تصعيد جديد بين باريس وطهران بعد اتهامات لرهينتين فرنسيتين بالتجسس لصالح إسرائيل

فرنسا هددت إيران بتفعيل آلية «سناب باك» إذا لم تفرج عن كوهلر وباريس

صورتان للرهينتين الفرنسيتين سيسيل كوهلر وجاك باريس علقتا على السوار الحديدي للبرلمان الفرنسي مع دعوة لإطلاق سراحهما (أ.ف.ب)
صورتان للرهينتين الفرنسيتين سيسيل كوهلر وجاك باريس علقتا على السوار الحديدي للبرلمان الفرنسي مع دعوة لإطلاق سراحهما (أ.ف.ب)
TT

تصعيد جديد بين باريس وطهران بعد اتهامات لرهينتين فرنسيتين بالتجسس لصالح إسرائيل

صورتان للرهينتين الفرنسيتين سيسيل كوهلر وجاك باريس علقتا على السوار الحديدي للبرلمان الفرنسي مع دعوة لإطلاق سراحهما (أ.ف.ب)
صورتان للرهينتين الفرنسيتين سيسيل كوهلر وجاك باريس علقتا على السوار الحديدي للبرلمان الفرنسي مع دعوة لإطلاق سراحهما (أ.ف.ب)

دخلت العلاقات الفرنسية - الإيرانية، المتوترة أصلاً، حقبة جديدة من المطبات الهوائية بحيث تضاعف مستوى التصعيد القائم بين باريس وطهران. والسبب «الإضافي» مرده إلى التهم الثلاث الجديدة التي وجهها القضاء الإيراني لمواطنين فرنسيين هما سيسيل كوهلر ورفيق دربها جاك باريس، المحتجزين في إيران، في سجن إيفين، منذ 1153 يوماً.

وأولى التهم «التجسس لحساب جهاز الموساد» (المخابرات الخارجية الإسرائيلية). وثانيتها: «التآمر لقلب النظام الإيراني». وثالثتها: «الإفساد في الأرض». وعقوبة كل من هذه التهم، وفق القانون الإيراني، هي الإعدام. وسبق للقضاء أن وجه إلى كوهلر تهمة التجسس لصالح جهاز المخابرات الخارجية الفرنسي، كما تم انتزاع «اعترافات» منها بُثّت على إحدى القنوات التلفزيونية الإيرانية، الأمر الذي نددت به باريس بقوة، واعتبرت أنها انتزعت منها «بالإكراه».

وفي أي حال، تعتبر فرنسا مواطنيها بمثابة «رهينتي دولة» بيد السلطات الإيرانية، ودأبت، منذ اعتقالهما، إلى المطالبة بالإفراج عنهما دون تأخير. وكوهلر وباريس هما آخر رهينتين فرنسيتين، إذ عمدت طهران، تباعاً، إلى الإفراج عن أربعة رهائن بعضها تم في ظروف أقل ما يقال عنها إنها «غامضة».

وهدّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إيران بـ«إجراءات انتقامية» إذا أبقت على تهمة التجسس لصالح إسرائيل بحق المحتجزَين الفرنسيين، معتبراً ذلك «استفزازاً لفرنسا وخياراً عدوانياً غير مقبول». وأكد عزمه مناقشة القضية قريباً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، قائلاً: «الرد لن يتأخر».من جهتها، قالت السفارة الإيرانية في باريس إن القضية لا تزال قيد التحقيق القضائي ولم يُتخذ أي قرار نهائي بعد.

أولوية الأولويات الفرنسية

إزاء هذا التطور اللافت الذي يأتي في سياق عمليات القبض على العديد من الإيرانيين والأجانب التي تقوم بها الأجهزة الأمنية الإيرانية والتي تتبعها غالباً اتهامات بالتعامل مع «الموساد» نظراً للاختراقات الإسرائيلية الواسعة والخطيرة للأجهزة العسكرية والمدنية الإيرانية، كان من الضروري لباريس أن ترفع الصوت، لا، بل إن تهدد طهران. وجاء ذلك على لسان وزير الخارجية جان نويل بارو الذي بعث، الخميس، بأربع رسائل إلى السلطات الإيرانية: أولاها: «المطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط» عن سيسيل كوهلر البالغة من العمر 40 عاماً، وعن جاك باريس البالغ 72 عاماً.

ماكرون محاطاً برئيس الحكومة فرنسوا بايرو (يسار) ومانويل فالس وزير شؤون ما وراء البحار خلال اجتماع في قصر الإليزيه الأربعاء (أ.ف.ب)

والثانية: اعتبار باريس أن التهم الموجهة إليهما، في حال تأكد توجيهها، «غير مبررة ولا أساس لها من الصحة». وثالثة الرسائل: إعادة التأكيد على أن فرنسا «ستواصل الوقوف إلى جانبهما وإلى جانب عائلتيهما اللتين تمران بمحنة عصيبة للغاية، طالما كان ذلك ضرورياً». وجاء في حرفية رابعة الرسائل أن «إطلاق سراح سيسيل كوهلر وجاك باريس أولوية مطلقة بالنسبة لنا، ولطالما أكدنا لمحاورينا في النظام الإيراني أن مسألة القرارات المحتملة بشأن العقوبات ستكون مشروطة بحل هذه المشكلة، وهذا الخلاف الكبير، والإفراج» عن كوهلر وباريس.

لماذا ترفض طهران إطلاق سراح الرهينتين؟

ثمة صعوبة في التعامل مع هذه المسألة وقوامها أن الجانب الإيراني الرسمي لم يؤكد أو يشر إلى هذه الاتهامات التي جاء خبرها على لسان «دبلوماسي غربي» هو على الأرجح الدبلوماسي الفرنسي الذي سمح له بالقيام بزيارة قنصلية للسجينين، وقد نقل عنهما أنهما مثلا أمام قاضٍ (من غير تحديد تاريخ)، وأن الأخير وجه «إليهما الاتهامات الخطيرة». ونقل عن ناعومي كوهلر، شقيقة سيسيل، قولها: «جل ما نعلمه أنهما التقيا قاضياً أكد لهما الاتهامات» مضيفة أن الاثنين لم يتمكنا من الاطلاع على ملفيهما، كما أنهما حُرما من التواصل مع محامين مستقلين للدفاع عنهما.

منذ مدة طويلة، يندد الفرنسيون بالمعاملة السيئة التي وصفتها باريس بأنها «ترقى إلى مستوى التعذيب». وذهبت فرنسا، في شهر أبريل (نيسان) الماضي، إلى تقديم شكوى رسمية ضد إيران أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي منددَة بـ«الاحتجاز التعسفي» المفروض على مواطنيها.

واللغز الذي يحير متابعي هذه المسألة يتناول الأسباب التي دفعت إيران إلى الإفراج سابقاً عن أربعة رهائن فرنسيين، بينما ترفض التجاوب مع الطلب المتكرر الذي تصر عليه باريس، إن على لسان إيمانويل ماكرون، رئيس الجمهورية، أو جان نويل بارو، وزير الخارجية، وهو ما أكده الأخير الخميس.

من هنا، العودة إلى الحديث عن «دبلوماسية الرهائن» التي تتبناها طهران منذ سنوات، والقائمة على الإبقاء على مواطنين غربيين في سجونها حتى الحصول على مقابل. لكن تجدر الإشارة إلى أن ماكرون هو المسؤول الغربي الوحيد الذي يتواصل مع نظيره مسعود بزشكيان. وآخر اتصال بينهما يعود ليوم الأحد الماضي. ووفق التغريدة التي كتبها ماكرون على منصة «إكس» بعد الاتصال وضمنها ستة مطالب، جاء الإفراج عن كوهلر وباريس في المرتبة الأولى، وفي الثانية المحافظة على المؤسسات الفرنسية، تليها مطالب أربعة تخص البرنامج النووي الإيراني وتشعباته.

اتهامات متبادلة بين باريس وطهران

يرى مصدر فرنسي على صلة بملف العلاقات الفرنسية - الإيرانية أن الأجواء السائدة بين الجانبين «لا تبشر بخير» بسبب الاتهامات المتبادلة بينهما. فطهران تأخذ على باريس امتناعها عن إدانة «الهجمات الاستباقية» التي قامت بها إسرائيل ضد المواقع النووية الإيرانية واكتفاءها بالدعوة إلى عدم التصعيد وهو ما اعتبرته، ضمناً، تأييداً للعمليات الإسرائيلية.

سيسيل كوهلر تقف أمام لوحة في فيديو اعترافات قسرية بثته قناة «العالم» الإيرانية العام الماضي

كذلك، امتنعت فرنسا عن انتقاد أو توجيه اللوم لواشنطن للضربات التي أمر بها الرئيس ترمب، فضلاً عن تبنيها للمطلب الأميركي - الإسرائيلي بمنع إيران من تخصيب اليورانيوم على أراضيها، أو ما يسمى «صفر تخصيب». كذلك، تأخذ على فرنسا دورها في الاجتماع الأخير لمجلس المحافظين الذي أصدر قراراً، بطلب غربي، يدين إيران لعدم احترامها لالتزاماتها في إطار معاهدة منع انتشار السلاح النووي. وتعتبر طهران أن القرار المذكور وفر لإسرائيل الذريعة للقيام بحربها الاستباقية ضد إيران. ولا تمر الأخيرة مرور الكرام على «تشدد» فرنسا والسير في دعوتها لتحجيم البرنامج الصاروخي - الباليستي الإيراني (إضافة إلى النووي)، ومعطوفاً عليه التنديد بسياسة طهران الإقليمية التي تصفها بأنها «مزعزعة للاستقرار».

في المقابل، فإن باريس تأخذ على طهران استخدامها الرهينتين للضغط عليها، فضلاً عن وقوفها إلى جانب روسيا في حربها على أوكرانيا، وسياساتها الضارة في الإقليم، والقمعية في الداخل.

العودة إلى «سناب باك»

إزاء هذه الوضعية المعقدة، لم يتردد وزير الخارجية في اللجوء إلى «المدفعية الثقيلة»، أي التهديد بالسعي لتفعيل آلية «سناب باك» في مجلس الأمن الدولي التي تتيح إعادة فرض ست مجموعات من العقوبات الدولية على إيران، والتي جاءت في ستة قرارات دولية. وليس سراً أن إيران تتخوّف من هذا الاحتمال، وسبق لها أن هدّدت باتخاذ إجراءات جذرية للرد عليه. وبعد أن قررت الأربعاء وقف التعامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإن الإجراء الجذري قد يكون الخروج من معاهدة حظر الانتشار النووي، وهو ما دأب الرئيس ماكرون على التحذير منه.

بارو متحدثاً في البرلمان الثلاثاء وهدد إيران بتفعيل آلية «سناب باك» في حال لم تفرج عن الرهينتين الفرنسيتين (أ.ف.ب)

هل سترعوي إيران، وتذعن للمطلب الفرنسي بعد أن أشهرت باريس هذا السلاح؟ السؤال مطروح، لكن الإجابة عنه راهناً بالغة الصعوبة، كمن يضرب الرمل لقراءة المستقبل. لكن ما هو ثابت أن بين الطرفين اليوم هوّة سحيقة رغم التواصل غير المنقطع بين الجانبين. وبأي حال، فإن ربط بارو وجهة السياسة الفرنسية بملف بالغ الخطورة كالملف النووي الإيراني، الذي لا يخفى تأثيره على الوضع الأمني والاستراتيجي في الشرق الأوسط، فضلاً عن تداعياته السياسية، يبدو مبالغاً فيه، خصوصاً أن موضوع «سناب باك» ليس محصوراً بفرنسا وحدها، إنما تتشارك فيه مع بريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة، ومجلس الأمن ككل.


مقالات ذات صلة

«حماس» ترفض اتهامات «العفو الدولية» بارتكاب جرائم ضد الإنسانية

العالم العربي عناصر من «حماس» برفقة أعضاء من اللجنة الدولية للصليب الأحمر يتوجهون إلى حي الزيتون في مدينة غزة للبحث عن رفات الرهائن المتوفين (أ.ب)

«حماس» ترفض اتهامات «العفو الدولية» بارتكاب جرائم ضد الإنسانية

خلص تقرير جديد لمنظمة العفو الدولية إلى أن «حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية» (حماس) ارتكبت جرائم ضد الإنسانية خلال هجومها على جنوب إسرائيل في 7 أكتوبر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية مسلحون من حركتي «حماس» و«الجهاد» يعثرون على جثة خلال عملية البحث عن جثث الرهائن القتلى في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (رويترز)

إسرائيل تتسلّم جثمان رهينة عبر الصليب الأحمر من غزة

أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اليوم الأربعاء، أن تل أبيب تسلمت عبر الصليب الأحمر، نعش أحد الرهائن كان جثمانه في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة - تل أبيب)
شؤون إقليمية وصول سيارة تحمل رفات شخص تقول «حماس» إنه رهينة متوفى تم تسليمه في وقت سابق اليوم من قبل مسلحين في غزة إلى السلطات الإسرائيلية إلى معهد للطب الشرعي في تل أبيب... إسرائيل 2 ديسمبر 2025 (أ.ب)

إسرائيل تعلن تسلّم بقايا جثمان رهينة كان محتجزاً في غزة

قالت الشرطة الإسرائيلية، اليوم (الثلاثاء)، إنها تسلّمت بقايا جثمان إحدى الرهينتين المتبقيتين في قطاع غزة قبل نقله إلى معهد الطب الشرعي قرب تل أبيب للتعرف عليه.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب - غزة)
تحليل إخباري عراقجي يصل إلى باريس للقاء نظيره الفرنسي صباح الأربعاء (الخارجية الإيرانية)

تحليل إخباري تباين الأولويات يحد من فرص الانفراج بين باريس وطهران

عراقجي من باريس: لسنا مستعجلين... وننتظر الأميركيين للتفاوض حول «النووي»... وصفقة تبادل المساجين بيننا وبين فرنسا أصبحت جاهزة وستتم بعد شهرين.

ميشال أبونجم (باريس)
تحليل إخباري عراقجي يلقي كلمة أمام المؤتمر السنوي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي الثلاثاء (الخارجية الإيرانية)

تحليل إخباري هل تمهد محادثات عراقجي لانفتاح إيراني على الثلاثي الأوروبي؟

لم يكن اختيار وزير الخارجية الإيراني باريس لتكون محطته الثالثة في الجولة التي يقوم بها راهناً، والتي شملت مسقط ولاهاي، من باب الصدفة.

ميشال أبونجم (باريس)

ترمب: واشنطن «مستعدة للمساعدة» مع استمرار الاحتجاجات في إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
TT

ترمب: واشنطن «مستعدة للمساعدة» مع استمرار الاحتجاجات في إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، أن الولايات المتحدة «مستعدة للمساعدة»، مع استمرار موجة الاحتجاجات في إيران وقمع السلطات لها.

وقال ترمب في منشور على منصته «تروث سوشال»: «إيران تتطلع إلى الحرية، ربما في شكل لم يسبق له مثيل. الولايات المتحدة مستعدة للمساعدة».

وجاء تعليقه غداة إعلانه أن «إيران في ورطة كبيرة»، متوعداً القيادة الإيرانية باللجوء إلى السبل العسكرية.


تقرير: إدارة ترمب ناقشت شن هجوم على إيران «إذا لزم الأمر»

ترمب يتحدث في المكتب البيضاوي بينما وضع أمامه مجسماً من قاذفات «بي 2» التي قصفت منشآت إيران النووية 6 أغسطس الماضي (أ.ف.ب)
ترمب يتحدث في المكتب البيضاوي بينما وضع أمامه مجسماً من قاذفات «بي 2» التي قصفت منشآت إيران النووية 6 أغسطس الماضي (أ.ف.ب)
TT

تقرير: إدارة ترمب ناقشت شن هجوم على إيران «إذا لزم الأمر»

ترمب يتحدث في المكتب البيضاوي بينما وضع أمامه مجسماً من قاذفات «بي 2» التي قصفت منشآت إيران النووية 6 أغسطس الماضي (أ.ف.ب)
ترمب يتحدث في المكتب البيضاوي بينما وضع أمامه مجسماً من قاذفات «بي 2» التي قصفت منشآت إيران النووية 6 أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

أفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، السبت، عن مسؤولين أن الإدارة الأميركية ناقشت خيارات التعامل مع إيران، بما في ذلك كيفية تنفيذ تهديدات الرئيس دونالد ترمب بشن هجوم في حال أقدمت السلطات الإيرانية على قتل محتجين.

وأضافت الصحيفة، نقلاً عن مسؤول أميركي، أنه لا توجد مؤشرات على هجوم وشيك، مؤكداً أن الولايات المتحدة لم تحرك حتى الآن أي قوات أو عتاد عسكري تمهيداً لعمل عسكري ضد إيران.

وأوضح المسؤول أن أحد السيناريوهات التي نوقشت يتمثل في شن غارة جوية مركزة وواسعة النطاق تستهدف مواقع عسكرية إيرانية محددة، في حال اتخذ قرار بالتصعيد.

وذكرت «وول ستريت جورنال» أن إدارة ترمب ناقشت أيضاً طبيعة الأهداف المحتملة في حال تنفيذ الهجوم، لكنها أشارت إلى عدم التوصل إلى إجماع داخل الإدارة بشأن كيفية التعامل مع هذا الملف.

وكان ترمب قد قال، الخميس، تعليقاً على الاحتجاجات في إيران، إن «إيران لا تتصرف بشكل جيد»، مضيفاً: «سنضرب إيران بقوة إذا قتلوا المحتجين».


تقرير: طائرة إف 35 التي تعدّها إسرائيل «أعظم أسلحتها» قد تصبح «أكبر مشاكلها»

مقاتلة من طراز «إف 35» خلال حفل تخرج لطياري سلاح الجو الإسرائيلي (رويترز)
مقاتلة من طراز «إف 35» خلال حفل تخرج لطياري سلاح الجو الإسرائيلي (رويترز)
TT

تقرير: طائرة إف 35 التي تعدّها إسرائيل «أعظم أسلحتها» قد تصبح «أكبر مشاكلها»

مقاتلة من طراز «إف 35» خلال حفل تخرج لطياري سلاح الجو الإسرائيلي (رويترز)
مقاتلة من طراز «إف 35» خلال حفل تخرج لطياري سلاح الجو الإسرائيلي (رويترز)

قالت صحيفة «إسرائيل هيوم» إن طائرة إف 35 الشبحية، التي منحت إسرائيل تفوقاً ساحقاً، أصبحت تحظى باهتمام خصومها، مما يُعرّض تفوق إسرائيل النوعي للخطر بسبب التأخير والتردد، حسب قولها.

وأضافت أن «النجاح الباهر الذي حققه سلاح الجو الإسرائيلي في الحرب مع إيران أدى إلى مشكلة غير متوقعة، فقد رأت دول العالم، وخاصة في الشرق الأوسط، التفوق الجوي الإسرائيلي المطلق، وقررت أن تحذو حذوه».

وتابعت: «يصعب، إن لم يكن مستحيلاً، تكرار هذا التفوق؛ لأنه لا يقوم على عنصر واحد. إنه نتاج طائرات متميزة مزودة بأنظمة متطورة، بعضها فريد من نوعه، وأنظمة قيادة وتحكم متطورة، وتكامل بين جميع المكونات الجوية والبرية ذات الصلة، وشراكة وثيقة بين المشغل، سلاح الجو الإسرائيلي، والشركة المصنعة في الصناعات الدفاعية الأميركية والإسرائيلية».

3 مقاتلات من طراز «إف 35» (أ.ب)

وذكرت الصحيفة أن «استخدام سلاح الجو الإسرائيلي لهذه الطائرة لم يقتصر على مهام التخفي فحسب، بل أسهم أيضاً في مضاعفة القوة ودفع الأسطول بأكمله إلى الأمام، وقد انعكس ذلك في تدمير أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية بشكل أسرع وأكثر دقة، وجمع المعلومات الاستخباراتية ونشرها في الوقت الفعلي، وتحديد أولويات المهام وتوزيعها، وتقليص الجداول الزمنية للعمليات، وتحقيق التفوق الجوي الذي لاقى صدى لدى الجميع في الميدان، من حلفاء وخصوم على حد سواء، وحتى المترددين».

وتابعت أنه «بمجرد انتهاء الحرب، بدأت الطلبات تنهال، وتواصلت دول عديدة مع الإدارة الأميركية وشركة (لوكهيد مارتن)، الشركة المصنعة للطائرة، سعياً للحصول عليها. بعض هذه الدول كانت مدرجة بالفعل على قائمة الانتظار وطلبت تسريع عمليات التسليم، ولا سيما الدول الأوروبية مثل ألمانيا ورومانيا واليونان وفنلندا والتشيك وسويسرا».

وذكرت أنه بمجرد أن تُخصص هذه الدول التمويل اللازم، فإنها تدخل في قائمة الإنتاج، مما يُؤخر إسرائيل بالضرورة حيث يُشغل سلاح الجو الإسرائيلي حالياً 45 طائرة إف 35، ومن المتوقع أن يتسلم خمس طائرات أخرى في الأشهر المقبلة، مُكملاً بذلك أول سربين لديه.

ومن المقرر أن تبدأ عمليات تسليم السرب الثالث، المتفق عليها مسبقاً، في عام 2028 وتنتهي في أوائل ثلاثينات القرن الحالي.

وعندها، سيُشغل سلاح الجو 75 طائرة إف 35. مع ذلك، يدور حديث داخل الجيش الإسرائيلي عن حاجة ماسة إلى سرب رابع، أي ما يعادل 100 طائرة، للحفاظ على قوة جوية كافية لضمان التفوق المطلوب، وللحصول على سرب إضافي، يجب على إسرائيل ضمان مكان لها في قائمة الإنتاج والتسليم، لكنها تتباطأ في هذا الشأن، كما أنه من غير الواضح من أي ميزانية سيتم تمويل السرب الإضافي؛ إذ من المقرر أن تنتهي اتفاقية المساعدة الأمنية الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل بنهاية عام 2028.

وكان الجيش الإسرائيلي يأمل في إحراز تقدم في هذا الموضوع عقب قمة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، التي توقع أن تُفضي إلى اتفاقية مساعدة جديدة للعقد التالي.

بالنسبة لإسرائيل، فإن المخاطر هائلة؛ إذ تبلغ قيمتها قرابة 40 مليار دولار، فَدُون مثل هذه الاتفاقية، سيتعين عليها دفع ثمن كل طائرة بالشيقل.

مقاتلة من طراز «إف 35» شبيهة بما تمتلكه إسرائيل (رويترز)

وتجلب هذه الصفقات الضخمة فوائد إضافية؛ ففي إطار برنامج إف 35، يوجد تعاون صناعي بقيمة 6.5 مليار دولار.

وفي إطار هذا الاتفاق، تتولى شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية تصنيع أجنحة الطائرة، بينما تُنتج شركة «إلبيت سيستمز» خوذات الطيارين.

ويوجد ترتيب مماثل مع شركة «بوينغ»، التي تُصنّع طائرات إف 15 إيه، التي يعتزم سلاح الجو الإسرائيلي اقتناءها في سرب واحد، إلى جانب السرب الثالث من طائرات إف 35، وهنا أيضاً، تمتلك إسرائيل خيار شراء سرب إضافي لم يُفعّل بعد.

وأكدت الصحيفة أنه ينبغي على إسرائيل أن تُدرك أنها لن تتمكن إلى أجل غير مسمى من منع دول المنطقة الأخرى من اقتناء طائرات متطورة وتقنيات رائدة.

ويشمل ذلك تركيا، التي كانت من بين الأعضاء المؤسسين لمشروع إف 35، ثم استُبعدت منه، وتسعى الآن للانضمام إليه مجدداً في ظل العلاقات الودية بين ترمب والرئيس التركي رجب طيب إردوغان، وهذا الاحتمال يُثير قلقاً بالغاً لدى إسرائيل. يجب أن يشمل الحل ليس فقط جهوداً لتأخير تعزيز القدرات العسكرية لدى تركيا، بل أيضاً تسريع عمليات الشراء لدى إسرائيل، وهذا لا يقتصر على الطائرات المتطورة فحسب، بل يشمل أيضاً شراء المزيد من طائرات الهليكوبتر الهجومية.