مشروع «الكرملين» في سوريا يواجه التحدي الأكبر

خبراء يتوقعون تهديدات جدية للوجود الروسي في البحر المتوسط

أرشيفية تعود لديسمبر 2017 لحضور بوتين والأسد ووزير الدفاع الروسي شويغو عرضاً عسكرياً بالقاعدة الجوية الروسية في حميميم (أ.ف.ب)
أرشيفية تعود لديسمبر 2017 لحضور بوتين والأسد ووزير الدفاع الروسي شويغو عرضاً عسكرياً بالقاعدة الجوية الروسية في حميميم (أ.ف.ب)
TT

مشروع «الكرملين» في سوريا يواجه التحدي الأكبر

أرشيفية تعود لديسمبر 2017 لحضور بوتين والأسد ووزير الدفاع الروسي شويغو عرضاً عسكرياً بالقاعدة الجوية الروسية في حميميم (أ.ف.ب)
أرشيفية تعود لديسمبر 2017 لحضور بوتين والأسد ووزير الدفاع الروسي شويغو عرضاً عسكرياً بالقاعدة الجوية الروسية في حميميم (أ.ف.ب)

فتحت التطورات المتسارعة في سوريا الباب على أسئلة جدية حول مستقبل الوجود الروسي في سوريا، ومدى تقبُّل «الكرملين» فكرة خسارة مشروع ضخم استثمر فيه كثيراً منذ عام 2015.

ومع أن المحللين الروس يتجنبون إعطاء تقييمات نهائية للوضع، لكن حتى المتفائلون منهم يتحدثون عن أنه إذا لم تنجح تحركات الفصائل السورية المسلحة، السريعة والمنظمة، في إطاحة الرئيس بشار الأسد، فإن السيناريو الأفضل سيكون أن تبقى دمشق وبعض مناطق الساحل تحت سيطرته فقط.

على المستوى الرسمي يبدو أن موسكو باتت تستعد للتعامل ببراغماتية مع المرحلة المقبلة. علماً بأن الحسابات الروسية كانت تتوقف في بداية حراك الفصائل عند فكرة انتهاء النفوذ الإيراني في سوريا مع ما يضع ذلك من ترتيبات جديدة للمنطقة، لكن الانهيار المتسارع لدفاعات الحكومة السورية وحلفائها وضع روسيا أمام تطور مفاجئ دفعها إلى إعادة ترتيب أولوياتها.

الدفاع عن الأسد أم عن مصالح موسكو؟

مع التأكيد على جاهزية موسكو العسكرية لمواجهة التطورات والإعلان عن إرسال جنرال روسي له خبرة واسعة في سوريا لقيادة القوات الروسية في هذا البلد، وأيضاً مع التحركات المحدودة للطيران الروسي في محاولة لإبطاء تقدُّم الفصائل السورية على عدد من المحاور، فإن كل هذه الأنشطة بدت كأنها موجَّهة للتأهب فقط في حال تعرضت مصالح روسيا وعسكرييها ومعداتها للخطر فقط، وليس للدفاع عن النظام ومواقعه.

رغم ذلك، واستباقاً لأن ترفع المعارضة أعلامها في دمشق بدأت أوساط روسية تتحدث عن حسابات الربح والخسارة بالنسبة إلى الكرملين.

في المقام الأول، بدا الكرملين عاجزاً للمرة الأولى منذ سنوات عن حماية حليفه الذي أكد قبل أيام قليلة أنه لن يتخلى عنه.

يقول خبراء إن موسكو لم تكن قادرة على فتح جبهة واسعة جديدة، وهي تواجه منعطفاً خطراً في الحرب الأوكرانية بعدما وصلت الأمور إلى حافة الانزلاق في مواجهة مباشرة وقوية محتملة مع حلف شمال الأطلسي.

أيضاً أدركت موسكو سريعاً تبدُّل المزاج الإقليمي والدولي حيال ملف نفوذ إيران وأذرعها العسكرية في المنطقة. كما أن الكرملين لم يُخف غضبه كما ظهر من تحليلات مقربين منه، حيال تعنُّت الرئيس السوري الطويل أمام خطط موسكو لتهدئة الأجواء مع تركيا، وفتح نافذة لتحريك التسوية السياسية.

ولعب عنصران مهمان آخران دوراً في الإحجام الروسي عن مساعدة الأسد هذه المرة، أولهما عدم رغبة موسكو في تقويض كل احتمالات التفاهم اللاحق مع تركيا في حال ذهبت نحو عملية عسكرية واسعة النطاق، وثانيهما أن موسكو لم ترغب في فتح جبهة واسعة تستبق إمكانات التفاهم لاحقاً مع إدارة الرئيس المنتخب دونالد ترمب حول الملف الأوكراني، والعلاقة مع قضايا الأمن الاستراتيجي في أوروبا، وهي الأمور التي تحظى بأولوية مطلقة لدى الكرملين.

على هذه الخلفية، بدا كأن موسكو وجدت في التضحية بحليفها طريقة أقل تكلفة وأكثر جدوى، مع الحرص على أن تبقى للكرملين مساهمة جدية في أي عملية لاحقة للتسوية في سوريا بما يضمن مصالح روسيا.

عناصر من فصائل سورية مسلحة في مدينة حلب (إ.ب.أ)

فشل روسي في سوريا

لكن في المقابل، سارع محللون إلى الحديث عن أن التطورات الجارية تعكس فشلاً كاملاً للمشروع الروسي في سوريا، الذي كان قائماً على تأكيد قدرة الكرملين على إطفاء الحريق المشتعل في البلد عبر مساري «أستانة» و«سوتشي» اللذين تمخضا عن اتفاقات خفض التصعيد ووقف النار وإطلاق عمل اللجنة الدستورية. وهذا أمر مهم للكرملين الذي كثيراً ما تفاخر بنجاحاته في سوريا «خلافاً للفشل الأميركي في كل منطقة وبلد دخلته قوات (الناتو)».

بهذا المعنى، فإن تقديم الحل الروسي في سوريا بوصفه نموذجاً بديلاً عن الحلول الغربية للمشكلات الإقليمية وصل إلى حائط مسدود، وانتهى بهزيمة كبرى وفقاً لتعليقات.

العنصر الثاني أن التوازنات الدقيقة التي أقامتها موسكو خلال سنوات الأزمة السورية، في العلاقات مع كل من إسرائيل وإيران وتركيا والحكومة السورية وحتى أطراف في المعارضة المعتدلة، والتي انضمت إليها في مراحل لاحقة عمليات تنسيق المواقف مع أطراف متضررة من الوضع في سوريا مثل الأردن والعراق، كلها باتت أمام تغييرات واسعة النطاق، وتكشف أنها لم تكن صُلبة بما يكفي لتؤسس لوضع مستدام.

سياسياً، لا تبدو الموازين الحالية لصالح الكرملين في سوريا، التي كانت حتى وقت قريب المثال الذي أرادت منه موسكو تأكيد عودة مكانتها الدولية وأنه «لا حل لأي مشكلة إقليمية أو دولية من دون التنسيق مع الكرملين».

منشقون يصطفون لتسجيل بياناتهم لدى الفصائل المسلحة في حلب بعد سيطرتها على المدينة (أ.ب)

وضع عسكري معقد وغامض

أما عسكرياً، فإن الوضع يبدو أكثر غموضاً وتعقيداً. كان المكسب الأكبر للكرملين خلال السنوات الماضية هو إبرام اتفاقات طويلة الأجل لإقامة دائمة للقواعد العسكرية الروسية في سوريا.

ويعد هذا الوجود واحداً من العناصر التي تقترب لأن تكون خطاً أحمر بالنسبة إلى موسكو، إذ إن قاعدتي «حميميم» الجوية و«طرطوس» البحريتين تحولتا بعد انتهاء العمليات العسكرية النشطة في سوريا إلى القيام بمهام ذات بُعد استراتيجي بالنسبة إلى موسكو.

ولم يُخف قادة عسكريون أكثر من مرة أن الوجود العسكري في سوريا يعد ركيزة أساسية للوجود الروسي الحربي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كلها، وأن مهام السفن الحربية والبوارج الروسية تعدت كثيراً موضوع سوريا، وباتت تشكل أهمية خاصة لرفد التحركات البحرية في المحيطات.

بهذا فإن الوجود العسكري في سوريا يشكل تطبيقاً للحلم الروسي القديم بالإقامة في المياه الدافئة، كما أنه يشكل معادلاً مهماً لوجود حلف شمال الأطلسي في المنطقة، خصوصاً في تركيا.

ظاهرياً، لم تتضح حتى الآن درجة المخاوف من احتمال خسارة روسيا لهذا الوجود، ويبدو أن الكرملين يعول على تفاهمات مع الأطراف المختلفة المنخرطة بالشأن السوري لضمان استدامة هذا الوجود.

من الاستعراض البحري للأسطول الروسي الأخير في ميناء طرطوس على الساحل السوري (الدفاع الروسية)

مخاطر محتملة في طرطوس واللاذقية

في المقابل، تسارعت التحذيرات في اليومين الأخيرين من أنه لا يمكن الاطمئنان للتطورات المنتظرة في سوريا وحولها. وحذر عالم السياسة العسكرية ألكسندر بيريندجييف، الأستاذ المشارك في قسم التحليل السياسي بجامعة بليخانوف الروسية للاقتصاد، من أن القواعد العسكرية الروسية في مدينتي اللاذقية وطرطوس السوريتين قد تتعرض لهجمات من قِبل «منظمات إرهابية»، وزاد أن «هجمات مماثلة قد حدثت من قبل».

وأوضح الخبير أن الأنظمة الروسية، مثل «بانتسير»، أظهرت كفاءة عالية في حماية القواعد الروسية. وأعرب عن رأي مفاده أن الجيش يدرك كل المخاطر ويستعد لهجمات محتملة. واقترح بيريندزيف أنه سيجري فحص المنطقة القريبة من القواعد بحثاً عن وجود مخابئ أو بنية تحتية لهجمات محتملة.

ورأى محلل سياسي آخر أن هناك مشكلة أخرى: مدينتا حماة وحمص هما المحور الذي يتم من خلاله الحفاظ على الروابط بين مختلف أنحاء سوريا. و«الآن استولى المسلحون على حماة. وإذا تمكنوا من التقدم أكثر، فسيكون هناك تهديد بقطع الساحل عن بقية البلاد»؛ ما يبقي المنطقة التي تتمركز فيها القوات الروسية معزولة وضعيفة الإمداد.

وأشار الخبير إلى أن الوضع يتطور بالفعل وفقاً لسيناريو سيئ للغاية، محذراً من أنه «إذا لم يتم احتواء المسلحين، فمن الممكن حدوث سيناريو كارثي: يمكن أن يذهب المسلحون جزئياً إلى دمشق، وجزئياً إلى الساحل».

لكن ثمة مخاطر جدية أشار إليها محللون، بينها أن الوضع السياسي المتغير في سوريا قد لا يسمح لموسكو بالانتظار طويلاً للتحقق من مدى جاهزيتها للدفاع عن مواقعها العسكرية. والإشارة هنا لا تقتصر على تغير البيئة المحيطة بالقواعد في حال انهار النظام في دمشق، بل أيضاً عن حاجة موسكو إلى امدادات واسعة لحماية عسكرييها وقواعدها. وللتذكير فقد كانت موسكو سحبت في السنوات الماضية الجزء الأعظم من قواتها وعتادها، بما في ذلك أنها سحبت في 2022 أنظمة صواريخ «إس 300» التي كانت قدمتها إلى الحكومة السورية ولم يتم استخدامها وتشغيلها أبداً.

العنصر الثاني الخطر هنا، أن الهجمات المحتملة قد تحمل بصمة الفصائل السورية المسلحة نفسها، بل أن يتم استخدام مجموعات متشددة مدعومة من جانب «خصم خارجي» لروسيا لاستهداف مصالح موسكو في المنطقة عموماً. ومعنى ذلك أن تهديداً على التحركات الروسية في البحر المتوسط والمنطقة عموماً قد بدأ يظهر بالفعل.

ما مصير الوجود الروسي؟

اللافت أن دعوات بدأت تظهر في موسكو للتفكير جدياً بمصير الوجود العسكري الروسي كله في سوريا، بما يحمل ذلك من إقرار بفشل في حماية المكسب الأكبر لروسيا من التدخل في سوريا.

وكتب المراسل العسكري ألكسندر كوتس في قناته على «تلغرام» أنه «إذا استسلمت حمص بنفس السهولة، فسيتعين علينا التفكير في إخلاء القواعد (...) المخاطر آخذة في الارتفاع. لا أعتقد أن الأتراك والبريطانيين توقعوا مثل هذا النجاح الباهر. على الأرجح أن يكونوا خططوا لخلق نقطة توتر لنا، حيث سنحول إليها بعض مواردنا، لكن التهديد الذي تتعرض له قواعدنا في طرطوس وحميميم أصبح الآن حقيقياً».

في المقابل، أعلن عضو لجنة الدفاع بمجلس الدوما، النائب عن حزب «روسيا الموحدة» الحاكم أنه «ليس هناك مجال لسحب القوات الروسية من سوريا؛ يمكن لجميع الدول الأخرى أن تغلق قواعدها، لكن روسيا لن تفعل ذلك»، من دون أن يوضح ما إذا كانت بلاده مستعدة لخوض مواجهة مع أي طرف لحماية هذا الوجود العسكري على ضفاف البحر المتوسط.


مقالات ذات صلة

الصحافيون وتهم التجسس... بين المساومات السياسية والعمل الاستخباري

العالم الصحافي الأميركي إيفان غيرشكوفيتش الذي اتهمته روسيا بالتجسس خلال مثوله أمام محكمة بموسكو في أبريل 2024 (رويترز) p-circle

الصحافيون وتهم التجسس... بين المساومات السياسية والعمل الاستخباري

تسلّط قضايا توقيف صحافيين بتهم التجسس الضوء على المساومات السياسية وصفقات تبادل السجناء، وتستدعي سوابق لاتهامات مفبركة وحالات تعاون فعلي مع أجهزة الاستخبارات.

شادي عبد الساتر (بيروت)
أوروبا سيارة تحترق بعد غارة روسية على منطقة في إقليم خاركيف وسط تصاعد حرب أوكرانيا (أ.ب)

خطة أميركية أوروبية من 4 نقاط لإنهاء حرب أوكرانيا

تحركت الولايات المتحدة وأوروبا تدريجياً نحو بلورة مقترح سلام من شأنه أن يوفر مزايا مالية وأمنية لكل من أوكرانيا وروسيا، تمهيداً إنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (كييف)
آسيا علم اليابان يرفرف في العاصمة طوكيو (رويترز)

طوكيو تعتزم استدعاء السفير الروسي بشأن الصحافي الياباني الموقوف

تعتزم طوكيو استدعاء السفير الروسي لدى اليابان بعد توقيف موسكو صحافياً يابانياً حسبما أوردت عدة وسائل إعلام يابانية الأربعاء وسط توتر شديد بين البلدين

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
رياضة عالمية بطلة الجمباز الروسية أنجلينا ميلنيكوفا (أ.ب)

هولندا ترفض منح تأشيرة دخول لنجمة الجمباز الروسية ميلنيكوفا

رفضت هولندا منح تأشيرات دخول لثلاث لاعبات جمباز روسيات، بينهن البطلة الحالية أنجلينا ميلنيكوفا، ما حال دون مشاركتهن في بطولة العالم المقررة، الأسبوع المقبل.

«الشرق الأوسط» (أمستردام)
أوروبا كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)

ترحيب أوروبي بـ«هدنة الطاقة» بين أوكرانيا وروسيا

رحبت كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي اليوم (الاثنين) بالإعلان عن وقف إطلاق نار في قطاع الطاقة بين روسيا وأوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (لوكسمبورغ)

وزارة الخزانة الأميركية تصدر عقوبات جديدة مرتبطة بإيران

مبنى وزارة الخزانة الأميركية في العاصمة واشنطن يوم 11 يوليو 2026 (رويترز)
مبنى وزارة الخزانة الأميركية في العاصمة واشنطن يوم 11 يوليو 2026 (رويترز)
TT

وزارة الخزانة الأميركية تصدر عقوبات جديدة مرتبطة بإيران

مبنى وزارة الخزانة الأميركية في العاصمة واشنطن يوم 11 يوليو 2026 (رويترز)
مبنى وزارة الخزانة الأميركية في العاصمة واشنطن يوم 11 يوليو 2026 (رويترز)

أفاد إشعار ‌نشر على ‌الموقع ​الإلكتروني ‌لوزارة الخزانة ​الأميركية، اليوم الخميس، بأن إدارة ‌الرئيس ‌دونالد ​ترمب ‌أصدرت عقوبات ‌جديدة تتعلق ‌بإيران تستهدف 16 فرداً و10 كيانات.

وقال وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، وفقاً للبيان: «في ظل قيادة الرئيس ترمب، لن تسمح وزارة الخزانة للنظام الإيراني بمواصلة تاريخه الطويل في إساءة استخدام المؤسسات الدينية لملء جيوب نخبته وتمويل الإرهاب».

وأضاف البيان: «من المعروف أن النظام الإيراني يسيء استخدام منظمات دينية ظاهرياً في إيران والدول المجاورة لإثراء نخبته، وتمويل قمع الشعب الإيراني، ودعم الإرهاب في الخارج».

وتابع: «وقد تستخدم هذه الكيانات قنوات مالية غير رسمية مثل الحوالات وحاملي النقود لتحويل الأموال إلى إيران أو إلى جهات مرتبطة بإيران».


تصعيد في «هرمز» وسط تشديد القيود على عبور السفن

بواخر راسية بمضيق هرمز كما تُظهر الصورة من جانب الشاطئ العماني في مسندم (رويترز)
بواخر راسية بمضيق هرمز كما تُظهر الصورة من جانب الشاطئ العماني في مسندم (رويترز)
TT

تصعيد في «هرمز» وسط تشديد القيود على عبور السفن

بواخر راسية بمضيق هرمز كما تُظهر الصورة من جانب الشاطئ العماني في مسندم (رويترز)
بواخر راسية بمضيق هرمز كما تُظهر الصورة من جانب الشاطئ العماني في مسندم (رويترز)

تتسع تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران لتشمل حركة الملاحة في الخليج وخليج عُمان، في ظل تبادل الإجراءات البحرية بين واشنطن وطهران، وتشديد القيود على عبور السفن.

وفي حين أعلن الجيش الأميركي تدمير سفينة على صلة بإيران، أفادت طهران باندلاع حريق في ناقلة نفط أثناء محاولتها عبور منطقة محظورة، بالتزامن مع تأكيد مسؤول عسكري إيراني أن المرور عبر مضيق هرمز يتطلب التنسيق مع القوات المسلّحة.

ولا تقتصر انعكاسات الأزمة على المواجهة العسكرية، إذ بدأت اضطرابات الشحن تهدد المحاصيل الزراعية وترفع مخاطر زيادة أسعار الغذاء عالمياً.

تدمير سفينة مرتبطة بإيران

أعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، التي تشرف على العمليات العسكرية بالمنطقة، أن القوات الأميركية هاجمت، الأسبوع الماضي، سفينة على صلة بإيران ودمّرتها، بعد أن كانت تُنفذ مهمة استطلاع في خليج عُمان، وفق ما أوردته «القيادة» عبر منصة «إكس».

وقالت «القيادة» إن السفينة استهدفت سفناً تابعة لـ«البحرية» الأميركية، مشيرة إلى إجلاء طاقمها إلى مكان آمن قبل تنفيذ الهجوم.

يأتي الإعلان في ظل تصاعد المواجهة البحرية بين الولايات المتحدة وإيران منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، بعدما كانت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يصل الخليج بخليج عُمان، تسير، إلى حد كبير، دون انقطاع قبل الحرب.

لكن التهديدات والهجمات الإيرانية أدت إلى شِبه توقف حركة الملاحة عبر هذا الممر الاستراتيجي، في حين نفّذت القوات الأميركية هجمات متكررة على سفن إيرانية مدنية، في سياق المواجهة المتصاعدة بين الجانبين.

حريق في ناقلة نفط

«البحرية» الإيرانية تعلن اندلاع حريق بناقلة نفط شرق مضيق هرمز (فارس)

في المقابل، أفاد الجيش الإيراني باندلاع حريق في ناقلة نفط بخليج عُمان، أثناء محاولتها عبور منطقة محظورة، وفق ما نقله التلفزيون الرسمي الإيراني، يوم الخميس.

ونقل التلفزيون عن بيان عسكري أن فِرق المراقبة، التابعة للقوات البحرية، رصدت ناقلة نفط «مخالِفة» اندلع فيها حريق قبل ساعات من الإعلان. وأضاف أن الناقلة أطفأت أنظمة التتبع الخاصة بها، وحاولت المرور عبر المنطقة المحظورة، دون تقديم تفاصيل عن سبب الحريق أو حجم الأضرار التي لحقت السفينة.

ولم يَصدر تعليق فوري عن القيادة المركزية الأميركية بشأن الحادثة.

وتكتسب الواقعة أهمية في ضوء الإجراءات التي اتخذتها طهران لتشديد سيطرتها على حركة السفن بالمنطقة. ففي سبتمبر (أيلول) الماضي، أعلنت إيران إنشاء منطقة محظورة قرب مضيق هرمز تمتد إلى جزء من خليج عُمان، في حين حذّرت القوات البحرية، التابعة لـ«الحرس الثوري الإيراني» من أن أي سفينة تُعطل أنظمة الملاحة أثناء عبورها المضيق ستُعد «مُعادية»، وستواجه إجراءات صارمة.

وتشير بيانات أمنية إلى ارتفاع ملحوظ في الهجمات التي تستهدف السفن بمضيق هرمز، منذ بدء الحرب، بما يعكس اتساع المخاطر التي تواجه حركة التجارة البحرية في أحد أهم الممرات الحيوية لنقل الطاقة عالمياً.

طهران: المرور عبر هرمز يتطلب التنسيق

وفي تأكيد للموقف الإيراني المتشدد، قال العميد البحري حبيب الله سياري، مساعد الجيش الإيراني لشؤون التنسيق، الخميس، إن مضيق هرمز مغلق، وإن أي عبور من خلاله يجب أن يجري بالتنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية.

ونقلت وكالة «إرنا» عن سياري قوله إن القوات المسلحة تفرض «سيطرة ومراقبة مائة في المائة» على المنطقة، موضحاً أن القوات البحرية، التابعة لـ«الحرس الثوري»، تنتشر بقوة في غرب المضيق، بينما يتمركز الجيش الإيراني في شرقه وحتى شمال بحر عُمان.

وأضاف أن مرور السفن دون تنسيق يُعرّضها لما وصفه بإجراءات تظهر تباعاً في الأخبار، مستشهداً بارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة ودول أخرى بوصفه دليلاً على تعطل تدفق النفط عبر المضيق.

تأتي هذه التصريحات في وقت تفرض فيه الولايات المتحدة حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية، رداً على إغلاق طهران مضيق هرمز عملياً منذ اندلاع الحرب.

بزشكيان يقر بشدة الحصار

مسعود بزشكيان

سياسياً، اتهم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الولايات المتحدة بالسعي لزيادة الضغوط الاقتصادية على الإيرانيين، لإثارة الغضب الشعبي وإشعال احتجاجات داخلية، قائلاً إن بلاده تواجه أشد حصار وحرب منذ الثورة في عام 1979.

وأضاف بزشكيان أن إيران لم تواجه، خلال العقود التي أعقبت الثورة، مستوى مماثلاً من الحصار والحرب والصعوبات، متهماً واشنطن بمحاولة جعل حياة المواطنين أكثر صعوبة لدفعهم إلى الاحتجاج، بما يخدم أهدافها السياسية.

وتتهم طهران الولايات المتحدة وإسرائيل مراراً بالعمل على تأجيج الاضطرابات داخل البلاد.

تأتي تصريحات الرئيس الإيراني في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة، وبعد احتجاجات شهدتها إيران، أواخر ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، على خلفية غلاء المعيشة، قبل أن تتسع لتتحول إلى حركة مناهضة للحكومة.


إسرائيل: السلع لم تعد تدخل غزة بعد وقف التجار للتنسيق

شاحنات مساعدات تنتظر بالقرب من معبر رفح الحدودي بين مصر وقطاع غزة... 19 يناير 2025 (رويترز)
شاحنات مساعدات تنتظر بالقرب من معبر رفح الحدودي بين مصر وقطاع غزة... 19 يناير 2025 (رويترز)
TT

إسرائيل: السلع لم تعد تدخل غزة بعد وقف التجار للتنسيق

شاحنات مساعدات تنتظر بالقرب من معبر رفح الحدودي بين مصر وقطاع غزة... 19 يناير 2025 (رويترز)
شاحنات مساعدات تنتظر بالقرب من معبر رفح الحدودي بين مصر وقطاع غزة... 19 يناير 2025 (رويترز)

قالت إسرائيل إن السلع التجارية لم تعد تدخل قطاع غزة بسبب ما وصفته بنزاع حول الضرائب بين التجار المحليين وحركة «حماس»، مما أدى إلى قطع مصدر حيوي للغذاء والسلع الأخرى في القطاع الذي يعتمد سكانه على المساعدات، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

ونشرت وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق، وهي الذراع العسكرية الإسرائيلية التي تشرف على الشؤون الإنسانية في قطاع غزة، هذا الإعلان في بيان صدر أمس الأربعاء، مشيرة إلى ما وصفته بأنه قرار من التجار في غزة بوقف التنسيق مع الوحدة بشأن دخول البضائع التجارية.

وأضافت الوحدة أن التجار في القطاع أبلغوها بأنهم اتخذوا هذا القرار رداً على رسوم بلغت 10 آلاف شيقل (3220 دولاراً) تفرضها «حماس» على كل شاحنة تدخل القطاع، بالإضافة إلى مطالبتهم بأن يتم إجراء 30 في المائة من إجمالي مبيعاتهم في غزة نقداً.

وقالت «حماس» لاحقاً إن الرسوم البالغة 10 آلاف شيقل هي دفعات طوعية يدفعها الأثرياء في غزة لصالح صندوق وطني يهدف إلى إعالة المحتاجين مثل الأرامل والأيتام. وأشارت الحركة كذلك إلى أنه جرى التشجيع على تقديم المدفوعات النقدية بسبب ما وصفته بأنه نقص حاد في السيولة النقدية في القطاع الذي مزقته الحرب.

ويعتمد معظم سكان غزة على المساعدات، بعد ثلاث سنوات من الحرب والنزوح المتكرر والقيود المشددة التي تفرضها إسرائيل على إيصال المساعدات.

وحذّر مرصد عالمي لمراقبة الجوع في يوليو (تموز) من أن أكثر من ثلثي سكان غزة قد يواجهون مجاعة حادة بحلول نهاية العام. ويبلغ عدد سكان القطاع نحو مليوني نسمة، يعيش معظمهم في ملاجئ مؤقتة.

وقال ناهض شحيبر، رئيس جمعية النقل الخاص في غزة، إن قطاع غزة لم تدخله اليوم الخميس أي شاحنة تحمل منتجات تجارية من إسرائيل. لكنه أشار إلى دخول شاحنات تحمل مساعدات إنسانية وأخرى تحمل بضائع تجارية من مصر عبر معبر تسيطر عليه إسرائيل.

وذكرت وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق أن قرار التجار في قطاع غزة من شأنه أن يخفض العدد الإجمالي للشاحنات التي تنقل البضائع الإنسانية والتجارية على حد سواء إلى غزة يومياً إلى نحو 300 شاحنة، أي ما يعادل النصف.

ويقول دبلوماسيون إن عدد الشاحنات التي تدخل غزة يومياً عادةً أقل بكثير من 600 شاحنة. وقال شحيبر إن الرقم أقرب إلى 300 شاحنة، ثلثاها تحمل بضائع تجارية.

وإسرائيل ملزمة بموجب اتفاق توسطت فيه الولايات المتحدة بالسماح لما لا يقل عن 600 شاحنة تحمل مساعدات إنسانية بالدخول إلى غزة يومياً. ومع ذلك، تقول إسرائيل إنها ملزمة بالسماح بدخول 600 شاحنة فقط، وإن السلع التجارية ضرورية لتكملة المساعدات.