الهجمات الإسرائيلية ــ الإيرانية تؤجل مؤتمر «حل الدولتين»

ضغوط أميركية لإجهاضه... وباريس تعوّل على إطلاق «دينامية سياسية»

 ماكرون في طريقه الى المؤتمر الصحافي في قصر الأليزيه يوم الجمعة حيث أعلن عن تأجيل مؤتمر حل الدولتين (رويترز)
ماكرون في طريقه الى المؤتمر الصحافي في قصر الأليزيه يوم الجمعة حيث أعلن عن تأجيل مؤتمر حل الدولتين (رويترز)
TT

الهجمات الإسرائيلية ــ الإيرانية تؤجل مؤتمر «حل الدولتين»

 ماكرون في طريقه الى المؤتمر الصحافي في قصر الأليزيه يوم الجمعة حيث أعلن عن تأجيل مؤتمر حل الدولتين (رويترز)
ماكرون في طريقه الى المؤتمر الصحافي في قصر الأليزيه يوم الجمعة حيث أعلن عن تأجيل مؤتمر حل الدولتين (رويترز)

لم تكن باريس تتوقع أن يُضطر رئيسها إلى الإعلان عن تأجيل انعقاد ما يسمى «مؤتمر حل الدولتين» قبل أيام قليلة من انعقاده، وقد عملت من أجله الدبلوماسية الفرنسية، منذ أسابيع عديدة، من أجل توفير أفضل الظروف لانعقاده، خصوصاً من أجل التوصل إلى نتائج واضحة تقرّب من الهدف المنشود. وما ضاعف من أهميته أن فرنسا كانت تنوي، بهذه المناسبة، الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهي الخطوة التي أجّلتها منذ أمد طويل، وتحديداً منذ أن صوّت مجلس النواب الفرنسي في شهر ديسمبر (كانون الأول) من عام 2014، على قرار يدعو الحكومة للاعتراف بالدولة الفلسطينية.

إلا أن الهجمات التي أطلقتها إسرائيل، ليل الخميس - الجمعة، ضد المواقع العسكرية والنووية والحكومية الإيرانية، أطاحت هذا السيناريو. ومساء الجمعة، أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون عن تأجيل المؤتمر إلى موعد لاحق، معتبراً أن خيار التأجيل أملته «البراغماتية واعتبارات الأمن».

تبرير ماكرون للتأجيل

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث خلال فعالية يوم 9 يونيو 2025 (رويترز)

وقال ماكرون ما حرفيته: «ما الجدوى من عقد مؤتمر كهذا يُفترض أن أترأسه بالتشارك مع ولي عهد المملكة العربية السعودية؛ حيث كان رئيس السلطة الفلسطينية سيعمد إلى تقديم التزامات قوية تتجاوز حتى مضمون الرسالة التي سبق أن كتبها (ووجّهها إلى باريس والرياض)، وهي بحد ذاتها التزامات تاريخية وتصريحات تاريخية، إذا كان جميع قادة المنطقة، ولأسباب واضحة، مضطرين للبقاء في بلدانهم؟ واليوم، أشار لي كل من ولي العهد ورئيس السلطة الفلسطينية إلى أنهما ليسا في وضع يسمح لهما من الناحية اللوجستية أو الأمنية أو السياسية بالسفر والمشاركة».

ولذا، فقرار التأجيل «لا يتعدى كونه لأسباب براغماتية (ونابعاً) من وضوح الرؤية».

بيد أن ماكرون سارع إلى التأكيد أن القمة التي كان انعقادها مرتقباً ما بين 17 و20 يونيو (حزيران) في الأمم المتحدة وبرئاسة مشتركة سعودية ــ فرنسية، لن تُلغى، بل إنها «ستلتئم في أقرب وقت وسوف يتم تحديد موعد جديد في الأيام القليلة المقبلة بالتشاور مع قادة المنطقة، خصوصاً مع المملكة السعودية».

وأضاف ماكرون: «هذا التأجيل لا يمكن أن يغيّر من عزمنا على المضي قدماً نحو تنفيذ حل الدولتين، مهما كانت الظروف». وإزاء التساؤلات التي برزت في الأيام الأخيرة عن استدارة في الموقف الفرنسي لجهة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، بمناسبة مؤتمر نيويورك، أراد ماكرون أن يقطع الشك باليقين بقوله: «لقد أعلنت عن عزمي على الاعتراف بدولة فلسطين. وهذا العزم كامل، وهو قرار سيادي».

الضغوط الإسرائيلية لإفشال المؤتمر

أشخاصٌ يتفقدون أنقاض مبنى مُدمَّر إثر قصف إسرائيلي على مخيم البريج للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

بعد انطلاقة الحرب الإسرائيلية - الإيرانية، بدا بوضوح أن الاهتمام بالملف الفلسطيني سيتراجع حكماً. وترى مصادر سياسية في باريس أن قمة حل الدولتين كانت أولى ضحاياها «ليس فقط بسبب تأجيلها إلى موعد غير معروف، بل لأن رئيس الوزراء يرى في الحرب مع إيران طريقاً لتحقيق هدفين متلازمين: الأول حَرْف الأنظار عن الحرب التي تتواصل فصولها في غزة وعن تواصل تساقط عشرات القتلى والجرحى كل يوم، بل أيضاً إعادة رصّ الصفوف في الداخل حول سياساته، وإعادة الغربيين إلى حظيرة دعم إسرائيل».

ويضيف مصدر آخر أن الحرب التي وصفها بنيامين نتنياهو بـ«الوجودية» بالنسبة لإسرائيل، والتي يتبنى الغربيون سرديتها، كما فعل المستشار الألماني ورئيس الوزراء البريطاني، ولكن أيضاً الرئيس الفرنسي، وبالطبع الرئيس الأميركي، تجعل ممارسة الضغوط على نتنياهو في ملف غزة أمراً بالغ الصعوبة.

أما بالنسبة للموعد البديل للمؤتمر، فمن الصعب التكهّن به، باعتبار أن حرب إسرائيل - إيران لن تنتهي غداً، ولا أحد يعلم كيف ستنتهي، وما إذا كانت الأسرة الدولية ستكون مهتمة بالعودة للنظر في الملف الفلسطيني.

حقيقة الأمر أن الضغوط التي مارستها إسرائيل من أجل منع انعقاد القمة أو إفراغها من محتواها ليست سراً. نتنياهو رفض دوماً مبدأ قيام دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل. وفي الخريف الماضي، صوّت الكنيست على قرار يرفض قيامها.

وبعد أن ازداد الاهتمام بمؤتمر نيويورك، كان جواب الحكومة الإسرائيلية الإعلان عن إقامة 22 مستوطنة في الضفة الغربية، والهدف الواضح جعل قيام هذه الدولة، التي تضم قطاع غزة المدمّر وتحت الحصار، والضفة الغربية التي تمزقها المستوطنات وعنف المستوطنين، أمراً بالغ الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً.

وأحد الأسباب التي ركزت عليها الدبلوماسية الفرنسية خلال أشهر تحضير المؤتمر أن غرضه السير بالقمة قبل أن يتم وأد فكرتها وقيامها نهائياً.

الموقف الأميركي من القمة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدّثاً في البيت الأبيض يوم 12 يونيو (أ.ب)

عندما كانت تُسأل المصادر الفرنسية عن موقف واشنطن من مؤتمر نيويورك، كان الجواب أنه «لا موقف مُعلناً» لواشنطن، وأن باريس تريد إبراز المؤتمر على أنه «تتويج» لجهود ترمب بالدفع نحو شرق أوسط مستقر ويعيش بسلام. وكانت باريس تراهن على لقاء بين الرئيسين الفرنسي والأميركي، بمناسبة «قمة السبع» التي ستُعقد في كندا «ألبرتا» مباشرة قبل مؤتمر نيويورك، لدفع سيد البيت الأبيض لتسهيل المؤتمر إن لم يكن لدعمه.

والحال أن تصويت واشنطن في مجلس الأمن ضد مشروع قرار يدعو لوقف إطلاق النار في غزة أحبط باريس. ثم جاء كشف وكالة «رويترز»، الخميس الماضي، عن وجود مذكرة دبلوماسية صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية للوقوف بوجه المؤتمر، لتبديد آخر آمال بـ«تفهم» أميركي للمشروع الفرنسي - السعودي.

ومما جاء في المذكرة: «نحث الحكومات على عدم المشاركة في المؤتمر، الذي نراه ضارّاً بالجهود الجارية والمنقذة للحياة لإنهاء الحرب في غزة وإطلاق سراح الرهائن». وجاء في المذكرة أيضاً أن «الولايات المتحدة تعارض أي خطوات للاعتراف الأحادي بدولة فلسطينية مفترضة؛ إذ إن ذلك يضيف عقبات قانونية وسياسية كبيرة أمام حل النزاع في نهاية المطاف، وقد يؤدي إلى الضغط على إسرائيل أثناء حرب، مما يعني دعم أعدائها».

وذهب السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، إلى القول إنه «لا يعتقد» أن قيام دولة فلسطينية ما زال يعكس السياسة الأميركية إزاء النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي. وللتذكير، فإن السياسة التقليدية الأميركية كانت تنهض على مبدأ قيام دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل.

رهانات فرنسية خاسرة

كان الرهان الفرنسي، من أجل إنجاح القمة، يقوم على مبدأ «المبادلة»، بحيث تقدم الدول العربية والإسلامية «شيئاً» ما مقابل اعترافها بالدولة الفلسطينية، كتطبيع علاقاتها مع إسرائيل أو على الأقل إعلان قبولها السير في مسار كهذا. بيد أن تواصل حرب غزة قضى على هذه التوقعات.

ورهان باريس الثاني كان قوامه استعداد دول أوروبية، مثل بريطانيا وبلجيكا وهولندا أو أخرى مثل كندا وأستراليا ونيوزيلندا... للسير إلى جانبها من أجل إطلاق «دينامية سياسية» في اتجاه إيجاد الظروف الملائمة والملموسة لنجاح حل الدولتين. لكنه لم يكن مضمون النتائج، لا، بل أصبح اليوم رهاناً خاسراً بعد التطورات الحربية الأخيرة.

بيد أن جميع هذه الاعتبارات ليست كافية لثني الرئيس ماكرون عن خطته؛ إذ يعتبر أن لا معطى شرق أوسطياً يجب أن يكون منطلقاً ومساعداً لحل الدولتين. وقال في مؤتمره الصحافي إن «الدينامية التي أطلقتها هذه القمة هي دينامية لا يمكن إيقافها»، معدِّداً مجدداً أهدافها، ومشدداً خصوصاً على أن إسرائيل ستكون المستفيدة منها، بفضل انخراطها وقبولها في منظومة الشرق الأوسط، وبفضل «الهندسة الأمنية» لكل دول الشرق الأوسط.

واضح أن القراءات متفاوتة. والسؤال حول انعقاد القمة ونجاحها مرهون بما ستؤول إليه حرب إسرائيل - إيران، وصورة الشرق الأوسط الجديد التي ستشارك في رسمها.


مقالات ذات صلة

المستوطنون يباغتون رام الله بـ«مجزرة»

المشرق العربي 
والدة الفلسطيني جهاد أبو نعيم تبكي بعد مقتله بنيران مستوطنين إسرائيليين في قرية المغير شرق رام الله بالضفة الغربية أمس (أ.ف.ب)

المستوطنون يباغتون رام الله بـ«مجزرة»

باغت مستوطنون إسرائيليون قرية المغير شرق رام الله بالضفة الغربية، أمس (الثلاثاء)، بهجوم مسلح أسفر عن مقتل فلسطينيين اثنين، أحدهما طالب في مدرسة.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي امرأة فلسطينية تمر بجوار جنود إسرائيليين يقومون بدورية في سوق البلدة القديمة بمدينة نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

تقرير: جنود إسرائيليون يستخدمون الاعتداء الجنسي لدفع الفلسطينيين إلى النزوح

قال خبراء في حقوق الإنسان والقانون إن الجنود والمستوطنين الإسرائيليين يستخدمون الاعتداء والتحرش الجنسي لإجبار الفلسطينيين على ترك منازلهم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمعون حول حطام سيارة الشرطة التي دُمرت في الغارة الإسرائيلية (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين بغارة إسرائيلية استهدفت سيارة للشرطة في غزة

أفاد الدفاع المدني ومصادر طبية في غزة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا، اليوم الثلاثاء، بنيران الجيش الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي جنود إسرائيليون يمشطون أحد شوارع بلدة كفر عقب في الضفة الغربية (أ.ف.ب)

مقتل شاب فلسطيني برصاص مستوطنين في الضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، السبت، مقتل شاب برصاص مستوطنين إسرائيليين في قرية شرق مدينة رام الله، في ظل تصاعد العنف في الضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي مخيم للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ب) p-circle

مصادر: مجلس السلام برئاسة ترمب يواجه أزمة مالية تعطل خطة غزة

أفادت مصادر بأن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من 17 مليار دولار سبق التعهد بها لغزة، مما يحول دون المضي قدماً في خطة دونالد ترمب لمستقبل القطاع المدمر.

«الشرق الأوسط» (غزة)

«المركزي» التركي يثبت الفائدة عند 37 % مدفوعاً بتقلبات أسعار الطاقة

البنك المركزي التركي (الموقع الرسمي)
البنك المركزي التركي (الموقع الرسمي)
TT

«المركزي» التركي يثبت الفائدة عند 37 % مدفوعاً بتقلبات أسعار الطاقة

البنك المركزي التركي (الموقع الرسمي)
البنك المركزي التركي (الموقع الرسمي)

قرر البنك المركزي التركي تثبيت سعر الفائدة على إعادة الشراء لمدة أسبوع (الريبو) المعتمد معياراً أساسياً لأسعار الفائدة عند 37 في المائة، مدفوعاً بتقلبات أسعار الطاقة المرتبطة بالتوتر الناجم عن حرب إيران، وبما يتماشى مع التوقعات.

وأبقت لجنة السياسة النقدية للبنك، في اجتماعها الأربعاء، على سعر الفائدة على الإقراض لليلة واحدة عند 40 في المائة، وسعر الفائدة على الاقتراض لليلة واحدة عند 35.5 في المائة، دون تغيير.

ولفت البنك، في بيان عقب الاجتماع، إلى مستويات مرتفعة وتقلبات كبيرة في أسعار الطاقة نتيجة حالة عدم اليقين الناجمة عن التطورات الجيوسياسية في المنطقة.

التطورات الجيوسياسية والتضخم

وأضاف: «جرى رصد آثار هذه التطورات وأسعار الطاقة المحلية على توقعات التضخم عن كثب من خلال قناة التكلفة والنشاط الاقتصادي، وسيتم تشديد السياسة النقدية حال حدوث تدهور كبير ومستمر في توقعات التضخم».

رغم تراجع التضخم تواصل الأسعار ارتفاعها في الأسواق التركية (إ.ب.أ)

وذكر البيان أن التضخم الأساسي سجل تراجعاً في مارس (آذار) الماضي، وتراجع التضخم السنوي إلى 30.87 في المائة، وأن المؤشرات الرائدة تشير إلى ارتفاع طفيف في التضخم الأساسي في أبريل (نيسان) الحالي.

وتابع البنك المركزي التركي، في بيانه، أنه بينما تشير المؤشرات إلى تباطؤ في النشاط الاقتصادي، فإن الآثار الثانوية المحتملة للتطورات الأخيرة على توقعات التضخم ستكون مهمة.

وأكد البيان أن لجنة السياسات النقدية ستحدد الخطوات التي يتعين اتخاذها فيما يتعلق بسعر الفائدة من خلال نهج حذر، وبطريقة تعمل على الحد من الاتجاه الأساسي للتضخم وتوفير الظروف النقدية والمالية التي من شأنها أن تهبط بالتضخم إلى الهدف المنشود على المدى المتوسط، وهو 5 في المائة، مع الأخذ في الاعتبار التأثيرات المتأخرة لتشديد السياسة النقدية.

وشدد على أنه سيتم استخدام جميع أدوات السياسة النقدية بشكل حاسم، وسوف تتخذ اللجنة قراراتها ضمن إطار متوقع ومستند إلى البيانات وشفاف، وسيتم تشديد السياسة حال حدوث انهيار مفاجئ لتوقعات التضخم.

انتقادات للفريق الاقتصادي

وعقد اجتماع لجنة السياسة النقدية للبنك المركزي وسط انتقادات حادة لأداء وزير الخزانة والمالية، محمد شيمشيك، ورئيس البنك المركزي، فاتح كاراهان، من جانب وسائل إعلام قريبة من الحكومة.

وزير الخزانة والمالية التركي محمد شيمشيك (أ.ب)

ووجهت صحيفة «يني شفق»، وهي واحدة من أقرب الصحف إلى الحكومة، انتقادات شديدة للإدارة الاقتصادية، عبر تقرير تصدّر صفحتها الأولى، الاثنين الماضي، بعنوان: «انهيار البرنامج الاقتصادي لمحمد شيمشيك».

وقبل ساعات من اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي، الأربعاء، خرجت الصحيفة بعنوان رئيسي يقول: «أسعار الفائدة في انتظار قرار كاراهان التعسفي».

وقالت الصحيفة إن كاراهان، الذي رفع أسعار الفائدة بمقدار 5 في المائة قبل الانتخابات المحلية في 31 مارس (آذار) 2024 في اجتماعات مغلقة، على الرغم من غياب توقعات السوق، يتردد في خفض الأسعار، ويزيد من حالة عدم اليقين.

رئيس البنك المركزي التركي فاتح كاراهان (إعلام تركي)

وأضافت: «يُثار تساؤل حول طبيعة القرار الذي سيعلنه كاراهان اليوم. فالبنك المركزي، الذي يتخذ عند رفع أسعار الفائدة قرارات تتراوح بين 500 و700 نقطة أساس، يعزز حالة عدم اليقين حين يكتفي بتخفيضات لا تتجاوز 100 نقطة أساس. وبعد أن أنهى عام 2025 بتخفيضات رمزية في أسعار الفائدة، استهل عام 2026 بنبرة متشائمة، ما يزيد من تعقيد المشهد أمام قطاع الأعمال الذي يكافح لاستشراف المستقبل».

وتابعت الصحيفة انتقاداتها قائلة إنه «بسبب موقف كاراهان (المتحفظ للغاية)، الذي لاقى انتقادات من قطاع الأعمال، يواجه قطاع الصناعة صعوبة في استمرار الإنتاج، في حين يفقد المصدرون قدرتهم التنافسية أمام منافسيهم».

رحيل نائب رئيس المركزي

وشهد البنك المركزي، عشية اجتماع الأربعاء، تغييراً مهماً في إدارته قبل يوم واحد من اتخاذ قرار حاسم بشأن سعر الفائدة؛ إذ انتهت ولاية الدكتور عثمان جودت أكتشاي، الذي عُيّن نائباً لرئيس البنك في 28 يوليو (تموز) 2023، قبل عامين من موعد انتهائها، لبلوغه السن القانونية (65 عاماً).

وفي هدوء، جرى يوم الثلاثاء حذف اسم أكتشاي من قائمتي لجنة الإدارة ولجنة السياسة النقدية على الموقع الإلكتروني الرسمي للبنك المركزي، من دون أي إعلان رسمي، كما حذفت سيرته الذاتية من الموقع.

ولم تُنشر أي رسالة وداع له على موقع البنك المركزي. وكان أكتشاي قد عُيّن عقب الانتخابات البرلمانية والرئاسية في عام 2023 ضمن إدارة رئيسة البنك السابقة، حفيظة غاية أركان، بموجب مرسوم رئاسي وقّعه الرئيس رجب طيب إردوغان.

نائب رئيس البنك المركزي التركي السابق عثمان جودت أكتشاي (إعلام تركي)

وتصدّر أكتشاي، مؤخراً، عناوين الأخبار، بسبب حديثه في إحدى الفعاليات في إسطنبول؛ حيث قال إن التضخم كان عند نحو 48 في المائة وقت توليه منصبه، وانخفض الآن إلى 31 في المائة، مؤكداً أن هذا الانخفاض لا ينبغي تقييمه بمعزل عن غيره.

وأضاف: «لو لم تُتخذ هذه الخطوات، لكان التضخم قد ارتفع إلى ما بين 150 و200 في المائة».

وقلل أكتشاي من تأثير فترات الانتخابات على أسعار الفائدة، قائلاً: «لا تشغلني فترات الانتخابات إطلاقاً؛ فإذا توسعت السياسة المالية، فسأشدد السياسة النقدية أكثر». ولفت إلى ضرورة التنسيق مع وزارة الخزانة والمالية.

وساهم أكتشاي، وهو أستاذ اقتصاد عمل في جامعتي بوغازإيتشي وكوتش، وكان من ضمن مخططي السياسة في بنك «يابي كريدي»، في إعادة صياغة السياسة النقدية لخفض التضخم وإنعاش اهتمام المستثمرين.

وعدّ الخبير الاقتصادي التركي، أوغور غورسيس، أن أكتشاي كان بإمكانه الاستمرار في منصبه، في ظل غياب نص واضح ينظم مدة ولاية رئيس البنك المركزي ونوابه حالياً.

وأوضح أن القانون كان ينص سابقاً على ولاية مدتها 5 سنوات، قبل أن يُلغى هذا النص بمرسوم رئاسي «غير قانوني»، ثم قضت المحكمة الدستورية بإبطاله، ما أبقى فراغاً تشريعياً قائماً. وبناءً على ذلك، كان من الممكن تطبيق النص الأصلي للقانون، بما يتيح له الاستمرار في منصبه لعامين إضافيين.


الحرب قد تدفع الإيرانيين في تركيا للعودة إلى بلادهم

إيراني يتحدث إلى أحد الزبائن داخل محل صرافة يملكه في إسطنبول (أ.ب)
إيراني يتحدث إلى أحد الزبائن داخل محل صرافة يملكه في إسطنبول (أ.ب)
TT

الحرب قد تدفع الإيرانيين في تركيا للعودة إلى بلادهم

إيراني يتحدث إلى أحد الزبائن داخل محل صرافة يملكه في إسطنبول (أ.ب)
إيراني يتحدث إلى أحد الزبائن داخل محل صرافة يملكه في إسطنبول (أ.ب)

تقضي الإيرانية سادري حق شناس أيامها في بيع المعجنات في متجر بإسطنبول، لكن تفكيرها منصب على ابنتها في طهران.

اضطرت الأسرة إلى إرسالها إلى إيران بعد أن واجهوا صعوبات في تجديد تأشيرتها، رغم المخاوف من أن الهدنة الهشة قد تنهار قريباً.

لسنوات، سمحت تصاريح الإقامة قصيرة الأجل لعشرات الآلاف من الإيرانيين بالسعي وراء الفرص الاقتصادية، والتمتع باستقرار نسبي في تركيا المجاورة. لكن الوضع غير مستقر، وقد زادت الحرب من خطورة الموقف.

قالت حق شناس وهي ترفع يديها من خلف طاولة متجر المعجنات: «أقسم بأنني أبكي كل يوم. لا توجد حياة في بلدي، ولا توجد حياة هنا، فماذا أفعل؟».

سادري حق شناس امرأة إيرانية تبلغ من العمر 47 عاماً تعمل في متجر لبيع المعجنات في إسطنبول (أ.ب)

العودة إلى إيران

بحسب تقرير لوكالة «أسوشييتد برس»، فإن حق شناس انتقلت وزوجها إلى تركيا قبل 5 سنوات مع ابنتيهما اللتين كانتا مراهقتين آنذاك، ويعيشون بتأشيرات سياحية قابلة للتجديد كل ستة أشهر إلى سنتين.

لم يتمكنوا من تحمل تكاليف محامٍ هذا العام، لأن زوجها عاطل عن العمل بسبب مشكلات صحية. ونتيجة لذلك فاتهم الموعد النهائي لتقديم طلب للحصول على تأشيرة جديدة لابنتهما آصال البالغة من العمر 20 عاماً، والتي لا تزال في سنتها الأخيرة في المدرسة الثانوية.

تم احتجاز آصال في نقطة تفتيش في وقت سابق من هذا الشهر، وأمضت ليلة في مركز للهجرة. وجدت والدتها صديقاً ليأخذها إلى طهران بدلاً من مواجهة إجراءات الترحيل التي قد تعقد قدرتها على العودة إلى تركيا. وتأمل أن تتمكن من العودة بتأشيرة طالب.

لم تتمكن حق شناس من التحدث إلى ابنتها منذ مغادرتها بسبب انقطاع الإنترنت الذي استمر لشهور في إيران.

ويتمتع العديد من الإيرانيين بوضع مؤقت ولم تشهد تركيا تدفقاً للاجئين، حيث سعى معظم الإيرانيين إلى الأمان داخل بلدهم. وكان العديد ممن عبروا الحدود البرية في طريقهم إلى بلدان أخرى يحملون جنسيتها، أو إقامة فيها.

ووفقاً للمعهد التركي للإحصاء، كان يعيش ما يقرب من 100 ألف إيراني في تركيا عام 2025. ووفقاً لوكالة الأمم المتحدة للاجئين، دخل نحو 89 ألفاً إلى تركيا منذ بدء الحرب، بينما غادر نحو 72 ألفاً.

استخدم بعض الإيرانيين الإقامات قصيرة الأجل من دون تأشيرة لانتظار انتهاء الحرب، لكن الخيارات محدودة بالنسبة لأولئك الذين يرغبون في البقاء لفترة أطول.

رجل أمام متجر بقالة إيراني في إسطنبول (أ.ب)

الحماية الدولية

قال سيدات ألبيرق، من مركز حقوق اللاجئين والمهاجرين التابع لنقابة المحامين في إسطنبول، إن الحصول على وضع الحماية الدولية قد يكون صعباً، وإن النظام يشجع الإيرانيين على التقدم بطلبات للحصول على تصاريح قصيرة الأجل بدلاً من ذلك. وقال: «هناك أشخاص يعيشون على هذه التصاريح منذ أكثر من 10 سنوات».

إذا استمرت الحرب، فقد يضطر المزيد منهم إلى العودة، فمثلاً جاء نادر رحيم إلى تركيا من أجل تعليم أطفاله قبل 11 عاماً. والآن، قد تجبره الحرب على العودة إلى وطنه.

ونظراً لصعوبة الحصول على تصريح لبدء عمل تجاري، أو العمل بشكل قانوني في تركيا، كان يعيش على أرباح متجره لبيع الدراجات النارية في إيران. لكن لم تكن هناك أي مبيعات منذ بدء الحرب، كما أن العقوبات الدولية وانقطاع الإنترنت يجعلان تحويل الأموال أمراً بالغ الصعوبة.

ولا تملك عائلته سوى ما يكفي من المال للبقاء في تركيا لبضعة أشهر أخرى. نشأ أطفاله في تركيا، ولا يقرأون الفارسية، ولا يتحدثونها بطلاقة. وهو قلق بشأن كيفية تكيفهم مع الحياة في إيران، لكنه قال: «إذا استمرت الحرب، فلن يكون لدينا خيار سوى العودة».

في غضون ذلك، يقضي معظم أيامه في تصفح هاتفه، في انتظار أخبار من والديه في طهران، أو مناقشة الحرب مع أصدقائه الإيرانيين أثناء تدخين الشيشة.

إيرانيان يجلسان في أحد مقاهي مدينة إسطنبول التركية (أ.ب)

«حياة سيئة»

جاءت امرأة إيرانية تبلغ من العمر 42 عاماً إلى تركيا قبل ثمانية أشهر، على أمل كسب المال لإعالة أسرتها. سجلت هي وابنتها كطالبتين جامعيتين للحصول على تأشيرات دراسة. تحضر الدروس في الصباح للحفاظ على وضعها القانوني قبل أن تندفع إلى وظائف الخدمة، وتعمل أحياناً حتى الساعة 3 صباحاً.

وقالت إنهما تتشاركان غرفة مع ست سيدات أخريات في منزل للنساء، متحدثةً بشرط عدم الكشف عن هويتها خوفاً على سلامتها في حال عودتها إلى إيران.

لا ترى هذه السيدة مستقبلاً في إيران، بينما في تركيا، تكاد لا تكفيها الموارد، وتستطيع فقط إرسال مبالغ صغيرة من المال إلى والديها.

ومن ملجأ مؤقت إلى آخر سافرت مهندسة معمارية مستقلة تبلغ من العمر 33 عاماً من طهران إلى تركيا خلال حملة القمع العنيفة التي شنتها إيران على الاحتجاجات الجماهيرية في يناير (كانون الثاني). كانت تخطط للعودة بعد أن تهدأ الأوضاع، لكن الولايات المتحدة وإسرائيل دخلتا في حرب مع إيران في نهاية فبراير (شباط).

قالت: «بدأت أعتقد أن الوضع سيئ للغاية، أسوأ مما توقعت»، متحدثةً بشرط عدم الكشف عن هويتها خوفاً من الاضطهاد إذا عادت إلى إيران.

لم تتمكن من العمل مع عملائها المعتادين في إيران بسبب انقطاع الإنترنت. ومع اقتراب انتهاء فترة الإقامة من دون تأشيرة والتي تبلغ 90 يوماً، لا تستطيع تحمل تكاليف التقدم بطلب لإقامة أطول في تركيا.

بدلاً من ذلك، قررت الذهاب إلى ماليزيا، حيث ستحصل على سكن مجاني مقابل بناء ملاجئ خلال شهر من الإقامة من دون تأشيرة. وليس لديها أي خطة لما سيحدث بعد ذلك.


أمين حلف «الأطلسي» من تركيا: إيران تبث الرعب والفوضى

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته خلال كلمة في شركة «أسيلسان» للدفاع ضمن زيارته الرسمية لتركيا (أ.ف.ب)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته خلال كلمة في شركة «أسيلسان» للدفاع ضمن زيارته الرسمية لتركيا (أ.ف.ب)
TT

أمين حلف «الأطلسي» من تركيا: إيران تبث الرعب والفوضى

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته خلال كلمة في شركة «أسيلسان» للدفاع ضمن زيارته الرسمية لتركيا (أ.ف.ب)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته خلال كلمة في شركة «أسيلسان» للدفاع ضمن زيارته الرسمية لتركيا (أ.ف.ب)

أكد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته، الأربعاء، في أنقرة، أن الحلف «سيقوم دائماً بما يلزم للدفاع عن تركيا»، الدولة العضو التي استُهدفت بأربعة صواريخ إيرانية خلال الشهر الماضي.

وقال روته إنّ «إيران تبث الرعب والفوضى، ويظهر تأثير ذلك بشكل كبير في تركيا. خلال الأسابيع الأخيرة، نجح (ناتو) في اعتراض أربعة صواريخ باليستية إيرانية كانت متجهة نحو تركيا».

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في أنقرة (أ.ف.ب)

وتابع روته، الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، الذي من المقرر أن تعقد دوله الأعضاء الـ32 قمة مطلع يوليو (تموز) في العاصمة التركية إنّ «(ناتو) على أهبة الاستعداد لمثل هذه التهديدات، وسيفعل دائماً كل ما يلزم للدفاع عن تركيا وكل الدول الأعضاء».

وأشاد روته خلال زيارته مقر شركة «أسيلسان» للصناعات الدفاعية التركية، بـ«الثورة التي يشهدها قطاع الدفاع التركي».

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته خلال زيارته لشركة «أسيلسان» للدفاع ضمن زيارته الرسمية لتركيا وبجانبه رئيس الصناعات الدفاعية التركية، هالوك غورغون (على اليمين) والرئيس التنفيذي لشركة «أسيلسان» أحمد أكيول (على اليسار) (أ.ف.ب)

وقال روته الذي سيلتقي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الأربعاء، في ظل «الأخطار الجسيمة» التي تواجه دول حلف شمال الأطلسي «علينا مواصلة هذا النهج، والإنتاج والابتكار بوتيرة أسرع».

وأضاف: «إن أنظمة الدفاع الجوي، والمسيَّرات، والذخائر، والرادارات، والقدرات الفضائية... هي ما سيحمينا. أنتم تبتكرون تقنيات متطورة في هذا البلد (...) وتُتقنون قدرات كثيرة، وهذا ما نحتاج إليه».