قلق في واشنطن وتحقيقات بعد تسريب خطط إسرائيل لمهاجمة إيران

جلسة استماع في مجلس النواب

رئيس مجلس النواب الأميركي مايك جونسون (أ.ب)
رئيس مجلس النواب الأميركي مايك جونسون (أ.ب)
TT

قلق في واشنطن وتحقيقات بعد تسريب خطط إسرائيل لمهاجمة إيران

رئيس مجلس النواب الأميركي مايك جونسون (أ.ب)
رئيس مجلس النواب الأميركي مايك جونسون (أ.ب)

بدأت السلطات الأميركية تحقيقات واسعة النطاق، لفهم حجم التسريب «المقلق للغاية» لوثيقتين استخباريتين «سريّتين للغاية» بشأن استعدادات إسرائيل لتوجيه ضربة محتملة ضد ايران، في سياق انتقام متبادل يُخشى أن يؤدي إلى انفجار حرب شاملة في الشرق الأوسط.

ونقلت وكالة «أسوشييتد برس» عن مسؤولين تأكيدهم صحة الوثائق. وكشف أحدهم أن التحقيق يفحص كيفية الحصول على الوثيقتين، بما في ذلك ما إذا كان التسريب متعمداً من أحد أفراد مجتمع الاستخبارات الأميركي، أو جرى الحصول عليه بطريقة أخرى، مثل القرصنة، وما إذا كانت أي معلومات استخبارية أخرى معرضة للخطر.

وفي مؤشر إلى الجديّة البالغة التي يتعامل فيها الكونغرس مع هذه القضية، أفاد رئيس مجلس النواب الأميركي مايك جونسون عبر شبكة «سي إن إن» بأن تحقيقاً يجري حول تسريب الوثائق، وقال: «ستُعْقد جلسة سرية (...) نتابع ذلك من كثب».

وقال مسؤول أميركي آخر إن «هاتين الوثيقتين سيئتان، لكنهما ليستا فظيعتين. والقلق هو ما إذا كان هناك المزيد».

وسُرِّبت الوثيقتان المؤرختان في 15 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي و16 منه، اللتان أَعَدَّت واحدة منهما الوكالة الوطنية للاستخبارات الجغرافية - المكانية، المسؤولة عن تحليل الصور والمعلومات، والثانية وكالة الأمن القومي، الجمعة الماضي، عبر حساب «ميدل إيست سباكتاتور» على منصة «تلغرام»، حيث ينشط كثير من الحسابات المؤيدة لإيران. ويقدم هذا التسريب نظرة ثاقبة على الضربة الإسرائيلية المتوقعة ضد إيران في الأيام المقبلة، رداً على الهجوم الإيراني ضد إسرائيل في مطلع الشهر الحالي، علماً أن الهجوم الإيراني كان في حد ذاته رداً على هجوم إسرائيلي سابق.

صورة من إحدى الوثيقتين الأميركيتين نشرتها قناة تابعة لإيران في «تلغرام»

«العيون الخمس»

ودُمغت هاتان الوثيقتان بعبارة «سريّ للغاية»، وعليهما علامات تشير إلى أنهما مخصصتان فقط لدول «العيون الخمس»: الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا. وكان موقع «أكسيوس» أول من نشر معلومات عن التسريب.

وليس من الواضح كيف صارت هذه الوثائق عامة، ولا ما إذا كانت قد تعرضت للاختراق أو سُرِّبت عمداً، غير أن الولايات المتحدة وضعت نفسها في حال تأهب قصوى للوقاية من حملات القرصنة الإيرانية، لا سيما بعدما أفادت وكالات الاستخبارات الأميركية في أغسطس (آب) الماضي بأن إيران اخترقت وثائق تخص الحملة الانتخابية للرئيس السابق دونالد ترمب.

وتصف وثيقة بعنوان «إسرائيل: القوات الجوية تواصل الاستعدادات لضربة على إيران» أعدتها وكالة الأمن القومي، التدريبات الأخيرة التي تشمل صواريخ جو - أرض، وتصف أنشطة منها التعامل مع الصواريخ الباليستية والصواريخ جو-سطح. ويُعتقد أنها تحاكي استعداداً لضربة ضد إيران.

أما الوثيقة الثانية الخاصة بالوكالة الوطنية للاستخبارات الجغرافية - المكانية، عنوان (إسرائيل: قوات الدفاع تواصل الاستعدادات الرئيسية للذخائر والنشاط السري للطائرات المسيرة التي ستستخدم بشكل شبه مؤكد لضرب إيران)، وتفصِّل كيف تقوم إسرائيل بتغيير أماكن صواريخها وأسلحتها إذا ردت إيران بضربات من جانبها.

خطورة التسريب

انقسم المسؤولون الأميركيون حول خطورة التسريب الذي لم يكشف عن أي قدرات أميركية جديدة، علماً أن الوثائق تُظهر صور الأقمار الاصطناعية. ويقول بعض المسؤولين إنه إذا لم يكشف عن مزيد من الوثائق، فإن الضرر سيكون محدوداً - إلى جانب الكشف مرة أخرى عن الدرجة التي تتجسس بها الولايات المتحدة على أحد أقرب حلفائها. يقول مسؤولون آخرون إن أي كشف عن خطط حرب يمثل مشكلة خطيرة. واعترف المسؤولون بشكل خاص بأن الوثائق أصلية.

وأفاد مسؤول أميركي بأن التحقيق يفحص من كان لديه حق الوصول إلى وثيقة «البنتاغون» المزعومة. وأي تسريب من هذا القبيل من شأنه أن يؤدي تلقائياً إلى تحقيق من قِبل مكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي آي» إلى «البنتاغون» ووكالات الاستخبارات الأميركية.

وأوردت صحيفة «نيويورك تايمز» أن «التسريب يأتي في لحظة حساسة جداً» في العلاقات الأميركية - الإسرائيلية، ومن المؤكد أنه «سيُغضب الإسرائيليين» الذين كانوا يستعدون لضرب إيران رداً على وابل الصواريخ الإيرانية في الأول من أكتوبر الماضي، كما تشير إحدى الوثائق إلى أمر رفضت إسرائيل دائماً تأكيده علناً: أن لديها أسلحة نووية. وتقول الوثيقة إن الولايات المتحدة لم تر أي مؤشرات على أن إسرائيل تخطط لاستخدام سلاح نووي ضد إيران.

ونقلت شبكة «سي إن إن» الأميركية للتلفزيون عن نائب مساعد وزير الدفاع السابق للشرق الأوسط الضابط المتقاعد لدى وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إيه» ميك مولروي أنه «إذا كان صحيحاً أن الخطط التكتيكية الإسرائيلية للرد على هجوم إيران (...) تسربت، فهذا خرق خطير». وأضاف أن «التنسيق المستقبلي بين الولايات المتحدة وإسرائيل قد يتعرض للطعن أيضاً»؛ لأن «الثقة هي عنصر أساسي في العلاقة، واعتماداً على كيفية تسريب هذه الثقة، يمكن أن تتآكل».

صورة من إحدى الوثيقتين الأميركيتين نشرتها قناة تابعة لإيران في «تلغرام»

بايدن ونتنياهو

ربما تعكس المعلومات الاستخبارية في التقرير جزءاً فقط من المعلومات التي جمعتها الولايات المتحدة؛ لن تكون الضربات الإلكترونية أو التخريب على الأرض في إيران مرئية بسهولة من أقمار التجسس الأميركية. وعندما سُئل عما إذا كان يعرف متى تخطط إسرائيل لضرب ايران وما نوع الأهداف التي اختارتها، أجاب الرئيس جو بايدن، الجمعة، في ختام زيارة إلى برلين: «نعم ونعم»، لكنه رفض الخوض في أي تفاصيل.

ويوحي كلامه بأنه تَوَصَّلَ مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى نوع من التفاهم حول نوع الأهداف التي ستضرب.

وفي السابق، دعا بايدن إسرائيل إلى تجنُّب المواقع النووية الإيرانية ومنشآتها للطاقة، وحذَّر مراراً من أن تدمير هذه الأهداف، جوهرة تاج إيران، سيؤدي إلى تصعيد كبير.

ولا يزال المسؤولون العسكريون والاستخباريون يعانون صدمة الكشف عن مجموعة كبيرة من المواد السرية حول مجموعة من الموضوعات التي ظهرت لأول مرة على منصة «ديسكورد» قبل عامين، وكُشفت في أبريل (نيسان) 2023. وأقر أحد أفراد الحرس الوطني الجوي، جاك تيشيرا، بالذنب في 6 تهم بانتهاك قانون التجسس بتسريب المواد، مقابل حكم بالسجن لمدة 16 عاماً تقريباً.


مقالات ذات صلة

أول عملية إعدام تُبث مباشرة في الولايات المتحدة... ماذا نعرف عن قضية نضال حسن؟

الولايات المتحدة​ نضال حسن، المتهم بقتل 13 شخصاً وإصابة 31 آخرين في حادث إطلاق نار عشوائي في قاعدة "فورت هود" في نوفمبر 2009، يظهر في صورة غير مؤرخة في 29 يونيو 2012 (رويترز)

أول عملية إعدام تُبث مباشرة في الولايات المتحدة... ماذا نعرف عن قضية نضال حسن؟

تخطط وزارة الدفاع الأميركية لبث عملية إعدام قاتل مدان مباشرة عبر الإنترنت، في خطوة أثارت انتقادات من مختلف الأطياف السياسية في البلاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ لافتة تشير إلى عدم العبور تابعة للشرطة الأميركية (أرشيفية - رويترز)

الشرطة: مقتل 5 بالرصاص في منزل بولاية جورجيا الأميركية

قالت إدارة شرطة دوجلاس بولاية جورجيا الأميركية اليوم (السبت)، إن 5 أشخاص قتلوا بالرصاص في منزل بالمدينة أمس (الجمعة).

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نيويورك (رويترز) p-circle

ترمب يشن هجوماً حاداً على لجنة نوبل: «فقدت مصداقيتها إلى الأبد»

أبدى دونالد ترمب استياءه لعدم حصوله على جائزة نوبل للسلام، معتبراً أن جائزة نوبل للسلام فقدت مصداقيتها إلى الأبد.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
الولايات المتحدة​ نضال حسن متهم بقتل 13 شخصاً في حادث إطلاق نار عشوائي في قاعدة أميركية عام 2009 (رويترز)

الأولى منذ الحرب العالمية الثانية... استياء متزايد من خطة لبث إعدام رمياً بالرصاص مباشرة في أميركا

تصاعدت الجمعة حالة الاستياء إزاء الخطط الأميركية الرامية إلى تنفيذ إعدام علني رمياً بالرصاص بحق نضال حسن المدان بالقتل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح نظيره الروسي فلاديمير بوتين (رويترز) p-circle

ترمب يهنئ بوتين بعيد ميلاده... والأخير يقلل من أهمية استئناف محادثات أوكرانيا

كشف «الكرملين» أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وزوجته ميلانيا قدما التهنئة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعيد ميلاده.

«الشرق الأوسط» (موسكو- واشنطن)

تركيا تمنع منصات التواصل الاجتماعي من تقديم خدمات للأطفال تحت سن 15 عاماً

عدد من تطبيقات مواقع التواصل على شاشة هاتف (رويترز)
عدد من تطبيقات مواقع التواصل على شاشة هاتف (رويترز)
TT

تركيا تمنع منصات التواصل الاجتماعي من تقديم خدمات للأطفال تحت سن 15 عاماً

عدد من تطبيقات مواقع التواصل على شاشة هاتف (رويترز)
عدد من تطبيقات مواقع التواصل على شاشة هاتف (رويترز)

منعت تركيا منصات التواصل الاجتماعي من تقديم خدمات للأطفال تحت سن 15 عاماً، طبقاً للائحة تم نشرها في الجريدة الرسمية.

وتفرض الإجراءات الجديدة على شركات وسائل التواصل الاجتماعي التحقق من أعمار المستخدمين عندما يتم إنشاء الحسابات باستخدام رمز التحقق من العمر، من خلال نظام حكومي إلكتروني في تركيا، حسب وكالة «بلومبرغ» للأنباء (السبت).

ويجب حظر طلبات المستخدمين الذين يتبيّن أنهم أقل من 15 عاماً، طبقاً للقواعد الجديدة.

وتأتي هذه اللائحة التي ستدخل حيّز التنفيذ في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني)، في أعقاب مشروع قانون تم تمريره في البرلمان التركي خلال أبريل (نيسان) الماضي.


واشنطن بين «إغراء الضربة» و«مكاسب التفاوض»

مقاتلة أميركية تستعد للإقلاع من حاملة طائرات في بحر العرب (سنتكوم)
مقاتلة أميركية تستعد للإقلاع من حاملة طائرات في بحر العرب (سنتكوم)
TT

واشنطن بين «إغراء الضربة» و«مكاسب التفاوض»

مقاتلة أميركية تستعد للإقلاع من حاملة طائرات في بحر العرب (سنتكوم)
مقاتلة أميركية تستعد للإقلاع من حاملة طائرات في بحر العرب (سنتكوم)

تتأرجح واشنطن بين إغراء توجيه ضربة عسكرية خاطفة لإيران ومكاسب التفاوض معها، في وقت لا تزال فيه فرص التسوية معلّقة على تنازلات إيرانية في الملف النووي، وفق طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعدما رفض خطة طهران لحصر التفاوض في قضية هرمز وفتح المضيق خلال 7 أيام.

وبينما يدرس الجيش الأميركي خيارات لشن حملة عسكرية مكثفة تستغرق 3 أيام، حسب مسؤولين أميركيين نقلت عنهم صحيفة «نيويورك تايمز»، يراهن تيار داخل الإدارة على الضغوط الاقتصادية ومنحها مزيداً من الوقت لإجبار طهران على تقديم تنازلات ملموسة.

وجاء تراجع ترمب عن شن هجوم وشيك ليطرح تساؤلات حول ما إذا كان قراره مرتبطاً بارتفاع أسعار النفط، أو بقناعة أن طهران تريد العودة الجادة إلى التفاوض.


واشنطن توازن بين التصعيد العسكري وفرص التفاوض مع طهران

مقاتلة أميركية تستعد للإقلاع من حاملة طائرات في بحر العرب (سنتكوم)
مقاتلة أميركية تستعد للإقلاع من حاملة طائرات في بحر العرب (سنتكوم)
TT

واشنطن توازن بين التصعيد العسكري وفرص التفاوض مع طهران

مقاتلة أميركية تستعد للإقلاع من حاملة طائرات في بحر العرب (سنتكوم)
مقاتلة أميركية تستعد للإقلاع من حاملة طائرات في بحر العرب (سنتكوم)

تتأرجح واشنطن بين إغراء توجيه ضربة عسكرية خاطفة لإيران ومكاسب التفاوض معها، في وقت لا تزال فيه فرص التسوية معلّقة على تنازلات إيرانية في الملف النووي، وسط خلافات بشأن شروط استئناف المحادثات وترتيب أولوياتها.

وبينما يدرس الجيش الأميركي خيارات لشن حملة عسكرية مكثفة تستغرق 3 أيام وتستهدف ترسانة الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، يراهن تيار داخل الإدارة الأميركية على أن الضغوط الاقتصادية تحتاج إلى مزيد من الوقت لإجبار طهران على تقديم تنازلات ملموسة.

وجاء تراجع الرئيس دونالد ترمب عن شن هجوم وشيك ليطرح تساؤلات بشأن ما إذا كان مرتبطاً بارتفاع أسعار النفط أو بمؤشرات على استعداد إيران للعودة إلى التفاوض.

وفي المقابل، يشترط الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان استبعاد الضغوط والتهديدات، فيما ينتظر الوسطاء القطريون رد طهران على مقترح أميركي يتضمن مطالب تتعلق ببرنامجها النووي، لتبقى احتمالات التسوية مفتوحة على مسارين متنافسين: التفاوض تحت ضغط التصعيد، أو العودة إلى المواجهة العسكرية.

مسارات متعثرة ومخاطر التصعيد

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

تجري هذه التطورات في وقت تواجه فيه الدبلوماسية صعوبات على أكثر من جبهة؛ فالمحادثات الأميركية - الإيرانية لا تزال عالقة بسبب الخلافات حول شروط التسوية والملف النووي. أما داخل الشرق الأوسط، فتبدو الخيارات الأميركية محكومة بتوازن دقيق بين الرغبة في إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، والخشية من الانجرار إلى مواجهة أوسع قد تستنزف الدفاعات الأميركية وتعرض الملاحة والمنشآت الإقليمية لمزيد من المخاطر.

وبينما تراهن طهران على رفع كلفة أي هجوم جديد، تسعى واشنطن إلى استخدام الضغط العسكري والاقتصادي لانتزاع تنازلات. لكن استمرار التصعيد البحري، إلى جانب اتساع الحشد العسكري وتباعد المواقف بشأن شروط التفاوض، يبقي احتمالات التوصل إلى تسوية سريعة محدودة، ويجعل المرحلة المقبلة اختباراً لقدرة الطرفين على احتواء المواجهة قبل انزلاقها إلى حرب أوسع.

وتزايدت مؤخراً مؤشرات التصعيد في المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، على الرغم من استمرار الاتصالات الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب. ففي حين يدرس الجيش الأميركي خيارات لشن حملة عسكرية مكثفة تستغرق 3 أيام وتستهدف القدرات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية، صعّد «الحرس الثوري» تحركاته البحرية في مضيق هرمز، بينما شدّد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على أن أي اتفاق لن يكون ممكناً في ظل ما وصفه بالضغوط والتهديدات الأميركية.

وتأتي هذه التطورات وسط حشد عسكري أميركي متزايد في الشرق الأوسط، بينما تتباين التقديرات داخل الإدارة الأميركية بشأن جدوى استئناف العمليات العسكرية ومخاطرها.

خطط أميركية لحملة عسكرية مكثفة

حاملة الطائرات الأميركية «جورج واشنطن» خلال مشاركتها في فرض حصار بحري على إيران (رويترز)

وأعدّ الجيش الأميركي خيارات لاستئناف عمليات قتالية واسعة ضد إيران، تتضمن حملة مكثفة قد تستمر نحو ثلاثة أيام، وفق مسؤولين أميركيين نقلت عنهم صحيفة «نيويورك تايمز».

وتركز الخطط، التي أُعدّت بتوجيه من الرئيس دونالد ترمب، على استهداف ترسانة الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، التي أعاد «الحرس الثوري» بناء جزء كبير منها منذ المرحلة الأولى من الحرب. وقد تشمل الأهداف أيضاً منشآت للطاقة ومقار للقيادة العسكرية الإيرانية.

وناقش مسؤولون كبار، بقيادة نائب الرئيس جي دي فانس، الخيارات العسكرية خلال اجتماع في كامب ديفيد. وسبق أن رفض ترمب خمسة مقترحات لشن عمليات واسعة ضد إيران أو الحوثيين المدعومين منها في اليمن، في مؤشر على استمرار التردد داخل الإدارة بشأن الانتقال إلى مواجهة عسكرية أوسع.

ورغم الاستعدادات، لم يُحسم قرار استئناف الهجمات. فبينما يرى بعض المسؤولين أن الضغوط الاقتصادية تحتاج إلى مزيد من الوقت لدفع طهران إلى تقديم تنازلات، يدعو آخرون إلى حملة عسكرية محدودة تزيد الضغط عليها وتضعف قدرتها على التأثير في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.

وكان ترمب قد قال، الخميس، إن الولايات المتحدة لن تشن هجوماً جديداً على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني)، مشيراً إلى أن الجانبين يجريان «مناقشات مثمرة».

3 حاملات طائرات أميركية

حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس ثيودور روزفلت» خلال تدريبات في 19 يونيو 2026 (البحرية الأميركية)

بالتوازي مع دراسة الخيارات الهجومية، تستعد الولايات المتحدة لتعزيز وجودها العسكري في المنطقة. ومن المتوقع أن تنضم حاملة الطائرات «ثيودور روزفلت» إلى حاملتين أخريين، في تجمّع بحري سيكون الأول من نوعه لثلاث حاملات طائرات أميركية في الشرق الأوسط منذ عام 2003.

وبحسب التقديرات الواردة في التقارير الأميركية، قد يتجاوز الحشد البحري بحلول نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 20 ألف بحار وعنصر من مشاة البحرية، إلى جانب مئات الطائرات، في إطار إعادة ترتيب القوات مع عودة حاملة الطائرات «جورج واشنطن» إلى قاعدتها في اليابان.

لكن توسيع الانتشار العسكري لا يخلو من تحديات؛ إذ يخشى مسؤولون أميركيون أن تكون إيران قد حسّنت تكتيكاتها الهجومية وقدرتها على استهداف القواعد والمنشآت الأميركية في المنطقة، بما قد يفرض استخدام كميات أكبر من الصواريخ الاعتراضية لحماية القوات والأصول العسكرية.

وأفادت معلومات استخباراتية، وفق أشخاص مطلعين عليها، بأن صوراً التقطتها أقمار اصطناعية تابعة لشركات صينية ساعدت إيران على تحسين استهداف القواعد الأميركية. وقد يزيد ذلك المخاوف من استنزاف مخزونات الأسلحة الدفاعية الأميركية في حال تجدد المواجهة على نطاق واسع.

مهاجمة ناقلة غاز عملاقة

أرشيفية لقارب حربي إيراني لـ«الحرس الثوري» خلال مناورة عسكرية في مضيق هرمز (إ.ب.أ)

على الجبهة البحرية، أعلن «الحرس الثوري» الإيراني، الجمعة، مهاجمة ناقلة الغاز العملاقة «إن في سانشاين» في بيان نقلته وسائل إعلام رسمية إيرانية، وأن قواته البحرية نفذت الهجوم في إطار ما وصفه بممارسة السيادة الإيرانية على المضيق، استناداً إلى أوامر القيادة العسكرية العليا.

وأضاف أن أي سفن ترتكب مخالفات خارج مضيق هرمز ستواجه العقاب أيضاً، في تهديد يوسّع نطاق التحذيرات الإيرانية من التعامل مع حركة الملاحة البحرية.

وتشير تقارير إلى أن إيران هاجمت ما لا يقل عن 13 سفينة منذ سبتمبر (أيلول)، وفق مجموعة مراقبة تابعة للبحرية البريطانية، بينما تقترب تقديرات استخباراتية أخرى من 20 سفينة. ولم تؤدِّ هذه الهجمات، بحسب التقارير، إلى رد عسكري أميركي واسع حتى الآن.

ويضع التصعيد البحري واشنطن أمام معادلة صعبة: فاستمرار الهجمات يهدد الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية للطاقة والتجارة العالمية، بينما قد يؤدي الرد العسكري إلى توسيع نطاق الحرب ورفع كلفتها على القوات الأميركية وشركائها الإقليميين.

بزشكيان: لا مفاوضات تحت التهديد

في المقابل، تمسكت طهران بشروطها السياسية للتوصل إلى تسوية. وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الجمعة، إن نجاح المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة يتوقف على غياب «الضغط والتهديدات»، مؤكداً أن الحوار لا يكتسب معنى ولا تتوافر له فرص النجاح إلا إذا استند إلى الاحترام والالتزامات المتبادلة.

وجاءت تصريحات بزشكيان خلال قمة رابطة الدول المستقلة في منتجع أفازا بتركمانستان، حيث التقى نظيره الروسي فلاديمير بوتين على هامش الاجتماعات.

ونقلت وسائل إعلام رسمية إيرانية عن الرئيس الإيراني قوله إن بلاده منخرطة في الحوار، لكن الولايات المتحدة «تعاود الهجوم في كل مرة نتفاوض معها». كما أكد أن طهران تريد التوصل إلى إطار نهائي لإنهاء الحرب، متهماً واشنطن بمحاولة فرض سياساتها ورؤيتها على الدول الأخرى.

وأضاف أن التوصل إلى حل سيكون مستحيلاً إذا أصرت الولايات المتحدة على اتباع نهج أحادي الجانب.

وتتمحور إحدى أبرز نقاط الخلاف حول ترتيب مناقشة الملف النووي. ففي حين تريد واشنطن بحثه أولاً، تصر طهران على تأجيله إلى المرحلة الأخيرة من المفاوضات، وهو خلاف يعقّد الجهود الرامية إلى تثبيت مسار تفاوضي قابل للاستمرار.

موسكو تعرض الوساطة

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان يوم 8 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

وفي مسعى لإبراز دورها الدبلوماسي، جدّد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استعداد بلاده للمساعدة في تسوية الحرب في الشرق الأوسط، قائلاً إن موسكو مستعدة لبذل كل ما في وسعها للمساهمة في إنهاء النزاع.

واعتبر بوتين أن إيران بذلت «جهوداً حقيقية» لإنهاء الحرب التي اندلعت مع الضربات الأميركية والإسرائيلية عليها في 28 فبراير (شباط)، كما أشاد بما وصفه بالتطور الإيجابي في العلاقات الروسية - الإيرانية.

وعزز البلدان علاقاتهما الدبلوماسية والعسكرية منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022. وفي المقابل، تتهم كييف ودول غربية طهران بتزويد موسكو بطائرات «شاهد» المسيّرة وصواريخ قصيرة المدى استخدمت في الحرب الأوكرانية، فيما وُجهت إلى روسيا اتهامات بتزويد إيران ببيانات لتحديد الأهداف بغرض استهداف المصالح الأميركية في الشرق الأوسط.

وجاء اللقاء بين بوتين وبزشكيان بعد اتصال هاتفي بينهما، الأربعاء، قالت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية إنه تناول استعداد موسكو للتوسط من أجل إنهاء الحرب. وكان الرئيسان قد التقيا في سبتمبر على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون في قرغيزستان، بعدما اجتمعا في تركمانستان في ديسمبر (كانون الأول) 2025.

ويعكس التحرك الروسي محاولة لتعزيز حضور موسكو في مسار التسوية، في وقت تتعثر فيه الاتصالات بين واشنطن وطهران، وتبقى فيه فرص التوصل إلى اتفاق رهناً بتجاوز الخلافات بشأن شروط التفاوض وترتيب الملفات المطروحة.