اجتماع بكين «يضبط الساعات» لمواجهة العقوبات على طهران

موسكو تدفع لمفاوضات متعددة... و«النووي الإيراني» جزء من «صفقة شاملة»

وزير الخارجية الصيني وانغ يي، لدى لقائه نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف ونظيره الإيراني كاظم غريب آبادي في بكين، 14 مارس 2025 (رويترز)
وزير الخارجية الصيني وانغ يي، لدى لقائه نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف ونظيره الإيراني كاظم غريب آبادي في بكين، 14 مارس 2025 (رويترز)
TT

اجتماع بكين «يضبط الساعات» لمواجهة العقوبات على طهران

وزير الخارجية الصيني وانغ يي، لدى لقائه نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف ونظيره الإيراني كاظم غريب آبادي في بكين، 14 مارس 2025 (رويترز)
وزير الخارجية الصيني وانغ يي، لدى لقائه نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف ونظيره الإيراني كاظم غريب آبادي في بكين، 14 مارس 2025 (رويترز)

عكست مخرجات اجتماع بكين لنواب وزراء خارجية روسيا والصين وإيران، إطلاق تحرك مشترك بهدف «ضبط الساعات»، في مرحلة صعبة ومعقدة، وفق وصف دبلوماسي روسي.

واتفق الحاضرون في الشق المُعلَن من نتائج اللقاء الأول من نوعه، على تنسيق المواقف لمواجهة العقوبات، ورفض أي تحرك عسكري على المنشآت النووية، وترتيب مجالات دفع تسوية سياسية محتملة مع الإدارة الأميركية على ضوء إعلان واشنطن استعدادها لإطلاق مسار تفاوضي، وفي إطار الاقتراح الروسي للوساطة في ملف «النووي الإيراني».

وبدا أن موسكو التي عملت بنشاط لإنجاح اللقاء الثلاثي تسعى إلى تعزيز أوراقها التفاوضية مع واشنطن، في إطار الانفتاح على حوار واسع يشمل مع الملف الأوكراني رزمة ملفات دولية وإقليمية بينها النووي الإيراني.

وحملت لهجة بيان أصدرته «الخارجية» الروسية إشارات إلى ارتياح موسكو لنتائج اللقاء، الذي شارك فيه من الجانب الروسي سيرغي ريابكوف، وهو الدبلوماسي المكلف بملفات الأمن الاستراتيجي وإدارة الحوار مع واشنطن.

ووفقاً للبيان، فقد تم خلال الاجتماع «تنسيق الإجراءات الرامية إلى خفض التوترات حول البرنامج النووي الإيراني، كما تم التأكيد على عدم جواز التهديدات واستخدام القوة العسكرية ضد منشآت الطاقة النووية الإيرانية».

وأكدت «الخارجية» الروسية أن «المشاورات على مستوى نواب وزراء الخارجية في روسيا والصين وإيران ركزت على خطة العمل الشاملة المشتركة، وتنسيق الإجراءات الرامية إلى الحد من التوترات المتصاعدة بشكل مصطنع حول البرنامج النووي الإيراني».

وأشار البيان إلى وضع الأطراف الثلاثة «تقييماً صارماً للإجراءات غير القانونية والانتهاكات الجسيمة العديدة لقرار مجلس الأمن رقم (2231) من قِبل الولايات المتحدة والدول الأوروبية». وشدّد على عدم جواز التهديد والترهيب إطلاقاً، وكذلك استخدام القوة العسكرية ضد منشآت البنية التحتية للطاقة النووية الإيرانية.

وناقش الاجتماع أيضاً، بحسب الخارجية الروسية، آفاق «إيجاد حلول تفاوضية مستدامة طويلة الأمد مبنية على الاعتبارات المتبادلة والتوازن الموثوق لمصالح الأطراف».

روسيا والصين وإيران اتفقت على التنسيق لمواجهة العقوبات ضد طهران (رويترز)

اجتماع «ناجح ومهم»

وصف محسن بختیار، سفير إيران لدى الصين، عبر منصة «إكس» الاجتماع بأنه «كان ناجحاً تماماً وسيمهد الطريق لمواجهة (الأحادية الخاسرة) التي تنتهجها الولايات المتحدة».

وجاءت دعوة الصين وإيران وروسيا، الجمعة، إلى رفع العقوبات المفروضة على طهران، خلال محادثات بكين، وسط مساعٍ دبلوماسية حثيثة تبذلها الدول الكبرى على أمل إحياء اتفاق 2015، وعلى خلفية ضغوط شديدة تمارسها واشنطن بشأن البرنامج النووي الإيراني.

وجرت المحادثات في وقت أبدى الرئيس الأميركي دونالد ترمب انفتاحه على الحوار مع طهران منذ عودته إلى البيت الأبيض في يناير (كانون الثاني)، بعدما انسحب أحادياً من الاتفاق عام 2018 خلال ولايته الأولى.

لكن ترمب شدد العقوبات على إيران التي ردَّت منددة بـ«نفاق» الولايات المتحدة.

وشكل دخول روسيا على الخط عبر اقتراح وساطة لدفع المفاوضات حول النووي الإيراني، تحولاً مهماً عكس وجود قناعة لدى الكرملين، بأن العلاقات الجديدة مع إدارة ترمب يمكن أن تفضي إلى «صفقة شاملة» لملفات على أجندة البلدين.

وكان الكرملين أعلن أن الملف الإيراني سيكون واحداً من مسارات تفاوضية متعددة تستعد موسكو وواشنطن لإطلاق نقاشات حولها، إلى جانب الصراع في أوكرانيا ومسائل الأمن الاستراتيجي والقضايا الإقليمية الساخنة.

ولم تستبعد أوساط روسية أن تكون موسكو مستعدة لرسم ملامح «صفقة شاملة» مع واشنطن تقوم على احترام مصالح الطرفين في الملفات المطروحة.

في هذا الإطار، بدا أن اجتماع بكين يعزز الموقف التفاوضي لموسكو، ما انعكس في تصريحات الأطراف الثلاثة التي تحدثت عن استئناف العمل بالبرنامج النووي الإيراني، ورفض سياسة الضغط الأقصى من جانب واشنطن، ومواجهة تداعيات العقوبات المفروضة.

وفي هذا الإطار، حذّر وزير الخارجية الصيني وانغ يي، لدى لقائه نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف ونظيره الإيراني كاظم غريب آبادي اللذين يرأسان وفدي بلديهما إلى المحادثات، من أن «الوضع بات مرة أخرى أمام مفترق حاسم».

وأضاف وانغ يي أن «الاتفاق الشامل بشأن المسألة النووية الإيرانية إنجاز مهم تم تحقيقه عبر الحوار والتفاوض»، محذراً بأن «العقوبات أحادية الجانب لن تؤدي سوى إلى مفاقمة النزاعات. الحوار والتفاوض هما الخياران الوحيدان».

وقال نائب وزير الخارجية الصيني، ما تشاو شيوي، إن روسيا والصين وإيران أكدت، خلال اجتماع في بكين، على ضرورة رفع جميع العقوبات غير القانونية.

وأضاف أن «إيران وروسيا أعربتا عن امتنانهما للصين على دورها البناء وتنظيم الاجتماع في بكين».

جانب من الاجتماع الثلاثي بين روسيا والصين وإيران في بكين، يوم 14 مارس 2025 (رويترز)

«حوار معمق»

اتهم المندوب الإيراني «بعض الدول» باختلاق «أزمة لا داعي لها»، مؤكداً عقد «اجتماع بناء وإيجابي جداً» مع محاوريه الروس والصينيين.

وكان نائب وزير الخارجية الصيني، ما تشاوشو، أعلن قبل ذلك، خلال مؤتمر صحافي مع نظيريه الروسي والإيراني: «أجرينا تبادلاً معمقاً لوجهات النظر حول المسألة النووية ورفع العقوبات».

وأضاف: «شدَّدنا على ضرورة وضع حد لكل العقوبات الأحادية غير المشروعة»، مردداً بذلك ما ورد في بيان مشترك للدول الثلاث نشرته بكين.

وأتاح الاتفاق المبرم عام 2015 بين طهران وكل من واشنطن وباريس ولندن وبرلين وموسكو وبكين، رفع عقوبات عن الجمهورية الإسلامية لقاء خفض أنشطتها النووية وضمان سلمية برنامجها.

إلا أن الولايات المتحدة انسحبت أحادياً منه في 2018، بقرار من ترمب، وأعادت فرض عقوبات قاسية أنهكت اقتصاد إيران.

والتزمت طهران بالاتفاق على مدى العام الذي أعقب الانسحاب الأميركي، لكنها بدأت لاحقاً التخلي عن التزاماتها. وفشلت منذ ذلك الوقت كل الجهود الرامية لإعادة إحيائه.

وبعد 10 سنوات على دخوله حيّز التنفيذ، تنتهي في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 مفاعيل القرار «2231» الصادر عن مجلس الأمن الدولي، الذي كرّس تطبيق اتفاق 2015.

ولا تستبعد بعض الدول إعادة فرض عقوبات على إيران بعد انقضاء هذا التاريخ.

وأجرت إيران، خلال الأشهر الماضية، عدة جولات مباحثات مع ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة حول برنامجها النووي، كما نسقت سياساتها مع موسكو وبكين بهدف مواجهة الوضع القائم.

وحمل أول تعليق أوروبي على اجتماع بكين إشارات إلى تعامل إيجابي من جانب أوروبا، مع احتمال إطلاق مسار تفاوضي لتسوية الخلاف حول «النووي الإيراني» بطرق سلمية.

وقال المتحدث باسم الخدمة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، أنور العنوني، إن التكتُّل أخذ علماً بالاجتماع الثلاثي بين روسيا وإيران والصين بشأن البرنامج النووي الإيراني، ويظل منفتحاً على الاتصالات بشأن هذه القضية.

واضاف في إفادة صحافية ببروكسل: «البلدان الثلاثة أطراف في الاتفاق النووي الإيراني، لا توجد بدائل مجدية للحل الدبلوماسي».


مقالات ذات صلة

الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

شؤون إقليمية إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)

الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

يسعى الإيرانيون إلى الحفاظ على لمحة من مظاهر الحياة الطبيعية بعد أسابيع شهدت قصفاً أميركياً وإسرائيلياً، وحملة قمع ضد المتظاهرين أسقطت قتلى في يناير (كانون…

شؤون إقليمية إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)

أوروبا تتحسب لاتفاق «متعجل» بين واشنطن وطهران

قال دبلوماسيون مطلعون على الملف الإيراني إن حلفاء واشنطن في أوروبا يخشون أن يدفع فريق التفاوض الأميركي، الذي يرونه محدود الخبرة في هذا المسار نحو اتفاق «متعجل».

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية جندي من مشاة البحرية الأميركية على متن السفينة البرمائية «يو إس إس نيو أورلينز» يراقب حركة الملاحة خلال عمليات الحصار البحري قبالة الموانئ الإيرانية السبت (سنتكوم) p-circle

ترمب يعلن جولة تفاوض ثانية ويتهم إيران بـ«خرق» الهدنة

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن واشنطن تمضي في جولة جديدة من المفاوضات مع إيران، معلناً أن مسؤولين أميركيين سيتوجهون إلى إسلام آباد، مساء الاثنين.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية إيرانيات من أعضاء ميليشيا «الباسيج» يحملن بنادق كلاشينكوف خلال مسيرة نظمتها الحكومة دعماً لمجتبى خامنئي المرشد الإيراني بمناسبة «اليوم الوطني للفتيات» في طهران (نيويورك تايمز)

مضيق هرمز كأداة ضغط... إلى أي مدى تصمد المعادلة؟

تكشف أزمة مضيق هرمز أن جغرافيا إيران ما زالت تمنحها ورقة ردع مؤثرة، رغم الخسائر العسكرية والضغوط على برنامجها النووي.

مارك مازيتي (واشنطن) آدم إنتوس (واشنطن) جوليان بارنز (واشنطن)
شؤون إقليمية صورة التقطها قمر اصطناعي يوم 17 يونيو 2025 تُظهر مبنى مُدمّراً في موقع نطنز النووي بإيران (بلانيت لابز - رويترز) p-circle

هل يمكن نقل مخزون اليورانيوم الإيراني إلى دولة ثالثة؟

هل يمكن نقل هذا المخزون إلى دولة ثالثة، وتخفيف تخصيبه إلى درجات غير ضارة؟

«الشرق الأوسط» (لندن)

السلطات الأميركية توقف إيرانية بتهمة تهريب أسلحة إلى السودان لصالح طهران

أرشيفية لحركة الطائرات على مدرج في مطار لوس أنجليس الدولي (ا.ب)
أرشيفية لحركة الطائرات على مدرج في مطار لوس أنجليس الدولي (ا.ب)
TT

السلطات الأميركية توقف إيرانية بتهمة تهريب أسلحة إلى السودان لصالح طهران

أرشيفية لحركة الطائرات على مدرج في مطار لوس أنجليس الدولي (ا.ب)
أرشيفية لحركة الطائرات على مدرج في مطار لوس أنجليس الدولي (ا.ب)

أوقفت السلطات الأميركية امرأة إيرانية في مطار لوس أنجليس الدولي بتهمة تهريب أسلحة إلى السودان لصالح طهران، وفق ما أفاد مدع عام فدرالي الأحد.

ووجهت إلى شميم مافي البالغة 44 عاما، تهمة «التوسط في صفقة بيع السودان طائرات مسيرة وقنابل وصواعق وملايين الطلقات النارية المصنعة في إيران»، بحسب ما أعلن مدعي عام المنطقة الوسطى لولاية كاليفورنيا، بيل عسيلي، على منصة «إكس».

وأشار عسيلي إلى أن مافي التي تقيم في ضاحية وودلاند هيلز بمدينة لوس أنجليس، «مواطنة إيرانية حصلت على الإقامة الدائمة القانونية في الولايات المتحدة عام 2016».

وألقي القبض على مافي السبت، وهي تواجه عقوبة قصوى تصل إلى السجن لمدة 20 عاما في حال إدانتها.

وأرفق عسيلي منشوره بلقطات من تحقيق تلفزيوني يتضمن صورا تظهر امرأة يُعتقد أنها مافي محاطة برجال أمن فدراليين وطائرة مسيرة على مدرج مطار وبطاقة هوية امرأة ورزما من النقود.

وحذرت الأمم المتحدة مؤخرا من أن السودان معرض لخطر الانزلاق إلى «مجاعة وانهيار شاملين»، مع دخول الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع عامها الرابع.

وقالت منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في السودان، دينيس براون، إن السودان يواجه أكبر أزمة إنسانية في العالم، محملة الأسلحة التي ترد من مصادر خارجية جزءا من المسؤولية عن الأزمة.

وحضت الأمم المتحدة مرارا القوى الأجنبية على الكف عن تأجيج الحرب، لكنها لم توجه اتهامات لدول معينة.

ويحظى الجيش السوداني بدعم مصر والسعودية، وتستخدم قواته طائرات مسيرة تركية وإيرانية الصنع.

ومع ذلك غالبا ما يلقى باللوم على الإمارات التي تنفي أي دليل على إرسال أسلحة إلى قوات الدعم السريع المتهمة بارتكاب جرائم إبادة.


إيران تتهم أميركا بانتهاك وقف إطلاق النار وتتوعد بالرد على مهاجمة سفينة

جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
TT

إيران تتهم أميركا بانتهاك وقف إطلاق النار وتتوعد بالرد على مهاجمة سفينة

جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)

اتهمت القيادة الموحدة للقوات المسلحة ​الإيرانية، المعروفة باسم «مقر خاتم الأنبياء»، الولايات المتحدة بانتهاك وقف إطلاق ‌النار من ‌خلال ​مهاجمة ‌إحدى ⁠السفن التجارية ​الإيرانية في ⁠خليج عمان، وتوعدت بالرد.

ونقلت وسائل إعلام حكومية عن متحدث ⁠باسم «خاتم ‌الأنبياء» ‌قوله اليوم ​الأحد ‌إن السفينة ‌كانت متجهة من الصين إلى إيران.

وذكر المتحدث «نحذر من ‌أن القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية ⁠سترد ⁠قريبا وتنتقم من هذه القرصنة المسلحة التي ارتكبها الجيش الأميركي».


الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
TT

الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)

يسعى الإيرانيون إلى الحفاظ على لمحة من مظاهر الحياة الطبيعية بعد أسابيع شهدت قصفاً أميركياً وإسرائيلياً، وحملة قمع ضد المتظاهرين أسقطت قتلى في يناير (كانون الثاني)، ولا يزالون يشعرون بالقلق إزاء المستقبل في ظل الآثار السلبية الناجمة عن الغارات الجوية وانقطاع خدمة الإنترنت.

وفي ظل الخلافات الدائرة بين إيران والولايات المتحدة حول تمديد وقف إطلاق النار والاتفاق على إنهاء الصراع، فتحت المتاجر والمطاعم والمكاتب الحكومية أبوابها. وفي أيام الربيع المشمسة، تزدحم حدائق المدينة بأسر خرجت للتنزه وشبان يمارسون الرياضة، بينما يتجمع آخرون في المقاهي على جوانب الشوارع.

لكن وراء هذه المشاهد الهادئة، يتداعى الاقتصاد الإيراني، ويخشى الناس من حملة قمع جديدة من الحكومة، ويشعرون بالغضب إزاء الغارات الجوية المدمرة.

ويبدو أن الصعوبات التي أذكت اضطرابات واحتجاجات حاشدة في يناير ستزداد تفاقماً، حسب وكالة «رويترز».

وانتهت المحادثات التي جرت في إسلام آباد هذا الشهر، وهي أول مفاوضات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران منذ سنوات، دون التوصل إلى اتفاق. ولكن مع اقتراب موعد انتهاء وقف إطلاق النار الهش الحالي يوم الأربعاء، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الأحد إن مبعوثيه سيتوجهون إلى باكستان وإنهم مستعدون لإجراء مزيد من المحادثات.

إيرانيتان تنظران إلى هاتف ذكي عند البوابة الرئيسية لجامعة طهران الأحد (أ.ب)

خوف من ضغوط مع استمرار نظام الحكم

قالت فريبا (37 عاماً) التي شاركت في مظاهرات يناير لـ«رويترز» عبر الهاتف من إيران: «ستنتهي الحرب، لكن عندها ستبدأ مشاكلنا الحقيقية مع النظام. أخشى جداً من أن يزيد الضغط على الناس العاديين إذا توصل النظام إلى اتفاق مع الولايات المتحدة».

وأضافت: «لم ينس الشعب جرائم النظام في يناير، ولم ينس النظام أن الناس لا يريدونه. إنه يكبح نفسه الآن لأنه لا يريد القتال على الجبهة الداخلية أيضاً».

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن القصف أودى بحياة الآلاف، منهم عشرات التلميذات في مدرسة للبنات في اليوم الأول من الصراع.

ودمر القصف أيضاً بنى تحتية في أنحاء البلاد، مما زاد من احتمالات حدوث تسريح جماعي للعمال.

ويبدو أن النظام الإيراني راسخ كما كان في الماضي، بعد أن نجا من القصف المكثف على مدى أسابيع وعرقل إمدادات النفط العالمية.

وقال أوميد ميماريان، محلل الشأن الإيراني لدى مركز الأبحاث المستقل «دون» في الولايات المتحدة: «أدرك الإيرانيون أن هذه الحرب لن تؤدي إلى إسقاط النظام، لكنها في الوقت نفسه ستجعل حياتهم أسوأ بكثير من الناحية الاقتصادية».

وأضاف: «لن يضع الجيش أسلحته. سيبقون، وسيكون الوضع دموياً. سيكون مكلفاً من دون أي أمل في مستقبل أفضل».

وفي شمال طهران، أجرت «رويترز» الأسبوع الماضي مقابلات بالفيديو مع شبان إيرانيين تحدثوا عن الحرب ومخاوفهم. وتعمل وسائل الإعلام الأجنبية في إيران بموجب المبادئ التوجيهية التي تضعها وزارة الثقافة والإرشاد، التي تنظم نشاط الصحافة والتراخيص.

الإيرانيون يستمتعون بيوم مشمس في حديقة عامة في خضم وقف إطلاق النار في طهران الأسبوع الماضي (رويترز)

وقالت مهتاب، الموظفة في شركة خاصة، التي طلبت عدم ذكر اسم عائلتها، إن الأمور يمكن أن تكون أسوأ بالنسبة للإيرانيين، بالنظر إلى تأثير الحرب والعقوبات والعزلة على مدى سنوات.

وأضافت: «لا أريد أن أقول إن الوضع طبيعي، لكن كإيرانية عاصرت كل هذا، إذ إنه ليس سيئاً للغاية. يمكننا التعايش معه».

لكن لم يكن لدى الإيرانيين الذين تواصلت معهم «رويترز» عبر الهاتف هذا الرأي، إذ أبدوا قلقاً أكبر بكثير خلال حديثهم، بشرط عدم الكشف عن هوياتهم خوفاً من التعرض للانتقام.

وقالت سارة (27 عاماً)، وهي مدرسة خاصة، طلبت عدم الكشف عن اسم عائلتها أو مكان إقامتها: «نعم، الناس يستمتعون بوقف إطلاق النار في الوقت الحالي... لكن ماذا سيحدث بعد ذلك؟ ماذا يُفترض بنا أن نفعل مع نظام أصبح أكثر قوة؟».

خيارات قليلة

قُتل الآلاف عندما قمعت السلطات احتجاجات استمرت أسابيع في يناير، وقال حينها ترمب إنه سيأتي لمساعدة الإيرانيين.

ولم ترد بعثة إيران الدائمة لدى الأمم المتحدة في جنيف بعد على طلبات للتعليق على هذه القصة. وكانت قد ألقت سابقاً باللوم في أعمال العنف التي وقعت في يناير على «إرهابيين مسلحين» مرتبطين بإسرائيل والولايات المتحدة.

وقال ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بداية الحرب إنهما يريدان الإطاحة بالحكام، لكن هذا الهدف تلاشى مع استمرار القصف.

وقال ميماريان إن الغضب من القمع جعل كثيراً من الإيرانيين يأملون في تولي حكام جدد السلطة، لكن سرعان ما تحولت مشاعر الغضب إلى الحرب ضد بلادهم.

وأضاف: «أعتقد أنه أصبح أكثر وضوحاً لكثير من الإيرانيين أن هذه الحرب ليست مصممة، أو لا تهدف، إلى مساعدة الشعب الإيراني».

إيرانيات يمررن بجانب ضابط شرطة يقف حراسة في ساحة تجريش شمال طهران الأربعاء الماضي (رويترز)

ولم تكن مهتاب ولا النساء الأخريات الجالسات في مقهى شمال طهران يرتدين الحجاب الإلزامي المفروض منذ عقود في إيران. وصارت قواعد الزي العامة أكثر مرونة عقب الاحتجاجات الشعبية في عام 2022، ومنها مظاهرات رفعت مطالب تتعلق بحقوق المرأة، التي قمعتها السلطات، وخففت بعدها ضمنياً تطبيق بعض قواعد الزي.

وقال المحلل السياسي الإيراني المستقل المقيم في بريطانيا حسين رسام إنه أصبح واضحاً في يناير أن السلطات لن تتراجع بسهولة مجدداً، وأنها لن تنهار في مواجهة الهجوم العسكري.

وجعلت الحرب الإيرانيين أكثر انقساماً من ذي قبل، لكن مع خيارات قليلة. وقال رسام: «هذه لحظة حاسمة للإيرانيين لأنهم في النهاية، وخاصة الإيرانيين داخل البلاد، يدركون أنهم بحاجة إلى العيش معاً. لا مكان يذهبون إليه».

نار تحت الرماد

يخشى كثيرون من تفاقم القمع الآن. وقال أرجانج، وهو أب لطفلين يبلغ من العمر 43 عاماً، لـ«رويترز» عبر الهاتف من شمال طهران: «في الشوارع، تتجول النساء دون حجاب، لكن ليس واضحاً ما إذا كانت هذه الحريات ستستمر بعد التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة. سيزداد الضغط 100 في المائة، لأنه بمجرد التوصل إلى سلام مع واشنطن، لن يواجه النظام الضغط الخارجي نفسه».

ولم تحدث احتجاجات بداية العام أي تغيير ملموس في حياة الناس، بل دفعت السلطات إلى فرض قيود صارمة على استخدام الإنترنت؛ وهو ما أثر كثيراً على الشركات والمواطنين العاديين الذين كانوا في حاجة ماسة إلى المعلومات أثناء الحرب.

إيرانيات يستقللن مركبة عسكرية أثناء مشاركتهن في مسيرة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران الجمعة (إ.ب.أ)

وقالت فائزة (47 عاماً)، وهي تلعب الكرة الطائرة مع أصدقائها في حديقة شمال طهران: «حتى أصغر الأمور، مثل التواصل مع أفراد عائلتنا الذين يعيشون خارج البلاد، باتت مستحيلة».

وقال ميماريان إن الاستياء الشعبي قد يتصاعد بعد انتهاء الحرب، وإن الناس أصبحوا أقل خوفاً حيال اتهامهم بالخيانة.

وأضاف: «هناك الكثير من النار تحت الرماد».