بدء التحقيق مع إمام أوغلو وسط غضب عارم في الشارع التركي

أوروبا تحذر من انتهاك الديمقراطية... وأميركا وروسيا لعدم التعليق على الشؤون الداخلية

مئات الآلاف احتشدوا أمام بلدية إسطنبول دعماً لإمام أوغلو (أ.ف.ب)
مئات الآلاف احتشدوا أمام بلدية إسطنبول دعماً لإمام أوغلو (أ.ف.ب)
TT

بدء التحقيق مع إمام أوغلو وسط غضب عارم في الشارع التركي

مئات الآلاف احتشدوا أمام بلدية إسطنبول دعماً لإمام أوغلو (أ.ف.ب)
مئات الآلاف احتشدوا أمام بلدية إسطنبول دعماً لإمام أوغلو (أ.ف.ب)

بدأت النيابة العامة التحقيقات مع رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، و78 آخرين محتجزين بتهم تتعلق بالإرهاب والفساد.

وانطلق التحقيق وسط أجواء متوترة ومظاهرات واحتجاجات حاشدة في كثير من أنحاء تركيا ضد اعتقاله، وتنديد أوروبي ودولي، ومطالبة بإجراءات قضائية نزيهة.

وأمضى إمام أوغلو اليوم الأول، منذ اعتقاله فجر الأربعاء، بين الفحص الطبي والتحقيقات في مديرية أمن إسطنبول، بينما كان مئات الآلاف في إسطنبول وأنقرة وإزمير وكثير من المدن التركية يمضون الليل في الشوارع وسط ظروف جوية قاسية؛ للمطالبة بإطلاق سراحه.

وأطلقت الشرطة التركية الرصاص المطاط وقنابل الغاز المسيل للدموع في اتجاه مشاركين في تحرك أمام مقر بلدية اسطنبول، دعا إليه حزب الشعب الجمهوري الذي ينتمي إليه رئيس بلدية المدينة الموقوف، بحسب صحافيين في «وكالة الصحافة الفرنسية».

متظاهرون يرددون شعارات أثناء محاولتهم السير إلى ميدان تقسيم من مقر بلدية إسطنبول عقب اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، تركيا 20 مارس 2025 (إ.ب.أ)

وبينما انطلقت التحقيقات مع إمام أوغلو، المرشح الأبرز لمنافسة إردوغان على رئاسة تركيا، و78 آخرين من أصل 106 مطلوبين شملتهم مذكرة اعتقال أصدرها المدّعي العام لمدينة إسطنبول، فإن الشرطة تُواصل البحث عن 19 آخرين.

وقال مكتب المدعي العام في إسطنبول، في بيان ليل الأربعاء - الخميس، إن السلطات تحفّظت على شركة «إمام أوغلو للإنشاءات والتجارة والصناعة» المملوكة بشكل مشترك لرئيس بلدية إسطنبول المعتقل، مع عائلته.

نداء من إمام أوغلو

ووجه إمام أوغلو نداء إلى «عشرات الآلاف من مدعي العموم والقضاة الذين يتمتعون بالشرف والأخلاق والشغف بخدمة أمتهم، للوقوف واتخاذ إجراء ضد مجموعة من الزملاء الذين دمروا القضاء التركي»، مؤكّداً ثقته بـ«السلطة القضائية التركية العليا».

ولفت إمام أوغلو، عبر حسابه في «إكس»، إلى أن هناك مجموعة صغيرة في أجهزة القضاء تعمل مع الحكومة لاستهدافه. وفي إشارة ضمنية إلى الرئيس رجب طيب إردوغان، قال أوغلو غاضباً: «أنتم تنتهكون شرفنا وكرامتنا وتغتصبون مستقبل أبنائي. تفعل كل ذلك مع مجموعة قليلة من الأشخاص غير المؤهلين».

احتجاجات عارمة في كثير من المدن التركية احتجاجاً على اعتقال إمام أوغلو (رويترز)

وأضاف: «لقد أخبرت شعبي وحذرتهم، (فالشخص) الذي استولى على شهادتي سوف ينتهك ممتلكاتك وشرفك وأصولك، ويرتكب كل أنواع الاغتصاب والاعتداء. يجب علينا نحن الأمة أن نقف ضد هذا الشر، هذا هو ندائي لأمتي... الأمة عظيمة».

وتابع: «أخيراً، أود أن أتوجه بالدعوة إلى جميع السياسيين الذين يخدمون في (حزب العدالة والتنمية) وأولئك المنتمين إلى التحالف الحاكم (تحالف الشعب المؤلف من حزب العدالة والتنمية والحركة القومية). لقد تجاوزت هذه الأحداث أحزابنا ومُثلنا السياسية، وتتعلق هذه العملية الآن بأمتنا، خصوصاً بعائلاتكم، لقد حان الوقت لرفع صوتنا».

بدوره، قال أوزغور أوزال زعيم «حزب الشعب الجمهوري»؛ حزب المعارضة الرئيسي في تركيا، إن أي خطوة لمنع رئيس بلدية إسطنبول المحتجز من الترشح للرئاسة «لن تؤدي إلا إلى تعزيز الدعم» لحزبه، وإن أي مرشح سيهزم الرئيس رجب طيب إردوغان في الانتخابات. وفي مقابلة مع وكالة «رويترز»، قال أوزال إن إردوغان يخشى أي انتخابات مستقبلية.

مصادرات واعتقالات جديدة

وأعلن مكتب المدعي العام في إسطنبول، الخميس، التّحفظ على ممتلكات المستشار الصحافي لرئيس بلدية إسطنبول، الذي اعتُقل كذلك. كما صادرت الشرطة 40 مليون ليرة تركية خلال مداهمة منزل المشتبه فيه علي نوح أوغلو، الذي اعتُقل في العملية ذاتها أيضاً، وإمره بغدادلي، الذي قدم نفسه على أنه مستشار مراد أونغون، مستشار إمام أوغلو، الذي تبين أنه فرّ إلى خارج البلاد قبل أسبوعين من الاعتقالات، وأنه فاز بأكثر من 60 مناقصة خلال المدة من 2022 إلى 2024 من خلال الشركات التي أسسها.

وأعلن وزير الداخلية التركي، علي يرلي كايا، الخميس، اعتقال 37 مشتبهاً فيه بنشر «منشورات استفزازية تحرض على الجريمة والكراهية»، فيما يتعلق باعتقال إمام أوغلو. وقال إن السلطات التركية حدّدت 261 حساباً على وسائل التواصل الاجتماعي، منها 62 في الخارج، كتبت «منشورات استفزازية» بعد اعتقال إمام أوغلو، و105 آخرين، وإن السلطات تواصل بذل الجهود لتعقب باقي المشتبه فيهم. وأضاف أن منصة «إكس» شهدت مشاركة 18.6 مليون منشور عن إمام أوغلو في أقل من 24 ساعة على اعتقاله.

احتجاجات عارمة

وبينما تتواصل التحقيقات، شهد كثير من المدن التركية مظاهرات حاشدة احتجاجاً على احتجاز إمام أوغلو. وتجمّع آلاف المتظاهرين أمام بلدية إسطنبول وسط حضور مكثف من الشرطة، على الرغم من قرار ولاية إسطنبول منع التجمعات والمظاهرات لمدة 4 أيام، مندّدين باحتجاز إمام أوغلو وسط دعوات إلى استقالة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان.

وشارك رئيس «حزب الشعب الجمهوري»، أوزغور أوزال، وزوجة إمام أوغلو، ديليك إمام أوغلو، في التجمع الحاشد. وألقيا كلمتين أمام آلاف المشاركين في الاحتجاج، الذين أمضوا الليل أمام البلدية رغم البرد القارس.

ديليك زوجة إمام أوغلو تلوح لأنصاره المحتشدين أمام بلدية إسطنبول (أ.ف.ب)

وهتف الآلاف وهم يُلوّحون بعلم تركيا: «إردوغان ديكتاتور» و«إسطنبول في الشوارع واللصوص في القصر» و«إمام أوغلو لست وحدك».

وشهد كثير من الجامعات التركية احتجاجات من آلاف الطلاب، قوبلت بالعنف من جانب الشرطة، التي اقتحمت حرم «جامعة الشرق الأوسط التقنية» في أنقرة، ليل الأربعاء - الخميس، واشتبكت مع الطلاب الذين خرجوا إلى شوارع العاصمة، واعتقلت الشرطة عدداً منهم.

اشتباكات بين الشرطة وطلاب «جامعة الشرق الأوسط التقنية» في أنقرة (رويترز)

وتكرّرت الاشتباكات بين الشرطة والطلاب بـ«جامعة 19 مايو» في إزمير غرب تركيا، الخميس، فيما واصل طلاب جامعات إسطنبول مسيراتهم في الشوارع دعماً لإمام أوغلو، رافعين لافتات مكتوباً عليها: «تركيا ستفوز»، و«تركيا أكبر من شخص واحد»، في إشارة إلى الرئيس رجب طيب إردوغان.

وأعلن رئيس «حزب الشعب الجمهوري»، أوزغور أوزال، استمرار التجمع أمام بلدية إسطنبول، داعياً المواطنين إلى التوجه إلى هناك، حيث سيكون موجوداً وقيادات «حزب الشعب الجمهوري» ورؤساء البلديات وبعض ممثلي أحزاب المعارضة.

متظاهرون يرفعون علم تركيا وصورة لإمام أوغلو (أ.ف.ب)

وقد توافد رؤساء أحزاب المعارضة على بلدية إسطنبول، الخميس، للتعبير عن التضامن ودعم إمام أوغلو، حيث أكدوا أن القضية هي «قضية تركيا وديمقراطيتها»، و«التلاعب بالقضاء من جانب الحكومة لتصفية حسابات سياسية».

هجوم من الحكومة

وينفي «حزب العدالة والتنمية» الحاكم الاتهامات بتسييس القضاء، مؤكداً أن القضايا ضد إمام أوغلو تتعلق بملفات قانونية وليست ذات دوافع سياسية.

وقال المتحدث باسم «حزب العدالة والتنمية»، عمر تشيليك: «ليست لدينا أي معلومات عن الملف، وما ينبغي على السياسيين فعله هو متابعة العملية القضائية».

وأضاف أن «من حق أيٍّ منا أن يُقيّم العملية القضائية. مع ذلك، يقول السيد أوزغور أوزال إن هذه محاولة انقلاب ضد (حزب الشعب الجمهوري) من قِبل رئيسنا (إردوغان) وحزبنا. على أي مبادئ تُشكِّل المعارضة معارضتها؟ لقد ثبت أن (حزب الشعب الجمهوري) لا يملك القدرة على التعلّم في هذا الشأن، عند النظر إلى الأمر من منظور (حزب الشعب الجمهوري)، فإن اسمنا يُكتب جنباً إلى جنب مع الديمقراطية ونقيض الانقلاب. لو أُنشئ محرك بحث خاص بالحياة السياسية التركية، فعندما يُكتب عليه (الانقلاب)، فستكون النتيجة فوراً باسم (حزب الشعب الجمهوري)».

طلاب جامعات تركية يرفعون لافتات دعم لإمام أوغلو... وصوراً لإردوغان كتب عليها: «تركيا أكبر من شخص واحد»... (د.ب.أ)

وتابع مخاطباً أوزال: «نحن حزب رسم خريطته السياسية عبر الوسائل المفتوحة، وليس من خلال تصميم السياسة بالوسائل غير القانونية مثلك». وتابع أن «الكلمات التي تقولها عن رئيسنا ستكون عاراً مكتوباً على جبينك. نعلم أن رئيسنا يُجري عملية تحول ديمقراطي، مُخاطراً بشتى أنواع الاغتيالات السياسية».

مواقف خارجية وتحذيرات

وتوالت ردود الفعل من خارج تركيا على اعتقال إمام أوغلو. وكانت أوروبا الأعلى صوتاً والأكثر حدة في انتقاداتها. وقال المستشار الألماني، أولاف شولتس، الخميس، إن اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو «مؤشّر على تراجع الديمقراطية في تركيا، ويضُرّ بالعلاقات التركية - الأوروبية».

أتراك في ألمانيا يتظاهرون دعماً لإمام أوغلو (د.ب.أ)

وقالت وزيرة الخارجية الألمانية، أنالينا بيربوك، إن اعتقال إمام أوغلو، وكثير من المعارضين الآخرين، «ضربة قاصمة للديمقراطية في تركيا».

وندد رؤساء بلديات عدد من العواصم والمدن الأوروبية الكبرى، بشدة، باعتقال إمام أوغلو، ودعوا إلى إطلاق سراحه. ووقع رؤساء البلديات، ومن بينهم رؤساء بلديات أمستردام وباريس وميلانو وبرشلونة وروما وهيلسنكي وغنت وأوتريخت وبروكسل، بياناً ذكروا فيه أن «هذا التوقيف يُشكّل، إلى جانب الإكراه الممارس بحق المسؤولين المحليين المنتخبين، خطوة جديدة من انتهاك المبادئ الديمقراطية في تركيا... أكرم إمام أوغلو، المنتخب ديمقراطياً، يحمل أملاً في مستقبل لتركيا قائم على التعددية، والعدالة، وسيادة القانون». ومن بين الموقعين أيضاً «الجمعية الدولية لرؤساء البلديات الناطقين بالفرنسية»، و«شبكة المدن الأوروبية».

طلاب جامعيون يرفعون لافتة تحمل عبارة: «إمام أوغلو أمل الأمة» وعليها صورته خلال احتجاجات على اعتقاله في إسطنبول (د.ب.أ)

وطالب الموقّعون على البيان بـ«الإفراج الفوري» عن رئيس بلدية إسطنبول، و«إسقاط كل الإجراءات القانونية»، و«وقف الضغوط السياسية»، كما طالبوا بـ«احترام الحريات والديمقراطية، وحقوق الإنسان في تركيا».

وقال متحدث باسم الأمم المتحدة بشأن اعتقال رئيس بلدية إسطنبول: «نأمل أن تُتبع القواعد المعتادة للإجراءات القانونية الواجبة والقوانين في تركيا».

وخلافاً للموقف الأوروبي الحادّ، قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية، تامي بروس: «لن نُعلّق على عمليات صنع القرار الداخلي في أي دولة أخرى. نُشجّع تركيا على احترام حقوق الإنسان والتعامل مع شؤونها الداخلية على النحو اللائق». كما قالت روسيا إن اعتقال إمام أوغلو قرار سيادي وشأن داخلي لتركيا.


مقالات ذات صلة

تركيا: محاكمة مزدوجة وتحقيق جديد ضد إمام أوغلو

شؤون إقليمية متظاهرون يرفعون لافتات تطالب بإطلاق سراح رئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو مع انطلاق محاكمته بتهمة الفساد في قاعة داخل سجن سيليفري (أ.ف.ب)

تركيا: محاكمة مزدوجة وتحقيق جديد ضد إمام أوغلو

فتحت نيابة عامة في إسطنبول تحقيقاً فورياً جديداً ضد رئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو بتهمة إهانة وتهديد موظف عام أثناء تأدية عمله.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية احتشد آلاف الأتراك في ميدان ساراتشهانه أمام مبنى بلدية إسطنبول ليل الأربعاء - الخميس في ذكرى اعتقال رئيس البلدية أكرم إمام أوغلو مطالبين بإطلاق سراحه (حزب الشعب الجمهوري - إكس)

تركيا: المعارضة تتعهد هزيمة إردوغان في الانتخابات المقبلة

تعهدت المعارضة التركية انتزاع السلطة من الرئيس رجب طيب إردوغان في أول انتخابات مقبلة وحل مشاكل البلاد.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل خلال مؤتمر صحافي الثلاثاء كشف فيه عن ممتلكات قال إنها تعود إلى وزير العدل أكين غورليك (حساب الحزب في إكس)

تركيا: معركة حامية بين المعارضة ووزير العدل حول ممتلكاته

ارتفعت حدة التوتر بين وزير العدل التركي ، أكين غورليك، والمعارضة، على خلفية الكشف عن ممتلكات ضخمة تقول المعارضة إنه تحصل عليها بطرق غير مشروعة قبل توليه منصبه

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل متحدثاً أمام حشد من أنصار الحزب في مدينة أوشاك غرب تركيا السبت الماضي (حساب الحزب في إكس)

تركيا: زعيم المعارضة يواجه رفع الحصانة البرلمانية والمحاكمة

اتهم رئيس حزب «الشعب الجمهوري» المعارض أوزغور أوزيل الرئيس إردوغان بتحويل القضاء إلى «أداة سياسية» للانتقام من منافسه رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية أنصار حزب «الشعب الجمهوري» يرفعون صورة لرئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو خلال تجمع بمدينة أوشاك غرب تركيا السبت الماضي (حساب الحزب في إكس)

تركيا: زعيم المعارضة يقترح فرض «الإقامة الجبرية» على إمام أوغلو

أثار اقتراح لرئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل وضع رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو رهن الإقامة الجبرية لحين انتهاء محاكمته في قضية فساد جدلاً واسعاً.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

«الحرس الثوري» الإيراني: سنستهدف شركات أميركية بالمنطقة ابتداءً من يوم غد

صواريخ إيرانية تُعرض في متحف القوات الجوية التابع لـ«الحرس الثوري» بطهران (رويترز)
صواريخ إيرانية تُعرض في متحف القوات الجوية التابع لـ«الحرس الثوري» بطهران (رويترز)
TT

«الحرس الثوري» الإيراني: سنستهدف شركات أميركية بالمنطقة ابتداءً من يوم غد

صواريخ إيرانية تُعرض في متحف القوات الجوية التابع لـ«الحرس الثوري» بطهران (رويترز)
صواريخ إيرانية تُعرض في متحف القوات الجوية التابع لـ«الحرس الثوري» بطهران (رويترز)

نقلت وسائل إعلام رسمية ​عن «الحرس الثوري» الإيراني قوله، اليوم الثلاثاء، إنه سيستهدف شركات أميركية في المنطقة، ‌ابتداءً ‌من ​أول ‌أبريل (⁠نيسان)، ​وذلك رداً ⁠على الهجمات على إيران.

وضمّت قائمة الشركات الثماني عشرة الواردة في ⁠تهديد «الحرس الثوري» ‌كلاً من «‌مايكروسوفت» ​و«غوغل» ‌و«أبل» و«إنتل» ‌و«آي بي إم» و«تسلا» و«بوينغ».

وجاء في بيان «الحرس الثوري»: «ينبغي لهذه ‌الشركات أن تتوقع تدمير الوحدات التابعة لها ⁠مقابل ⁠كل عمل إرهابي يقع في إيران، وذلك ابتداءً من الساعة 8 مساء بتوقيت طهران، يوم ​الأربعاء ​الموافق أول أبريل».

وأعلنت إسرائيل، منذ بدء هجومها المشترك مع الولايات المتحدة على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، قتل عدد من كبار المسؤولين الإيرانيين؛ من بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران علي لاريجاني، إلى جانب أكثر من 12 شخصية بارزة أخرى.


أوجلان يطالب تركيا بإطار قانوني لحل «الكردستاني»

شاب كردي يرفع صورة لزعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين عبد الله أوجلان خلال احتفالات عيد النوروز في إسطنبول في 22 مارس الحالي حيث طالب الآلاف بإطلاق سراحه (أ.ب)
شاب كردي يرفع صورة لزعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين عبد الله أوجلان خلال احتفالات عيد النوروز في إسطنبول في 22 مارس الحالي حيث طالب الآلاف بإطلاق سراحه (أ.ب)
TT

أوجلان يطالب تركيا بإطار قانوني لحل «الكردستاني»

شاب كردي يرفع صورة لزعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين عبد الله أوجلان خلال احتفالات عيد النوروز في إسطنبول في 22 مارس الحالي حيث طالب الآلاف بإطلاق سراحه (أ.ب)
شاب كردي يرفع صورة لزعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين عبد الله أوجلان خلال احتفالات عيد النوروز في إسطنبول في 22 مارس الحالي حيث طالب الآلاف بإطلاق سراحه (أ.ب)

طالب زعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان بتحرك سريع من البرلمان لإقرار اللوائح القانونية المطلوبة في إطار عملية السلام التي تمر عبر حل الحزب ونزع أسلحته، وتمكينه من نقل آرائه حولها إلى الرأي العام.

وقال أوجلان إن المسار الذي نعيشه هو مسار انتقال إلى السلام مع الجمهورية الديمقراطية، مطالباً بصيغة تقوم على المجتمع والمواطنة تدير علاقة الأكراد بالدولة التركية على نحو إيجابي.

وأضاف: «كما ينبغي للدولة أيضاً أن تلحظ غياب الأنشطة المدمرة والتهديدات الأمنية، وعلى اللجنة البرلمانية، التي أنشئت للنظر في وضع حزب (العمال الكردستاني) وأعضائه (لجنة التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية) التوصل في أقرب وقت ممكن إلى إطار قانوني شامل لعملية السلام والمجتمع الديمقراطي».

أوجلان وغياب الديمقراطية

جاء ذلك في بيان أصدره وفد حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» المؤيد للأكراد، المعروف بـ«وفد إيمرالي»، الثلاثاء، حول ما دار خلال لقائه أوجلان في محبسه بسجن إيمرالي في غرب تركيا، الجمعة الماضي، ونشره الحزب على حسابه في «إكس».

وحسب البيان، أكد أوجلان أن المجتمع الديمقراطي هو ضمانة لمستقبل جميع الشعوب والأديان التي تعيش في تركيا، وأن كل من يتعامل مع هذه العملية بمسؤولية سيربح ليس فقط الحاضر، بل المستقبل المشترك أيضاً.

ولفت إلى ندائه في 27 فبراير (شباط) 2025، الذي دعا فيه «العمال الكردستاني» إلى حل نفسه وإلقاء أسلحته والتحول إلى العمل السياسي في إطار ديمقراطي قانوني، قائلاً إن زمن النزاع المسلح قد ولّى، ولم يعد من الممكن العودة إلى الوراء.

وأكد أوجلان أن التطورات في الشرق الأوسط زادت من أهمية العملية الجارية في تركيا، مشيراً، بشكل خاص، إلى التطورات في إيران، التي قال إنها سلطت الضوء مجدداً على صواب المسار الذي اعتُمد في تركيا وأهمّيته.

وعدّ أوجلان أن مشكلتهم ليست مع الجمهورية (القومية)، بل مع غياب الديمقراطية، التي هي الحل الوحيد لتعزيز الجمهورية التي يجب أن تقوم على الهوية وحرية التعبير وحق التنظيم وتحرير المرأة، وأن هذه الحقوق لا تقتصر على الأكراد فحسب، بل تشمل المجتمع بأسره.

أكراد يرفعون صورة لأوجلان خلال احتفالات عيد النوروز في ديار بكر جنوب شرقي تركيا في 21 مارس الحالي مطالبين بإطلاق سراحه (حساب حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب في إكس)

ولفت الانتباه إلى أهمية إيصال آرائه حول هذه العملية إلى الجمهور عبر الوسائل المناسبة، من أجل فهم أفكاره حول مسار عملية السلام كما ينبغي.

وانطلقت عملية السلام في تركيا بمبادرة «تركيا خالية من الإرهاب»، التي أطلقها رئيس حزب «الحركة القومية» الشريك الأساسي لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم في «تحالف الشعب»، دولت بهشلي، في 22 أكتوبر (تشرين الأول) 2024، بتأييد من الرئيس رجب طيب إردوغان.

مطالبات بخطوات سريعة

وأكد بيان «وفد إيمرالي» أن العملية الجارية بلغت «مرحلة حاسمة»، وأن الحل يجب أن يُطرح على أساس التفاوض والإرادة الديمقراطية والمسؤولية التاريخية، وأنه يجب على البرلمان اتخاذ اللازم نحو إقرار إطار قانوني شامل للعملية دون تأخير على أساس التقرير الذي رفعته إليه «لجنة التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية» في 18 فبراير الماضي.

وانتقد البيان ما وصفه بـ«تقاعس» الحكومة عن اتخاذ أي خطوات ملموسة وعاجلة من أجل السلام والديمقراطية في إطار العملية، التي استمرت في البرلمان لأكثر من عام.

ودعا البيان المشترك إلى وقف العمليات القضائية ضد أحزاب المعارضة، وإزالة التهديد بإغلاق الأحزاب، وإلغاء ممارسة تعيين الأوصياء على البلديات، والالتزام بتنفيذ قرارات المحكمة الدستورية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بشأن الإفراج عن سياسيين معتقلين، في مقدمتهم الرئيس المشارك السابق لحزب «الشعوب الديمقراطية»، صلاح الدين دميرطاش، وسن قوانين تهدف إلى تعزيز الديمقراطية.

الرئيسة المشاركة لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» تولاي حاتم أوغولاري (حساب الحزب في إكس)

ووجهت الرئيسة المشاركة لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، تولاي حاتم أوغولاري، في كلمة خلال اجتماع المجموعة البرلمانية للحزب، الثلاثاء، انتقادات للحكومة، مؤكدة ضرورة إحراز تقدم في حل القضية الكردية من خلال اتخاذ خطوات تسهم في مستقبل 86 مليون نسمة (تعداد تركيا)، وفي تحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط.

بدوره، أكد رئيس حزب «الحركة القومية»، دولت بهشلي أن الوقت حان لاتخاذ خطوات ملموسة من جانب البرلمان، سواء تعلق الأمر بقضية السجناء المرضى أو كبار السن من أعضاء حزب «العمال الكردستاني» أو غيرها من القضايا، وأنه يجب إقرار القوانين اللازمة من دون تأخير.

رئيس حزب «الحركة القومية» دولت بهشلي (حساب الحزب في إكس)

وقال بهشلي، في كلمة خلال اجتماع المجموعة البرلمانية لحزبه، إنه عندما تُحل قضية «العمال الكردستاني»، سيشعر الجميع بالارتياح ليس فقط في المجال الأمني، بل أيضاً في طيف واسع من المجالات، من الاقتصاد إلى الدبلوماسية، ومن السلم الاجتماعي إلى قدرة الدولة.

وأضاف: «لقد أدت السياسة دورها، وحان الوقت الآن لاتخاذ خطوات ملموسة في البرلمان، الانتظار لا طائل منه، ومن المستحيل تحقيق أي تقدم من خلال سياسات الهوية والانقسامات الطائفية، ومن الضروري تجنب التصريحات التي تزيد من هشاشة العملية وتُسبب الألم».


حصار قاعدة «بلد»… تمرين «القيامة» في العراق

صورة نشرها الجيش الأميركي لقاعدة بلد الجوية في العراق تعود لعام 2011
صورة نشرها الجيش الأميركي لقاعدة بلد الجوية في العراق تعود لعام 2011
TT

حصار قاعدة «بلد»… تمرين «القيامة» في العراق

صورة نشرها الجيش الأميركي لقاعدة بلد الجوية في العراق تعود لعام 2011
صورة نشرها الجيش الأميركي لقاعدة بلد الجوية في العراق تعود لعام 2011

اضطر طاقم شركة أميركية مسؤولة عن تشغيل طائرات «F-16» إلى مغادرة قاعدة جوية عراقية في ظروف حرجة، بعد هجمات شنتها فصائل موالية لإيران، ويتعين على السلطات في بغداد الآن البحث عن مشغلين جدد قبل أن تتحول أهم طائرة في سلاح الجو العراقي «مجرد خردة».

ويتضح أن هذه الفصائل تتوّج بهذه الهجمات سنوات من «محاولات الاختراق والتجسس» على التقنيات الأميركية التي اشتراها العراق قبل نحو 10 سنوات، وصولاً إلى ما يعرف بـ«سيناريو القيامة» للاستيلاء على الأصول العسكرية العراقية، وفق تعبير مصادر.

وحاولت الحكومة العراقية إقناع طاقم شركة «V2X» الأميركية بالبقاء في قاعدة «بلد» الجوية رغم الهجمات المتواترة عليها. وقال مسؤول عراقي بارز لـ«الشرق الأوسط» إنه «رغم أن الضربات لم تلحق أضراراً كبيرة في القاعدة، فإن موظفي الشركة أصرّوا على المغادرة حفاظاً على سلامتهم».

حسب متعاقد أجنبي ورجال أمن وموظفين، فإن قرار الإجلاء اتُّخذ بعد موجة عنيفة من المسيَّرات، وتم تنفيذه في ظل هدنة متفق عليها لتأمين «رحلة عالية المخاطر».

ومنذ بدء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية، تعرضت قاعدة بلد الجوية، التي تغيّر اسمها إلى «الشهيد علي فليح»، إلى هجمات من ثلاث جهات، فشل أغلبها في إلحاق الضرر بالقاعدة، وفق المصادر.

وفي الولاية الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترمب، نجحت الجماعات الموالية لإيران في إرغام شركة أميركية سابقة على مغادرة قاعدة بلد، في أعقاب الغارة الأميركية التي قتلت قائد «قوة القدس» قاسم سليماني بعد يناير (كانون الثاني) 2020.

تردد حينها أن العشرات من موظفي شركة «سالي بورت» خرجوا بعد هجمات مميتة على القاعدة، ويبدو أن السيناريو يتكرر مع شركة «V2X» في ولاية ترمب الثانية، لكن في سياق حرب إقليمية أوسع مفتوحة على احتمالات مجهولة.

جندي عراقي خلال عرض لطائرات عسكرية في قاعدة بلد الجوية أبريل 2024 (أ.ف.ب)

السيناريو الليبي في بلد

يعود أول هجوم على القاعدة الجوية إلى فجر 2 مارس (آذار) 2026، وكانت الحرب على إيران قد دخلت يومها الثالث. لاحقاً، أظهر تتبع للهجمات نمطاً في توقيتها بين منتصف الليل والساعات الأولى من الفجر، بعضها ينفذ بشكل مزدوج بطائرتين مسيَّرتين.

وأظهرت مقاطع فيديو وثَّقها سكان محليون تصاعد أعمدة الدخان من مقتربات القاعدة. وقال أحد المزارعين الذين يسكنون قرب القاعدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «غالبية المسيَّرات تسقط في محيط القاعدة، أو داخلها، قرب السياج الأمني».

وقال مصدر أمني من داخل القاعدة، لـ«الشرق الأوسط»، إنه خلال الشهر الأول من الحرب سُجلت نحو 10 هجمات، لم تسفر عن أضرار بشرية أو مادية. وأضاف: «لم تتعرض الطائرات إلى أضرار، بما فيها الـ(F-16)».

والقاعدة التي تقع في بلدة زراعية بين مدن بغداد وديالى وصلاح الدين، تمتد على نحو 28 كيلومتراً مربعاً. تحيطها أبراج مراقبة موزعة على سياج أمني بطول 20 كيلومتراً. وحسب المصدر الأمني، فإن «عناصر الأبراج كانوا في بعض الحالات يرون المسيَّرات تقترب من القاعدة بالعين المجردة».

ومع أن أنظمة الدفاع الجوي في القاعدة تمكنت من إحباط هجمات مسيَّرة، فإن ثلاثة موظفين مدنيين أكدوا لـ«الشرق الأوسط» أنه من الصعب اختراق الملاجئ المحصنة للطائرات في حال تمكنت مسيَّرة من الوصول إليها. قال أحدهم: «هناك أكثر من 30 ملجأً محصناً تتوزع بينها (F-16) وطائرات أخرى».

إلا أن حصار الهجمات لم يكن يسمح لموظفي شركة «V2X» الأميركية بالقيام بأعمالهم اليومية المعتادة؛ إذ غيرت أصوات المسيَّرات جداول مهامهم.

ويقول متعاقد مدني مع الشركة لـ«الشرق الأوسط»، إن «الهجمات كانت تنهال من ثلاث جهات. نضطر إلى البقاء داخل غرف محصنة ساعات طويلة. الموظفون الأجانب كانوا يتهامسون بتكرار سيناريو السفارة الأميركية في ليبيا عام 2012 (...) تبدأ هذه الحوادث برشقة صواريخ، ومن ثم اندلاع الحرائق في كل مكان، واليوم لديهم الدافع: الثأر للمرشد الإيراني خامنئي».

يقلل موظفون عراقيون وعناصر أمن داخل القاعدة من مخاوف الأجانب. يقول أحدهم إن «الأمور هادئة داخل القاعدة والأعمال تسير كالمعتاد خلال الحرب».

لكن الجماعات المسلحة خارج القاعدة تندفع نحو كسر الخطوط الحمراء في مناطق متفرقة من البلاد. يقول ضابط عراقي متقاعد كان يعمل في القاعدة قبل سنوات، إن «هذا العنف المتواتر من الفصائل يعكس خطة لفعل شيء ما (...) شيء ما خطير».

صورة شاشة من «غوغل إيرث» توضح موقع قاعدة بلد الجوية شمال العاصمة العراقية بغداد

على أطراف القاعدة الجوية مزارع وقرى تسكنها قبائل عربية مختلطة مذهبياً، لكن في السنوات التي تلت معارك التحرير من تنظيم «داعش» تمركزت ألوية تابعة لفصائل مسلحة تحت غطاء «الحشد الشعبي».

من الصعب التحقق تماماً من مصادر النيران التي تستهدف القاعدة الجوية، لكن مصادر محلية رصدت مسارين تكثفت منهما الهجمات، حزام بغداد الشمالي وأطراف محافظة ديالى.

ومن بين هجمات عدّة، أقرت وزارة الدفاع العراقية في 11 مارس 2026 بأعمال «عدائية متكررة» على القاعدة شُنت بالطائرات المسيَّرة والصواريخ على «مدار الأيام السابقة»، لكنها لم تذكر تفاصيل بشأن عددها والجهات الضالعة فيها.

وتخوض المؤسسات الأمنية التقليدية في العراق، من بينها سلاح الجو، مواجهة صامتة مع الجماعات المسلحة الموالية لإيران، وسط شكوك بأنها تحاول جاهدة استهداف الأصول العسكرية الاستراتيجية في البلاد.

رحلة إجلاء

حاولت الحكومة العراقية إقناع الشركة الأميركية بعدم المغادرة من القاعدة. ويقول المسؤول العراقي إن طاقم «برنامج الدعم اللوجيستي» لطائرات «F-16» أساسي لتشغيل السرب العراقي المقاتل، لكن محاولات إقناعهم لم تفلح.

ويفيد متعاقد مدني يعمل مع الشركة الأميركية، رفض الكشف عن هويته لأنه غير مخول التحدث علناً، بأن «الطرف العراقي لم يكن يدرك تماماً المخاطر الأمنية المتزايدة». وأضاف: «كان من الواضح أنهم يحاولون التقليل من معايير السلامة».

كذلك، يقول المسؤول العراقي: «بالفعل، فشلت محاولات إبقاء الطاقم الأجنبي في القاعدة (...) لقد اختاروا سلامتهم أولاً».

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر متقاطعة، أن «العشرات من أعضاء الطاقم الأجنبي تم إجلاؤهم خلال الليل عبر طائرة الشحن الجوي العسكرية من طراز (C-130) إلى دولة مجاورة بالتنسيق مع الجيش الأميركي».

وتقول مصادر، إن «عمليات معقدة قادت إلى اختيار توقيت رحلة الإجلاء من قاعدة بلد بالتزامن مع هدنة قصيرة في الأسبوع الأخير من شهر مارس 2026».

وكان عدد من المستشارين الذين يعملون لصالح الشركة نفسها قد انسحبوا من مواقعهم أواخر فبراير (شباط) 2026، «بناءً على تقديرات مبكرة بازدياد المخاطر الأمنية قبل اندلاع الحرب».

ولم ترد شركة «V2X» على طلبات للتعليق حول ظروف إجلاء موظفيها من العراق، وفيما إذا كان العقد مع الحكومة العراقية لا يزال سارياً؟ كما رفض متحدث باسم وزارة الدفاع العراقية الرد على اتصالات «الشرق الأوسط».

ويظهر إفصاح في بورصة نيويورك، أن الشركة حصلت في يونيو (حزيران) 2025 على عقد جديد لتقديم خدمات الدعم لبرنامج طائرات «F-16» في العراق، بقيمة أولية تبلغ 118 مليون دولار.

الآن، لا تمتلك قاعدة بلد الجوية فريقاً متخصصاً بتشغيل طائرات الـ«F-16» العراقية، كما أن الحكومة لم تعد تملك الأموال الكافية لصيانتها، وفق المسؤول العراقي.

ويقول المسؤول، لـ«الشرق الأوسط»، إن الخيارات محدودة في ظل الحرب: «لم نكن نملك سوى الضغط على الشركة للبقاء في القاعدة، وهو ما لم يتحقق».

ومع دخول الحرب مع إيران الشهر الثاني، لم يتبقَّ سوى «عدد محدود من الأجانب داخل قاعدة بلد، لكنهم غير معنيين بالطائرات».

هجمات الفصائل العراقية على قاعدة بلد اشتدت أول مرة بعد اغتيال قاسم سليماني في بغداد (أ.ب)

تحوير الطائرة سياسياً

من المرجح أن تتحول «F-16» العراقية «مجرد خردة» في ملاجئ القاعدة بغياب المشغلين الأجانب. يقول العقيد المتقاعد سلام أسعد، وهو خبير عسكري، إنه من «الصعب تشغيلها من دون الخبراء الأميركيين، كما أن الطواقم المحلية ليس لديهم الخبرة لإدارة هذا السلاح الاستراتيجي».

على مدار سنوات كانت «الخصائص العراقية» لهذه الطائرة مثار جدل واسع، لا سيما ما يتعلق بقدراتها التسليحية. وحسب أسعد، فإن «القوات الأميركية كانت قد سحبت الكثير من المنظومات من الـ(F-16) حين سُلِّمت إلى العراقيين، كما لم تُزوَّد بصواريخ بعيدة المدى».

وغالباً ما تقوم الولايات المتحدة بإجراء تعديلات سياسية على أسلحتها وطائراتها، مثل «F-16»، لأسباب منها موازنة القوة بين الدول في الشرق الأوسط. وفي العراق، لا تتوافر في الطائرة القدرة على إطلاق صواريخ بعيدة المدى.

ويقول العقيد أسعد، إنه حتى خلال سنوات الحرب ضد تنظيم «داعش» كانت الطائرة «لا بد أن تكون مرافقة لطائرة أخرى من التحالف الدولي، الذي كان يقوم بتوجيه الطائرات العراقية لإصابة الأهداف».

وخلال العامين الماضيين، كانت القيادة الأميركية المركزية (سينتكوم) تقول إن القوات الجوية العراقية بدأت في تحقيق درجات أعلى من الاستقلالية في الصيانة، بالتزامن مع نجاح العراقيين في إدارة عمليات قتالية مستقلة في أجوائهم.

مع مرور نحو عشر سنوات على دخول «F-16» الخدمة الفعلية في العراق، تبيَّن أن الطريقة التي صممت فيها الولايات المتحدة برامج الطائرة وقدراتها، والجهود المستميتة للفصائل من نخر منشآت سلاح الجو، قد تضافرت في النهاية على تجريد العراق من ميزات هذا السلاح.

يرى ميزر كمال، وهو صحافي استقصائي يتعقب منذ شهور ما يقول إنها «محاولات الميليشيات لاختراق قاعدة بلد»، أن قاعدة بلد مثال صارخ على الاحتكاك الخطير بين المؤسسة والجماعات المنفلتة للسيطرة على أهم أصول العراق العسكرية الاستراتيجية.

ويقول كمال: «في 19 مايو (أيار) 2017، طلبت لجنة الرقابة في مجلس النواب الأميركي من شركة (سالي بورت)، التي كانت تشغّل القاعدة، وسرب طائرات (F-16) العراقية، تزويدها بكل الوثائق والمراسلات المتعلقة باختراق القاعدة من قِبل جماعة شيعية مسلحة».

ووردت تلك الطلبات في وثيقة استندت إلى مزاعم عن «عمليات سرقة معدات وتهريب وتجارة غير مشروعة إلى جانب تلاعب بسجلات الدوام أو الاحتيال في الجداول الزمنية».

وتنطلق وثيقة مجلس النواب الأميركي من تحقيق داخلي أجراه محققان يُدعيان روبرت كول وكريستي كينغ، من داخل قاعدة بلد عام 2017، كشفا فيه عن أن «الميليشيا» لم تحقق خرقاً واحداً فقط، بل تمكنت من زرع بيئة أمنية حول القاعدة».

اليوم، تبدو الهجمات المسيَّرة التي تشنها الفصائل المسلحة على قاعدة بلد الجوية شبيهة بمن يحرق مسرح جريمة كان يرتاده بشكل يومي. ويقول الصحافي ميزر كمال، إن «الصراع دائماً يدور حول مَن يسيطر فعلياً على الأصول العسكرية في العراق».

طائرة شحن عسكرية تعرَّضت للتدمير في قاعدة الشهيد محمد علاء الجوية (وزارة الدفاع)

ما الخطة؟

جاءت هجمات الفصائل على قاعدة بلد في سياق أوسع. فمنذ مطلع مارس 2026 شملت خريطة المسيَّرات المفخخة منشآت أميركية وأخرى عراقية.

ويعتقد أن الهجمات جزء من خطة إيرانية لإفراغ العراق من الوجود الأميركي. وقال مصدر مقرب من الفصائل، إنه «مع بداية الحرب كنا نعتقد أن الهدف من الهجمات الضغط على الأميركيين وإجبارهم على التفاوض مع إيران»، وتابع: «خرج الأميركيون ولم يظهروا تمسكاً بوجودهم في تلك المنشآت؛ الأمر الذي دفع إلى توسيع الأهداف».

حسب المصدر، فإن «الحرس الثوري» الإيراني كان يحرص على عزل خصومه الأميركيين وحلفائهم عن طائرات «F-16» لتبقى تحت أنظار الجماعات الموالية له، بل يريد منع أي طرف «معادٍ» من استخدامها خلال الحرب.

إلا أن مسؤولاً عراقياً سابقاً كان على صلة مباشرة بمفاوضات شراء الطائرات الأميركية يقول إن الجماعات الشيعية الموالية لإيران كانت تبدي حماسة كبيرة في معرفة كل شيء يتعلق بما كان يعد تاج الطيران العسكري في المنطقة.

ويقول المسؤول، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، إن «امتلاك العراق هذه الطائرات لم يكن حدثاً عادياً لتلك الجماعات؛ ما يعني أن إيران لم تكن مرتاحة أيضاً لوجودها ضمن أسطول الجو الوطني، على الأغلب لأنها تشكل تهديداً لنفوذها».

وكان هناك صراع خفي بين الجهات السياسية المتنفذة في العراق حول معرفة تفاصيل الطائرة والجهات التي يمكنها تشغيلها، وغالباً ما كان الأميركيون يحتكرون جزءاً كبيراً من قرارات التحليق والاستهداف، كما فهمت «الشرق الأوسط» من أجواء أميركية.

مع ذلك، يقول ضباط عراقيون، إن المؤسسة العسكرية العراقية ورغم وقوعها بين خصمين يتصارعان على النفوذ، فإنها لا تزال «تكافح للمحافظة على أصولها وعلى سرية المعلومات المرتبطة الأمن القومي».

طائرات عسكرية خلال عرض جوي في قاعدة بلد أبريل 2024 (أ.ف.ب)

«سيناريو القيامة»

يقول المسؤول العراقي، إن «معركة ضروس اشتدت في السنوات الماضية حول معلومات الطائرة بين الإيرانيين والأميركيين؛ إذ مضت جماعات مسلحة في محاولات متكررة للتلصص على كل ما يتعلق بأنظمة هذه الطائرات».

وتفيد شخصيات من داخل تحالف «الإطار التنسيقي»، لديها استياء من جماعات شيعية أصولية، بأن هناك مخاوف جدية من «انقلاب على ما تبقى من الدولة».

وقال أحدهم، إن «ما إن تنتهي الحرب مع إيران، تتجهز الفصائل المسلحة لسيناريو (القيامة)، باحتكار كل الأصول العسكرية التابعة للدولة، ومن خلفهم دعم سياسي وحكومي بتمثيل نيابي واسع، وحضور قوي في المؤسسات الرسمية».

وكانت «الشرق الأوسط» قد كشفت عن خطة وضعتها قيادات في «الحرس الثوري» الإيراني لـ«معركة أخيرة»، تتضمن «إجراء تغييرات حادة على النظام السياسي والأمني في العراق، باتجاه إلغاء قواعد الاشتباك مع اللاعبين الدوليين، وتأميم ما تبقى من المواقع الأمنية التي لم يشغلها بعد أشخاص موالون لإيران».

ولاحقاً، في 30 مارس 2026، صرح قائد «فيلق القدس» الذراع الخارجية في «الحرس الثوري» إسماعيل قاآني، بأن «غرفة العمليات الحربية للمقاومة أسهمت في نظام جديد بالمنطقة».

ويتفق المسؤول العراقي السابق مع أن «محاولات سابقة من هذه الجماعات المسلحة كانت قد باءت بالفشل، لكن يمكن النظر إليها اليوم بوصفها تمريناً طويلاً، وقد حان الوقت لاستغلال دروسه في الحرب، مع انكشاف الساحة العراقية أمام الإيرانيين».