو ينتمي إلى جيل ارتبط بحلقة «منصورون»، وهي واحدة من الشبكات المبكرة التي خرجت منها لاحقاً أسماء احتفظت بمواقع نافذة داخل «الحرس الثوري»، مثل محسن رضائي وعلي شمخاني وغلام علي رشيد والأخوين محمد وأحمد فروزنده.

والأهمية هنا لا تكمن فقط في الانتماء التنظيمي المبكر، بل في نوع التكوين الذي مثّلته هذه الحلقة: شبكة عقائدية متشددة مما قبل الثورة أعادت تموضع نفسها داخل الدولة من بوابة «الحرس».

ولم يكن صعود ذو القدر تدرجاً فردياً داخل مؤسسة قائمة، بل كان نمواً داخل شبكة من العلاقات والولاءات استقرت في قلب دولة المرشد. ومن هنا لم يظهر كعسكري مهني صرف، بل بصفته واحداً من جيلٍ جمع بين الأمن والسياسة بوصفهما مجالاً واحداً لحماية النظام. وقد منحته هذه الخلفية قدرةً نادرةً على البقاء وإعادة التموضع، فظل قريباً من المركز رغم تبدل الحكومات والوجوه والمواقع.

«رمضان» والحرب

بعد سقوط الشاه، استخدم، مثل غيره من أعضاء حلقة «منصورون»، رافعة اللجان الثورية، ثم التحق بـ«الحرس الثوري»، لكن محطته الأوضح في سنوات الحرب العراقية - الإيرانية كانت قيادة «مقر رمضان». وهذه المحطة ليست تفصيلاً عسكرياً عابراً في سيرة طويلة، بل إحدى العقد الأساسية في تكوينه السياسي والأمني.

فـ«مقر رمضان» شكَّل نواة للعمل الخارجي، وارتبط بالعمل عبر الحدود، وبالتنسيق مع جماعات كردية وشيعية عراقية معارضة لصدام حسين، وبإدارة عمليات داخل العمق العراقي، قبل أن ينبثق منه لاحقاً «فيلق القدس».

من هذا الموقع تبلورت إحدى سماته الثابتة: لم يتشكل كقائد ميداني تقليدي فقط، بل كرجل يعمل عند تقاطع العسكري والاستخباري والسياسي. ففي «رمضان» لم تكن المهمة إدارة الجبهة والحرب الكلاسيكية وحدهما، بل بناء صلات وتشغيل شبكات وتوظيف الحرب في صناعة نفوذ مستدام، وهي وظيفة ستطبع مساره لاحقاً.

ولذلك لم يكن «مقر رمضان» مجرد ساحة عمليات، بل كان نموذجاً مبكراً لطريقة اشتغال ستصبح مألوفة في النظام الإيراني: تنظيم عسكري، وعمل غير مباشر، وإدارة حلفاء وجماعات وكيلة، وتحويل الصراع إلى نفوذ. وفي هذه البيئة تكرست صورة ذو القدر كرجل ترتيب وتحكم أكثر منه رجل استعراض.

صعود في هرم «الحرس»

بعد نهاية حرب الثمانينات، أمضى ذو القدر 16 عاماً في أعلى هرم القيادة داخل «الحرس الثوري»: 8 سنوات رئيساً للأركان المشتركة، ثم 8 سنوات نائباً للقائد العام. وهذه الإقامة الطويلة في القمة المؤسسية أهم من مجرد الألقاب، لأنها هي التي صنعته رجل هيكل، لا رجل مهمة واحدة.

والفارق جوهري هنا. فقيادة الأركان ثم نيابة القائد العام تعنيان التمرس في الإدارة والتنسيق والانضباط المؤسسي، لا في العمل الميداني وحده. ومن ثم، فإن قوة ذو القدر لم تتأسس على حضور شعبوي أو كاريزما خطابية، بل على موقعه داخل ماكينة «الحرس» نفسها. كان من أولئك الذين تتعزز قوتهم كلما ازداد تعقيد الجهاز الذي يعملون داخله.

ومع مضي السنوات تكرّس موقعه داخل المعسكر المحافظ الصلب. لم يكن مجرد قائد عسكري صاعد، بل شخصية ذات موضع واضح في الاصطفافات الداخلية للنظام. وقد ازداد هذا الجانب بروزاً مع وصول إيران إلى مرحلة الإصلاحات في عهد محمد خاتمي، حين لم يعد ممكناً إبقاء التوتر بين المؤسسة العسكرية والمجال السياسي داخل حدود الصمت.

«الحرس» في مواجهة الإصلاح

خلال مرحلة الإصلاحات، برز ذو القدر ضمن الوجوه العسكرية المرتبطة بالمعسكر المحافظ داخل «الحرس الثوري». حينها حاول الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، توسيع المجال السياسي وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، في مرحلة اتسمت بمواصلة مسار علي أكبر هاشمي رفسنجاني في إعادة الإعمار ورفع شعارات التنمية، بينما نظرت مراكز القوة الصلبة إلى هذا المسار بقلق متزايد.

في هذا السياق تحديداً، خرج ذو القدر من صورة القائد العسكري الإداري إلى صورة الضابط ذي الموقع السياسي الواضح. وارتبط اسمه في تلك المرحلة برسالة قادة «الحرس» الشهيرة إلى خاتمي، وهي إحدى أكثر الوقائع دلالةً على طريقة تدخل المؤسسة العسكرية في المجال السياسي حين ترى أن توازن النظام مهدَّد. كما ارتبط في سير وتحليلات متعددة بالمعسكر الذي اتخذ موقفاً متشدداً من مشروع الإصلاح، وبمناخ المواجهة مع الحركة الطلابية والاحتجاجات التي شهدتها أواخر التسعينات.

ولا تعود أهمية هذه المرحلة في مساره إلى وقائعها فقط، بل إلى معناها البنيوي. فهي تكشف عن أن ذو القدر لم يدخل السياسة بعد خروجه من «الحرس»، بل كان جزءاً من التسييس الذي عرفته المؤسسة نفسها في لحظة الصدام مع الإصلاحيين. ومن ثم بدا انتقاله لاحقاً إلى مواقع أمنية وتنفيذية داخل الدولة امتداداً طبيعياً لهذا الدور، لا انعطافة مفاجئة.

أحمدي نجاد ووزارة الداخلية

حين وصل محمود أحمدي نجاد إلى الرئاسة عام 2005، انتقل ذو القدر إلى منصب نائب وزير الداخلية للشؤون الأمنية. وكان هذا المنصب، في جوهره، أكثر من موقع إداري. فهو يقع في مركز حساس بين الأمن الداخلي، والإشراف على حكام المحافظات، وآليات إدارة الأزمات والاحتجاجات والتوترات المحلية. أي إنه يمثل انتقالاً من المؤسسة العسكرية إلى قلب الدولة التنفيذية، ولكن من زاوية أمنية خالصة.

وتكشف هذه المحطة عن جانب مهم من شخصيته الوظيفية. فالرجل خرج من «الحرس» إلى وزارة الداخلية من دون أن يغادر منطق الضبط. وبذلك انتقل من حماية النظام بالقوة الصلبة إلى حمايته عبر البيروقراطية الأمنية. وهذا النوع من الانتقال يفتح شبكة مختلفة من العلاقات داخل الدولة، ويمنح صاحبه معرفة بتوازنات المركز والأطراف، وبكيفية عمل المحافظات والأجهزة المحلية تحت المظلة الأمنية المركزية.

إعادة التموضع عبر «الباسيج»

ولم يطل بقاء ذو القدر في وزارة الداخلية، وخرج منها عام 2007 وسط روايات تحدثت عن تباينات مع أحمدي نجاد. لكن خروجه لم يكن تراجعاً فعلياً. ففي ديسمبر (كانون الأول) 2007 عيّنه علي خامنئي نائباً لرئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة لشؤون «الباسيج»، في منصب استُحدث يومها.

وهذه لحظة مفصلية في سيرته، لأنها تظهر أن الرجل لم يفقد ثقة المركز بعد خروجه من الحكومة، بل أعيد تموضعه سريعاً داخل ملف يتصل بأحد أكثر مفاصل النظام حساسية. فـ«الباسيج» في التجربة الإيرانية ليس مجرد تشكيل رديف، بل أداة تجمع بين التعبئة الآيديولوجية والحضور المنظم لـ«الحرس الثوري» داخل الشارع الإيراني.

ولم يكتفِ المرسوم الذي أصدره خامنئي لتعيينه في هذا الموقع بالتسمية، بل ربط المنصب نفسه بتقوية «الباسيج» كمّاً ونوعاً وتوسيع حضوره في مجالات الحياة. وهذه الصياغة وحدها توضح طبيعة المهمة.

الأمن والقضاء

منذ 2010 انتقل ذو القدر إلى السلطة القضائية، حيث شغل أولاً منصب معاون الحماية الاجتماعية والوقاية من الجريمة، ثم صار المعاون الاستراتيجي لرئيس السلطة القضائية حتى 2020.

ولا يعد هذا الانتقال قفزة من جهاز عسكري إلى عالم القانون، إذ لا يفصل في إيران بين المجالين فصلاً حقيقياً، فالقضاء جزء من أجهزة الدولة الخاضعة مباشرةً للمرشد.

وعمّقت هذه المحطة شبكته داخل الدولة. صحيح أنها أضافت طبقة جديدة إلى مساره، لكن الوظيفة بقيت نفسها: حماية النظام عبر أدوات مختلفة.

وارث رضائي...

في سبتمبر 2021 عُيّن ذو القدر أميناً لمجلس تشخيص مصلحة النظام خلفاً لمحسن رضائي. وبدا هذا الانتقال أكثر من خطوة إدارية داخل مؤسسة عليا. فهو، من جهة، استمرار لصعود رجال الجيل نفسه من قادة الحرب و«الحرس» إلى مواقع التحكيم الاستراتيجي. وهو، من جهة ثانية، انتقال من مؤسسات التنفيذ والضبط إلى مؤسسة تُستخدم لإدارة التوازنات العليا وصوغ التسويات داخل النظام.

وأمانة المجلس ليست موقعاً بروتوكولياً صرفاً. فالأمين يدير اللجان، ويشرف على العمل البيروقراطي والخبراتي للمؤسسة، ويؤدي في كثير من الأحيان دور حلقة الوصل مع مركز القرار الأعلى. وهذا الدور يناسب ذو القدر تماماً. فهو ليس سياسياً شعبوياً ولا صاحب خطاب جماهيري، بل رجل إدارة وملفات وشبكات وممرات داخلية.

وهنا أيضاً تظهر شبكة نفوذه في بعدها العائلي - المؤسسي. فذو القدر هو والد زوجة كاظم غريب آبادي، نائب وزير الخارجية الحالي للشؤون القانونية والدولية، وأحد أبرز الوجوه ذات الخلفية الأمنية في الجهاز الدبلوماسي الإيراني وفريق التفاوض النووي.

وشغل غريب آبادي قبل ذلك مواقع حساسة، بينها نيابة رئاسة السلطة القضائية ورئاسة لجنة حقوق الإنسان، بعدما شغل منصب سفير إيران لدى المنظمات الدولية في فيينا، وفي مقدمتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وفي الأوساط الإيرانية، غالباً ما يُربط بين هذا القرب العائلي والمسار الصاعد لغريب آبادي داخل القضاء والدبلوماسية، في صورة تعكس اتساع نفوذ ذو القدر عبر أكثر من مؤسسة، لا مجرد بقائه في منصب بعينه.

من لاريجاني إلى ذو القدر

حين قُتل علي لاريجاني في الحرب الأخيرة، لم يفقد النظام شخصية سياسية تفاوضية فقط، بل خسر رجلاً كان يجيد الحركة بين مراكز القوة المختلفة والتقاطعات الدقيقة بين الأمن والسياسة والدبلوماسية. والسؤال بعد غيابه لم يكن فقط عمَّن يملأ مكانه، بل عن أي نوع من الرجال يحتاج إليه النظام في هذه المرحلة.

وقد أجاب اختيار ذو القدر عن هذا السؤال بوضوح، بعد أيام من تداول اسم الجنرال حسين دهقان ثم نفي تعيينه. وكان دهقان، بحكم صلاته الوثيقة بالرئيس الأسبق حسن روحاني، اسماً متوقعاً في ضوء توجهات الرئيس الحالي مسعود بزشكيان، المدعوم من الإصلاحيين. لكنَّ وزير الدفاع الأسبق لا يملك الوزن السياسي والمؤسسي نفسه الذي راكمه ذو القدر عبر العقود.

ولا يمثل ذو القدر امتداداً للاريجاني بقدر ما يمثل انعطافاً بعده. كان لاريجاني رجل توازنات ومفاوضات وقدرة على التحرك بين المؤسسات. أما ذو القدر فهو رجل بنية وصلابة وانضباط داخلي.

وهذه ليست مفارقة شخصية فقط، بل مفارقة مرحلة. فالحرب دفعت النظام إلى البحث عن رجل مطمْئن للشبكات الأمنية والدولة العميقة، أكثر من بحثه عن رجل مرن في التفاوض أو واسع الحركة السياسية.

ومن هذه الزاوية، لا يبدو تعيينه مفاجئاً. فمن «منصورون» إلى «رمضان»، ومن قيادة «الحرس» إلى وزارة الداخلية والقضاء ومجلس التشخيص، لم يكن ذو القدر يتنقل بين مؤسسات متباعدة، بل يصعد داخل بنية واحدة متعددة الوجوه. وهو اليوم يصل إلى مجلس الأمن القومي بوصفه ابن هذه البنية ومعبّراً عنها في آن.

كان شمخاني الشخصية الأقرب إلى مواصفات ذو القدر. وقد كان يترأس لجنة الدفاع العليا، صاحبة القرار العسكري في زمن الحرب، تحت خيمة مجلس الأمن القومي. وبعد مقتل شمخاني، أصدر المرشد الجديد، في أولى خطواته، مرسوماً بتعيين محسن رضائي مستشاراً عسكرياً له. ومع تعيين ذو القدر، يحافظ أعضاء الحلقة التي توصف أحياناً بـ«القادة الجنوبيين» على دورهم في صناعة القرار العسكري والأمني في أعلى مستوياته.

قد لا يكون ذو القدر الرجل الأكثر حضوراً في المجال العام، ولا الأكثر شهرة خارج دوائر السياسة الإيرانية، لكنه من النوع الذي تحتفظ به الأنظمة للأيام الثقيلة. فكلما دخلت الجمهورية الإسلامية مرحلة اختبار وجودي، قلّ اعتمادها على رجال الواجهات، واتسع اعتمادها على رجال العقد الداخلية. وذو القدر واحد من هؤلاء. أعادته الحرب إلى الصف الأول.