الكرملين يقيم توازناً دقيقاً بين الشراكة مع طهران وتطوير العلاقات مع واشنطن

بوتين بحث مع عراقجي «سبل الخروج من الوضع الراهن» في الشرق الأوسط

TT

الكرملين يقيم توازناً دقيقاً بين الشراكة مع طهران وتطوير العلاقات مع واشنطن

بوتين يصافح عراقجي خلال لقائهما في الكرملين بموسكو (إ.ب.أ)
بوتين يصافح عراقجي خلال لقائهما في الكرملين بموسكو (إ.ب.أ)

قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن «العدوان المستفز» ضد إيران لا يستند إلى أي مبررات، أو أعذار، وأوضح خلال استقباله وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده ستسعى إلى «مساعدة الشعب الإيراني». لكن رغم الأجواء الدافئة وعبارات التضامن التي قوبل بها الوزير الإيراني في موسكو، بدا حرص الكرملين واضحاً على إقامة توازن دقيق بين متطلبات «الشراكة الاستراتيجية مع إيران»، وهدف تطوير العلاقات مع واشنطن، والذي توليه موسكو أهمية كبرى. وكان الكرملين قد التزم الصمت الأحد حيال الضربات الأميركية على مواقع إيرانية في الليلة السابقة، واكتفت القيادة الروسية بإصدار بيان باسم وزارة الخارجية أدان الهجوم. وبدا هذا الموقف متعمّداً بانتظار وصول عراقجي إلى موسكو، ومناقشة الوضع الراهن معه. وقال بوتين خلال استقبال الوزير الإيراني إن «موقف روسيا بشأن تصاعد التوتر حول إيران وإسرائيل معروف جيداً، وقد انعكس في بيان وزارة الخارجية الروسية»، متجنباً الإشارة إلى الدخول الأميركي على خط الهجوم على المنشآت النووية في إيران.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يجتمع مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في موسكو اليوم (رويترز)

وشدد على أن «العدوان المستفز ضد إيران لا يستند إلى أي مبررات أو أعذار»، مؤكداً أن روسيا «لديها علاقات طويلة الأمد وموثوقة مع إيران، وستعمل كل ما هو ممكن لتقديم المساعدة للشعب الإيراني». وأضاف الرئيس الروسي أن «زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى روسيا تتيح مناقشة كيفية الخروج من الوضع الراهن في الشرق الأوسط، والتفكير فيه».

من جهته، قال عراقجي إن «طهران تعتبر أفعال الولايات المتحدة وإسرائيل تجاه إيران غير شرعية، والجانب الإيراني يحق له الدفاع عن نفسه... التوتر في الشرق الأوسط يتصاعد بسبب هجوم إسرائيل والولايات المتحدة على إيران». وأضاف: «تتزايد التوترات في الشرق الأوسط بسبب هجمات إسرائيل والولايات المتحدة على إيران»، ومضيفاً أن روسيا وإيران تواصلان التشاور باستمرار في جميع المجالات، وخاصةً في قضايا الأمن العالمي. وأعرب عن امتنان طهران لموسكو لإدانتها تصرفات إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران. وزاد: «أردنا أيضاً أن نشكر روسيا على إدانتها الشديدة لهذه التصرفات. روسيا اليوم على الجانب الصحيح من التاريخ والقانون الدولي. طلب مني المرشد (علي خامنئي) ورئيس إيران، السيد (مسعود) بزشكيان، أن أنقل إليكم أطيب تمنياتهما».

وفي وقت سابق، أعربت الخارجية الإيرانية على لسان متحدثها إسماعيل بقائي عن أمل طهران في أن تضطلع روسيا بدورها في وقف التصعيد بالشرق الأوسط، وذلك على خلفية الضربات الإسرائيلية والأميركية لإيران. وقال بقائي في مؤتمر صحافي أسبوعي إن «العدوان الصهيوني على إيران قد تمّ بالتنسيق مع الولايات المتحدة، وأميركا شريكة في كل هذه الجرائم». وأضاف: «تربطنا علاقات صداقة طويلة مع روسيا، وبالطبع، فإن الأحداث في المنطقة تعني روسيا بصفة أنها لاعب أساسي على الساحة الدولية. تربطنا اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة، ولدينا توقعات معينة من هذا البلد فيما يتعلق بدوره على المستوى متعدد الأطراف، سواء في مجلس الأمن الدولي، أو على المستوى الإقليمي».

وتابع: «تجري إيران مشاورات نشطة مع دول أخرى حتى مع دول لا تربطنا بها علاقات رسمية، لأننا نؤمن بأن أي هجوم عسكري على الأراضي الإيرانية ليس مجرد عدوان على دولة، بل إنه انتهاك واضح للقانون الدولي، وتهديد للنظام العالمي».

وقال إن «جهود طهران منصبة على الدفاع الحازم عن سيادة البلاد، ولن نسمح لأي مسألة هامشية أن تثنينا عن هذا الهدف. الأولوية الآن هي الدفاع عن البلاد، ودحر العدو الذي أطلق بدعم من الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية حرباً ظالمة على الأمة الإيرانية»، مضيفاً أنه «يجب ألا ننسى أن هذا العدوان العسكري وقع في وقت كانت فيه إيران مستعدة للجولة السادسة من المفاوضات النووية مع دولة أصبحت الآن طرفاً في هذه الحرب».

وأعلن الكرملين، في وقت سابق من يوم الاثنين أن «دعم روسيا لإيران سيتحدد وفقاً لاحتياجات طهران». وفي ردّ على التصريحات الأميركية حول إمكانية تغيير النظام في إيران، شدد على أن «مصير القيادة في أي بلد يجب أن يقرره شعبه، لا أطراف خارجية». لكن اللافت في تصريحات المتحدث باسم الرئاسة الروسية، ديمتري بيسكوف، كان حرص موسكو على إبداء موقف معارض للهجمات على إيران، مع تجنّب انتقاد مباشر لواشنطن، والتشديد في الوقت نفسه على رغبتها في مواصلة تحسين العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة. وأوضح بيسكوف هذا التوازن بالقول: «الشراكة الاستراتيجية مع إيران واستعادة العلاقات مع الولايات المتحدة تمثلان أولويتين لموسكو»، مضيفاً أن «مسار العلاقات الروسية - الأميركية والضربات الأميركية على إيران مسألتان منفصلتان، ومن غير المرجح أن تؤثر إحداهما في الأخرى».

وأضاف أن فرص التوصل إلى تسوية في عدد من الملفات تعتمد بشكل كبير على تطوير الحوار بين روسيا والولايات المتحدة. كما حرص بيسكوف على التأكيد أن زيارة عراقجي كانت مجدولة مسبقاً، ولا علاقة لها بتوقيت الضربات الأميركية على الأراضي الإيرانية. لكنه أشار إلى أن الزيارة «اكتسبت أهمية إضافية بعد الضربة الأميركية». وفي السياق نفسه، شدد بيسكوف على أن عراقجي لم يحمل أي رسالة خطية من خامنئي إلى بوتين، خلافاً لما أوردته بعض وسائل الإعلام الغربية. وكانت وكالة «رويترز» قد أفادت في وقت سابق، نقلاً عن مصادر، بأن عراقجي سلم بوتين رسالة من المرشد الإيراني يطلب فيها دعماً. إلا أن بيسكوف نفى ذلك قائلاً: «كما رأيتم، (عراقجي) جاء دون رسالة». ولم تذكر المصادر طبيعة المساعدة التي تريدها طهران.

وذكرت مصادر إيرانية للوكالة أن طهران غير راضية عن الدعم الروسي في الوقت الحالي، وتريد من بوتين بذل المزيد من الجهود لمساندتها في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة. ونصح المتحدث الرسمي للكرملين وكالة «رويترز» بتوضيح ما «قصدته بحديثها عن الرسالة المزعومة المُعدّة للرئيس الروسي». لكنه أضاف: «من المرجح بطبيعة الحال أن يكون لديه ما ينقله إلى بوتين عن المرشد والرئيس الإيراني، ولذلك يُجرى هذا النقاش المستفيض».

وفي سؤال حول الدعم المحدد الذي قد تُقدمه روسيا، قال بيسكوف: «الأمر كله رهنٌ بما تحتاج إليه إيران. لقد عرضنا خدماتِ وساطة». وقال بوتين، الأسبوع الماضي، إن إيران لم تطلب أي دعم. وفي الوقت ذاته، أكد بيسكوف أنّ «روسيا تصر على حق جميع الدول في تطوير صناعة نووية سلمية». وأضاف: «نحن نؤمن بحق الدول في امتلاك الطاقة الذرية لأغراض سلمية، وتشغيل محطات الطاقة النووية، وتطوير صناعة نووية مدنية، وهذا موقف ثابت نتمسّك به». كما أعرب عن «أسف عميق» إزاء موجة التصعيد الأخيرة، في إشارة إلى الضربات الأميركية على إيران التي وصفها بأنها «غير مسبوقة، وحتى الآن لا أحد يدرك تماماً ما العواقب التي قد تترتب عليها، لكنها ستكون بالتأكيد عواقب سلبية».

وقال إن الإجراءات الأميركية زادت من عدد الأطراف المشارِكة في الصراع، وأدت إلى دوامة جديدة من التصعيد. وأضاف أنه «لم يجرِ إبلاغنا بالتفصيل من قِبل أميركا قبل الضربات الأميركية على إيران».

بوتين والسوداني

في سياق متصل، أعلن الكرملين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أجرى اتصالاً هاتفياً مع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، أكدا خلاله اهتمامهما بإنهاء النزاع في الشرق الأوسط في أسرع وقت ممكن.

وجاء في بيان نُشر على موقع الكرملين أنّ الطرفين أجريا «تبادلاً مستفيضاً للآراء حول الوضع في الشرق الأوسط في أعقاب العملية العسكرية الإسرائيلية ضد إيران، وكذلك الضربة الجوية والصاروخية التي نفذتها الولايات المتحدة ضد المنشآت النووية الإيرانية».

وأضاف البيان: «أكد الجانبان أن هذه الإجراءات التي تُعد انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة وللقوانين الدولية الأخرى تنطوي على عواقب خطيرة وغير متوقعة لاستقرار المنطقة، ولأمن النظام العالمي بأسره. كما عبّرا عن اهتمام مشترك بضرورة إنهاء المواجهة المسلحة بشكل عاجل، والعودة إلى المسار السياسي والدبلوماسي».

كما أعرب بوتين والسوداني عن قلقهما من المخاطر التي تهدد أسواق الطاقة العالمية، وشددا على أهمية مواصلة التعاون النشط في إطار تحالف «أوبك+».


مقالات ذات صلة

إيران: لا فرق لدينا بشأن الفائز في الانتخابات الإسرائيلية

شؤون إقليمية المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي (أرشيفية - إرنا)

إيران: لا فرق لدينا بشأن الفائز في الانتخابات الإسرائيلية

قالت وزارة الخارجية الإيرانية، الاثنين، إنّه «لا فرق» بالنسبة إلى طهران بشأن من سيفوز في الانتخابات الإسرائيلية...

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية ترمب يستقبل نتنياهو لدى وصوله إلى الجناح الغربي في البيت الأبيض بواشنطن سبتمبر 2025 (أ.ف.ب) p-circle

هل تُستأنف الحرب على إيران بعد الانتخابات الأميركية؟

أعد الجيشان الأميركي والإسرائيلي خططاً محددة لشن ضربات جديدة على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في 3 نوفمبر المقبل

جوليان بارنز (واشنطن) إريك شميت (واشنطن) رونين بيرغمان (واشنطن) ناتان أودنهايمر (واشنطن) فرناز فصيح (واشنطن)
شؤون إقليمية نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس يحضران حفل تخرج ضباط جدد في الجيش الإسرائيلي في قاعدة بالقرب من ميتسبي رامون الأربعاء (رويترز)

نتنياهو: إسقاط النظام الإيراني الحل الوحيد لإنهاء التهديد

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأربعاء، إن «إسقاط النظام» في إيران هو الحل الوحيد للقضاء على التهديد الإيراني، مضيفاً أنه أعطى توجيهات بهذا الشأن

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية نتنياهو يتحدث بمقر وزارة الخارجية الإسرائيلية في 14 أكتوبر (إ.ب.أ)

نتنياهو يلوّح بضربة «استباقية» لإيران دون واشنطن

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استعداد بلاده لتنفيذ ضربة استباقية ضد إيران دون مساعدة أميركية، واضعاً إسقاط النظام في طهران ضمن أهدافه.

«الشرق الأوسط» (لندن-تل أبيب-طهران)
شؤون إقليمية بحرية «الحرس الثوري» تهدد السفن الأميركية (فارس)

إيران تعتمد تكتيكات جديدة في مهاجمة سفن هرمز

تتواصل التطورات العسكرية المرتبطة بالملاحة في مضيق هرمز، مع تقارير عن اعتماد إيران أساليب جديدة لاستهداف السفن.

«الشرق الأوسط» (طهران)

إسرائيل تنتخب اليوم... والمنطقة تترقب

صبي إسرائيلي يحمل لعبة على شكل بندقية في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة - مارس 2024 (أ.ف.ب)
صبي إسرائيلي يحمل لعبة على شكل بندقية في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة - مارس 2024 (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تنتخب اليوم... والمنطقة تترقب

صبي إسرائيلي يحمل لعبة على شكل بندقية في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة - مارس 2024 (أ.ف.ب)
صبي إسرائيلي يحمل لعبة على شكل بندقية في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة - مارس 2024 (أ.ف.ب)

يتجه أكثر من 7 ملايين ناخب إسرائيلي إلى صناديق الاقتراع، اليوم (الثلاثاء)، لانتخاب 120 نائباً في البرلمان (الكنيست) في واحدة من أكثر المنافسات حدة، ووسط ترقب واسع إقليمياً ودولياً.

وتتنافس على عضوية البرلمان 37 قائمة انتخابية تمثل أحزاباً وتحالفات مختلفة، غير أن المعركة الرئيسية تكاد تنحصر بين رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، ورئيس أركان الجيش الأسبق، غادي آيزنكوت، بينما لم تحسم الاستطلاعات السابقة الأغلبية (60 مقعداً + واحد) لأي منهما. ويُنظر إلى نتائج الانتخابات باهتمام واسع، خصوصاً ما يتعلق بتداعياتها على جبهات الحروب والهجمات التي شنتها إسرائيل منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، في غزة والضفة ولبنان وسوريا والعراق وإيران.

وأعربت حركة «حماس» في رسالة وجهتها إلى وسطاء اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وكشف عنها مصدران لـ«الشرق الأوسط»، عن تعويل على نتائج تصويت تُحرك الاتفاق الذي تماطل إسرائيل في تنفيذ بنوده.


أربعة ملفات تحدد مسار الانتخابات الإسرائيلية اليوم

مشاركون في حملة انتخابية لصالح الليكود في مدينة القدس (أ.ب)
مشاركون في حملة انتخابية لصالح الليكود في مدينة القدس (أ.ب)
TT

أربعة ملفات تحدد مسار الانتخابات الإسرائيلية اليوم

مشاركون في حملة انتخابية لصالح الليكود في مدينة القدس (أ.ب)
مشاركون في حملة انتخابية لصالح الليكود في مدينة القدس (أ.ب)

يحسم الناخبون الإسرائيليون الثلاثاء مواقفهم بشأن ملفات رئيسية، لعلّ أبرزها التحقيق في الإخفاقات التي سمحت بوقوع هجوم حماس عام 2023، والتجنيد الإجباري للمتدينين والاقتصاد.

في ما يأتي أبرز الملفات التي تشكّل محور الانتخابات البرلمانية:

المساءلة عن هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول)

طالب العديد من الإسرائيليين بتشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلّة للنظر في أسباب الإخفاقات التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 غير المسبوق من غزة على جنوب إسرائيل.

وتسبّب الهجوم، وهو الأكثر حصدا للضحايا في تاريخ إسرائيل (1221 قتيلا)، بصدمة وطنية عميقة لا تزال تداعياتها ظاهرة على الحياة السياسية والمجتمع والوعي الجماعي في البلاد. وتقول أحزاب المعارضة إنها ستجعل من تشكيل هذه اللجنة أولويتها القصوى حال وصولها الى السلطة، مشيرة الى أن إسرائيل اعتمدت من قَبل لجان تحقيق مماثلة عقب أزمات وطنية سابقة.

لكن حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو ترفض هذا المقترح، وتحمّل المؤسسة الأمنية مسؤولية الإخفاق في منع الهجوم.

واقترحت بدلا من ذلك تشكيل لجنة تحقيق مشتركة يعيّن السياسيون أعضاءها. ورأى زعيم المعارضة يائير لابيد أن الهدف من اللجنة المقترحة «تبرئة (المسؤولين) ومنع إجراء تحقيق حقيقي في أكبر كارثة تعرّض لها الشعب اليهودي منذ المحرقة».

الاستراتيجية الأمنية

على مدى عقود، استندت العقيدة الأمنية الإسرائيلية إلى ثلاثة مبادئ رئيسية: قوة الاستخبارات، والردع، وخوض حروب قصيرة. لكن ذلك تغيّر بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

ودخلت الحكومة في حملات عسكرية طويلة الأمد، فهي لا تزال تحتلّ أجزاء واسعة من قطاع غزة بعد أكثر من سنتين على بدء الحرب التي تسبّب بها هجوم حماس، ورغم إعلان وقف لإطلاق النار يبقى هشّا.

وتحتلّ أجزاء واسعة من جنوب لبنان، بعد حربين متتاليتين خاضتهما فيه ضد «حزب الل»ه، على خلفية الحرب في قطاع غزة والحرب ضد إيران. كما تقدّمت الى مناطق في سوريا بعد سقوط حكم بشار الأسد، وأعلنت نيتها البقاء فيها.

وتنفّذ عمليات عسكرية متتالية في الضفة الغربية المحتلة. ولا تزال في حرب مع إيران الى جانب الولايات المتحدة، رغم عدم مشاركتها في الأعمال القتالية منذ إعلان وقف إطلاق النار في أبريل (نيسان). وتشنّ ضربات ضد الحوثيين المدعومين من طهران في اليمن.

في الداخل الإسرائيلي، تثير هذه العقيدة الجديدة تساؤلات حول قدرة الدولة على الإبقاء على قواتها العسكرية في حالة تعبئة على جبهات عدّة في الوقت نفسه. ومنذ عام 2023، تمّ استدعاء عشرات الآلاف من جنود الاحتياط مرّات عدّة، غالبا بتكاليف عائلية ومهنية كبيرة، في حين يواصل القادة العسكريون التحذير من وجود نقص في عدد أفراد الجيش.

وقال الباحث في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي عوفر شيلاح لوكالة الصحافة الفرنسية «انتقلنا من سياسة تقوم على الردع والازدهار في الفترات بين الحروب، إلى مجتمع يعيش في حالة حرب واستنفار دائمين».

وأثّرت هذه الحملات سلبا على سمعة إسرائيل، إذ تجاوز عدد القتلى في قطاع غزة 73800. وقتل الآلاف في لبنان وإيران.

وتكثّف إسرائيل عملياتها العسكرية في الضفة الغربية المحتلة. واتهمت لجنة تحقيق دولية مكلّفة من الأمم المتحدة إسرائيل الاثنين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين في الضفة، من بينها «الإبادة».

وحذّرت المنظمة الدولية من أن العملية العسكرية الإسرائيلية الجارية في مدينة الخليل في الضفة حاليا تثير مخاوف جدية من «تطهير عرقي».

الدين والهوية والتجنيد الإجباري

في ظلّ ما يعانيه الجيش الإسرائيلي من نقص في عديده، تطوّر الجدل حول إعفاء اليهود الحريديم من الخدمة العسكرية ليصبح نقاشا أوسع بشأن هوية إسرائيل وطبيعة الدولة.

وتسعى الأحزاب المتشدّدة دينيا إلى الإبقاء على الإعفاءات التي تسمح لطلاب المعاهد الدينية بعدم أداء الخدمة العسكرية، وتحظى بذلك بدعم حزب الليكود بزعامة نتانياهو، إلى جانب شركائه في الائتلاف من أحزاب اليمين المتطرف. في المقابل، تؤيد معظم أحزاب المعارضة وضع حدّ لهذه الإعفاءات، وأعلنت أنها سترفض المشاركة في أي حكومة تضمّ أحزابا حريدية.

ولا يقتصر الخلاف على قضية الخدمة العسكرية. فقبل أيام قليلة من حلّ الكنيست، طرحت الحكومة المنتهية ولايتها إجراءات تُشجّع على الفصل بين الجنسين في بعض الأماكن العامة، كما أقرّت تشريعا يؤكد أهمية دراسة التوراة.

ويرى مؤيدو هذه السياسات أنها تعزز الطابع اليهودي لإسرائيل. أما منتقدوها فيعتبرون أنها تدفع البلاد نحو تعزيز النفوذ الديني في الحياة العامة، ولا تعكس آراء غالبية السكان.

ارتفاع تكاليف المعيشة

يشكّل الاقتصاد مصدر قلق رئيسيا لكثير من الناخبين. ورغم النمو الاقتصادي القوي، إذ تضاعف الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل أكثر من مرتين منذ العام 2000، مع بقاء معدّل البطالة عند مستويات منخفضة تاريخيا، فإن الإسرائيليين ما زالوا يواجهون واحدة من أعلى تكاليف المعيشة في العالم.

ووفقا لبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تُعد إسرائيل من بين أغلى ثلاث دول من حيث كلفة الحاجات الأساسية اليومية، لا سيما الغذاء والسكن. في الوقت نفسه، لا يزال متوسط الأجور أقل من متوسط دول المنظمة، ما يزيد الضغوط المعيشية على الأسر.

ويرى خبراء الاقتصاد أن ارتفاع الأسعار يعود إلى مشكلات هيكلية مزمنة، من بينها نقص المساكن، والقيود التجارية، وضعف المنافسة في قطاعات رئيسية. كما أضافت الحروب تحديا جديدا. فمنذ عام 2023، تضاعفت ميزانية الدفاع الإسرائيلية، ما زاد الضغوط على المالية العامة، وجعل تحقيق التوازن بين الإنفاق الأمني والحاجات الداخلية تحدّيا حقيقيا.


ماذا سيحدث بعد إغلاق صناديق الاقتراع في إسرائيل؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يحضر جلسة لـ«الكنيست» بالقدس في يوليو 2026  (أرشيفية - أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يحضر جلسة لـ«الكنيست» بالقدس في يوليو 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

ماذا سيحدث بعد إغلاق صناديق الاقتراع في إسرائيل؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يحضر جلسة لـ«الكنيست» بالقدس في يوليو 2026  (أرشيفية - أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يحضر جلسة لـ«الكنيست» بالقدس في يوليو 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)

تجري إسرائيل انتخابات برلمانية اليوم الثلاثاء هي الأولى منذ هجوم حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 الذي هز إسرائيل وأغرق الشرق الأوسط في اضطرابات.

وتتوقف قدرة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على البقاء في السلطة على نتيجة الانتخابات إذ يتعهد منافسوه من تيار الوسط ببدء حقبة جديدة، إلا أن حسم النتائج قد يتأخر.

* متى سنعرف الأحزاب الفائزة؟

من المرجح أن يتضح ذلك في غضون ساعات قليلة من إغلاق مراكز الاقتراع، لكن الأمر قد يستغرق أياما أو حتى أسابيع حتى تتضح الصورة كاملة.

يبدأ التصويت في الساعة السابعة صباحا (05:00 بتوقيت غرينتش) وينتهي في العاشرة مساء (20:00 بتوقيت غرينتش)، حين تبث القنوات التلفزيونية الإسرائيلية استطلاعات رأي الناخبين بعد الإدلاء بأصواتهم، التي تقدم المؤشرات الأولى للنتيجة. ثم تبدأ نتائج الانتخابات في الظهور.

وقد تتضح الصورة بسرعة، لكن إذا لم يحظ أي حزب أو قائمة حزبية بأغلبية برلمانية واضحة، فقد يستغرق الأمر وقتا أطول بكثير. ومن المتوقع الإعلان عن العدد النهائي للأصوات بحلول 30 أكتوبر (تشرين الأول)، على أن تُنشر نتائج الانتخابات رسميا بعد أسبوع من الاقتراع أي في الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني).

* لماذا الأمر معقد إلى هذا الحد؟

تجرى انتخابات الكنيست المؤلف من 120 مقعدا كل أربع سنوات، لكن الدعوة إلى انتخابات مبكرة تكررت كثيرا.

توزع مقاعد الكنيست على القوائم الحزبية وفق نظام التمثيل النسبي، ويتعين على الأحزاب تجاوز عتبة 3.25 بالمئة من الأصوات على المستوى الوطني للفوز بمقاعد.

ويُعتقد على نطاق واسع أن نحو 12 حزبا لديهم فرصة لتجاوز العتبة، لذا فإن الكشف عن عدد الأصوات النهائي وتوزيع المقاعد سيستغرق وقتا.

* ماذا يحدث بعد نشر النتائج؟

بعد معرفة العدد النهائي للأصوات ونشر النتائج، يتشاور الرئيس إسحق هرتسوغ مع قادة الأحزاب لمعرفة مرشحهم لرئاسة الحكومة، ثم يمنح مهمة تشكيل الحكومة للشخص الذي يرى أن فرصه هي الأقوى. ويُمنح هذا المرشح مهلة تصل إلى 42 يوما لتشكيل حكومة.

ولم يفز أي حزب منفرد في إسرائيل بأغلبية مطلقة من قبل، لذا تتشكل الحكومات من ائتلاف حزبي، وغالبا ما تستغرق المفاوضات بشأن تشكيل الحكومة أسابيع. ولكل مقعد في الكنيست أهميته، ويمكن للأحزاب الصغيرة أن تؤدي دورا حاسما في ترجيح كفة تشكيل الحكومة.

وإذا أخفق المرشح المكلف في تشكيل الحكومة، فقد تتاح لآخرين فرصة للمحاولة. وإذا لم تتشكل حكومة، تتم الدعوة إلى إجراء انتخابات جديدة، فيما تواصل الحكومة الحالية مهمة تصريف الأعمال.