إردوغان: تطورات حلب «فرصة تاريخية» لاتفاق دمج «قسد» بالدولة السورية

جدل حول دعوة عبدي إلى تركيا للحوار... واتهامات لقيادات «الكردستاني»

عنصران من قوات الأمن السورية يقفان وسط المركبات المحترقة والذخيرة المتناثرة على الأرص في حي الشيخ مقصود في حلب (أ.ب)
عنصران من قوات الأمن السورية يقفان وسط المركبات المحترقة والذخيرة المتناثرة على الأرص في حي الشيخ مقصود في حلب (أ.ب)
TT

إردوغان: تطورات حلب «فرصة تاريخية» لاتفاق دمج «قسد» بالدولة السورية

عنصران من قوات الأمن السورية يقفان وسط المركبات المحترقة والذخيرة المتناثرة على الأرص في حي الشيخ مقصود في حلب (أ.ب)
عنصران من قوات الأمن السورية يقفان وسط المركبات المحترقة والذخيرة المتناثرة على الأرص في حي الشيخ مقصود في حلب (أ.ب)

رأى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أن التطورات الأخيرة في حلب هيأت «فرصة تاريخية» لتنفيذ اتفاق اندماج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الجيش ومؤسسات الدولة السورية الموقع في 10 مارس (آذار) 2025.

جاء ذلك في وقت تصاعد فيه الجدل حول مطالبة حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، المؤيد للأكراد، بدعوة قائد «قسد» مظلوم عبدي إلى أنقرة وإجراء حوار معه.

لا استهداف للأكراد

ونقلت قناة «إن تي في» الإخبارية التركية، الثلاثاء، عن مصادر بـ«حزب العدالة والتنمية» الحاكم أن إردوغان تناول التطورات في حلب خلال اجتماع المجلس التنفيذي المركزي للحزب، مساء الاثنين، مؤكداً أن تطهير حلب من عناصر «وحدات حماية الشعب الكردية»، يُعد إنجازاً مهماً في سبيل إرساء سلام وهدوء وأمن في سوريا بشكل مستدام.

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)

وقال إردوغان: «لا يمكننا السماح بتقويض الأخوة بين الأتراك والعرب والأكراد، يجب علينا إدارة العملية بحساسية، وتوخي الحذر من أي استفزازات، لقد أتاحت التطورات الأخيرة في حلب (فرصة تاريخية) لتنفيذ اتفاق 10 مارس، ونحن عازمون على مواصلة جهودنا في هذا الاتجاه، وتم اتخاذ جميع الاحتياطات اللازمة لمنع أي وضع يُهدد أمن تركيا».

بدوره، قال نائب رئيس حزب «العدالة والتنمية» المتحدث باسم الحزب، عمر تشليك، في مؤتمر صحافي عقب اجتماع المجلس التنفيذ المركزي للحزب برئاسة إردوغان، إن (تنظيم قسد) يتعمد تأجيل المفاوضات مع الحكومة السورية أو السعي لإفشالها في كل مرة تقترب من الوصول إلى نتيجة.

وأضاف أن «قسد» لم تتخذ أي خطوة إيجابية منذ أشهر بخصوص تنفيذ اتفاق 10 مارس، وحاولت جرّ العملية إلى صراع بتدخل مباشر من قيادات «حزب العمال الكردستاني» في جبل قنديل في شمال العراق.

ورفض تشيليك تصوير العملية ضد «قسد» في حلب، بأنها هجوم موجه ضد الأكراد، قائلاً: «هذا ليس صراعاً عربياً كردياً، بعض بؤر التنظيمات الإرهابية تحاول تصويره كذلك، وهذا نهج خطير للغاية وغير موجود على أرض الواقع».

اتهامات لـ«الكردستاني»

وسبق أن حمل مسؤولون أمنيون أتراك قيادة «حزب العمال الكردستاني» في قنديل، المسؤولية عن سقوط ضحايا مدنيين في الاشتباكات التي شهدها حيا الشيخ مقصود والأشرفية في حلب.

عودة سكان حي الأشرفية في حلب بعد خروجهم بسبب الاشتباكات بين القوات السورية و«قسد» (أ.ب)

وقالت مصادر أمنية إن جهاز المخابرات التركي كان على اتصال مباشر مع دمشق وواشنطن، ومع «قسد» عبر قنوات معينة، وبذل جهوداً مكثفة منذ بداية الاشتباكات في الحيين اللذين تقطنهما غالبية كردية، لإنهائها عبر المصالحة والحوار.

وأشارت المصادر إلى أن قائد «قسد» مظلوم عبدي، والرئيسة المشاركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، إلهام أحمد، وعدداً من الشخصيات الأخرى، أبدوا انفتاحاً على التوصل إلى حل وسط، لكن تعليمات صدرت من جبل قنديل إلى عناصر من «قسد» بالبقاء والقتال.

واستبعدت المصادر أن تؤثر التطورات في حلب على عملية «تركيا خالية من الإرهاب»، أو ما يطلق عليها الأكراد «عملية السلام والمجتمع الديمقراطي» التي أسفرت عن إعلان «حزب العمال الكردستاني» حل نفسه وإلقاء أسلحته، استجابة لدعوة زعيمه، السجين في تركيا، عبد الله أوجلان.

وبدوره قال الحزب، في بيان، الثلاثاء، نقلته «وكالة أنباء فرات» القريبة منه، إن المعارك التي شهدتها حلب استهدفت تقويض وقف إطلاق النار بين الحزب والجيش التركي.

وجاء في البيان أن «هذه الهجمات على الأحياء الكردية في حلب، مع الإشارة المتكررة إلى (حزب العمال الكردستاني)» خلالها، تهدف إلى «تقويض حركة التحرير ووقف إطلاق النار الذي التزم الحزب بتنفيذه بدقة».

رفض الحوار مع عبدي

في الوقت نفسه، أثارت مطالبة حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، المؤيد للأكراد، بدعوة عبدي إلى أنقرة والحوار معه، جدلاً حاداً في تركيا.

الرئيسان المشاركان لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» خلال مؤتمر صحافي بأنقرة في 11 يناير (حساب الحزب في إكس)

وأطلق الرئيسان المشاركان للحزب، تولاي حاتم أوغولاري وتونجر باكيرهان، هذه الدعوة، خلال مؤتمر صحافي، الأحد، انتقدا فيه، كذلك، تصريحات لوزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، قال فيها إن «قسد» لا تغير موقفها إلا عندما تواجه القوة.

ورأى باكيرهان أن تصريحات فيدان هي لغة يستخدمها العسكريون وليست لغة الدبلوماسية، متسائلاً عما إذا كان وزير خارجية تركيا يتحدث باسم حكومة دمشق.

جانب من مسيرة «أمهات السلام» في أنقرة الثلاثاء (إكس)

ونظمت مجموعة «أمهات السلام»، وهي من الأمهات التي فقدن أبناءهن في الحرب الطويلة بين «حزب العمال الكردستاني» والدولة التركية، مسيرة في أنقرة، الثلاثاء، أعلنت فيها رفض تصريحات فيدان، داعيات إلى أن تصدر الخارجية التركية بياناً تدعو فيه إلى وقف الحرب بين الجيش السوري و«قسد» التي تتسبب في معاناة للأكراد في سوريا.

وتعليقاً على مطالبة الحزب المؤيد للأكراد بالحوار مع مظلوم عبدي في أنقرة، قال رئيس حزب «الحركة القومية»، شريك حزب «العدالة والتنمية» في «تحالف الشعب»: «لقد تم حل تنظيم «حزب العمال الكردستاني» نفسه، وينبغي أن يكون مصير امتداد هذا التنظيم في سوريا (قسد) مماثلاً».

بهشلي متحدثاً أمام المجموعة البرلمانية لحزب «الحركة القومية» الثلاثاء (إكس)

ووصف بهشلي، الذي يعود إليه إطلاق مبادرة «تركيا خالية من الإرهاب» في 22 أكتوبر (تشرين الأول) 2024، عبدي، بأنه «دمية في يد إسرائيل الإرهابية»، قائلاً: «لا يمكن لأحد، خصوصاً حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» الادعاء بأن إخواننا الأكراد تعرضوا للهجوم، وسُفكت دماؤهم في حلب؛ لأن «وحدات حماية الشعب الكردية/ قسد»، هي التي استخدمت المدنيين دروع بشرية، واختبأت خلف الأبرياء، وعرضتهم للموت».

أوزيل متحدثاً أمام المجموعة البرلمانية لـ«حزب الشعب الجمهوري» الثلاثاء (حساب الحزب في إكس)

بدوره، حذر زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري»، أوزغور أوزيل، من خطورة التطورات في سوريا على الاستقرار الإقليمي، داعياً إلى الالتزام بتنفيذ اتفاق 10 مارس.

وأكد أوزيل أن دور تركيا في هذه المسألة يجب أن يكون دوراً داعماً للدبلوماسية.


مقالات ذات صلة

تخريج 2000 عنصر من المنتسبين الجدد للأمن السوري «بإطلالة بصرية محدّثة»

المشرق العربي استعراض تخريج 2000 عنصر في مقر الوزارة بدمشق الاثنين (الداخلية السورية)

تخريج 2000 عنصر من المنتسبين الجدد للأمن السوري «بإطلالة بصرية محدّثة»

احتفلت وزارة الداخلية، اليوم (الثلاثاء)، في مقر الوزارة، بتخريج 2000 عنصر من منتسبي الوزارة الجدد بعد إتمام برامجهم التدريبية واكتساب الخبرات التطبيقية اللازمة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي حافلة تقل سجناء خلال مراسم تبادل أسرى بين السلطات السورية ومقاتلين دروز في السويداء 26 فبراير (أ.ف.ب)

لجنة التحقيق في أحداث السويداء: تورط أفراد بينهم عناصر حكومية ومجموعات مسلحة و«داعش»

كشفت لجنة التحقيق الوطنية للتحقيق بأحداث السويداء التي وقعت في يوليو الماضي، عن توقيف ومحاكمة 23 عنصراً من الأمن العام ووزارة الدفاع بتهم ارتكاب انتهاكات.

سعاد جرَوس
تحليل إخباري من العملية الأمنية في مدينة دمر وسط سوريا عقب هجوم «داعش» في ديسمبر الماضي (أرشيفية - وزارة الداخلية)

تحليل إخباري غياب التنسيق على الحدود السورية العراقية قد يدعم خلايا «داعش»

مخاوف من تحول الحدود السورية العراقية إلى مناطق هشة تتسرب منها خلايا تنظيم «داعش»

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي السجون اللبنانية المكتظة تضم أكثر من 2200 سوري (رويترز)

لبنان يسلّم دمشق أكثر من 130 سجيناً سورياً تطبيقاً لاتفاق ثنائي

سلّم لبنان اليوم الثلاثاء دمشق أكثر من 130 موقوفاً سورياً، وفق ما ذكر مصدر قضائي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، تطبيقاً لاتفاق وقعه الجانبان في فبراير (شباط).

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي سوريون يتجمعون في دمشق في 15 مارس 2026 لإحياء ذكرى انتفاضة 2011 ضد بشار الأسد (رويترز)

سلطات العاصمة السورية تقيّد بيع المشروبات الكحولية

فرضت العاصمة السورية، الاثنين، قيوداً على بيع المشروبات الكحولية وحصرته في عدد من الأحياء المسيحية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

بعد أخبار عن مقتله... نتنياهو ينفي الشائعات في فيديو مع السفير الأميركي

رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القدس يوم 12 يوليو 2025 (د.ب.أ)
رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القدس يوم 12 يوليو 2025 (د.ب.أ)
TT

بعد أخبار عن مقتله... نتنياهو ينفي الشائعات في فيديو مع السفير الأميركي

رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القدس يوم 12 يوليو 2025 (د.ب.أ)
رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القدس يوم 12 يوليو 2025 (د.ب.أ)

نفى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الشائعات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بشأن مقتله، وسط الحرب المستمرة مع إيران.

وفي لقطات نشرت على موقع «إكس»، الثلاثاء، ظهر نتنياهو إلى جانب السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي. ويقول هاكابي ضاحكاً إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب طلب منه التأكد من أن نتنياهو بخير.

ورد نتنياهو مبتسماً: «نعم يا مايك، نعم، أنا حي».

ثم أظهر نتنياهو لهاكابي بطاقة، قائلاً إنه تم حذف اسمين منها الثلاثاء؛ في إشارة واضحة إلى تقارير عسكرية إسرائيلية عن مقتل اثنين من كبار المسؤولين الإيرانيين، حسبما أفادت «وكالة الأنباء الألمانية».

وكانت وكالة «تسنيم» الإيرانية للأنباء قد أوردت على وسائل التواصل الاجتماعي أن نتنياهو قُتل أو أُصيب، قائلة إن التسجيلات الأخيرة لرئيس الوزراء تم توليدها بواسطة الذكاء الاصطناعي.


رئيس إسرائيل: مقتل لاريجاني فرصة للاحتجاجات في إيران

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يلقي خطاباً في تولوز بجنوب فرنسا 20 مارس 2022 (رويترز)
الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يلقي خطاباً في تولوز بجنوب فرنسا 20 مارس 2022 (رويترز)
TT

رئيس إسرائيل: مقتل لاريجاني فرصة للاحتجاجات في إيران

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يلقي خطاباً في تولوز بجنوب فرنسا 20 مارس 2022 (رويترز)
الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يلقي خطاباً في تولوز بجنوب فرنسا 20 مارس 2022 (رويترز)

قال الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، إن مقتل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران علي لاريجاني يفتح المجال أمام الشعب الإيراني للاحتجاج.

وأشاد هرتسوغ، الثلاثاء، بعملية قتل لاريجاني ووصفها بأنها «خطوة مهمة للغاية»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وكان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قد قال في وقت سابق، إن لاريجاني قُتل في غارة جوية إسرائيلية في طهران.

وأعلنت إسرائيل في عدة مناسبات أن هدفها هو تغيير السلطة في طهران ودعت الشعب الإيراني إلى الإطاحة بقيادته السياسية.

كما أعلن الجيش الإسرائيلي أنه قتل قائد وحدات الباسيج الإيرانية غلام رضا سليماني.

وقال هرتسوغ إن لاريجاني وسليماني نشرا الكراهية والإرهاب. وأشار أيضاً إلى اختطاف جنديين إسرائيليين عام 2006، ما أدى إلى اندلاع حرب في لبنان.

وأوضح هرتسوغ أن لاريجاني أعطى موافقته لجماعة «حزب الله» اللبنانية. وأضاف: «آمل بصدق أن يفتح هذا الصراع آفاقاً جديدة للشرق الأوسط. وآمل أن يفيد هذا أيضاً العالم وأوروبا».


غلام رضا سليماني… قائد «الباسيج» في زمن الاحتجاجات والحرب

غلام رضا سليماني قائد قوات «الباسيج» في إيران (مهر)
غلام رضا سليماني قائد قوات «الباسيج» في إيران (مهر)
TT

غلام رضا سليماني… قائد «الباسيج» في زمن الاحتجاجات والحرب

غلام رضا سليماني قائد قوات «الباسيج» في إيران (مهر)
غلام رضا سليماني قائد قوات «الباسيج» في إيران (مهر)

لم يكن غلام رضا سليماني من الشخصيات التي اعتادت الظهور في واجهة المشهد السياسي الإيراني، لكن نفوذه داخل منظومة الأمن الداخلي كان واسعاً. فقد تولى قيادة قوات «الباسيج»، الذراع التعبوية لـ«الحرس الثوري» التي تشكل إحدى أهم أدوات الضبط الاجتماعي والأمني في إيران، رغم أن كثيراً من تفاصيل حياته ومسيرته ظل بعيداً عن الضوء.

وذكرت وسائل إعلام رسمية إيرانية، اليوم الثلاثاء، أن قائد قوات «الباسيج» التابعة لـ«الحرس الثوري»، قُتل في هجمات أميركية - إسرائيلية. وكانت إسرائيل قد أعلنت في وقت سابق من اليوم مقتل سليماني في ضربة استهدفته في طهران.

ولا تربط سليماني أي صلة قرابة بالجنرال قاسم سليماني، القائد السابق لـ«فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الذي قُتل في ضربة أميركية عام 2020. لكن الرجلين تقاطعا في نقطة واحدة: فكلاهما كان جزءاً من شبكة النفوذ العسكري والأمني التي تعتمد عليها الدولة في إدارة صراعاتها، داخلياً وخارجياً.

وُلد غلام رضا سليماني في منتصف ستينات القرن الماضي في مدينة فارسان بمحافظة چهارمحال وبختياري في غرب إيران. ودخل الحياة العسكرية مبكراً حين انضم متطوعاً إلى قوات «الباسيج» عام 1984 خلال الحرب الإيرانية - العراقية. وفي تلك المرحلة اكتسبت هذه القوة سمعتها القتالية عبر تكتيك «الموجات البشرية» الذي استخدمه المتطوعون الإيرانيون لاختراق المواقع العراقية المحصنة.

تدرج سليماني في صفوف «الباسيج» على مدى عقود، مستفيداً من طبيعة هذه المؤسسة التي تجمع بين العمل العسكري والتنظيم الاجتماعي والديني. وفي عام 2019 عُيّن قائداً عاماً لهذه القوة، ليصبح مسؤولاً عن شبكة واسعة تضم مئات الآلاف من الأعضاء والمتطوعين المنتشرين في مختلف أنحاء البلاد.

ولا تقتصر «الباسيج» على دور عسكري تقليدي. فهي بنية متعددة الوظائف داخل النظام الإيراني، تضم وحدات ذات طابع قتالي، وقوات مكافحة شغب، وشبكات مراقبة اجتماعية. وتعمل هذه القوة في الأحياء والجامعات والمؤسسات الحكومية، وتدير في كثير من الأحيان شبكة واسعة من المخبرين الذين يقدمون معلومات عن النشاط السياسي والاجتماعي داخل المجتمع الإيراني.

وخلال موجات الاحتجاج التي شهدتها إيران في السنوات الأخيرة، كانت «الباسيج» في الخط الأمامي لعمليات القمع. وغالباً ما يظهر عناصرها بملابس مدنية وهم يهاجمون المتظاهرين ويعتقلونهم أو يقتادونهم بعيداً عن الشوارع. وقد جعل هذا الدور من القوة، ومن قائدها، أحد أبرز رموز القبضة الأمنية للنظام.

وبسبب هذا الدور، فرضت الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية عقوبات على غلام رضا سليماني منذ عام 2021، على خلفية تورطه في قمع الاحتجاجات التي أعقبت الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها عام 2009، كما اتهمت وزارة الخزانة الأميركية قوات «الباسيج» بالمسؤولية عن مقتل «مئات الرجال والنساء والأطفال الإيرانيين» خلال حملة القمع التي رافقت احتجاجات عام 2019.

وتكرر المشهد في موجة الاحتجاجات الواسعة التي اندلعت في إيران خلال السنوات الأخيرة، عندما خرج آلاف الإيرانيين إلى الشوارع احتجاجاً على الأوضاع السياسية والاقتصادية. وقد قُتل الآلاف واعتُقل عشرات الآلاف خلال تلك الأحداث، في واحدة من أعنف حملات القمع منذ الثورة الإسلامية عام 1979.

داخل بنية النظام، كان سليماني يمثل وجهاً مختلفاً للقوة مقارنة بقادة «الحرس الثوري» العاملين في الخارج. فإذا كان «فيلق القدس» يشكل الذراع الخارجية لإيران في الإقليم، فإن «الباسيج» تمثل الذراع الداخلية الخشنة. فهي شبكة تعبئة اجتماعية وأداة أمنية في الوقت نفسه، تُستخدم لمراقبة المجتمع، وتنظيم المؤيدين، والتدخل الميداني في حالات الاضطراب.

وخلال الأسابيع الأخيرة من الحرب، برز دور «الباسيج» مجدداً مع تشديد الإجراءات الأمنية داخل المدن الإيرانية. فقد أقامت هذه القوة نقاط تفتيش في طهران ومدن أخرى، وشاركت في عمليات التفتيش والمراقبة، في محاولة لاحتواء أي اضطرابات داخلية محتملة في ظل الحرب والتوتر السياسي.

ويمثل مقتل سليماني، إذا ثبتت تفاصيله الكاملة، ضربة لإحدى أبرز أدوات الضبط الداخلي في إيران، إذ ترتبط قوات «الباسيج» مباشرة بإدارة الأمن الداخلي ومواجهة الاحتجاجات، فضلاً عن دورها في تعبئة الأنصار ومراقبة المجتمع. ولهذا يحمل استهداف قائدها بعداً رمزياً وعملياً في آن واحد، في لحظة يحتاج فيها النظام الإيراني إلى تماسك مؤسساته الأمنية أكثر من أي وقت مضى.