الهجمات الإسرائيلية ــ الإيرانية تؤجل مؤتمر «حل الدولتين»

ضغوط أميركية لإجهاضه... وباريس تعوّل على إطلاق «دينامية سياسية»

 ماكرون في طريقه الى المؤتمر الصحافي في قصر الأليزيه يوم الجمعة حيث أعلن عن تأجيل مؤتمر حل الدولتين (رويترز)
ماكرون في طريقه الى المؤتمر الصحافي في قصر الأليزيه يوم الجمعة حيث أعلن عن تأجيل مؤتمر حل الدولتين (رويترز)
TT

الهجمات الإسرائيلية ــ الإيرانية تؤجل مؤتمر «حل الدولتين»

 ماكرون في طريقه الى المؤتمر الصحافي في قصر الأليزيه يوم الجمعة حيث أعلن عن تأجيل مؤتمر حل الدولتين (رويترز)
ماكرون في طريقه الى المؤتمر الصحافي في قصر الأليزيه يوم الجمعة حيث أعلن عن تأجيل مؤتمر حل الدولتين (رويترز)

لم تكن باريس تتوقع أن يُضطر رئيسها إلى الإعلان عن تأجيل انعقاد ما يسمى «مؤتمر حل الدولتين» قبل أيام قليلة من انعقاده، وقد عملت من أجله الدبلوماسية الفرنسية، منذ أسابيع عديدة، من أجل توفير أفضل الظروف لانعقاده، خصوصاً من أجل التوصل إلى نتائج واضحة تقرّب من الهدف المنشود. وما ضاعف من أهميته أن فرنسا كانت تنوي، بهذه المناسبة، الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهي الخطوة التي أجّلتها منذ أمد طويل، وتحديداً منذ أن صوّت مجلس النواب الفرنسي في شهر ديسمبر (كانون الأول) من عام 2014، على قرار يدعو الحكومة للاعتراف بالدولة الفلسطينية.

إلا أن الهجمات التي أطلقتها إسرائيل، ليل الخميس - الجمعة، ضد المواقع العسكرية والنووية والحكومية الإيرانية، أطاحت هذا السيناريو. ومساء الجمعة، أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون عن تأجيل المؤتمر إلى موعد لاحق، معتبراً أن خيار التأجيل أملته «البراغماتية واعتبارات الأمن».

تبرير ماكرون للتأجيل

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث خلال فعالية يوم 9 يونيو 2025 (رويترز)

وقال ماكرون ما حرفيته: «ما الجدوى من عقد مؤتمر كهذا يُفترض أن أترأسه بالتشارك مع ولي عهد المملكة العربية السعودية؛ حيث كان رئيس السلطة الفلسطينية سيعمد إلى تقديم التزامات قوية تتجاوز حتى مضمون الرسالة التي سبق أن كتبها (ووجّهها إلى باريس والرياض)، وهي بحد ذاتها التزامات تاريخية وتصريحات تاريخية، إذا كان جميع قادة المنطقة، ولأسباب واضحة، مضطرين للبقاء في بلدانهم؟ واليوم، أشار لي كل من ولي العهد ورئيس السلطة الفلسطينية إلى أنهما ليسا في وضع يسمح لهما من الناحية اللوجستية أو الأمنية أو السياسية بالسفر والمشاركة».

ولذا، فقرار التأجيل «لا يتعدى كونه لأسباب براغماتية (ونابعاً) من وضوح الرؤية».

بيد أن ماكرون سارع إلى التأكيد أن القمة التي كان انعقادها مرتقباً ما بين 17 و20 يونيو (حزيران) في الأمم المتحدة وبرئاسة مشتركة سعودية ــ فرنسية، لن تُلغى، بل إنها «ستلتئم في أقرب وقت وسوف يتم تحديد موعد جديد في الأيام القليلة المقبلة بالتشاور مع قادة المنطقة، خصوصاً مع المملكة السعودية».

وأضاف ماكرون: «هذا التأجيل لا يمكن أن يغيّر من عزمنا على المضي قدماً نحو تنفيذ حل الدولتين، مهما كانت الظروف». وإزاء التساؤلات التي برزت في الأيام الأخيرة عن استدارة في الموقف الفرنسي لجهة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، بمناسبة مؤتمر نيويورك، أراد ماكرون أن يقطع الشك باليقين بقوله: «لقد أعلنت عن عزمي على الاعتراف بدولة فلسطين. وهذا العزم كامل، وهو قرار سيادي».

الضغوط الإسرائيلية لإفشال المؤتمر

أشخاصٌ يتفقدون أنقاض مبنى مُدمَّر إثر قصف إسرائيلي على مخيم البريج للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

بعد انطلاقة الحرب الإسرائيلية - الإيرانية، بدا بوضوح أن الاهتمام بالملف الفلسطيني سيتراجع حكماً. وترى مصادر سياسية في باريس أن قمة حل الدولتين كانت أولى ضحاياها «ليس فقط بسبب تأجيلها إلى موعد غير معروف، بل لأن رئيس الوزراء يرى في الحرب مع إيران طريقاً لتحقيق هدفين متلازمين: الأول حَرْف الأنظار عن الحرب التي تتواصل فصولها في غزة وعن تواصل تساقط عشرات القتلى والجرحى كل يوم، بل أيضاً إعادة رصّ الصفوف في الداخل حول سياساته، وإعادة الغربيين إلى حظيرة دعم إسرائيل».

ويضيف مصدر آخر أن الحرب التي وصفها بنيامين نتنياهو بـ«الوجودية» بالنسبة لإسرائيل، والتي يتبنى الغربيون سرديتها، كما فعل المستشار الألماني ورئيس الوزراء البريطاني، ولكن أيضاً الرئيس الفرنسي، وبالطبع الرئيس الأميركي، تجعل ممارسة الضغوط على نتنياهو في ملف غزة أمراً بالغ الصعوبة.

أما بالنسبة للموعد البديل للمؤتمر، فمن الصعب التكهّن به، باعتبار أن حرب إسرائيل - إيران لن تنتهي غداً، ولا أحد يعلم كيف ستنتهي، وما إذا كانت الأسرة الدولية ستكون مهتمة بالعودة للنظر في الملف الفلسطيني.

حقيقة الأمر أن الضغوط التي مارستها إسرائيل من أجل منع انعقاد القمة أو إفراغها من محتواها ليست سراً. نتنياهو رفض دوماً مبدأ قيام دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل. وفي الخريف الماضي، صوّت الكنيست على قرار يرفض قيامها.

وبعد أن ازداد الاهتمام بمؤتمر نيويورك، كان جواب الحكومة الإسرائيلية الإعلان عن إقامة 22 مستوطنة في الضفة الغربية، والهدف الواضح جعل قيام هذه الدولة، التي تضم قطاع غزة المدمّر وتحت الحصار، والضفة الغربية التي تمزقها المستوطنات وعنف المستوطنين، أمراً بالغ الصعوبة إن لم يكن مستحيلاً.

وأحد الأسباب التي ركزت عليها الدبلوماسية الفرنسية خلال أشهر تحضير المؤتمر أن غرضه السير بالقمة قبل أن يتم وأد فكرتها وقيامها نهائياً.

الموقف الأميركي من القمة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدّثاً في البيت الأبيض يوم 12 يونيو (أ.ب)

عندما كانت تُسأل المصادر الفرنسية عن موقف واشنطن من مؤتمر نيويورك، كان الجواب أنه «لا موقف مُعلناً» لواشنطن، وأن باريس تريد إبراز المؤتمر على أنه «تتويج» لجهود ترمب بالدفع نحو شرق أوسط مستقر ويعيش بسلام. وكانت باريس تراهن على لقاء بين الرئيسين الفرنسي والأميركي، بمناسبة «قمة السبع» التي ستُعقد في كندا «ألبرتا» مباشرة قبل مؤتمر نيويورك، لدفع سيد البيت الأبيض لتسهيل المؤتمر إن لم يكن لدعمه.

والحال أن تصويت واشنطن في مجلس الأمن ضد مشروع قرار يدعو لوقف إطلاق النار في غزة أحبط باريس. ثم جاء كشف وكالة «رويترز»، الخميس الماضي، عن وجود مذكرة دبلوماسية صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية للوقوف بوجه المؤتمر، لتبديد آخر آمال بـ«تفهم» أميركي للمشروع الفرنسي - السعودي.

ومما جاء في المذكرة: «نحث الحكومات على عدم المشاركة في المؤتمر، الذي نراه ضارّاً بالجهود الجارية والمنقذة للحياة لإنهاء الحرب في غزة وإطلاق سراح الرهائن». وجاء في المذكرة أيضاً أن «الولايات المتحدة تعارض أي خطوات للاعتراف الأحادي بدولة فلسطينية مفترضة؛ إذ إن ذلك يضيف عقبات قانونية وسياسية كبيرة أمام حل النزاع في نهاية المطاف، وقد يؤدي إلى الضغط على إسرائيل أثناء حرب، مما يعني دعم أعدائها».

وذهب السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، إلى القول إنه «لا يعتقد» أن قيام دولة فلسطينية ما زال يعكس السياسة الأميركية إزاء النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي. وللتذكير، فإن السياسة التقليدية الأميركية كانت تنهض على مبدأ قيام دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل.

رهانات فرنسية خاسرة

كان الرهان الفرنسي، من أجل إنجاح القمة، يقوم على مبدأ «المبادلة»، بحيث تقدم الدول العربية والإسلامية «شيئاً» ما مقابل اعترافها بالدولة الفلسطينية، كتطبيع علاقاتها مع إسرائيل أو على الأقل إعلان قبولها السير في مسار كهذا. بيد أن تواصل حرب غزة قضى على هذه التوقعات.

ورهان باريس الثاني كان قوامه استعداد دول أوروبية، مثل بريطانيا وبلجيكا وهولندا أو أخرى مثل كندا وأستراليا ونيوزيلندا... للسير إلى جانبها من أجل إطلاق «دينامية سياسية» في اتجاه إيجاد الظروف الملائمة والملموسة لنجاح حل الدولتين. لكنه لم يكن مضمون النتائج، لا، بل أصبح اليوم رهاناً خاسراً بعد التطورات الحربية الأخيرة.

بيد أن جميع هذه الاعتبارات ليست كافية لثني الرئيس ماكرون عن خطته؛ إذ يعتبر أن لا معطى شرق أوسطياً يجب أن يكون منطلقاً ومساعداً لحل الدولتين. وقال في مؤتمره الصحافي إن «الدينامية التي أطلقتها هذه القمة هي دينامية لا يمكن إيقافها»، معدِّداً مجدداً أهدافها، ومشدداً خصوصاً على أن إسرائيل ستكون المستفيدة منها، بفضل انخراطها وقبولها في منظومة الشرق الأوسط، وبفضل «الهندسة الأمنية» لكل دول الشرق الأوسط.

واضح أن القراءات متفاوتة. والسؤال حول انعقاد القمة ونجاحها مرهون بما ستؤول إليه حرب إسرائيل - إيران، وصورة الشرق الأوسط الجديد التي ستشارك في رسمها.


مقالات ذات صلة

كيف تسارع الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية؟

المشرق العربي طريق النفق الذي يوصل القدس بمستوطنات ومناطق جنوب الضفة الغربية (الشرق الأوسط)

كيف تسارع الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية؟

شهد الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية توسّعاً مستمراً منذ عام 1967 رغم الضغوط الدولية، لكنّ وتيرته تسارعت بشكل ملحوظ منذ عودة نتنياهو إلى السلطة عام 2022.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
الخليج وزراء خارجية المجموعة الرباعية يناقشون في إسطنبول عدداً من القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك (واس) p-circle 00:26

«الرباعية» تدين هجمات الحوثيين على السعودية وتطالب بوقف التصعيد في اليمن

أدانت السعودية وتركيا ومصر وباكستان التصعيد الذي تمارسه الميليشيات الحوثية الإرهابية في اليمن، بما في ذلك هجماتها على المملكة واستهداف المدنيين والبنية التحتية.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
شؤون إقليمية لوحات إعلانية إلكترونية خاصة بالانتخابات تظهر كلاً من رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (د.ب.أ) p-circle

«الخوف دافعهم الأكبر»... ارتفاع التصويت بين فلسطينيي إسرائيل قد يهدد بقاء نتنياهو

تستعد إسرائيل لتنظيم انتخابات يوم الثلاثاء المقبل، ويبرز دور أصوات فلسطينيي الداخل، الذين يشكّلون نحو 20 في المائة من السكان.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف يتحدث أمام مجلس الأمن في نيويورك (الأمم المتحدة)

«حماس» ترفض انحياز ميلادينوف للرواية الإسرائيلية

رفضت حركة «حماس» الفلسطينية بشدة تبنّي ممثل «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف الرواية الإسرائيلية بشأن تعليق إدخال البضائع المخصصة للقطاع الخاص إلى غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مزرعة يديرها مستوطنون إسرائيليون بالقرب من قرية دوما الفلسطينية في الضفة الغربية (أ.ف.ب) p-circle

الصين تحث إسرائيل على وقف «البناء القسري» للمستوطنات بالضفة الغربية

قالت وزارة الخارجية الصينية، في بيان، إن الوزير وانغ يي أبلغ الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ بضرورة وقف «البناء القسري» للمستوطنات في الضفة الغربية والتراجع عنه.

«الشرق الأوسط» (بكين)

مسؤول بالسفارة الفرنسية لدى إيران تعرّض لـ«الترهيب»

السفارة الفرنسية في طهران (أ.ف.ب - أرشيفية)
السفارة الفرنسية في طهران (أ.ف.ب - أرشيفية)
TT

مسؤول بالسفارة الفرنسية لدى إيران تعرّض لـ«الترهيب»

السفارة الفرنسية في طهران (أ.ف.ب - أرشيفية)
السفارة الفرنسية في طهران (أ.ف.ب - أرشيفية)

تعرَّض الرجل الثاني بالسفارة الفرنسية في طهران مطلع أكتوبر (تشرين الأول) للترهيب «من جانب أفراد قدَّموا أنفسهم على أنهم ينتمون إلى قوات الأمن الإيرانية»، وفق ما أفاد مصدر دبلوماسي «وكالة الصحافة الفرنسية» الثلاثاء، مؤكداً معلومات أوردتها مجلة «لوبوان».

وأوضح المصدر أن السفير الإيراني لدى فرنسا استُدعي على خلفية ذلك إلى وزارة الخارجية الفرنسية، من دون تحديد تاريخ الاستدعاء.

وأضاف: «جرى تذكيره بحزم شديد بأننا نتوقّع من السلطات الإيرانية اتخاذ كلّ التدابير اللازمة لضمان أمن موظفينا ومقارنا، التزاماً بواجباتها بموجب القانون الدولي واتفاقات فيينا التي تُعدُّ إيران طرفاً فيها، والتي تضمن أمن الطواقم الدبلوماسية وتشكِّل أساس العلاقات بين الدول».

ولم تُقدَّم أي تفاصيل عن الواقعة التي أفادت «لوبوان» بأنها «انتهت على ما يبدو باستجواب عنيف».

وتأتي هذه الواقعة بعد حادثة سابقة في يوليو (تموز) شملت دبلوماسيَّين فرنسيَّين يعملان في طهران، في ظلِّ علاقات متدهورة بين البلدين منذ سنوات.

واتَّهم وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، حينها السلطات الإيرانية بأنها «احتجزتهما من دون سبب لساعات عدة»، مضيفاً أن أحدهما «تعرَّض للضرب».

وأكدت إيران أن أجهزة الأمن «استجوبت الدبلوماسيَّين لفترة وجيزة»، بعدما شاركا في «اجتماع مع عدد من الأشخاص المطلوبين للسلطات».

وندَّدت طهران بـ«تدخلات» فرنسية «بذريعة التواصل مع المجتمع المدني».

وبحسب مقرَّبين، أُوقف مُصمِّمان إيرانيِّان في مجال الغرافيك بعدما التقيا الدبلوماسيَّين في اجتماع عمل خُصِّص لبرنامج «فيلا زاديغ» للإقامات والتبادلات الفنية الذي يشرف عليه القسم الثقافي في السفارة.

ومُنع الدبلوماسيان لاحقاً من مزاولة عملهما في إيران. وردَّت فرنسا بطرد دبلوماسيَّين اثنين من السفارة الإيرانية في باريس.

وفي 20 سبتمبر (أيلول)، أعلنت السلطة القضائية الإيرانية إغلاق مركز اللغة الفرنسية المرتبط بالسفارة الفرنسية؛ بسبب ممارسته «أنشطة غير قانونية». وندَّدت باريس بقرار «غير مقبول» يستدعي اتخاذ «تدابير مناسبة للردّ عليه».

وخلال السنوات الأخيرة، سجنت إيران عدداً من المواطنين الفرنسيين بتهم التجسُّس. ووصل عدد الفرنسيين المحتجزين في الوقت نفسه إلى 7 في عام 2023، وعدَّتهم باريس «رهائن دولة».

وغادر آخر اثنين منهم، سيسيل كوهلر وجاك باريس، البلاد مطلع أبريل (نيسان)، بعد نحو 4 سنوات أمضياها في السجن ثم قيد الإقامة الجبرية بتهم التجسُّس، وذلك إثر إطلاق سراح مواطنة إيرانية أُدينت بتهمة تمجيد الإرهاب.


قلق إسرائيلي من صِدامات عنيفة تشبه خسارة ترمب في 2021

ناخب إسرائيلي من التيار اليهودي المتشدد يدلي بصوته في مركز انتخابي بالقدس الثلاثاء (أ.ب)
ناخب إسرائيلي من التيار اليهودي المتشدد يدلي بصوته في مركز انتخابي بالقدس الثلاثاء (أ.ب)
TT

قلق إسرائيلي من صِدامات عنيفة تشبه خسارة ترمب في 2021

ناخب إسرائيلي من التيار اليهودي المتشدد يدلي بصوته في مركز انتخابي بالقدس الثلاثاء (أ.ب)
ناخب إسرائيلي من التيار اليهودي المتشدد يدلي بصوته في مركز انتخابي بالقدس الثلاثاء (أ.ب)

في ظل توتر شديد وصراعات داخلية عصبية وتحذير من الشرطة من خطر صدامات عنيفة، انطلقت الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية، الثلاثاء؛ لتكون بداية مسار طويل قد يستغرق شهرين وأكثر لمعرفة هوية الحكومة الجديدة.

ويسود استقطاب واسع في الانتخابات الإسرائيلية؛ إذ إنها أول انتخابات عامة تُجرى منذ هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وسط منافسة شبه ثنائية بين رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو المدعوم من قوى اليمين المتطرف، في مواجهة رئيس الأركان الأسبق، غادي آيزنكوت.

وبلغت معدلات المشاركة مستويات قياسية؛ إذ أدلى نحو 3.3 مليون إسرائيلي (44.9 في المائة) بأصواتهم حتى الثانية بتوقيت تل أبيب، وذلك من أصل أكثر من7 ملايين شخص يحق لهم التصويت، وبزيادة قدرها 6 في المائة مقارنةً بعام 2022، حيث بلغت نسبة المشاركة 38.9 في المائة في التوقيت نفسه. كما وصلت نسبة التصويت في الجيش الإسرائيلي 48 في المائة بحلول الساعة الواحدة ظهراً.

وفي مقابل ذلك، سيطرت أجواء تحريض وتخويف ضد تصويت العرب، ونشر نتنياهو تغريدة على «إكس» بعنوان «هذا نداء طارئ»، دعا فيها أنصاره من اليمين إلى المشاركة بكثافة في مواجهة تصويت العرب الذي قدّر أنه غير مسبوق، ورأى أن «مستقبل (الدولة اليهودية) على المحك».

وتوافق تحريض نتنياهو مع ما قدرته مصادر سياسية إسرائيلية في إفادات لوسائل إعلام عبرية، بأن حزب «الليكود» الحاكم الذي يتزعمه نتنياهو، يخوض المعركة بأسلوب ينذر بأنه ينوي «عدم الاعتراف بنتائج التصويت» حال لم تنصفه، وأن طواقمه استعدت حتى قبل الانتخابات للرد بعنف فيما لو خسرها، علماً بأن النتائج الفعلية ستظهر فقط صبيحة الأربعاء.

سيناريو خسارة ترمب

ويتخوف جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) من أحداث مشابهة لمحاولة أنصار الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، اقتحام مبنى الكونغرس (الكابيتول) بعد صدور نتائج الانتخابات الرئاسية التي أظهرت خسارته في عام 2021، وأن يدعي أحد المعسكرين أنه تم تزوير الانتخابات الإسرائيلية ويحاول اقتحام الكنيست في محاولة لعرقلة فرز الأصوات، حسب ما نقلت صحيفة «معاريف».

بعض المشاركين في اقتحام الكونغرس 6 يناير 2021 (أ.ف.ب)

وقال مسؤول أمني لصحيفة «معاريف» إن «سيناريو خطيراً قد يحدث في هذه الانتخابات، هو أن يعلن أحد رئيسي المعسكرين أنه لا يقبل نتائج الانتخابات ويدعو الجمهور إلى الخروج إلى الشوارع، ومن الجهة الأخرى أن يخرج المعسكر الآخر أنصاره إلى الشوارع كي يحافظوا على نتائج العملية الديمقراطية، وفي هذه الحالة سيتعين على الشرطة مساعدة أجهزة أخرى، في مقدمتها الجيش الإسرائيلي».

ويعتقد ضباط شرطة ومسؤولون سابقون في «الشاباك» أن سيناريو الكابيتول يجب أن يكون مشمولاً في مقدمة الأولويات لدى الاستعداد ليوم الانتخابات، وأنه على الرغم من أن هذا سيناريو متطرف، فإنه يجب الاستعداد للتعامل معه بواسطة خطط عسكرية وتدريبات مسبقة.

وأضافوا أن هذا سيكون «إخفاقاً هائلاً إذا لم يضعوا هذا السيناريو في مقدمة قائمة الأحداث والرد عليها»، ويجب إصدار أمر عملياتي منظم مع حجم قوات شرطة وقوات تعزيز للشرطة، ورغم أن هذا سيناريو متطرف، لكن علينا الاستعداد له بكل جدية».

ونقلت الصحيفة عن ضابط متقاعد قوله إن «(الشاباك) والشرطة هما الجهازان المسؤولان عن الحفاظ على الديمقراطية في إسرائيل، وهما مسؤولان عن نقل السلطة بصورة منظمة».

وأضاف: «إننا نرى منذ اليوم بداية عملية هذا السيناريو، من خلال قناة تبث أسبوعاً بعد آخر نتائج استطلاعات مزورة، مع نتائج لا تتلاءم مع استطلاعات أخرى، وهذا نوع من التحضير لسردية سرقة الانتخابات، وتنضم إلى ذلك حملة نزع شرعية ضد لجنة الانتخابات وضد المحكمة العليا».

مسيرة تأييد لنتنياهو من قِبل أنصار «الليكود» في القدس (أ.ب)

وحسب الضابط المتقاعد، فإنه «ينبغي أن يضاف إلى كل هذا الميليشيات المسلحة التي تشكلت في إسرائيل في السنوات الأربع الأخيرة، مثل وحدات (هاغمار) (وحدات الدفاع اللوائية التابعة للجيش الإسرائيلي في المستوطنات في الضفة الغربية)، وفرق التأهب في جميع أنحاء البلاد، وعشرات آلاف الأسلحة التي وُزعت على المواطنين، وهنا اختبار القيادات إذا كانوا سيرفضون قبول نتائج الانتخابات أم أنهم سيتصرفون من خلال مسؤولية عامة حتى لو خسروا».

وفي السياق، أعلن حزب «الديمقراطيون» المعارض، الثلاثاء، أن الشرطة الإسرائيلية اعتقلت شخصاً يحمل سكيناً بعدما اقترب من رئيسه يائير غولان الذي كان يحشد الناخبين في تل أبيب، وهدَّده.

وقال غولان في بيان: «لن ينجح التحريض المتتالي وأعمال العنف في ترهيبنا»، محمّلاً ما عدّها «آلة السمّ» التابعة لبنيامين نتنياهو مسؤولية الحادثة، في إشارة إلى حملة رئيس الوزراء التي شنّ خلالها هجوماً على اليسار.

ماذا يحضّر نتنياهو؟

وطرحت مصادر سياسية إسرائيلية، سيناريو توقعت أن يقدِم عليها نتنياهو في حال عدم تمكن أحزاب المعارضة الأربعة (حزب «يشار» بقيادة غادي آيزنكوت، وحزب «بياحد» بقيادة نفتالي بنيت ويائير لبيد، وحزب «يسرائيل بيتنا» بقيادة أفيغدور ليبرمان، وحزب «الديمقراطيين» بقيادة يائير غولان) من الحصول على أكثرية 61 مقعداً (من مجموع 120)، من دون الأحزاب العربية؛ فإن نتنياهو حتى لو هزم، ينوي إعلان الانتصار، وسيطلب منحه التكليف من رئيس الدولة، إسحق هرتسوغ، لتشكيل حكومة.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعد الإدلاء بصوته في الانتخابات بالقدس (رويترز)

وجنباً إلى جنب مع هذه الخطوة، بدأ معسكر اليمين الحاكم، إجراءات عملية أخرى للطعن في نتائج الانتخابات، بحجة أنها مزيفة. ومنذ صبيحة الثلاثاء، مع فتح الصناديق، راح يغرق لجنة الانتخابات بألوف الشكاوى عن خلل وتزييف في صناديق الاقتراع في المناطق العربية؛ حتى يستطيع الزعم بعد فرز النتائج أن «الانتخابات زُيفت».

وكان نتنياهو قد سبق هذه الخطوة، باستدعاء القائد العام للشرطة العام وإبلاغه بأنه «قلق من الجهود التي تبذل في المجتمع العربي لتزييف الانتخابات»، وطلب خطة علاج جذرية لذلك.

اللافت، أن لجنة الانتخابات كشفت عن أنه في أحد الصناديق في بئر السبع ذات الأغلبية العربية، أعطي أحد المصوتين ورقة تصويت كان يفترض أن تكون فارغة، وإذا تحتوي على ورقة لحزب الليكود في تزييف واضح؛ إلا أن الشرطة أعلنت عن اعتقال ثلاثة نشطاء عرب من «القائمة العربية الموحدة» تزعم أنهم «ضُبطوا وهم يحاولون رشوة ناخبين بالمال لكي يصوّتوا لها»، ونفى رئيس القائمة، النائب منصور عباس الاتهام، وقال: «يبدو أنهم وضعوا قائمتنا هدفاً».

المرشح منصور عباس زعيم «القائمة العربية الموحدة» (رعَم) يدلي بصوته في الانتخابات الإسرائيلية (رويترز)

وقد لوحظ أن عدداً كبيراً من المستوطنين والمتدينين من أنصار حزب الصهيونية الدينية (الذي يقوده وزير المالية بتسلئيل سموترتش)، وصلوا إلى البلدات العربية بحجة حماية الانتخابات من التزييف. وراحوا يبثّون الدعايات القديمة التي سبق واستخدمها نتنياهو تحت عنوان «العرب يتدفقون كالنهر إلى صناديق الاقتراع»؛ وذلك حتى يخيف العنصريين اليهود ويحفّزهم على التدفق إلى صناديق الاقتراع.

التخوف سيكون بعد إغلاق الصناديق؟

وقال ضابط كبير في الشرطة إنه يتوقع أن يمر يوم الانتخابات بهدوء، لكن التخوف الكبير يتركز على الساعة العاشرة مساءً، بعد نشر نتائج التصويت التي تبثها القنوات التلفزيونية لصناديق نموذجية، وفي إمكانية استمرار التوتر في الأيام التالية. وأضاف الضابط أن «من شأن نتائج العينات أن تخرج إلى الشوارع مواطنين للاحتفال بالنتائج أو غاضبين من النتائج، والشرطة تستعد لاحتمال حدوث احتكاكات بين الجانبين تؤدي إلى مواجهات وأعمال شغب خلال الليل وفي الغد وحتى نهاية الأسبوع».

وأشار الضابط إلى أنه إضافة إلى حراسة صناديق الاقتراع والحفاظ على النظام العام، فإن الشرطة ستحرس أيضاً خمسة تجمعات مركزية لأحزاب، بينها أربعة تجمعات في تل أبيب وتجمع واحد لحزب الليكود في القدس، وشدد على أن «أي استعداد لحراسة تجمع حزبي كهذا يستوجب قوات شرطة كبيرة جداً».

ويتوقع أن يشارك 22 ألف شرطي في حفظ النظام ومنع مواجهات بين مؤيدي الأحزاب المختلفة، وقال الضابط المذكور إن الشرطة تستعد لهذا اليوم منذ ثلاثة أشهر ووضعت خططاً عملياتية بالتنسيق مع «الشاباك» والجيش الإسرائيلي. وأضاف أنه على الرغم من أن الشرطة تخضع لمسؤولية وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، فإن عليها الحفاظ على استقلالية مهنية وألا تخضع لتأثيرات سياسية، سواء في سلوكها وكذلك بصورتها أمام الجمهور.


انتخابات إسرائيل بين نتنياهو والمعارضة... متى تُعلن النتائج؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وزوجته سارة يستعدان للإدلاء بصوتيهما في مركز اقتراع بالقدس (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وزوجته سارة يستعدان للإدلاء بصوتيهما في مركز اقتراع بالقدس (إ.ب.أ)
TT

انتخابات إسرائيل بين نتنياهو والمعارضة... متى تُعلن النتائج؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وزوجته سارة يستعدان للإدلاء بصوتيهما في مركز اقتراع بالقدس (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وزوجته سارة يستعدان للإدلاء بصوتيهما في مركز اقتراع بالقدس (إ.ب.أ)

يتوجَّه الإسرائيليون، اليوم (الثلاثاء)، 27 أكتوبر (تشرين الأول)، إلى صناديق الاقتراع لانتخاب أعضاء الكنيست، بعد 3 سنوات من الحروب التي شُنّت في غزة ولبنان وإيران، وأدخلت منطقة الشرق الأوسط في حالة من الاضطراب، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وتتمحور الانتخابات إلى حدٍّ كبير حول بنيامين نتنياهو، الذي يسعى للفوز بولاية جديدة بعدما أمضى ما مجموعه 19 عاماً في السلطة. غير أن نتنياهو والمعارضة على حد سواء لا يملكان مساراً واضحاً نحو تحقيق أغلبية تتيح لأي منهما تشكيل الحكومة.

وفي ظلِّ الطبيعة المجزأة للنظام السياسي الإسرائيلي، قد تضطر البلاد إلى الانتظار أسابيع، وربما أشهراً، قبل التَّوصُّل إلى تشكيل حكومة جديدة.

ويخوض الانتخابات 38 حزباً مختلفاً، لكن معظمها لن يتمكَّن من حصد أصوات كافية للفوز بأي من مقاعد الكنيست البالغ عددها 120 مقعداً.

إسرائيليون يشاهدون حاخاماً وهو يدلي بصوته في مدرسة تُستخدم مركز اقتراع خلال الانتخابات العامة الإسرائيلية (أ.ب)

متى ستُعلن نتائج الانتخابات الإسرائيلية؟

تُفتح مراكز الاقتراع عند الساعة السابعة صباحاً بالتوقيت المحلي، وتُغلق عند الساعة العاشرة مساءً من اليوم نفسه (الثامنة مساءً بتوقيت غرينتش).

ومن المقرر أن تكشف القنوات التلفزيونية الإسرائيلية، فور إغلاق صناديق الاقتراع، عن نتائج استطلاعات آراء الناخبين لدى خروجهم من مراكز التصويت، المعروفة باسم «استطلاعات الخروج».

وستبدأ النتائج بالظهور تباعاً بعد ذلك بوقت قصير، إلا أن النتائج الرسمية الكاملة لن تُؤكَّد قبل يوم الثلاثاء الموافق 4 نوفمبر.

غير أن العملية برمتها ستستغرق وقتاً أطول بكثير، إذ قد تتراوح مدتها بين 20 و100 يوم. فعلى مدى العقدين الماضيين، لم تؤدِّ أي حكومة إسرائيلية اليمين الدستورية في أقل من 50 يوماً.

وبعد توقيع اتفاق ائتلافي، يعقد الكنيست جلسةً خاصةً يعرض خلالها رئيس الوزراء المكلَّف الحكومة الجديدة وبرنامج عملها السياسي.

ويُجرى بعد ذلك تصويت رسمي، فإذا نالت الحكومة الجديدة الثقة، تبدأ فترة ولايتها.

رجل وابنته البالغة من العمر 6 سنوات يضعان ورقة اقتراعه في صندوق خلال الانتخابات العامة الإسرائيلية بتل أبيب (أ.ب)

مَن يتصدر استطلاعات الرأي؟

يتنافس في الانتخابات تحالفان رئيسيان متقاربان إلى حدٍّ كبير في الثقل السياسي؛ أولهما تحالف لأحزاب اليمين المتطرف يهيمن عليه نتنياهو، في حين يقود الثاني غادي آيزنكوت، زعيم حزب «ياشار» والرئيس السابق للجيش الإسرائيلي.

وتشير استطلاعات الرأي الحالية إلى منافسة محتدمة بين الطرفين على منصب رئيس الوزراء. ومع ذلك، يُرجَّح ألا يتمكَّن الائتلاف الذي يقوده رئيس الوزراء الحالي من تحقيق الأغلبية، وفقاً لاستطلاع جديد أوردته صحيفة «إندبندنت».

وبحسب نتائج الاستطلاع، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثَّل في حصول الكتلة اليمينية «الحريدية»، التي تضم حزب «الليكود» بزعامة نتنياهو وحزب «شاس»، على ما بين 52 و54 مقعداً.

ويشمل ذلك تراجع حصة حزب «الليكود» من 32 مقعداً إلى 19 مقعداً، وانخفاض حصة حزب «شاس» إلى 6 مقاعد.

في المقابل، يُتوقَّع أن تحصد المعارضة، بقيادة آيزنكوت، أكبر عدد من المقاعد، رغم أن الأحزاب الليبرالية الأخرى التي يمكن أن تتحالف معها لتشكيل ائتلاف قد تحصل مجتمعةً على أصوات أقل مما تحصده الأحزاب اليمينية.

وفي هذا السياق، قال الدكتور نمرود نير، من «أغام لابز (Agam Labs)»: «إن الدراما السياسية الحقيقية ستبدأ في صباح اليوم التالي للانتخابات».

وأضاف: «الانتخابات في إسرائيل ليست مجرد مباراة واحدة، بل بطولة كاملة، ويوم الاقتراع ليس سوى جولتها الافتتاحية».

وتابع: «تشير استطلاعات الرأي التي أجريناها إلى أنه من غير المرجح أن يتمكَّن أي من المعسكرين من تأمين أغلبية تتيح له تشكيل حكومة، ما يترك 3 احتمالات: تشكيل حكومة وحدة تجمع نتنياهو بأحزاب أكثر ليبرالية، أو إقامة ائتلاف بديل يحظى بدعم الأحزاب العربية، أو التَّوجُّه إلى انتخابات جديدة».