تركيا: إردوغان يتهم المعارضة بالغرق في الفوضى والصراع على السلطة

اعتقالات جديدة ببلدية تابعة لـ«الشعب الجمهوري»... وتأجيل إحدى قضايا إمام أوغلو

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان متحدثاً خلال فعالية لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم في إسطنبول (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان متحدثاً خلال فعالية لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم في إسطنبول (الرئاسة التركية)
TT

تركيا: إردوغان يتهم المعارضة بالغرق في الفوضى والصراع على السلطة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان متحدثاً خلال فعالية لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم في إسطنبول (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان متحدثاً خلال فعالية لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم في إسطنبول (الرئاسة التركية)

شنَّ الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، هجوماً حاداً على حزب «الشعب الجمهوري»، أكبر أحزاب المعارضة في تركيا، في الوقت الذي نفَّذت فيه السلطات حملة اعتقالات جديدة طالت رئيس بلدية تابعة للحزب في إسطنبول، و47 من مسؤوليها.

وقال إردوغان: «بصفتنا حزب العدالة والتنمية، نسعى جاهدين لإيجاد حلول لمشكلات تركيا، بغض النظر عن حجمها، ونجحنا في التغلب على عدد لا يحصى من العقبات التي تبدو مستعصية، بينما حزب المعارضة الرئيسي غارق في المشاجرات والفوضى والأزمات الناجمة عن الصراعات بين قياداته القديمة والجديدة».

وأضاف: «لقد أصبحوا عاجزين عن ممارسة السياسة دون إثارة التوتر محلياً ودولياً، لقد أصبح الوضع مُزرياً لدرجة أنه، باستثناء الإهانات والتهديدات، أقوالهم مُنصبّة على المحاكم، ويعتقدون أنهم يستطيعون التستر على الفساد بتقسيم شعبنا إلى معسكرات، ومهاجمة الشرطة، وإرهاب الشوارع».

مصادمات بين الشرطة وأنصار حزب «الشعب الجمهوري» أمام مقره في إسطنبول الأسبوع الماضي (رويترز)

وتابع إردوغان، خلال فعالية لحزب «العدالة والتنمية»، الحاكم في إسطنبول السبت أعلن خلالها انضمام 9 أعضاء جدد إلى كوادر حزبه من حزب «الشعب الجمهوري»: «عندما اندلعت فضيحة الفساد، خرج رئيس حزب الشعب الجمهوري (أوزغور أوزيل) ليتهم أعضاء سلطتنا القضائية والشرطة بالتآمر».

قضية «الشعب الجمهوري»

وأكد الرئيس التركي أن حكومته ستبذل كل ما في وسعها؛ لضمان سير الإجراءات القانونية دون أي ضغوط؛ لضمان تحقيق العدالة، مضيفاً: «لن نستسلم بالتأكيد للتهديدات والدعوات العلنية، لكننا لن نسمح لحزبنا وحكومتنا بالتورط في الصراع المتفاقم بين كوادر حزب الشعب الجمهوري القديمة والجديدة».

وردَّ أوزيل على تصريحات إردوغان بشكل فوري، خلال مؤتمر صحافي عقده أمام مقر حزب «الشعب الجمهوري» في إسطنبول، قائلاً: «إن عار التاريخ السياسي يعود لإردوغان، هذا واضحٌ وجلي في وجهه. إنهم يهاجمون بلدياتنا للاستيلاء عليها تحت زعم التحقيقات في شبهات الفساد، وقد اتضح أن هناك مخططاً ينفِّذه أناس في مجالس هذه البلديات ينضمون بعد بدء التحقيقات إلى حزب العدالة والتنمية».

أوزيل خلال مؤتمر صحافي أمام مقر حزب «الشعب الجمهوري» في إسطنبول السبت (حساب الحزب في «إكس»)

وتترقب الساحة السياسية والشارع التركي قرار محكمة في أنقرة، قد يصدر الاثنين، بشأن الدعوى المقامة من عدد من أعضاء حزب «الشعب الجمهوري»؛ للمطالبة بـ«البطلان المطلق» للمؤتمر العام الـ38 للحزب الذي عُقد في 4 و5 نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، وانتُخب فيه أوزيل رئيساً له خلفاً لرئيسه السابق كمال كليتشدار أوغلو، الذي خسر سباق انتخابات الرئاسة أمام إردوغان في مايو (أيار) من ذلك العام.

وقد تُقرّر المحكمة تأجيل الحكم، أو تثبت الوضع على ما هو عليه برفض الدعوى، أو عودة إدارة الحزب برئاسة كمال كليتشدار أوغلو أو تعيين فريق أوصياء لإدارة الحزب حتى عقد مؤتمره العام الجديد، وقد يكون برئاسة كليتشدار أوغلو أيضاً.

وقال رئيس الحزب أوزغور أوزيل، في مقابلة تلفزيونية ليل الجمعة - السبت، إنه لا يشعر بالقلق بشأن القرار الذي سيُتخذ يوم الاثنين، عادّاً أن «هناك جهات مُختارة بعناية وُضعت لإثارة المشكلات داخل حزب الشعب الجمهوري، وإثارة الجدل حول هذه القضية».

أوزيل محدقاً إلى كليتشدار أوغلو خلال المؤتمر العام لحزب «الشعب الجمهوري» في 2023 (موقع الحزب)

وذكر أنه تحدَّث مع كليتشدار أوغلو قبل 10 أيام، وأنه لا يعتقد أنه سيهبط إلى درجة قبول أن يكون وصياً على الحزب. وعن احتمال وقوع احتجاجات مماثلة في مقر الحزب في أنقرة إذا قرَّرت المحكمة بطلان مؤتمره العام، على غرار ما حدث في إسطنبول بعد قرار المحكمة في 2 سبتمبر (أيلول) الحالي بوقف رئيس الفرع، أوزغور تشيليك وأعضاء مجلس إدارته، احترازياً، وتعيين فريق أوصياء برئاسة جورسال تكين، في 15 سبتمبر، قال أوزيل: «في حال وجود قرار بالبطلان المطلق، لدينا مؤتمر عام استثنائي سيُعقد خلال 6 أيام من صدور الحكم. سنجلس في مقرنا العام لمدة 6 أيام، وسندافع عنه».

أفراد من الشرطة يغلقون مدخل بلدية بايرام باشا في إسطنبول عقب القبض على رئيسها و47 من مسؤوليها ضمن تحقيق في شبهات فساد (إكس)

في غضون ذلك، قرَّرت النيابة العامة في إسطنبول توقيف رئيس بلدية بايرام باشا التابعة لحزب «الشعب الجمهوري» في إسطنبول، حسن موطلو، و47 آخرين من نوابه وأعضاء مجلس البلدية، بعد القبض عليهم، فجر السبت، في إطار تحقيق بتهم «الابتزاز» و«الرشوة» و«الاحتيال» و«التلاعب في المناقصات». ومن بين الموقوفين عضو مجلس البلدية من حزب «الحركة القومية»، الحليف لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم، ياسين سونماز.

في الوقت ذاته، قرَّرت محكمة الجنايات الابتدائية في إسطنبول تأجيل نظر الدعوى المتعلقة بتزوير الشهادة الجامعية لرئيس بلدية إسطنبول المحتجز، أكرم إمام أوغلو، إلى جلسة 20 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

إمام أوغلو ملوحاً للحضور في جلسة محاكمته بتهمة تزوير شهادته الجامعية التي عُقدت في سجن سيلفري الخميس (إكس)

وعقدت المحكمة جلسة الاستماع الأولى في إطار القضية، الخميس، في سجن سيلفري في غرب إسطنبول، الذي يُحتَجز به إمام أوغلو، الذي يعدُّ أبرز منافسي الرئيس رجب طيب إردوغان على رئاسة تركيا، والذي اعتُقل في 19 مارس (آذار) الماضي في إطار تحقيق في شبهات فساد في بلدية إسطنبول. ويطالب الادعاء العام بحبس إمام أوغلو لمدة تتراوح بين 3 و10 سنوات، وحظر نشاطه السياسي لمدة مماثلة للعقوبة.

وسخر إمام أوغلو في إفادته أمام المحكمة من لائحة الاتهام قائلاً إنه «لا يتخيل أن يكتبها صبي في الـ18 من عمره»، مضيفاً: «إن المدعي العام لم يكتب لائحة الاتهام هذه، بل كُلّف بكتابتها من قِبل شخص (إردوغان) كان يعلم أنني سأهزمه في الانتخابات الرئاسية المقبلة».


مقالات ذات صلة

تركيا: الانتخابات المبكرة تشعل التوتر وسط شد وجذب بين الحكومة والمعارضة

شؤون إقليمية زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» يواصل الضغط من أجل التوجه إلى الانتخابات المبكرة (حساب الحزب في إكس)

تركيا: الانتخابات المبكرة تشعل التوتر وسط شد وجذب بين الحكومة والمعارضة

تواصل المعارضة التركية تصعيد ضغوطها للتوجه إلى انتخابات مبكرة، بينما يعارض الحزب الحاكم إجراءها قبل خريف 2027

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا جانب من لقاء وزيري الخارجية التركي هاكان فيدان والأوكراني أندريه سيبيها على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» السبت (الخارجية التركية)

أوكرانيا تطلب من تركيا عقد لقاء بين بوتين وزيلينسكي

طلبت أوكرانيا من تركيا السعي لعقد اجتماع بين الرئيسين بوتين وزيلينسكي وسط ترحيب فاتر من روسيا باستئناف محادثات السلام.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية السفير الأميركي لدى تركيا توم برّاك فجّر غضباً واسعاً بسبب تصريحات بشأن الديمقراطية والعلاقات بإسرائيل (أ.ف.ب)

المعارضة التركية تطالب بإعلان السفير الأميركي «شخصاً غير مرغوب فيه»

أثار السفير الأميركي لدى تركيا، توم برّاك، جدلاً واسعاً بتصريحات عن الديمقراطية والعلاقات بإسرائيل، دفعت المعارضة إلى المطالبة بطرده من البلاد...

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مصافحاً رئيس وزراء باكستان شهباز شريف في مستهل لقائهما في أنطاليا جنوب تركيا الجمعة (الرئاسة التركية)

إردوغان وشهباز شريف يبحثان سبل إنهاء حرب إيران

أكد إردوغان أن الطريق الوحيد للسلام هو الحوار، مشدداً على ضرورة بقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام السفن التجارية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة )
العالم السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)

سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

عبّر السفير الأميركي لدى تركيا، توم براك، عن اعتقاده بحل الخلاف حول اقتناء تركيا منظومة الدفاع الروسية «إس - 400» قريباً

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

وزارة الخزانة الأميركية تفرض عقوبات جديدة متعلقة بإيران

وزير الخزانة ‌الأميركية سكوت بيسنت (رويترز)
وزير الخزانة ‌الأميركية سكوت بيسنت (رويترز)
TT

وزارة الخزانة الأميركية تفرض عقوبات جديدة متعلقة بإيران

وزير الخزانة ‌الأميركية سكوت بيسنت (رويترز)
وزير الخزانة ‌الأميركية سكوت بيسنت (رويترز)

​قالت وزارة الخزانة ‌الأميركية عبر موقعها ​الإلكتروني، الثلاثاء، ‌إن ⁠الولايات ​المتحدة فرضت ⁠عقوبات ⁠جديدة متعلقة ‌بإيران ‌شملت ‌أفراداً ‌وشركات ‌على صلة بالتجارة ⁠والسفر الجوي.

وجاء في بيان أصدرته الوزارة أن هذه الجهات «متورطة في شراء أو نقل الأسلحة أو مكونات الأسلحة نيابة عن النظام الإيراني».

وأضافت: «بينما تواصل الولايات المتحدة استنزاف ترسانة إيران من الصواريخ الباليستية، يسعى النظام الإيراني إلى معاودة بناء قدرته الإنتاجية... تعتمد إيران اعتمادا متزايدا على طائرات (شاهد) المسيرة لاستهداف الولايات ​المتحدة وحلفائها، ​بما في ذلك البنية التحتية للطاقة في المنطقة».

وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت: «تجب محاسبة النظام الإيراني على ابتزازه لأسواق الطاقة العالمية واستهدافه العشوائي للمدنيين بالصواريخ والطائرات المسيّرة (...). ستواصل وزارة الخزانة تتبع الأموال، واستهداف تهوّر النظام الإيراني ومن يدعمونه».

وتأتي هذه العقوبات الجديدة في ⁠ظلّ حالة من ‌الجمود بين ‌واشنطن وطهران بشأن بدء ​جولة ثانية ‌من المحادثات للتوصل إلى ‌اتفاق يُبقي مضيق هرمز مفتوحا وينهي الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. ومن المقرر أن ينتهي وقف إطلاق ‌نار لمدة أسبوعين أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال ⁠الأيام ⁠المقبلة، وقد أبدى استعداده لاستئناف العمليات العسكرية، وفق «رويترز».


إسرائيل تتهم «حزب الله» بإطلاق صواريخ باتجاه جيشها في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)
جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)
TT

إسرائيل تتهم «حزب الله» بإطلاق صواريخ باتجاه جيشها في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)
جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)

قال الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، إن جماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران أطلقت عدة صواريخ باتجاه قواته التي تعمل في جنوب لبنان، فيما وصفه بأنه «انتهاك صارخ» لاتفاق وقف إطلاق النار، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف أن صفارات الإنذار التي دَوّت في بلدات بشمال إسرائيل يُرجح أنها انطلقت بسبب اعتراض طائرة مسيّرة أُطلقت من لبنان قبل أن تعبر إلى داخل إسرائيل، وذلك تصحيحاً لتقرير سابق أشار إلى احتمال حدوث خطأ في التقدير.

وأعلن الجيش الإسرائيلي في المقابل أنه قصف موقعاً تابعاً لـ«حزب الله» في جنوب لبنان، رداً على إطلاق الصواريخ ضد جنوده المنتشرين في المنطقة.

وذكر الجيش في بيان: «قبل قليل، أطلق تنظيم (حزب الله) الإرهابي، عدة صواريخ باتجاه جنود الجيش الإسرائيلي المتمركزين جنوب خط الدفاع الأمامي في منطقة رب ثلاثين»، وهي بلدة تقع في جنوب لبنان على بعد أقل من 3 كيلومترات من الحدود الإسرائيلية. وأضاف البيان: «رداً على ذلك، قصف الجيش الإسرائيلي موقع الإطلاق الذي انطلقت منه الصواريخ».

وسيطرت إسرائيل على عدة مناطق في جنوب لبنان، معقل «حزب الله»، منذ اندلاع الحرب بينهما في الثاني من مارس (آذار) إثر إطلاق «حزب الله» صواريخ من جنوب لبنان على إسرائيل، ردّاً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في بداية الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران.

وبينما شاب وقف إطلاق النار العديد من الحوادث، ستُعقد جولة جديدة من المحادثات «المباشرة» بين لبنان وإسرائيل الخميس في واشنطن، بعد نحو عشرة أيام من الجولة الأولى، بحسب ما قال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الاثنين.


التفاوض يختبر توازنات طهران... ومجلس الأمن القومي في الواجهة

قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)
قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)
TT

التفاوض يختبر توازنات طهران... ومجلس الأمن القومي في الواجهة

قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)
قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)

بعدما أطاح القصف الأميركي - الإسرائيلي بالمرشد الإيراني علي خامنئي ومعظم قادة الصف الأول، لم تنهَر قيادة الجمهورية الإسلامية، لكن المفاوضات المطروحة لإنهاء الحرب تفتح اختباراً جديداً أمام تماسكها وقدرتها على إدارة المرحلة التالية.

على مدى عقود، نجح المرشد في إدارة عدة فصائل قوية، حيث أخضع من تحدوا سلطته، بينما استمع في الوقت نفسه إلى آراء متنافسة. ولم يعد واضحاً الآن من يمارس هذا النوع من السلطة على مجموعة من الشخصيات المدنية والجنرالات البارزين في «الحرس الثوري» الذين يبدو أنهم يديرون المشهد.

وقد توصلت هذه الأطراف إلى قدر من التماسك، في الوقت الراهن، عبر تبنّي موقف متشدد وفقاً لتحليل نشرته وكالة «أسوشييتد برس»، لكن الخلافات بشأن حجم التنازلات الممكنة في المفاوضات مع الولايات المتحدة قد تكشف عن خطوط تصدع، في وقت يكافح الوسطاء الباكستانيون لاستضافة جولة جديدة من المحادثات.

من يدير المشهد؟

كان المرشد علي خامنئي قادراً على فرض إرادته على مراكز القوة المتباينة داخل الجمهورية الإسلامية. وبعد مقتله في الضربات الإسرائيلية في اليوم الأول من الحرب، خلفه نجله مجتبى خامنئي.

لكن الشكوك لا تزال تحيط بدور خامنئي الابن بعد تقارير عن إصابته في الغارات. ولا يزال متوارياً عن الأنظار، ولم يظهر علناً منذ توليه المنصب، كما أن طريقة إصداره التعليمات إلى كبار القادة لا تزال غير واضحة.

ويقع مركز السلطة الآن في يد هيئة شبيهة بالمكتب السياسي تُعرف باسم «المجلس الأعلى للأمن القومي»، وتضم كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين. وقد برز محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، باعتباره واجهة لهذا المجلس وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة.

إيرانيون يتابعون عبر شاشة تلفاز جانباً من المناظرة بين الرئيس مسعود بزشكيان والمتشدد سعيد جليلي يوليو 2024 (أرشيفية - د.ب.أ)

وكان المرشد السابق قد بدأ بمنح المجلس صلاحيات أوسع قبل وفاته، لكن الحرب عززت نفوذ المجلس بشكل أكبر.

ويضم المجلس طيفاً من التوجهات السياسية، وغالباً ما يشهد منافسات حادة. ويمثل سعيد جليلي، المنافس السياسي لقاليباف والمعارض المتشدد للولايات المتحدة، المرشد داخل المجلس، فيما يتولى الرئيس الإصلاحي مسعود بزشكيان رئاسته الاسمية.

ومن بين الأعضاء المتشددين القائد الجديد لـ«الحرس الثوري» أحمد وحيدي، والأمين العام الجديد للمجلس محمد باقر ذو القدر، وهو أيضاً من قادة «الحرس».

لكن استراتيجية إسرائيل القائمة على تصفية القيادات العليا تشير إلى سوء تقدير لطبيعة عمل النظام الإيراني، بحسب تقديرات خبراء.

ومنذ اندلاع الحرب، أدى النفوذ المتزايد لـ«الحرس الثوري» داخل المجلس إلى تغذية تكهنات بشأن احتمال حدوث تحول جوهري في بنية السلطة.

اختبار تفاوضي حاسم

تواجه القيادة الآن اختباراً صعباً في المفاوضات مع الولايات المتحدة، مع بروز أسئلة قد تكون مثيرة للانقسام حول مدى الاستعداد لتقديم تنازلات. وتطالب واشنطن إيران بتقديم تنازلات كبيرة لضمان عدم قدرتها على تطوير سلاح نووي، فيما تؤكد طهران أن برنامجها سلمي وتصر على حقها في تخصيب اليورانيوم.

وفي مقابلة مع التلفزيون الرسمي الإيراني، الأحد، قال قاليباف إن إيران تسعى إلى اتفاق شامل يحقق «سلاماً دائماً» يمنع تكرار الهجمات الأميركية.

وأضاف: «يجب قطع هذه الحلقة الخطيرة»؛ في إشارة إلى الضربات الأميركية التي استهدفت إيران خلال فترات التفاوض، مرة خلال حرب الأيام الـ12 في يونيو (حزيران)، ومرة أخرى خلال النزاع الحالي.

وأعرب أعضاء المجلس عن ثقتهم بأن إيران تمسك بزمام المبادرة حالياً، خصوصاً في ظل سيطرتها على مضيق هرمز، ما يمنحها القدرة على التأثير في أسعار الطاقة وفرض ضغوط سياسية.

وأكد مسؤولون أنهم قادرون على الصمود للحصول على ضمانات بعدم التعرض لهجمات جديدة، حتى مع خطر استئناف الحرب، معتبرين أن إيران قادرة على تحمّل الضغوط لفترة أطول من الولايات المتحدة وحلفائها.

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

لكن في نهاية المطاف، تبقى أولوية القيادة هي البقاء. فالحرب والحصار الأميركي، الذي يهدد تجارة النفط الإيرانية، يضغطان على اقتصاد البلاد المتدهور.

وقد أسهمت الأوضاع الاقتصادية الصعبة في اندلاع موجات من الاحتجاجات خلال العقدين الماضيين، بما في ذلك احتجاجات دعت إلى إسقاط النظام. وقد يساعد التوصل إلى اتفاق مع الغرب ورفع العقوبات في الحفاظ على الاستقرار الداخلي.

مؤشرات على الخلاف

وأشارت تطورات عطلة نهاية الأسبوع في مضيق هرمز إلى وجود خلافات بشأن حجم التنازلات في المفاوضات. فقد ظل الانخراط مع واشنطن محل انقسام داخل النخبة الإيرانية، رغم انعدام الثقة العميق تجاه الولايات المتحدة.

وفي يوم الجمعة، أعلن وزير الخارجية عباس عراقجي أن إيران ستفتح المضيق أمام الملاحة التجارية في إطار وقف إطلاق النار. وبعد ساعات، أكد ترمب أن الولايات المتحدة ستواصل الحصار للضغط على طهران.

وفي صباح السبت، أعلن الجيش الإيراني إعادة إغلاق المضيق رداً على الحصار.

وانتقدت بعض وسائل الإعلام الإيرانية تصريحات عراقجي، معتبرة أنها أعطت انطباعاً بالضعف، وكشفت عن تباين المواقف داخل النظام. وذكر تقرير لوكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» أن الموقف بشأن المضيق كان ينبغي أن يصدر عن المجلس الأعلى للأمن القومي.

ورد مكتب عراقجي بأن وزارة الخارجية «لا تتخذ أي إجراء دون التنسيق مع الجهات العليا». في مقابلة لاحقة، شدد قاليباف على أن جميع مكونات القيادة متفقة على استراتيجية التفاوض مع الولايات المتحدة.

وسيط محتمل

ويُنظر إلى قاليباف على أنه يمتلك موقعاً يسمح له بجسر الفجوات بين الأجنحة المختلفة داخل النظام. فهو جنرال سابق في «الحرس الثوري» وقائد سابق للشرطة، وحافظ على علاقات وثيقة مع المؤسسة العسكرية طوال مسيرته السياسية.

وخلال توليه رئاسة بلدية طهران بين 2005 و2017، اكتسب سمعة كونه مسؤولاً عملياً قادراً على تنفيذ المشاريع، رغم اتهامات بالفساد وانتهاكات حقوقية.

وكتب علي ربيعي، وهو إصلاحي بارز ومساعد للرئيس، في مقال صحافي أن قاليباف يمثل «الدولة والنظام».

وفي الوقت نفسه، يتمتع قاليباف بعلاقات وثيقة مع عائلة خامنئي، إذ يتحدر الطرفان من مدينة مشهد. وقال محسن سازغارا، أحد مؤسسي «الحرس الثوري» سابقاً والمعارض الحالي، إن مجتبى خامنئي دعم محاولات قاليباف المتكررة غير الناجحة للوصول إلى الرئاسة خلال فترة حكم والده.

كما يحتفظ قاليباف بعلاقات قوية مع القيادات الجديدة في «الحرس الثوري» التي خلفت القادة الذين قُتلوا، والتي يُنظر إليها على أنها تمسك بمفاتيح أي اتفاق مستقبلي مع الولايات المتحدة. وقد يتيح له هذا الدعم العابر للتيارات ضمان تأييد داخلي لأي اتفاق، في مواجهة معارضة محتملة من المتشددين الرافضين لتقديم تنازلات.