تهديدات الحرب والأدلة الغامضة: ترمب يواجه إيران مجدداً

ترمب يتحدث إلى الصحافيين في البيت الأبيض 27 يناير 2026 (نيويورك تايمز)
ترمب يتحدث إلى الصحافيين في البيت الأبيض 27 يناير 2026 (نيويورك تايمز)
TT

تهديدات الحرب والأدلة الغامضة: ترمب يواجه إيران مجدداً

ترمب يتحدث إلى الصحافيين في البيت الأبيض 27 يناير 2026 (نيويورك تايمز)
ترمب يتحدث إلى الصحافيين في البيت الأبيض 27 يناير 2026 (نيويورك تايمز)

عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في يونيو (حزيران) الماضي، أن الجيش الأميركي نفّذ غارات جوية في إيران، قال إن هدف العملية هو وقف التهديد المتمثل في حصول طهران على سلاح نووي. وأضاف أنه إذا لم «يعقد» قادة إيران السلام، فإن «الهجمات المستقبلية ستكون أكبر بكثير وأسهل بكثير».

كرّر ترمب هذا التهديد هذا الأسبوع، وهو يدرس الآن شنّ حرب استباقية جديدة ضد إيران، الدولة التي لا يشكل برنامجها النووي، وفق التقديرات، تهديداً مباشراً يذكر للشرق الأوسط أو للولايات المتحدة. وخلال الأشهر الستة الماضية، لم تظهر مؤشرات تُذكر على أن إيران أحرزت تقدماً كبيراً في إعادة بناء قدرتها على تخصيب الوقود النووي أو تصنيع رأس نووي، حسب مقابلات مع مسؤولين أميركيين وأوروبيين، وجهات مستقلة تراقب البرنامج الإيراني.

وأثار ذلك تساؤلات حول توقيت ودوافع تصعيد ترمب. فهل تهدف تهديداته إلى إعادة إيران إلى المفاوضات النووية؟ أم أن ضربة عسكرية ضد البرنامج النووي ستكون ذريعة لإضعاف أو إطاحة المرشد علي خامنئي؟ ولماذا عاد ترمب ليركّز على البرنامج النووي بعد أن قال في البداية إنه يسعى إلى الدفاع عن المتظاهرين الذين شكّلوا تحدياً قصيراً لكنه مؤثراً للحكومة؟

وفوق ذلك، إذا كان برنامج تخصيب اليورانيوم الإيراني قد «دُمّر بالكامل»، كما قال ترمب في يونيو الماضي، فما الذي يمكن أن تستهدفه ضربة جديدة؟

دخان يتصاعد بعد غارة جوية إسرائيلية في طهران الثلاثاء 17 يونيو 2025 (نيويورك تايمز)

وقد تكون حملة عسكرية أميركية ثانية في إيران، حسب نطاقها وأهدافها، أكثر زعزعة للاستقرار من الأولى، لعدة أسباب؛ أولها الاعتقاد السائد داخل البيت الأبيض بأن الاحتجاجات الأخيرة في إيران، إلى جانب الظروف الاقتصادية، أضعفت الحكومة إلى درجة قد تجعل أي تحرّك عسكري أميركي أو إسرائيلي يُسرّع انهيارها، مع نتائج غير مؤكدة.

والسبب الثاني هو تقييم لدى أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية بأن أي ضربة إيرانية مضادة باستخدام صواريخ باليستية قد تتركّز هذه المرة على مدن إسرائيلية كبرى، بعدما استهدفت الضربات الإيرانية العام الماضي في الغالب مواقع عسكرية وحكومية.

وقالت آنا كيلي، المتحدثة باسم البيت الأبيض، إن «الرئيس ترمب كان دائماً واضحاً: لا يمكن السماح لأكبر دولة راعية للإرهاب في العالم بامتلاك سلاح نووي»، مضيفةً أن الرئيس أوضح «أنه يعني ما يقول».

وساند البنتاغون تهديدات ترمب عبر بدء حشد عسكري واسع في الشرق الأوسط، شمل حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» وسفن دعم قادرة على إطلاق صواريخ «توماهوك»، إضافة إلى إرسال مقاتلات وقدرات تزويد بالوقود وأنظمة دفاع صاروخي إلى المنطقة. ومع ذلك، يعترف حتى كبار مستشاري الرئيس بأنهم لا يملكون تصوراً واضحاً لما قد يحدث إذا استمر التصعيد.

وخلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ، سُئل وزير الخارجية ماركو روبيو عمّا سيحدث إذا سقطت الحكومة الإيرانية، فأجاب: «هذا سؤال مفتوح»، مضيفاً أن السلطة في إيران منقسمة بين المرشد و«الحرس الثوري».

لوحة دعائية تهدد باتخاذ إجراءات ضد الأسطول الأميركي في ميدان «انقلاب» (الثورة) وسط طهران (نيويورك تايمز)

وقال روبيو: «لا أعتقد أن أحداً يستطيع تقديم إجابة بسيطة عما سيحدث بعد ذلك في إيران إذا سقط المرشد الأعلى والنظام»، مضيفاً أن الحديث يدور عن «نظام قائم منذ وقت طويل جداً»، ما يتطلب «تفكيراً حذراً للغاية» إذا طُرح هذا الاحتمال.

وتعهّد ترمب، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي الأربعاء، بأن الجيش الأميركي سيتحرك «بسرعة وعنف» إذا لم تكن إيران مستعدة «للتفاوض على اتفاق عادل ومنصف» يقضي بالقضاء على برنامجها النووي. غير أن روبيو وصف الحشد الأميركي في المنطقة بأنه دفاعي إلى حد كبير، مشيراً إلى أن ما بين 30 و40 ألف جندي أميركي في الشرق الأوسط يقعون ضمن مدى المسيّرات والصواريخ الإيرانية.

لكنه أقرّ بأن هذا الحشد قد يساعد إذا قرر الرئيس خيار «الدفاع الاستباقي»، في حال توافرت مؤشرات على أن إيران تستعد لمهاجمة القوات الأميركية في المنطقة.

وحتى الآن، لم تُثر احتمالات ضربات أميركية جديدة في إيران سوى معارضة فاترة من الديمقراطيين في الكونغرس، فيما يرى بعضهم أن استراتيجية ترمب القائمة على التهديد العسكري لتحقيق مكاسب دبلوماسية نووية خاطئة.

وقال النائب جيسون كرو، الديمقراطي من كولورادو وعضو لجنتي القوات المسلحة والاستخبارات في مجلس النواب: «دونالد ترمب لا يرى مشكلة إلا ويريد قصفها للخروج منها. ما نحتاج إليه هو اتفاق دائم وقابل للتحقق يمنع إيران من امتلاك سلاح نووي».

استخبارات غامضة وأضرار مؤكدة

جعلت أجهزة الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية جمع المعلومات حول كيفية تعافي إيران من ضربات العام الماضي أولوية قصوى، عبر تحليل صور الأقمار الصناعية واعتراض الاتصالات ومصادر بشرية لفهم عملية صنع القرار في طهران.

وقال مطلعون إن المعلومات الاستخباراتية لا تزال ملتبسة إلى حد ما. فاليورانيوم المخصّب المدفون في المواقع الثلاثة التي استُهدفت في يونيو (حزيران) وهو الأقرب للتحول إلى مادة صالحة لصنع قنبلة، لا يزال في مكانه، مدفوناً ولم يُمس. ومن دون الوصول إلى هذا المخزون، الذي يوجد معظمه في منشأة قرب أصفهان، سيكون تصنيع حتى عدد محدود من الأسلحة البدائية أمراً بالغ الصعوبة.

ويعمل الإيرانيون في مواقعهم النووية، محاولين الحفر إلى أعماق أكبر، خارج مدى أقوى القنابل التقليدية الأميركية. لكن أجهزة الاستخبارات الغربية لم ترصد مؤشرات على تخصيب عالي المستوى لإنتاج مادة صالحة لصنع قنبلة، أو خطوات فعلية لتصنيع رأس نووي، حسب مصادر مطلعة.

ولم تُنشئ إيران مواقع نووية جديدة، وفق تقييمات استخباراتية أميركية، غير أن أنشطة رُصدت في موقعين نوويين غير مكتملين، كانا معروفين للولايات المتحدة وإسرائيل والمفتشين الدوليين منذ سنوات، ولم يُستهدفا في حرب العام الماضي: أحدهما قرب منشأة نطنز، والآخر قرب أصفهان.

وتتباين التقييمات الحكومية الأميركية حول أثر ضربات يونيو مع تصريحات ترمب المتباهية. ففي رسالة مرفقة باستراتيجية الأمن القومي الصادرة في نوفمبر (تشرين الثاني)، كرّر ترمب القول إن الحملة العسكرية «قضت» على قدرة إيران على التخصيب. لكن الوثيقة نفسها كانت أكثر حذراً؛ إذ قالت إن عملية «مطرقة منتصف الليل» «أضعفت البرنامج النووي الإيراني بشكل كبير».

صورة قمر ماكسار الصناعي للمنشأة النووية الإيرانية في فوردو بعد الهجمات الأميركية (نيويورك تايمز)

ولا شك في أن الهجوم ألحق أضراراً جسيمة. فما زالت أجهزة الطرد المركزي في موقع فوردو خارج الخدمة، وقدّر مفتشون دوليون أن الصدمة الناتجة عن القنابل الخارقة للتحصينات دمّرت على الأرجح مكوّناتها الداخلية الحساسة، التي تعمل بسرعات فوق صوتية. غير أن مسؤولين أميركيين قالوا إن إيران اتخذت خطوات لمعرفة ما إذا كان بالإمكان استبدالها.

كما تشير تقارير استخباراتية إلى أن إيران تحفر لبناء منشآت جديدة خارج مدى أقوى سلاح تقليدي أميركي، وهو قنبلة «ماسيف أوردينانس بينيتراتور»، القنبلة الخارقة الضخمة، التي استخدمها البنتاغون العام الماضي لإظهار قدرتها على اختراق الصخور والأرض، وهو ما يفسر تردد إدارات سابقة في استخدامها.

وقدّر بعض المسؤولين الأميركيين أن إيران، إذا تمكنت من استعادة وقودها النووي المدفون وتشغيل مواقع جديدة أو قائمة، ستحتاج نحو شهرين لإعادة تشغيل أجهزة الطرد المركزي والعودة إلى مستوى ما قبل الضربة. وحتى في حال تخصيب اليورانيوم إلى درجة عسكرية، سيظل تصنيع القنبلة يستغرق أشهراً إضافية على الأقل.

صاروخ باليستي من طراز «خيبر شكن» وبجواره لافتات تحمل صور المرشد الإيراني علي خامنئي وقادة عسكريين قُتلوا في غارة إسرائيلية في يونيو يُعرض في ميدان بهارستان وسط طهران (نيويورك تايمز)

لكن الحكومة الإيرانية بدت مشلولة. فبينما هيأت المواقع، لم تتخذ خطوات علنية للتخصيب العالي، خشية اختراق استخباراتي إسرائيلي - أميركي يكشف أي تحرك، ما قد يبرر «قص العشب»؛ أي توجيه ضربة متكررة. هذه المخاوف كبحَت التقدم النووي رغم استمرار الحفر.

قلق إسرائيلي مضاعف

ولا تختلف تقييمات الاستخبارات الإسرائيلية كثيراً عن الأميركية؛ إذ تخلص إلى أن حملة العام الماضي أخّرت المشروع النووي الإيراني بين ستة أشهر وسنة. غير أن القلق في إسرائيل أكبر حيال جهود إيران لتعزيز ترسانتها من الصواريخ الباليستية والمسيّرات القادرة على إلحاق أضرار كبيرة بإسرائيل في أي مواجهة جديدة.

وخلال القتال العام الماضي، اعترضت إسرائيل أكثر من 80 في المائة من الصواريخ التي أطلقتها إيران، لكن مسؤولين استخباراتيين يعتقدون أن طهران قد ترى إسرائيل أكثر هشاشة هذه المرة، مع نقص محتمل في الصواريخ الاعتراضية الكافية لحماية المدن.

أما تصريحات ترمب الأخيرة فكانت غامضة، لكنها توحي بأنه يعتقد أن ضربات العام الماضي لم تردع إيران. ففي ديسمبر (كانون الأول)، وإلى جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قال إنه «قرأ أنهم يبنون أسلحة وأشياء أخرى».

وأضاف حينها: «نحن نعرف تماماً إلى أين يذهبون وماذا يفعلون، وآمل ألا يفعلوا ذلك؛ لأننا لا نريد إهدار وقود طائرة بي-2. إنها رحلة تستغرق 37 ساعة ذهاباً وإياباً».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

حرب الاستنزاف تتسع بين إسرائيل وإيران

شؤون إقليمية نيران وأعمدة دخان تتصاعد من مطار مهرآباد ضمن غارات طالت غرب طهران فجر الاثنين (شبكات التواصل) p-circle

حرب الاستنزاف تتسع بين إسرائيل وإيران

تتصاعد الضربات بين إسرائيل وإيران في اليوم السابع عشر للحرب، مع غارات إسرائيلية داخل إيران وردود بالصواريخ والمسيّرات وتأكيد طهران استعدادها لحرب طويلة.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران - تل أبيب - واشنطن)
شؤون إقليمية إيرانيون يسيرون بجوار مبانٍ متضررة في أعقاب غارة سابقة على العاصمة الإيرانية طهران... 15 مارس 2026 (أ.ف.ب)

رئيس السلطة القضائية في إيران لعدم التهاون مع «عملاء» أميركا وإسرائيل

قال رئيس السلطة القضائية الإيرانية، الاثنين، إنه لا ينبغي التهاون أو التأخر في إصدار الأحكام ضد المتّهمين بالتعاون مع إسرائيل والولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية خلال احتجاج لطاقم طبي إيراني أمام مستشفى غاندي المدمر في طهران... 7 مارس 2026 (أ.ف.ب) p-circle

«الصحة العالمية»: إخلاء 6 مستشفيات في إيران... والمنظومة الصحية صامدة

قالت مسؤولة في منظمة الصحة العالمية، الاثنين، إن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران أدت إلى إخلاء ستة مستشفيات، لكن المنظومة الصحية ما زالت صامدة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
رياضة عالمية سيغادر منتخب إيران لكرة القدم السيدات ماليزيا الاثنين على متن رحلة متجهة إلى عُمان (أ.ف.ب)

منتخب إيران للسيدات في طريقه إلى عُمان

سيغادر منتخب إيران لكرة القدم للسيدات، ماليزيا، الاثنين، على متن رحلة متجهة إلى عُمان، وفق ما أكد مسؤول كبير في الاتحاد الآسيوي لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (كوالالمبور )
رياضة عالمية 3 لاعبات من المنتخب الإيراني لكرة القدم للسيدات غادرن ملجأهن في أستراليا وقررن العودة إلى الوطن (إ.ب.أ)

المونديال في مرمى الحرب: مستقبل إيران في كأس العالم يثير التساؤلات

في وقتٍ تُلقي فيه الحرب بثقلها على الحياة اليومية في إيران، يبدو الحديث عن كرة القدم بالنسبة لكثيرين ترفاً مؤجلاً.

شوق الغامدي (الرياض)

الجيش الأميركي يعلن إصابة 200 من عناصره منذ بدء الحرب على إيران

الجيش الأميركي قال إن العمليات القتالية الرئيسية مستمرة ضد إيران (أرشيفية - رويترز)
الجيش الأميركي قال إن العمليات القتالية الرئيسية مستمرة ضد إيران (أرشيفية - رويترز)
TT

الجيش الأميركي يعلن إصابة 200 من عناصره منذ بدء الحرب على إيران

الجيش الأميركي قال إن العمليات القتالية الرئيسية مستمرة ضد إيران (أرشيفية - رويترز)
الجيش الأميركي قال إن العمليات القتالية الرئيسية مستمرة ضد إيران (أرشيفية - رويترز)

أعلن متحدث عسكري أميركي، الاثنين، إصابة نحو 200 من عناصر القوات الأميركية منذ بدء الحرب على إيران.

وقال الكابتن تيم هوكينز، المتحدث باسم القيادة المركزية الأميركية: «معظم هذه الإصابات طفيفة، وقد عاد أكثر من 180 عنصراً إلى الخدمة، بينما اعتبر 10 في حالة خطيرة».


الرئيس الإسرائيلي: الحرب على إيران تشكّل «منعطفاً تاريخياً»

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يتحدث إلى وسائل الإعلام في أثناء زيارته لمنطقة تعرضت لضربة إيرانية ليلية بتل أبيب 1 مارس 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يتحدث إلى وسائل الإعلام في أثناء زيارته لمنطقة تعرضت لضربة إيرانية ليلية بتل أبيب 1 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

الرئيس الإسرائيلي: الحرب على إيران تشكّل «منعطفاً تاريخياً»

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يتحدث إلى وسائل الإعلام في أثناء زيارته لمنطقة تعرضت لضربة إيرانية ليلية بتل أبيب 1 مارس 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يتحدث إلى وسائل الإعلام في أثناء زيارته لمنطقة تعرضت لضربة إيرانية ليلية بتل أبيب 1 مارس 2026 (أ.ف.ب)

اعتبر الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، الاثنين، في مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية، أن الحرب على إيران تشكّل «منعطفاً تاريخياً».

وقال هرتسوغ: «نحن عند منعطف تاريخي، لحظة سيتم فيها، بعد حروب لا نهاية لها لأكثر من جيل، وإراقة دماء وإرهاب، تعطيل ووقف السبب العميق لكل ذلك، الذي يأتي من طهران، وسيتم تحويل مسار المنطقة بكاملها».


الدموع الساخنة... أمهات يبكين أثناء دفن قتلى الحرب في جبانة بطهران

حفارو القبور يجهزون قبوراً جديدة لقتلى الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران (رويترز)
حفارو القبور يجهزون قبوراً جديدة لقتلى الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران (رويترز)
TT

الدموع الساخنة... أمهات يبكين أثناء دفن قتلى الحرب في جبانة بطهران

حفارو القبور يجهزون قبوراً جديدة لقتلى الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران (رويترز)
حفارو القبور يجهزون قبوراً جديدة لقتلى الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران (رويترز)

بينما كان حفارو القبور يجهزون قبوراً جديدة لقتلى الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، كانت مرضية رضائي تبكي على ابنها عرفان شامي، الذي لقي حتفه في انفجار بمعسكر تدريب قبل أيام من موعد عودته إلى المنزل في إجازة.

يقول مسؤولون إيرانيون إن الحرب، التي اندلعت في 28 فبراير (شباط) بسلسلة من الغارات الجوية على طهران ومدن أخرى وأغرقت الشرق الأوسط في أزمة، أودت بحياة أكثر من 1300 إيراني حتى الآن.

سالت الدموع بغزارة على وجه مرضية وهي تحدق بذهول في الفراغ، وتعانق صورة كبيرة لابنها البالغ من العمر 23 عاماً. كان صوتها يرتجف من الحزن، وهي تتذكر آخر محادثة دارت بينهما عندما ناقشا تفاصيل إجازته المقبلة وعودته إلى عائلته.

قالت «لم أره منذ شهرين»، مضيفة أن آخر يوم له قبل العودة إلى المنزل كان من المفترض أن يكون اليوم الاثنين، وهو اليوم الذي قابلتها فيه «رويترز». كان من المقرر أن يتزوج بعد ذلك بوقت قصير، وكانت رحلة العودة إلى المنزل جزءاً من الاستعدادات للزفاف.

أم تبكي على ابنها (رويترز)

قتل شامي في انفجار وقع في معسكر التدريب في كرمانشاه بغرب إيران في الرابع من مارس (آذار)، حوّل خيمته إلى كرة من اللهب وحول جثته إلى كتلة متفحمة لدرجة أن أمه لم تتمكن من رؤيتها.

وسط مهابة الموت وجلال المشهد، وتحت الأمطار الخفيفة التي تتساقط ببطء حولها، جلست مرضية أمام القبر في مقبرة بهشت زهراء (جنة الزهراء) الفسيحة التي تمتد على مساحة واسعة جنوبي طهران. وقالت إن ابنها كان شخصاً مأمون الجانب حتى إنه «كان يخاف من الظلام».

حفارو القبور يجهزون قبوراً جديدة لقتلى الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران (رويترز)

دفن شامي وغيره من القتلى في الصراع الحالي في القسم 42 من المقبرة، حيث كان عشرات من حفاري القبور منشغلين، اليوم الاثنين، بتحضيرات الدفن. وكان العمال يجهزون أحجار الرخام الأبيض التي نُقشت عليها أسماء المتوفين.

وأثناء إحضار جثة أخرى للدفن، في نعش محمول على أكتاف الأهل والأقارب، تردد صوت الهدير الناتج عن جراء غارة جوية عبر المقبرة، وارتفع دخان رمادي من منطقة مجاورة.

امتدت القبور تحت مظلة مزينة بصور الموتى والأعلام الإيرانية، بينما تجمعت العائلات، تبكي وتتحدث. جلست نساء بجانب القبور، بعضهن يبكين في هدوء، وأخريات يضربن صدورهن بقبضات أيديهن تعبيراً عن الحزن والألم.

وقفت شاحنة على مقربة، وكانت محملة بالزهور الملونة. ونثرت الزهور فوق القبور بينما كانت مكبرات الصوت تبث ترانيم الحداد الشيعية. تضم قبور أخرى في القسم نفسه رفات أعضاء «الباسيج»، وهي قوة تطوعية شبه عسكرية تابعة للحرس الثوري، ومسؤولين ومعتقلين من سجن إيفين، الذي استُهدف في الحرب الحالية وفي غارات في يونيو (حزيران) من العام الماضي.

فقدت فاطمة دربيشي (58 عاماً) شقيقها البالغ من العمر 44 عاماً في بداية الحرب، عندما كان يحاول إنقاذ أشخاص محاصرين في سيارة تعرضت للقصف، فأصيب بشظايا انفجار آخر، مما أدى إلى إصابته بجروح أودت بحياته. توفي والداهما عندما كان طفلاً صغيراً. وقالت وهي تبكي «نشأ يتيماً. أنا من ربيته». لكن بالنسبة لبعض المشيعين، كان الحزن مصحوباً بالغضب والتحدي تجاه إسرائيل والولايات المتحدة بسبب حملة القصف. وقالت والدة إحسان جانجرافي البالغ من العمر 25 عاماً وهي ترفع قبضة يدها في الهواء: «لن يوقفونا، ولن يجبرونا على الرضوخ عندما يحرقون قلوبنا».