هل مات الاتفاق النووي لعام 2015؟

عراقجي شكّك في استمرار المسار الحالي

عراقجي في مقابلة مع التلفزيون الرسمي مساء الجمعة
عراقجي في مقابلة مع التلفزيون الرسمي مساء الجمعة
TT

هل مات الاتفاق النووي لعام 2015؟

عراقجي في مقابلة مع التلفزيون الرسمي مساء الجمعة
عراقجي في مقابلة مع التلفزيون الرسمي مساء الجمعة

أثار وزير الخارجية الإيراني الجديد، عباس عراقجي، مزيداً من الشكوك حول إمكانية إحياء الاتفاق النووي بصيغته لعام 2015، على الرغم من أنه تعهّد بالمضي قُدماً في استراتيجية «إجهاض العقوبات» بموازاة محاولات رفع العقوبات عبر المفاوضات.

وبعد 48 ساعة من تولّيه مهامه رسمياً، سلّط عراقجي -في تصريحات متلفزة- الضوء على تعقيدات المسار الدبلوماسي الهادف لرفع العقوبات عن إيران، مقابل عودتها إلى الالتزامات النووية.

وقال عراقجي للتلفزيون الرسمي مساء الجمعة: «الآن، إحياء المفاوضات ليس سهلاً كما كان في الماضي، ويجب على الجميع أن يدرك ذلك، الظروف الدولية تغيّرت، وقد حدثت الحرب في أوكرانيا التي أثّرت بعمق في النظرة الأمنية للأوروبيين، وما يُعرف بالترتيبات الأمنية الدولية، كما أن الحرب في غزة، والهجوم الذي شنّه النظام الصهيوني، والقتل الذي وقع هناك، كل ذلك قد غيّر الظروف الإقليمية بشكل كامل».

ووضعت حكومة الرئيس مسعود بزشكيان رفع العقوبات، وتخفيف التوتر مع القوى الأوروبية، بما في ذلك احتمال إحياء الاتفاق النووي، ضمن أولوياتها في السياسة الخارجية، وقد تُمثّل أولوية قصوى، مع تزايد احتمالات عودة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب إلى البيت الأبيض.

لكن عراقجي قدّم صورة قاتمة عن احتمالات إحياء الاتفاق النووي، خصوصاً في ظل الحرب الأوكرانية، وما شهدته المنطقة من تطورات بعد اندلاع حرب غزة في 7 أكتوبر الماضي، وكذلك الانتخابات الأميركية المقرّرة في الأسبوع الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

وأضاف: «الصورة الحالية تختلف عن الصورة السابقة، حتى في الاتفاق النووي نفسه، فإن بعض التواريخ التي كانت موجودة قد انقضت، وبالتالي فإن الاتفاق النووي بالشكل الحالي لا يمكن إحياؤه، وبمعنى آخر، يجب إعادة فتح هذه الوثيقة وتعديل بعض أجزائها، وهذا ليس بالأمر السهل، فكما تعلمون عندما يتم فتح وثيقة فإن جمعها مرة أخرى يكون عملاً شاقاً».

وتابع: «يجب أن تبدأ مفاوضات جديدة، ومع ذلك، كما ذكرت، الظروف في أوروبا صعبة، وفي الولايات المتحدة هم مشغولون بالانتخابات؛ لذا لن تكون المهمة سهلة».

وجاءت تصريحات عراقجي بعد ساعات من محادثات هاتفية مع نظرائه في فرنسا وألمانيا وبريطانيا، وكذلك مع مسؤول السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل الذي ينسّق ويُشرف على المفاوضات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، الذي أرسل نائبه الخاص المعنيّ بالمفاوضات إنريكي مورا، قبل أسابيع، لحضور مراسم تنصيب الرئيس الإيراني.

وشارك عراقجي عن كثب في مفاوضات الاتفاق النووي بين عامَي 2003 - 2005، قبل أن يُشرف على 6 جولات من المفاوضات في فيينا، التي جرت خلال الشهور الـ6 الأخيرة من عهد حسن روحاني، وبدأت تلك الجولات في أبريل (نيسان) 2021، مع بداية الشهر الثالث من دخول جو بايدن إلى المكتب البيضاوي، وتزامنت أيضاً مع انفجار قوي هزّ صالة لأجهزة الطرد المركزي من الجيل الأول، في منشأة نطنز بأصفهان، وردّت عليه إيران بتشغيل أجهزة الطرد المركزي من الجيل السادس، ورفع تخصيب اليورانيوم إلى 60 في المائة.

وتعثَّرت المفاوضات بعد أسابيع من عودة إدارة إبراهيم رئيسي إلى طاولة الحوار في فيينا، وبعد اندلاع الحرب في أوكرانيا أخفقت عدة محاولات لإنعاش المسار الدبلوماسي الهادف لإحياء الاتفاق النووي، على الرغم من خوض إيران مفاوضات غير مباشرة مع الولايات المتحدة عبر قنوات وسيطة.

وخلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، حمّل وزير خارجية إيران الأسبق، محمد جواد ظريف، قانون «الخطوة الاستراتيجية» الذي أقرّه البرلمان الإيراني في ديسمبر (كانون الأول) 2020، المسؤولية عن عرقلة جهود بايدن للعودة إلى الاتفاق النووي، لكن بعد الانتخابات أعرب كل من ظريف وعراقجي التزامهما القانون الذي يحظى بتأييد المرشد علي خامنئي.

عراقجي يدلي بتصريحات للصحافيين وخلفه يقف علي باقري كني القائم بأعمال «الخارجية» السابق (إيسنا)

خطة بديلة

ورأت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري»، الأحد، أن أقوال عراقجي تشير إلى وصول الاتفاق النووي إلى خط النهاية، وتساءلت عن خطته البديلة لرفع العقوبات. وقالت: «عراقجي تحدّث عن ضرورة تشكيل مفاوضات جديدة تتطلّب بطبيعة الحال اتفاقاً جديداً». لكنها تساءلت عن «الامتيازات الجديدة التي ستمنحها إيران والامتيازات التي ستحصل عليها؟»، وقالت: «هل ستحصل إيران على منافع مقابل الامتيازات التي قدَّمَتها في الاتفاق النووي ولم تحصل منها على شيء؟ مع عدم التزام الولايات المتحدة وأوروبا بتعهداتهما لجميع الحكومات السابقة، ما البرنامج الذي لديكم لضمان ألّا يواجه الاتفاق الجديد مصير اتفاق 2015؟ والأهم من ذلك، ماذا ستفعلون بجثة الاتفاق؟».

وأشارت الوكالة إلى رفض القوى الغربية التخلّي عن العقوبات الخاصة بالأسلحة الإيرانية التي كانت مُجَدوَلة في 18 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، حسب خطة الاتفاق النووي. وبرَّرت القوى الأوروبية والولايات المتحدة الإبقاء على العقوبات بعدم التزام إيران بالاتفاق النووي، وكذلك دورها في إرسال مسيّرات إلى روسيا في الحرب الأوكرانية.

ومع ذلك، تساءلت وكالة «فارس» عن الضمانات التي «تضمن عدم تكرار أمور مثل موضوع رفع العقوبات؟».

من جانبه، كتب المحرر السياسي في موقع «عصر إيران» المؤيِّد لحكومة مسعود بزشكيان، أن «تصريحات عراقجي تُظهر أن بداية مفاوضات جديدة على أساس خطة جديدة للتوصل إلى اتفاق جديد بهدف حل القضية النووية ورفع العقوبات المتعلقة، تشكّل أولوية اليوم قبل الغد»، ورأى أن «الاطلاع على الوضع الحقيقي للاتفاق النووي ومستقبله إنجاز بحد ذاته».

ماذا قال عراقجي تحديداً؟

قال عراقجي للتفلزيون الرسمي إن مفاوضات عام 2021 «كانت تتعلق بكيفية العودة إلى الاتفاق النووي، ولم تكن هناك مفاوضات حول (مضمون) الاتفاق النووي نفسه». وأضاف: «الآن الظروف قد تغيَّرت بعض الشيء، ويجب علينا أن ندخل إلى الساحة بنظرة مختلفة، قد تكون الأشكال السابقة للمفاوضات والاتفاق النووي مرجعاً لنا، لكن لا يمكن تنفيذها بالشكل نفسه؛ يجب أن تبدأ مفاوضات جديدة، ولن تكون المهمة سهلة، ولكننا سنبذل كل جهدنا».

ونوّه عراقجي إلى أنه ينظر إلى المفاوضات «بوصفها مهمةً وواجباً للحَدّ من تكاليف العقوبات على الشعب، والعمل على رفع العقوبات». وأضاف: «سنضع هذا الموضوع في جدول أعمالنا، سنستفيد من كل الإمكانات العملية والسياسية والقانونية في هذا المجال، ونتمنّى أن نتمكّن من اتخاذ خطوة إيجابية في هذا الاتجاه».

وزاد أيضاً: «نتبع استراتيجيتين، هما: إجهاض العقوبات، ورفعها، لكن مناقشة إجهاض العقوبات لها الأولوية الأكبر». وقال: «مهمة أخرى لنا بجانب إجهاض العقوبات هي العمل على رفع العقوبات، وهذه المهمة خاصة بوزارة الخارجية». وصرّح: «نحن تابَعنا موضوع رفع العقوبات بشكل مشرّف حتى الآن، وسنحاول إعادة التفاوض بشكل مشرّف، والتقدم إلى الأمام».

واختتم عراقجي قوله: «إذا تمكّنّا من رفع العقوبات فلن نتأخر حتى ساعة واحدة، جهودنا في هذا المجال ستكون مستمرة، وسنبدأ هذا الموضوع عبر التفاوض، أو بأي وسيلة أخرى، ولن نتعجل أو نتأخر بدون داعٍ، ولن نجعل المفاوضات عملية مرهقة».

في وقت لاحق، قال عراقجي للصحافيين إن تصريحاته المتلفزة لا تعني موت الاتفاق النووي. وقال: «سنواصل التفاوض... لن نتعجّل أو نتأخّر دون داعٍ في هذا المجال، سنتشاور مع الأطراف المختلفة؛ لكي نتمكّن من تحقيق مصالح الشعب الإيراني».

«حبر على ورق»

وتؤكّد تصريحات عراقجي ما قاله مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافاييل غروسي، بشأن ضرورة العودة إلى الدبلوماسية لحل الأزمة المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني.

وقال غروسي حينها لصحيفة «إزفستيا» الروسية: «خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي)» لم تَعُد تعني شيئاً في الوقت الحالي. وقال: «إنها حبر على الورق فقط، لا أحد يطبّقها أو يلتزم بها».

واحتجّ حينها رئيس المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية، محمد إسلامي، على دعوة غروسي للتوصل إلى اتفاق جديد، وطالب الوكالة الدولية بحصر مطالبها من إيران في إطار معاهدة حظر الانتشار النووي واتفاق الضمانات.

إسلامي يتحدث إلى غروسي على هامش مؤتمر في أصفهان مايو الماضي (أ.ب)

أظهرت تقدير الوكالة الدولية حتى 11 مايو (أيار) أن مخزون إيران من اليورانيوم المخصّب إلى درجة نقاء تصل إلى 60 في المائة، أي ما يقرب من درجة النقاء الصالحة لصنع الأسلحة، وهي 90 في المائة، ارتفع إلى 142.1 كيلوغرام، بواقع زيادة 20.6 كيلوغرام خلال الشهور الثلاثة، قبل أن تخفّف نسبة نقاء 5.9 كيلوغرام.

وبلغت المخزونات الإيرانية من اليورانيوم 6201.3 كيلوغرام في 11 مايو مقارنةً بـ5525.5 كيلوغرام في فبراير (شباط)، أي أكثر بـ30 ضعفاً من الحد المسموح به بموجب الاتفاق الدولي المبرَم عام 2015.

ويتوقع أن يجدّد غروسي محاولته لزيارة طهران، وإجراء مباحثات مع بزشكيان في النصف الأول من الشهر المقبل، قبل أن ينعقد الاجتماع الفصلي لمجلس محافظي الوكالة الدولية بين يومَي 16 و20 سبتمبر (أيلول) في فيينا.

ويسبق الحدث أول حضور للرئيس الإيراني في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك، ما يجعل الملف النووي الإيراني مرة أخرى محور المباحثات بين إيران والغرب، سواءً لمواصلة المسار الدبلوماسي، أو إعلان موت الاتفاق رسمياً، وبدء مفاوضات لاتفاق جديد.


مقالات ذات صلة

برلين: فرنسا وبريطانيا وألمانيا مستعدة للتفاوض مع إيران

شؤون إقليمية وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول (د.ب.أ) p-circle

برلين: فرنسا وبريطانيا وألمانيا مستعدة للتفاوض مع إيران

قال وزير خارجية ألمانيا إن برلين وباريس ولندن مستعدة للتفاوض مع إيران لمنعها من امتلاك سلاح نووي. ودعا إلى دعم السعودية واليمن في الدفاع عن نفسيهما.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في حديقة البيت الأبيض قبل التوجه إلى فلوريدا (رويترز)

ترمب يدرس ضربات على إيران لعدة أيام بعد الانتخابات

​قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب ‌إن ‌الولايات ​المتحدة ‌تستطيع إنهاء ​الحرب مع إيران بسرعة، لكنه تساءل عما إذا ‌كان ينبغي ‌لواشنطن ​السعي ‌إلى إنهائها ‌سريعاً.

«الشرق الأوسط» (لندن ـ واشنطن)
شؤون إقليمية مقاتلة أميركية من طراز «إف/إيه-18 سوبر هورنت» تستعد للإقلاع من حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» في مياه الشرق الأوسط (البحرية الأميركية)

ترمب يتهم إيران باختلاق هجمات بحرية قبل الانتخابات الأميركية

اتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب إيران بأنها تبذل «كل ما في وسعها» لرفع أسعار النفط قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

«الشرق الأوسط» (لندن-واشنطن-طهران)
تحليل إخباري أحد سكان كييف يلمس مسيّرة روسية إيرانية من طراز «شاهد 136» معروضة أمام كاتدرائية القديس ميخائيل في العاصمة الأوكرانية (رويترز)

تحليل إخباري زيارة لافروف إلى إيران... شراكة الضرورة ترسم ملامح الدور الروسي

أكثر ما لفت الأنظار بعد الزيارة المهمة التي قام بها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى طهران قبل أيام، هو عودة حديث الكرملين عن استعداد للعب دور وساطة.

رائد جبر (موسكو)
تحليل إخباري مقاتلة أميركية من طراز «إف - 15 إي سترايك إيغل» تتزود بالوقود من طائرة «كيه سي - 135» خلال دورية جوية في سماء الشرق الأوسط (سنتكوم) p-circle

تحليل إخباري حرب إيران المؤجلة... من يملك قرار إشعالها؟

بين استعدادات عسكرية إسرائيلية لضرب إيران وتحفظ أميركي مرتبط بالانتخابات النصفيةـ تتزايد التساؤلات عمّا اذا كانت المنطقة امام هدنة تفرضها الحسابات الانتخابية.

إيلي يوسف ( واشنطن)

واشنطن تستعد لحرب طويلة الأمد مع إيران

سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)
TT

واشنطن تستعد لحرب طويلة الأمد مع إيران

سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم بسلطنة عُمان 23 أكتوبر الحالي (رويترز)

تستعدّ واشنطن لسيناريو صراع طويل الأمد مع طهران، في وقت تتزايد فيه التقارير عن احتمال شنّ ضربات جديدة ضد إيران، قبل الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي أو بعدها، رغم تأكيد الرئيس دونالد ترمب إمكان انتهاء الحرب قريباً.

وأكد السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، أن بلاده تستعد لاحتمال استمرار الصراع مع إيران فترة طويلة، رغم آمال واشنطن في أن تؤدي الضربات والعقوبات الاقتصادية إلى انتزاع تنازلات من طهران بشأن البرنامج النووي وإعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز.

من جانبه، قال ترمب إن واشنطن قادرة على السيطرة على إيران والاستيلاء على نفطها.ولم يستبعد السفير الأميركي لدى تركيا توم براك احتمال شنّ ضربة أميركية ضد إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع، مشيراً إلى أن ترمب أتاح لطهران فرصاً متكررة للتوصل إلى اتفاق.


تحرك إقليمي ودولي لاحتواء أزمات المنطقة

جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)
جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)
TT

تحرك إقليمي ودولي لاحتواء أزمات المنطقة

جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)
جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)

بحث 8 وزراء خارجية من الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا، خلال اجتماع في إسطنبول، الجمعة، محادثات غير مسبوقة حول حرية الملاحة في مضيق هرمز وملفات إقليمية ودولية.

ضم الاجتماع الذي نسقته تركيا -والذي عقد للمرة الأولى، بوصفه لقاءً تنسيقياً لبحث التعاون في حل الأزمات- وزراء خارجية مجموعة «آر 4» التي تشكّلت في مارس (آذار) الماضي، وهم وزير خارجية السعودية، الأمير فيصل بن فرحان، ونظراؤه المصري بدر عبد العاطي، والباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان، الذي استضاف الاجتماع الذي عُقد في قصر تشيران سراي، المطل على البسفور في إسطنبول، ومجوعة «إي 3» التي مثلها وزراء الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، والبريطاني إد ميليباند، والفرنسي جان نويل بارو، وانضم إلى الاجتماع وزير الخارجية الإيطالي أنتونيو تاياني.

قضايا متعددة وحلول إقليمية

وناقش الوزراء القضية الفلسطينية، والتطورات في اليمن، وهجمات الحوثيين على السعودية، وأزمة مضيق هرمز، وسبل إنهاء حرب روسيا وأوكرانيا.

وأكد فيدان، في بداية الاجتماع، أهمية الحلول القائمة على مبدأ «الملكية الإقليمية»، مشدداً على أنه لا يمكن فرض الحلول القادمة من الخارج، لافتاً إلى أن «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» الموقعة بين السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس (آب) الماضي، تعطي مثالاً على تطبيق هذا المبدأ عملياً.

اجتماع لوزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان قبل انطلاق الاجتماع (الخارجية التركية)

وأوضح أن الاتفاقية تهدف إلى حماية الأمن والسلام والازدهار الإقليمي، مستندة إلى الشعور بالملكية الإقليمية، مؤكداً دعم تركيا لأمن السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين، وضرورة حماية حرية الملاحة عبر مضيقي هرمز وباب المندب.

ولفت إلى أن إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة واستمرار الحوار حول القضايا والأزمات أمر ضروري، حتى إذا كان التقدم بطيئاً وهشاً، موضحاً أن هذا النهج تجسّد في عدد من التحركات التركية، بينها المحادثات بين روسيا وأوكرانيا لإنهاء الحرب.

كان فيدان قد أكد، خلال كلمته في افتتاح «مؤتمر إسطنبول التاسع للوساطة»، الذي عُقد في إسطنبول الجمعة، تزايد حالة انعدام الثقة على المستوى العالمي، مشيراً إلى أن شعوب عدد من المناطق باتت تواجه صراعات مسلحة، رغم أن السلام ظل مقبولاً لسنوات طويلة.

فيدان متحدثاً في افتتاح مؤتمر «إسطنبول التاسع للوساطة» (الخارجية التركية)

وأضاف فيدان أن السنوات القليلة الماضية شهدت استمرار صراعات متعددة في مناطق مختلفة من العالم، ما أثّر في طرق تجارية برية وبحرية بالغة الأهمية، فيما أصبحت خروقات وقف إطلاق النار أمراً روتينياً.

ولفت إلى أن خروقات إسرائيل اليومية لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة تقوض الثقة بالنظام الدولي، مؤكداً أن إيصال المساعدات الإنسانية وحماية الأطفال يجب أن يكونا أولوية.

هجمات الحوثيين ومضيق هرمز

وقبل قليل من انطلاق «الاجتماع الثُّماني» في إسطنبول، قال مكتب وزير الخارجية البريطاني، إد ميليباند، إن المحادثات، خلال الاجتماع، ستتمحور، بشكل أساسي، حول «مضيق هرمز والوضع في السعودية، وأنه سيدعو إلى حل دبلوماسي لأزمة مضيق هرمز، يُعيد الحقوق والحريات الملاحية الكاملة، وسيوضح كيف يجري تكرار التكتيكات الإيرانية في أنحاء المنطقة؛ حيث تؤدي الهجمات على السعودية إلى زيادة زعزعة استقرار المنطقة، وتصعيد الضغوط على الممرات المائية الحيوية والمضايق الاستراتيجية العالمية، مثل باب المندب وقناة السويس.

لقاء بين فيدان وميليباند قبل انطلاق الاجتماع الثُماني في إسطنبول (الخارجية التركية)

وأشارت «الخارجية الفرنسية» إلى أن المحادثات، التي تُعقد بهذه الصيغة، للمرة الأولى على خلفية حالة من عدم الاستقرار الشديد وعدم اليقين في المنطقة، ستغطي «الأزمة الإيرانية بمختلف تداعياتها».

وأضافت أن «الاجتماع يهدف إلى تعزيز التنسيق بين الأوروبيين ودول الشرق الأوسط في مواجهة أزمات لم نخترها، لكنها تؤثّر علينا جميعاً».

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره المصري بدر عبد العاطي في إسطنبول (رويترز)

وقبل الاجتماع، قال وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، إنه من المهم أن يتم استجلاء جميع الفرص للتوصل إلى حل دبلوماسي لإنهاء الصراع اليمني، قبيل تصويت البرلمان المصري الأسبوع المقبل على تفويض ​القوات المسلحة المصرية لدعم السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين المتحالفين مع إيران.

حرية الملاحة البحرية

وحذّر وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، من تداعيات الهجمات على الممرات البحرية، سواء في مضيق هرمز أو هجمات الحوثيين أو الهجمات الروسية على شحنات الحبوب.

وقال إنه «لا يمكننا مواجهة هذه التحديات الجسيمة إلا إذا عملنا معاً، متجاوزين الأطر القائمة، سواء تعلّق الأمر بالنزاع حول مضيق هرمز، أو هجمات الحوثيين على السعودية وحرية الملاحة البحرية، أو تداعيات الهجمات الروسية المتصاعدة باستمرار على شحنات الحبوب في البحر الأسود».

ولفت إلى أن الدول المشاركة في الاجتماع يجمعها إدراك أن هذه النزاعات المستعصية لها تداعيات كبيرة على الأوضاع الاقتصادية والأمنية، فضلاً عن رغبتها في البحث عن حلول.

فاديفول ووزيرا الخارجية الفرنسي والبريطاني على هامش اجتماع إسطنبول (رويترز)

وأضاف فاديفول: «لن نقبل أن تبتز إيران وميليشيات الحوثيين التجارة العالمية، وأن تواصل إبقاء إمدادات العالم من الطاقة والأسمدة تحت قبضتها الخانقة. يجب أن تتوقف الهجمات العشوائية على حرية الملاحة البحرية والدول المجاورة»، لافتاً إلى أن النزاع يؤدي، من بين أمور أخرى، إلى الجوع.

وذكر أن الوضع في البحر الأسود يُسهم أيضاً في تفاقم الأزمة، متهماً روسيا بأنها تُحاول من خلال مهاجمة شحنات الحبوب المجازفة بحدوث نقص في الغذاء في دول الجنوب العالمي، وهذا يُلحق الضرر بأشد فئات العالم فقراً، التي يعتمد توفير احتياجاتها بدرجة كبيرة على القمح، وكذلك بشركائنا، مثل تركيا التي تُعدّ أكبر دولة في العالم من حيث معالجة القمح المخصص للتجارة العالمية. وقال إن اجتماع إسطنبول، الأول من نوعه بهذا التنسيق، يهدف إلى محاولة تحريك مسار هذين النزاعين.


تركيا تقول إن إعادة توحيد شرق ليبيا وغربها «باتت وشيكة»

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (أ.ف.ب)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (أ.ف.ب)
TT

تركيا تقول إن إعادة توحيد شرق ليبيا وغربها «باتت وشيكة»

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (أ.ف.ب)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (أ.ف.ب)

رأى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الجمعة، أن الوقت حان لإعادة توحيد الإدارتَين المتنافستَين في شرق ليبيا وغربها، ملمّحاً إلى إمكان صدور إعلان في هذا الشأن في وقت قريب.

ودعمت تركيا على امتداد سنوات النزاع الحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس، إلا أن علاقاتها شهدت في السنوات الأخيرة تحسّناً ملحوظاً مع سلطات الشرق الليبي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال فيدان للصحافيين: «لقد بلغنا مرحلة أصبحت فيها الظروف مهيأة لترسيخ إعادة توحيد الشرق والغرب بشكل دائم». وأضاف: «لكل طرف هياكل عسكرية، وهذه الهياكل ينبغي أن تُدمج في إطار جيش وطني».

ترسيم الحدود البحرية

وجاءت تصريحات فيدان إثر استضافته اجتماعاً في إسطنبول ضمّ نظراءه من دول أوروبية وإقليمية، بينها مصر.

وتابع: «لعل إحدى أهم ركائز الوحدة الوطنية تتمثّل في كيفية جمع الوحدات العسكرية الخاضعة حالياً لسيطرة الجانبين تحت مظلّة واحدة».

وأضاف الوزير التركي: «بإذن الله، ستسمعون قريباً أخباراً جيدة جداً من تركيا تخصّ هذا الملف».

كان مجلس النواب في شرق ليبيا قد صادق، الثلاثاء، على مذكرة تفاهم لترسيم الحدود البحرية مع تركيا، بعدما رفضها لدى توقيعها للمرة الأولى في عام 2019.

لكن الاتفاق أثار حفيظة الاتحاد الأوروبي، لا سيما إيطاليا واليونان، بينما اعترضت عليه مصر بوصفه يمس حقوقها في البحر المتوسط.

ولفت فيدان إلى أن «تركيا تتّخذ موقفاً بنّاءً للغاية في هذا الملف»، مضيفاً: «يمكن لتركيا وإيطاليا ومصر أن تجتمع لبحث هواجس» جميع الأطراف.

حرب إيران

وأشار فيدان إلى أن شن هجوم جديد على إيران من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم التوتر وتوسيع نطاق الصراع، مضيفاً أن الدبلوماسية والحوار هما السبيل الوحيد لإنهاء الحرب.

وقال: «نتفق جميعاً على أن أي هجوم جديد على إيران سيؤدي إلى توسيع نطاق الحرب في المنطقة... التدخل العسكري في إيران ليس حلاً على الإطلاق. ولا أحد يوافق على ذلك في الوقت الحالي».

وقال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو بعد اجتماعات اليوم إن أي تصعيد جديد بين إيران والولايات المتحدة لن يسفر إلا عن خاسرين، وسيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط.

وتأتي هذه التصريحات عقب تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، يوم الأربعاء، يفيد بأن الجيشين الأميركي والإسرائيلي وضعا خططاً محددة لشن هجمات جديدة على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، الشهر المقبل.