الزمن يضيق على إيران قبل حزمة عقوبات دولية

تضاؤل فرص التوصل إلى اتفاق لكن الاتصالات مع الأوروبيين مستمرة

إيرانية تركب دراجة بجوار لوحة تعرض صورة أجهزة نووية وجملة بالفارسية تقول: «العلم هو القوة والأمة الإيرانية لن تتخلى عن دينها ومعرفتها» في طهران (إ.ب.أ)
إيرانية تركب دراجة بجوار لوحة تعرض صورة أجهزة نووية وجملة بالفارسية تقول: «العلم هو القوة والأمة الإيرانية لن تتخلى عن دينها ومعرفتها» في طهران (إ.ب.أ)
TT

الزمن يضيق على إيران قبل حزمة عقوبات دولية

إيرانية تركب دراجة بجوار لوحة تعرض صورة أجهزة نووية وجملة بالفارسية تقول: «العلم هو القوة والأمة الإيرانية لن تتخلى عن دينها ومعرفتها» في طهران (إ.ب.أ)
إيرانية تركب دراجة بجوار لوحة تعرض صورة أجهزة نووية وجملة بالفارسية تقول: «العلم هو القوة والأمة الإيرانية لن تتخلى عن دينها ومعرفتها» في طهران (إ.ب.أ)

مع اقتراب موعد 28 سبتمبر (أيلول)، باتت احتمالات تفادي عودة العقوبات الأممية على إيران ضئيلة جداً، رغم مساعٍ دبلوماسية متسارعة تبذلها فرنسا وألمانيا وبريطانيا، في محاولة أخيرة لإنقاذ الاتفاق النووي الموقَّع عام 2015، باتفاق جديد.

على مدى الأسبوع الأخير، تبادل الطرفان الاتهامات بشأن فشل المفاوضات. واتهم الأوروبيون طهران بتجاهل عروض وصفتها باريس بأنها «معقولة ودقيقة»، فيما ردت إيران بأنها قدمت «اقتراحاً متوازناً ومبتكراً» لم يجد آذاناً صاغية، وحذرت من أن إعادة فرض العقوبات سيقوّض التفاهم القائم مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي أُبرم أخيراً في القاهرة.

كان العرض الأوروبي الذي تضمن تمديد العمل بقرار مجلس الأمن رقم 2231 لستة أشهر إضافية، يهدف إلى تأجيل العقوبات وكسب وقت لتفاوض جديد، حتى لو كان بصيغة مؤقتة. غير أن طهران لم تتجاوب رسمياً مع المقترح، ورد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بطرح خطة «تخفيض مستوى تخصيب اليورانيوم»، مقابل رفع بعض العقوبات الأميركية، وضمانات أمنية تتعلق بعدم التعرض مجدداً للمنشآت النووية الإيرانية.

وفيما بدا أنها الفرصة الأخيرة، صوَّت مجلس الأمن، الجمعة، على قرار يعيد تفعيل العقوبات، بعد أن أخفقت الدول الأوروبية في تأمين الأصوات اللازمة لتمديد تعليقها.

ويضع القرار الذي بات قابلاً للتطبيق خلال أسبوع، المنطقة أمام مفترق طرق، ويعيد إحياء سيناريوهات ما قبل الاتفاق النووي، بما في ذلك المواجهة الاقتصادية والتصعيد الأمني.

مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يعقد اجتماعاً بشأن إيران في مقر الأمم المتحدة بنيويورك يوم 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

اتصالات رفيعة

قال المتحدث باسم الخارجية الفرنسية إن إيران لم تستجب بشكل مناسب للطلبات الأوروبية، مشيراً إلى أن باريس لا تزال تعوّل على اتصالات رفيعة المستوى على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الأسبوع في نيويورك.

وأعربت الرئاسة الفرنسية بدورها عن أملها في التوصل إلى اتفاق يضمن إعادة ضبط البرنامج النووي الإيراني، ولو في اللحظات الأخيرة.

وأجرى وزير الخارجية الإيراني اتصالاً هاتفياً بمدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ندَّد فيه بما وصفه بـ«الضغط غير العادل» على بلاده، مشدداً على أن طهران ترفض «أي تحرك سياسي قد يُفضي إلى تصعيد التوترات».

وفي طهران، أعلن نائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي، أن إيران ستعلّق التفاهم الموقَّع مع الوكالة في القاهرة، إذا تم تفعيل العقوبات، واصفاً ذلك بأنه «رد طبيعي ومنطقي». كما أكد أن بلاده تمتلك «ردوداً مناسبة» وستتصرف بـ«يقظة تامة».

إيران تتحدى

سادت لهجة تحدٍّ معتادة في المجال العام داخل إيران. وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن العقوبات الدولية لن توقف مسار بلاده، مشيراً في تصريحات نقلتها وكالة «إيسنا» الحكومية، إلى أن الذين «بنوا منشأة نظنز النووية بإمكانهم بناء ما هو أفضل».

ونقلت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري»، السبت، عن المتحدث باسم لجنة الأمن القومي بالبرلمان إبراهيم رضائي، قوله إن اتفاق القاهرة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية «انتهى» بعد إعادة فرض العقوبات.

ورأى إسماعيل كوثري، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، أن تفعيل «سناب باك» لا سند قانونياً لها، مؤكداً أنه حينما لا تلتزم الوكالة الدولية بقواعدها وتتجاهل الاتفاقات، فلا ضرورة لاستمرار التزام إيران بالاتفاق معها، على حد تعبيره.

كما قال فدا حسين مالكي، عضو اللجنة نفسها، إن تفعيل الآلية لا يستند إلى أي أساس قانوني، بل هي تحرك سياسي بحت، مؤكداً أن بلاده «مستعدة لمواجهة كل السيناريوهات»، وفق «تسنيم».

وأشارت تقارير إلى أن طهران كانت قد عرضت بالفعل تقليص مستوى تخصيب اليورانيوم العالي إلى 20 في المائة، في إطار تفاهم شامل يشمل أيضاً التعامل مع مخزون 60 في المائة الحالي، الذي يصل إلى نحو 400 كيلوغرام، وفق «وول ستريت جورنال».

وتزعم إيران أن كمية اليورانيوم المخصب دُفنت تحت الأنقاض جراء الضربات الإسرائيلية والأميركية في يونيو (حزيران) الماضي، التي أسفرت عن مقتل أكثر من ألف شخص، بينهم علماء نوويون وقادة عسكريون.

ورغم تأكيد وزير الخارجية الفرنسي إيمانويل ماكرون أن العرض الإيراني «معقول»، فإنه لم يحظَ بتأييد كامل من الأوروبيين، وسط انقسامات داخلية ومخاوف من افتقار العرض إلى آلية تحقق واضحة، خصوصاً بعد رفض طهران منح الوكالة الدولية للطاقة الذرية صلاحيات التفتيش الكاملة.

عراقجي يتوسط رئيس المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية محمد إسلامي ورئيس لجنة الأمن القومي النائب إبراهيم عزيزي (البرلمان الإيراني)

فرصة التفاوض

في المقابل، يرى مراقبون أن العقوبات، رغم قسوتها، قد تدفع طهران إلى التفاوض من موقع أكثر مرونة. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن كليمان تيرم، الباحث في معهد الدراسات الإيرانية التابع لجامعة السوربون، أن العودة إلى العقوبات قد ترفع معدل التضخم في إيران من 50 إلى 90 في المائة، وتؤثر سلباً على صادرات النفط الحيوية، مما قد يؤدي إلى موجات احتجاج داخلية.

ويرى آخرون أن فشل المسار الحالي قد يؤدي إلى إخراج الأوروبيين من المعادلة، مما يترك الملف بيد الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين. وحذر الباحث تييري كوفيل، من معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس، من «تهميش» الدور الأوروبي الذي كان مركزياً في اتفاق 2015، مشيراً إلى أن التصعيد قد يجرّ المنطقة إلى مواجهة أوسع.

رأب الصدع

يواصل نحو 150 من قادة العالم التوافد إلى نيويورك للمشاركة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي قد تشكل المنصة الأخيرة لمحاولة رأب الصدع، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل دخول العقوبات حيّز التنفيذ رسمياً نهاية الأسبوع المقبل.

ويؤكد المسؤولون الإيرانيون أنه رغم أن المقترح الذي قدموه يحظى بدعم كامل من مؤسسات النظام، بما في ذلك المجلس الأعلى للأمن القومي، فإن العواصم الغربية لا تزال تترقب موقفاً عملياً يضمن الشفافية ووقف أي أنشطة تخصيب تتجاوز الأغراض المدنية.

ورغم أن المفاوضات الآن تشبه لعبة مفتوحة، إلا أن الساعة تدق، والزمن يضيق على الإيرانيين، وأمام الجميع إحداث اختراق دبلوماسي وهو أمر غير متوقع، أو دخول المنطقة مرحلة جديدة من المواجهة، ستُحسم على الأرجح قبل فجر 28 سبتمبر (أيلول) 2025.


مقالات ذات صلة

لاعبان من إيران: الحرب تلقي بظلالها على استعداداتنا لكأس العالم

رياضة عالمية جانب من تدريبات منتخب إيران في أنطاليا (أ.ب)

لاعبان من إيران: الحرب تلقي بظلالها على استعداداتنا لكأس العالم

يتوجَّه المنتخب الإيراني لكرة القدم إلى بطولة كأس العالم، في وقت تخوض فيه بلاده حرباً مع الدولة المستضيفة للبطولة، الولايات المتحدة، في وضع يعدّ فريداً من نوعه.

«الشرق الأوسط» (أنطاليا)
الولايات المتحدة​ القائم بأعمال وزير العدل الأميركي تود بلانش (رويترز)

اعتقال إيراني - أميركي بتهمة تزويد إيران بمعدات حاسوبية محظورة

اعتُقل إيراني - أميركي، الأربعاء، في الولايات المتحدة، ووُجّهت إليه تهمة تزويد إيران بمعدات حاسوبية متطورة، بما في ذلك تكنولوجيا لبرنامجيها العسكري والنووي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري ترمب يتحدث إلى الصحافيين قبل صعوده إلى الطائرة الرئاسية في فلوريدا 23 مارس 2026 (أ.ف.ب)

تحليل إخباري هل تجاهل ترمب التحذيرات بشأن مضيق هرمز؟

في منتصف فبراير (شباط)، قبل وقت قصير من شن الرئيس دونالد ترمب الحرب على إيران، أجرى «الحرس الثوري» الإيراني تدريبات بالذخيرة الحية في مياهها الساحلية.

مايكل كراولي (واشنطن)
رياضة عالمية حصل المنتخب الإيراني على تأشيرات الدخول إلى المكسيك استعداداً لمونديال 2026 لكرة القدم (أ.ب)

مونديال 2026: إيران تحصل على تأشيرات دخول المكسيك

حصل المنتخب الإيراني على تأشيرات الدخول إلى المكسيك استعداداً لمونديال 2026 لكرة القدم وفق ما أعلن التلفزيون الإيراني الرسمي الأربعاء

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية جنود من مشاة البحرية الأميركية يثبّتون صواريخ «هلفاير» على مروحية «إيه إتش - 1 زد فايبر» فوق سفينة «يو إس إس نيو أورليانز» في منطقة عمليات الأسطول السابع 9 فبراير 2026 (البحرية الأميركية)

قاتل قاسم سليماني... صاروخ «هلفاير» أقوى أسلحة المسيَّرات

عاد صاروخ «إيه جي إم - 114 هلفاير» إلى الواجهة مجدداً، بعدما أعلنت «سنتكوم» هذا الشهر استخدامه مرات عدة، كان آخرها تعطيل ناقلة نفط كانت متجهة إلى ميناء إيراني.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«الحرس» و«حزب الله» يرفضان تفاهمات واشنطن


بحارة أميركيون يصلون إلى حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»  في بحر العرب 28 مايو (البحرية الأميركية)
بحارة أميركيون يصلون إلى حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» في بحر العرب 28 مايو (البحرية الأميركية)
TT

«الحرس» و«حزب الله» يرفضان تفاهمات واشنطن


بحارة أميركيون يصلون إلى حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»  في بحر العرب 28 مايو (البحرية الأميركية)
بحارة أميركيون يصلون إلى حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» في بحر العرب 28 مايو (البحرية الأميركية)

رفض «الحرس الثوري» الإيراني و«حزب الله» اللبناني، عملياً، صيغة التفاهمات التي أُعلن عنها في واشنطن لوقف القتال في لبنان، في وقت وصف فيه الرئيس اللبناني جوزيف عون الاتفاق مع إسرائيل بأنه «الفرصة الأخيرة» للتوصل إلى تهدئة شاملة.

وتمسّكت طهران بربط أي تفاهم مع واشنطن بشأن وقف الحرب وفتح مضيق هرمز بوقف إطلاق النار في لبنان. وقال «الحرس الثوري» إن قبول وقف النار في الحرب الإقليمية كان مشروطاً بوقف العمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، محذراً من أن استمرار الهجمات الإسرائيلية يهدد الهدنة مع واشنطن.

وفي بيروت، قال الرئيس عون إن الاتفاق يمثل «الفرصة الأخيرة للدخول في وقف نهائي وشامل لإطلاق النار»، مضيفاً أن التنفيذ قد يبدأ خلال 24 ساعة من موافقة الأطراف المعنية وتقديم الضمانات اللازمة، معتبراً أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيكون «الضامن المباشر» للاتفاق.

لكن الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم رفض التفاهمات التي وصفها بأنها «خريطة طريق لإبادة قسم من الشعب اللبناني واستعباد الباقي». وقال إن الحزب معني فقط بـ«وقف العدوان الشامل» وانسحاب إسرائيل.

وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن المحادثات مع واشنطن «لم تحقق أي تقدم ملموس»، مؤكداً أن إيران تربط التهدئة بإنهاء الحرب في لبنان.

في المقابل، قال ترمب إن المحادثات مع إيران «تجري بشكل جيد جداً»، وقد تفضي إلى نتائج «بنهاية الأسبوع». وتعرض ترمب لضغوط سياسية داخلية بعد تصويت «مجلس النواب» على قرار يدعو لوقف العمليات العسكرية ضد إيران، وهو ما وصفه الرئيس الأميركي بأنه «غير وطني» ويعرقل المفاوضات الجارية مع طهران.


الهدير الإيراني... من «عاصفة الخميني» إلى «طوفان السنوار»

الخميني ينزل من طائرة تابعة لـ«إير فرانس» أقلّته إلى طهران في الأول من فبراير (شباط) 1979 بعد 15 عاماً في المنفى (غيتي)
الخميني ينزل من طائرة تابعة لـ«إير فرانس» أقلّته إلى طهران في الأول من فبراير (شباط) 1979 بعد 15 عاماً في المنفى (غيتي)
TT

الهدير الإيراني... من «عاصفة الخميني» إلى «طوفان السنوار»

الخميني ينزل من طائرة تابعة لـ«إير فرانس» أقلّته إلى طهران في الأول من فبراير (شباط) 1979 بعد 15 عاماً في المنفى (غيتي)
الخميني ينزل من طائرة تابعة لـ«إير فرانس» أقلّته إلى طهران في الأول من فبراير (شباط) 1979 بعد 15 عاماً في المنفى (غيتي)

كان عام 1979 منعطفاً غيّر وجه الشرق الأوسط. في ذلك العام عاد الخميني من منفاه الباريسي إلى طهران، وسقط نظام الشاه، وبدأت الجمهورية الإسلامية تكريس مبدأ «ولاية الفقيه» و«تصدير الثورة»، وصولاً إلى «طوفان السنوار».

تروي «الشرق الأوسط» في 3 حلقات تنشر أولاها اليوم، قصة الهدير الإيراني الذي انطلق ذلك العام، وكيف تمكنت طهران من الإمساك بملفات أساسية في العالم العربي.

وترصد الحلقات عبر شهادات لاعبين أساسيين كيف منح خصوم إيران نظامها «هدايا» سهلت هذه المهمة، من غزو صدام للكويت الذي حوّل الأنظار إلى «الخطر العراقي»، ثم هجمات 11 سبتمبر التي قادت إلى إسقاط «طالبان» ونظام صدام، فوجدت إيران خصومها يتساقطون وبدأت عبر «فيلق القدس» توسيع نفوذها في العراق والمنطقة.

لم يكن سهلاً تخيل هذا المسار. صدام كان قد رفض، خلال إقامة الخميني في النجف، اقتراحاً من الأجهزة العراقية باغتياله واتهام الشاه بالعملية، قائلاً إن العراق «لا يغدر بضيوفه». لكن صدام سيجد لاحقاً في «ولاية الفقيه» تهديداً مباشراً لوحدة العراق، إذ عدّها مدخلاً لولاء شيعي عابر للحدود.


ما مدى السلطة الفعلية لمجتبى خامنئي؟

كرسي تعلوه صورة المرشد السابق علي خامنئي في موقع مراسم ذكرى وفاة الخميني جنوب طهران حيث كان يلقي سنوياً الخطاب التقليدي للمناسبة قبل مقتله في الضربات الأميركية - الإسرائيلي (جماران)
كرسي تعلوه صورة المرشد السابق علي خامنئي في موقع مراسم ذكرى وفاة الخميني جنوب طهران حيث كان يلقي سنوياً الخطاب التقليدي للمناسبة قبل مقتله في الضربات الأميركية - الإسرائيلي (جماران)
TT

ما مدى السلطة الفعلية لمجتبى خامنئي؟

كرسي تعلوه صورة المرشد السابق علي خامنئي في موقع مراسم ذكرى وفاة الخميني جنوب طهران حيث كان يلقي سنوياً الخطاب التقليدي للمناسبة قبل مقتله في الضربات الأميركية - الإسرائيلي (جماران)
كرسي تعلوه صورة المرشد السابق علي خامنئي في موقع مراسم ذكرى وفاة الخميني جنوب طهران حيث كان يلقي سنوياً الخطاب التقليدي للمناسبة قبل مقتله في الضربات الأميركية - الإسرائيلي (جماران)

لم يظهر مجتبى خامنئي علناً منذ تعيينه مرشداً لإيران في مطلع مارس (آذار)، ولا يزال وضعه الصحي غير مؤكد، كما أن حجم سلطته الفعلية لا يزال غامضاً، لكن واشنطن تقول إنه بات يؤدي دوراً أكثر نشاطاً في شؤون الحكم والمفاوضات.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، إن خامنئي «منخرط تماماً»، بعدما كان قد شكك سابقاً في كونه على قيد الحياة. كما تحدث وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو عن «مؤشرات تظهر أن مجتبى خامنئي يزداد انخراطاً، على مستوى معين».

ومنذ أن خلف والده، الذي قُتل في اليوم الأول من الضربات الإسرائيلية - الأميركية في 28 فبراير (شباط)، أصدر المرشد الإيراني البالغ 56 عاماً نحو 12 تصريحاً مكتوباً، كان آخرها رسالة حادة ضد «العدو الخبيث» تليت الخميس.

ويعد منصب المرشد ركيزة أساسية في نظام الحكم الإيراني، وله الكلمة الفصل في السياسات العليا والخطوط العامة للأجهزة السياسية والأمنية والعسكرية.

وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ورئيس أركان القوات المسلحة الجنرال علي عبد اللهي، إنهما التقيا خامنئي، رغم عدم نشر أي صور لهذه اللقاءات.

المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي (جماران)

ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن خبراء أن آليات عمل النظام قد تكون غير شفافة، لكن يبدو أن مجتبى ومكتبه يؤديان دوراً داخلها، حتى لو بقيا في الخلفية في الوقت الراهن. ويرى هؤلاء أن مجتبى سيحتاج إلى وقت لترسيخ سيطرة أكثر مباشرة، إذا أراد ذلك.

وكما في رسائله السابقة، كرر بيان خامنئي الخميس الخطاب المناهض بشدة للولايات المتحدة وإسرائيل الذي كان يتبناه والده، متهماً واشنطن وتل أبيب بمحاولة زرع «الانقسام» بين الإيرانيين بعد تعرضهما لـ«نكسة قاسية».

وأدلى خامنئي برسالته بمناسبة الذكرى السابعة والثلاثين لوفاة المرشد المؤسس لنظام الحكم (الخميني). لكنه لم يحضر المراسم، خلافاً لوالده الذي كان نادراً ما يغيب عن هذه المناسبة، ووُضع في موقع الاحتفال كرسي فارغ تعلوه صورته.

وقرأ إمام جمعة طهران الرسالة، فيما بث التلفزيون الرسمي تصريحاته السابقة.

وأكد عدد من المسؤولين الإيرانيين أن خامنئي أصيب في إحدى الضربات، لكن الروايات بشأن وضعه الصحي لا تزال متضاربة.

وقال توماس جونو، الأستاذ في جامعة أوتاوا، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «دور مجتبى خامنئي غامض، ومن المستبعد جداً أن يكون لديه حالياً مستوى النفوذ نفسه الذي كان يتمتع به والده».

لكنه أضاف أن «من المؤكد أنه قريب من شخصيات مهمة كثيرة»، ولا سيما شخصيات رئيسية في «الحرس الثوري».

وبحسب جونو، يبدو أن السلطة باتت في يد لجنة غير رسمية تضم قادة في «الحرس الثوري» وعدداً محدوداً من الشخصيات السياسية البارزة، بينهم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وهو قائد سابق في «الحرس الثوري» وكبير المفاوضين في المحادثات مع الولايات المتحدة.

ورغم غيابه عن الساحة العامة، حرصت السلطات الإيرانية على إبقاء مجتبى خامنئي حاضراً في أذهان الإيرانيين. وعلقت لافتات ضخمة في طهران تحمل صور المرشد الأول (الخميني) والمرشد السابق علي خامنئي وخليفته، مجتبى خامنئي، في مسعى واضح إلى إبراز استمرارية السلطة.

لافتة تضم صور المرشد الجديد مجتبى خامنئي مع والده علي خامنئي والمرشد الأول الخميني خلال مراسم الذكرى الـ37 لوفاته في ضريحه جنوب طهران الخميس (رويترز)

وقال فرزان ثابت، الباحث في معهد الدراسات الدولية العليا في جنيف، إنه يتوقع أن يؤدي خامنئي دوراً أكبر مع عودة الوضع الأمني إلى طبيعته وتحسن حالته الصحية.

وأضاف أن خامنئي «يشرف على التوجه العام للسياسة، بما في ذلك على مستوى المفاوضات مع واشنطن».

ويبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كان مجتبى خامنئي سيكرر نموذج حكم والده، الذي مارس سيطرة واسعة على السلطة لأكثر من 35 عاماً، مع إدارة التنافسات داخل الجهاز.

وخلافاً للبنية الهرمية للسلطة التي كانت قائمة في عهد والده، يرى محللون أن السلطة «تُمارس على الأرجح بصورة أكثر تفتتاً وتوزعاً»، وأن مجتبى قد يكون طرفاً بين أطراف أخرى في نظام يتجه فيه «الحرس الثوري» إلى أداء دور مهيمن.

وختم جونو بالقول: «مجتبى لا يمتلك سلطة والده، ولا يبدو أنه يملك القدرة على أداء دور الموازن الرئيسي والحكم النهائي داخل النظام».