هل مات الاتفاق النووي لعام 2015؟

عراقجي شكّك في استمرار المسار الحالي

عراقجي في مقابلة مع التلفزيون الرسمي مساء الجمعة
عراقجي في مقابلة مع التلفزيون الرسمي مساء الجمعة
TT

هل مات الاتفاق النووي لعام 2015؟

عراقجي في مقابلة مع التلفزيون الرسمي مساء الجمعة
عراقجي في مقابلة مع التلفزيون الرسمي مساء الجمعة

أثار وزير الخارجية الإيراني الجديد، عباس عراقجي، مزيداً من الشكوك حول إمكانية إحياء الاتفاق النووي بصيغته لعام 2015، على الرغم من أنه تعهّد بالمضي قُدماً في استراتيجية «إجهاض العقوبات» بموازاة محاولات رفع العقوبات عبر المفاوضات.

وبعد 48 ساعة من تولّيه مهامه رسمياً، سلّط عراقجي -في تصريحات متلفزة- الضوء على تعقيدات المسار الدبلوماسي الهادف لرفع العقوبات عن إيران، مقابل عودتها إلى الالتزامات النووية.

وقال عراقجي للتلفزيون الرسمي مساء الجمعة: «الآن، إحياء المفاوضات ليس سهلاً كما كان في الماضي، ويجب على الجميع أن يدرك ذلك، الظروف الدولية تغيّرت، وقد حدثت الحرب في أوكرانيا التي أثّرت بعمق في النظرة الأمنية للأوروبيين، وما يُعرف بالترتيبات الأمنية الدولية، كما أن الحرب في غزة، والهجوم الذي شنّه النظام الصهيوني، والقتل الذي وقع هناك، كل ذلك قد غيّر الظروف الإقليمية بشكل كامل».

ووضعت حكومة الرئيس مسعود بزشكيان رفع العقوبات، وتخفيف التوتر مع القوى الأوروبية، بما في ذلك احتمال إحياء الاتفاق النووي، ضمن أولوياتها في السياسة الخارجية، وقد تُمثّل أولوية قصوى، مع تزايد احتمالات عودة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب إلى البيت الأبيض.

لكن عراقجي قدّم صورة قاتمة عن احتمالات إحياء الاتفاق النووي، خصوصاً في ظل الحرب الأوكرانية، وما شهدته المنطقة من تطورات بعد اندلاع حرب غزة في 7 أكتوبر الماضي، وكذلك الانتخابات الأميركية المقرّرة في الأسبوع الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

وأضاف: «الصورة الحالية تختلف عن الصورة السابقة، حتى في الاتفاق النووي نفسه، فإن بعض التواريخ التي كانت موجودة قد انقضت، وبالتالي فإن الاتفاق النووي بالشكل الحالي لا يمكن إحياؤه، وبمعنى آخر، يجب إعادة فتح هذه الوثيقة وتعديل بعض أجزائها، وهذا ليس بالأمر السهل، فكما تعلمون عندما يتم فتح وثيقة فإن جمعها مرة أخرى يكون عملاً شاقاً».

وتابع: «يجب أن تبدأ مفاوضات جديدة، ومع ذلك، كما ذكرت، الظروف في أوروبا صعبة، وفي الولايات المتحدة هم مشغولون بالانتخابات؛ لذا لن تكون المهمة سهلة».

وجاءت تصريحات عراقجي بعد ساعات من محادثات هاتفية مع نظرائه في فرنسا وألمانيا وبريطانيا، وكذلك مع مسؤول السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل الذي ينسّق ويُشرف على المفاوضات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، الذي أرسل نائبه الخاص المعنيّ بالمفاوضات إنريكي مورا، قبل أسابيع، لحضور مراسم تنصيب الرئيس الإيراني.

وشارك عراقجي عن كثب في مفاوضات الاتفاق النووي بين عامَي 2003 - 2005، قبل أن يُشرف على 6 جولات من المفاوضات في فيينا، التي جرت خلال الشهور الـ6 الأخيرة من عهد حسن روحاني، وبدأت تلك الجولات في أبريل (نيسان) 2021، مع بداية الشهر الثالث من دخول جو بايدن إلى المكتب البيضاوي، وتزامنت أيضاً مع انفجار قوي هزّ صالة لأجهزة الطرد المركزي من الجيل الأول، في منشأة نطنز بأصفهان، وردّت عليه إيران بتشغيل أجهزة الطرد المركزي من الجيل السادس، ورفع تخصيب اليورانيوم إلى 60 في المائة.

وتعثَّرت المفاوضات بعد أسابيع من عودة إدارة إبراهيم رئيسي إلى طاولة الحوار في فيينا، وبعد اندلاع الحرب في أوكرانيا أخفقت عدة محاولات لإنعاش المسار الدبلوماسي الهادف لإحياء الاتفاق النووي، على الرغم من خوض إيران مفاوضات غير مباشرة مع الولايات المتحدة عبر قنوات وسيطة.

وخلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، حمّل وزير خارجية إيران الأسبق، محمد جواد ظريف، قانون «الخطوة الاستراتيجية» الذي أقرّه البرلمان الإيراني في ديسمبر (كانون الأول) 2020، المسؤولية عن عرقلة جهود بايدن للعودة إلى الاتفاق النووي، لكن بعد الانتخابات أعرب كل من ظريف وعراقجي التزامهما القانون الذي يحظى بتأييد المرشد علي خامنئي.

عراقجي يدلي بتصريحات للصحافيين وخلفه يقف علي باقري كني القائم بأعمال «الخارجية» السابق (إيسنا)

خطة بديلة

ورأت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري»، الأحد، أن أقوال عراقجي تشير إلى وصول الاتفاق النووي إلى خط النهاية، وتساءلت عن خطته البديلة لرفع العقوبات. وقالت: «عراقجي تحدّث عن ضرورة تشكيل مفاوضات جديدة تتطلّب بطبيعة الحال اتفاقاً جديداً». لكنها تساءلت عن «الامتيازات الجديدة التي ستمنحها إيران والامتيازات التي ستحصل عليها؟»، وقالت: «هل ستحصل إيران على منافع مقابل الامتيازات التي قدَّمَتها في الاتفاق النووي ولم تحصل منها على شيء؟ مع عدم التزام الولايات المتحدة وأوروبا بتعهداتهما لجميع الحكومات السابقة، ما البرنامج الذي لديكم لضمان ألّا يواجه الاتفاق الجديد مصير اتفاق 2015؟ والأهم من ذلك، ماذا ستفعلون بجثة الاتفاق؟».

وأشارت الوكالة إلى رفض القوى الغربية التخلّي عن العقوبات الخاصة بالأسلحة الإيرانية التي كانت مُجَدوَلة في 18 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، حسب خطة الاتفاق النووي. وبرَّرت القوى الأوروبية والولايات المتحدة الإبقاء على العقوبات بعدم التزام إيران بالاتفاق النووي، وكذلك دورها في إرسال مسيّرات إلى روسيا في الحرب الأوكرانية.

ومع ذلك، تساءلت وكالة «فارس» عن الضمانات التي «تضمن عدم تكرار أمور مثل موضوع رفع العقوبات؟».

من جانبه، كتب المحرر السياسي في موقع «عصر إيران» المؤيِّد لحكومة مسعود بزشكيان، أن «تصريحات عراقجي تُظهر أن بداية مفاوضات جديدة على أساس خطة جديدة للتوصل إلى اتفاق جديد بهدف حل القضية النووية ورفع العقوبات المتعلقة، تشكّل أولوية اليوم قبل الغد»، ورأى أن «الاطلاع على الوضع الحقيقي للاتفاق النووي ومستقبله إنجاز بحد ذاته».

ماذا قال عراقجي تحديداً؟

قال عراقجي للتفلزيون الرسمي إن مفاوضات عام 2021 «كانت تتعلق بكيفية العودة إلى الاتفاق النووي، ولم تكن هناك مفاوضات حول (مضمون) الاتفاق النووي نفسه». وأضاف: «الآن الظروف قد تغيَّرت بعض الشيء، ويجب علينا أن ندخل إلى الساحة بنظرة مختلفة، قد تكون الأشكال السابقة للمفاوضات والاتفاق النووي مرجعاً لنا، لكن لا يمكن تنفيذها بالشكل نفسه؛ يجب أن تبدأ مفاوضات جديدة، ولن تكون المهمة سهلة، ولكننا سنبذل كل جهدنا».

ونوّه عراقجي إلى أنه ينظر إلى المفاوضات «بوصفها مهمةً وواجباً للحَدّ من تكاليف العقوبات على الشعب، والعمل على رفع العقوبات». وأضاف: «سنضع هذا الموضوع في جدول أعمالنا، سنستفيد من كل الإمكانات العملية والسياسية والقانونية في هذا المجال، ونتمنّى أن نتمكّن من اتخاذ خطوة إيجابية في هذا الاتجاه».

وزاد أيضاً: «نتبع استراتيجيتين، هما: إجهاض العقوبات، ورفعها، لكن مناقشة إجهاض العقوبات لها الأولوية الأكبر». وقال: «مهمة أخرى لنا بجانب إجهاض العقوبات هي العمل على رفع العقوبات، وهذه المهمة خاصة بوزارة الخارجية». وصرّح: «نحن تابَعنا موضوع رفع العقوبات بشكل مشرّف حتى الآن، وسنحاول إعادة التفاوض بشكل مشرّف، والتقدم إلى الأمام».

واختتم عراقجي قوله: «إذا تمكّنّا من رفع العقوبات فلن نتأخر حتى ساعة واحدة، جهودنا في هذا المجال ستكون مستمرة، وسنبدأ هذا الموضوع عبر التفاوض، أو بأي وسيلة أخرى، ولن نتعجل أو نتأخر بدون داعٍ، ولن نجعل المفاوضات عملية مرهقة».

في وقت لاحق، قال عراقجي للصحافيين إن تصريحاته المتلفزة لا تعني موت الاتفاق النووي. وقال: «سنواصل التفاوض... لن نتعجّل أو نتأخّر دون داعٍ في هذا المجال، سنتشاور مع الأطراف المختلفة؛ لكي نتمكّن من تحقيق مصالح الشعب الإيراني».

«حبر على ورق»

وتؤكّد تصريحات عراقجي ما قاله مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافاييل غروسي، بشأن ضرورة العودة إلى الدبلوماسية لحل الأزمة المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني.

وقال غروسي حينها لصحيفة «إزفستيا» الروسية: «خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي)» لم تَعُد تعني شيئاً في الوقت الحالي. وقال: «إنها حبر على الورق فقط، لا أحد يطبّقها أو يلتزم بها».

واحتجّ حينها رئيس المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية، محمد إسلامي، على دعوة غروسي للتوصل إلى اتفاق جديد، وطالب الوكالة الدولية بحصر مطالبها من إيران في إطار معاهدة حظر الانتشار النووي واتفاق الضمانات.

إسلامي يتحدث إلى غروسي على هامش مؤتمر في أصفهان مايو الماضي (أ.ب)

أظهرت تقدير الوكالة الدولية حتى 11 مايو (أيار) أن مخزون إيران من اليورانيوم المخصّب إلى درجة نقاء تصل إلى 60 في المائة، أي ما يقرب من درجة النقاء الصالحة لصنع الأسلحة، وهي 90 في المائة، ارتفع إلى 142.1 كيلوغرام، بواقع زيادة 20.6 كيلوغرام خلال الشهور الثلاثة، قبل أن تخفّف نسبة نقاء 5.9 كيلوغرام.

وبلغت المخزونات الإيرانية من اليورانيوم 6201.3 كيلوغرام في 11 مايو مقارنةً بـ5525.5 كيلوغرام في فبراير (شباط)، أي أكثر بـ30 ضعفاً من الحد المسموح به بموجب الاتفاق الدولي المبرَم عام 2015.

ويتوقع أن يجدّد غروسي محاولته لزيارة طهران، وإجراء مباحثات مع بزشكيان في النصف الأول من الشهر المقبل، قبل أن ينعقد الاجتماع الفصلي لمجلس محافظي الوكالة الدولية بين يومَي 16 و20 سبتمبر (أيلول) في فيينا.

ويسبق الحدث أول حضور للرئيس الإيراني في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك، ما يجعل الملف النووي الإيراني مرة أخرى محور المباحثات بين إيران والغرب، سواءً لمواصلة المسار الدبلوماسي، أو إعلان موت الاتفاق رسمياً، وبدء مفاوضات لاتفاق جديد.


مقالات ذات صلة

حاملة أميركية ثالثة ونحو 10 آلاف جندي إلى المنطقة

شؤون إقليمية صورة نشرتها قيادة «سنتكوم» لسفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس بوكسر» خلال عملياتها في المنطقة (سنتكوم)

حاملة أميركية ثالثة ونحو 10 آلاف جندي إلى المنطقة

يرسل البنتاغون حاملة طائرات ثالثة وسفناً تقل مشاة البحرية إلى الشرق الأوسط، ما يضيف ما بين 9 و10 آلاف عسكري، فيما يدرس الرئيس دونالد ترمب استئناف ضرب إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» تبحر في بحر العرب (سنتكوم) p-circle

واشنطن وطهران... تعثر الوساطة يعيد التهديد بالقصف إلى الواجهة

انخفضت الرحلات الجوية الدولية من مطار طهران الرئيسي وإليه، بنسبة 42 في المائة منذ بدء سريان العقوبات الأميركية على شركات الطيران الإيرانية.

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية رجال دين يحملون بنادق خلال عرض «الفدائيين» في ساحة «انقلاب» (الثورة) وسط طهران 18 سبتمبر (أ.ب) p-circle

غموض يلف المفاوضات... وإيران تستعد لـ«كل السيناريوهات»

يلف الغموض مصير المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران فيما تدرس طهران رداً أميركياً على مقترحها لإنهاء الحرب لم تكشف مضمونه وتتوالى من الجانبين إشارات التصعيد.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - طهران)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في البيت الأبيض بواشنطن الأربعاء (رويترز)

ترمب لا يستبعد تكثيف الضربات على إيران بعد الانتخابات

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن تكثيف الضربات على إيران «ممكن» بعد انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (إ.ب.أ)

تقرير: روبيو أمر وفد عراقجي بمغادرة نيويورك بعد تعثر المحادثات

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أمر الوفد الإيراني بمغادرة نيويورك فوراً مساء الاثنين بعد وصول المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران إلى طريق مسدود.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ناقلة نفط خام تتعرض لضربة بمقذوف مجهول قبالة سواحل عُمان

أرشيفية لسفن في مضيق هرمز قبالة سواحل عُمان (رويترز)
أرشيفية لسفن في مضيق هرمز قبالة سواحل عُمان (رويترز)
TT

ناقلة نفط خام تتعرض لضربة بمقذوف مجهول قبالة سواحل عُمان

أرشيفية لسفن في مضيق هرمز قبالة سواحل عُمان (رويترز)
أرشيفية لسفن في مضيق هرمز قبالة سواحل عُمان (رويترز)

​قالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، صباح ال​يوم ‌(السبت)، ⁠إن ​ربان ناقلة نفط ⁠خام أفاد بتعرضها لضربة بمقذوف ⁠غير ‌معروف على ‌بعد ​أربعة أميال ‌بحرية ‌من شرق سلطنة عمان.

وذكرت الهيئة ‌أن جميع أفراد الطاقم ⁠بخير، ⁠وأنه لم يتم الإبلاغ عن أي أثر بيئي في الوقت ​الراهن.


واشنطن وطهران تقتربان من مواجهة جديدة

حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق  الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
TT

واشنطن وطهران تقتربان من مواجهة جديدة

حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق  الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)

في ظل تعثر المساعي الدبلوماسية، تقترب واشنطن وطهران من مواجهة عسكرية جديدة، في حين تتصاعد نبرة التصريحات والتهديدات، فضلاً عن التمسك بمواقف متشددة من الطرفين، ومواصلة تعرض السفن إلى استهدافات في مضيق هرمز.

وأشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب مراراً في الفترة الأخيرة إلى أنه سيضرب إيران بـ«قوة شديدة» إذا لم تتوصل إلى اتفاق مع إدارته، مرجحاً أن يتم ذلك بعد انتخابات الكونغرس النصفية الشهر المقبل أو ربما قبلها. كما حثّ ترمب طهران على اتخاذ «القرار الصائب» قبل فوات الأوان، مضيفاً أنه لا يعرف «مع مَن يتعامل في إيران». في المقابل، ردت طهران بقولها إن قواتها المسلحة مستعدة لـ«حرب استنزاف» أو «عملية خاطفة»، إذا استأنفت واشنطن مهاجمتها.

وفي ظل هذا التصعيد، أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أنها تلقت تقريراً من طرف ثالث يفيد بإصابة الناقلة بمقذوف مجهول أثناء عبورها مضيق هرمز؛ ما أدى إلى نشوب حريق في السفينة. وكثّفت إيران في الفترة الأخيرة هجماتها على السفن التجارية العابرة للمضيق؛ إذ أطلقت أسبوعياً نحو 30 هجوماً بالطائرات المسيَّرة و10 هجمات بصواريخ مضادة للسفن، وفق بيانات سرية لمسؤول أمني غربي نقلتها صحيفة «نيويورك تايمز».

وأضاف المسؤول أن 4 سفن تجارية على الأقل أصيبت بهجمات إيرانية خلال الأيام العشرة الماضية، في حين تشير تقارير البحرية البريطانية إلى إصابة 13 سفينة على الأقل، معظمها ناقلات نفط، بمقذوفات أو حطامها، منذ 10 سبتمبر (أيلول).


استهداف السفن يفاقم التوتر بين واشنطن وطهران

حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
TT

استهداف السفن يفاقم التوتر بين واشنطن وطهران

حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)

تقترب واشنطن وطهران من مواجهة عسكرية جديدة في ظل تعثر المساعي الدبلوماسية، بينما تتصاعد نبرة التصريحات والتهديدات، فضلاً عن التمسك بمواقف متشددة من الطرفين، ومواصلة تعرض السفن لاستهدافات في مضيق هرمز.

وأشار الرئيس الأميركي، مراراً في الفترة الأخيرة، إلى أنه سيضرب إيران بـ«قوة شديدة» إذا لم تتوصل إلى اتفاق مع إدارته، مرجحاً أن يتم ذلك بعد انتخابات الكونغرس النصفية، الشهر المقبل، أو ربما قبلها، كما حث ترمب طهران على اتخاذ «القرار الصائب» قبل فوات الأوان، مضيفاً أنه لا يعرف «مع من يتعامل في إيران».

وفي المقابل، ردت طهران بقولها إن قواتها المسلحة مستعدة لـ«حرب استنزاف» أو «عملية خاطفة»، إذا استأنفت واشنطن مهاجمتها.

وفي ظل هذا التصعيد، أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أنها تلقت تقريراً من طرف ثالث يفيد بإصابة الناقلة بمقذوف مجهول في أثناء عبورها مضيق هرمز. وتعرّضت الناقلة، يوم الجمعة، لهجوم في أثناء خروجها من مضيق هرمز؛ ما تسبب في حريق على متنها أُخمد لاحقاً لتواصل رحلتها، وفق ما أفادت به هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية. وقالت الهيئة إن الربّان أفاد بتعرّض الناقلة «لضربة بمقذوف غير محدد في أثناء إبحارها خارجة من المضيق؛ ما أدى إلى نشوب حريق صغير، وانقطاع التيار الكهربائي على متنها». وأوضحت الهيئة، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أن «الحريق أُخمد، والسفينة تواصل رحلتها». وأوضحت الهيئة أن الناقلة، التي لم تفصح عن اسمها أو العلم الذي ترفعه، واصلت رحلتها بعد السيطرة على الحريق.

وكثّفت إيران في الفترة الأخيرة هجماتها على السفن التجارية العابرة للمضيق؛ إذ أطلقت أسبوعياً نحو 30 هجوماً بالطائرات المسيّرة، و10 هجمات بصواريخ مضادة للسفن، وفق بيانات سرية لمسؤول أمني غربي نقلتها صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية.

وأضاف المسؤول أن 4 سفن تجارية على الأقل أصيبت بهجمات إيرانية خلال الأيام العشرة الماضية، بينما تشير تقارير البحرية البريطانية إلى إصابة 13 سفينة على الأقل، معظمها ناقلات نفط، بمقذوفات أو حطامها، منذ 10 سبتمبر (أيلول) الماضي.

تكثيف العقوبات الأميركية

وبالتوازي مع التهديدات العسكرية، وسّعت واشنطن نطاق ضغوطها الاقتصادية على طهران، بإعلان وزارة الخزانة الأميركية، الخميس، فرض عقوبات جديدة على قطاعي السكك الحديدية والسيارات في إيران، إلى جانب شركات وموردين أجانب يتعاملون معهما، في أحدث خطوات حملة تستهدف تقليص الموارد المالية المتاحة للحكومة الإيرانية.

وتندرج العقوبات ضمن عملية «الإقصاء الاقتصادي» التي أعلنتها وزارة الخزانة في 24 أغسطس (آب) الماضي، بهدف حرمان طهران من الإيرادات التي تقول واشنطن إنها تُستخدم في تمويل الحرب، وتطوير الصواريخ، وتنفيذ الهجمات الإلكترونية، ودعم «الحرس الثوري» الإيراني.

وتستهدف الإجراءات الجديدة قطاعات اكتسبت أهمية متزايدة بالنسبة إلى إيران، في ظل الحصار البحري الأميركي الذي أدى إلى تعطيل شحنات النفط عبر مضيق هرمز، ودفع طهران إلى زيادة اعتمادها على شبكات النقل البرية لنقل النفط والأسمدة والمواد الكيميائية وسلع أخرى.

وشملت العقوبات شركتي «إيران خودرو» و«سايبا» لصناعة السيارات، اللتين قالت وزارة الخزانة إنهما تستحوذان على أكثر من 90 في المائة من سوق السيارات المحلية، فضلاً عن شركة السكك الحديدية الإيرانية المملوكة للدولة، وشركة «قطارات رجا» لنقل الركاب، وشركة «راه آهن حمل ونقل»، التي وصفتها الوزارة بأنها من كبرى شركات شحن البضائع الخاصة في البلاد.

كما طالت العقوبات شركات أجنبية في إندونيسيا وتركيا، تتهمها واشنطن بتزويد قطاع السيارات الإيراني بالإمدادات اللازمة لاستمرار نشاطه.

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن الإجراءات الجديدة «تستهدف بصورة مباشرة الجهات التي تساعد إيران»، وتمهد الطريق أمام الولايات المتحدة وشركائها لاستنزاف إيرادات النظام الإيراني بصورة نهائية.

وتعكس العقوبات توجهاً أميركياً نحو توسيع نطاق الحصار الاقتصادي، بحيث لا يقتصر على تعطيل الصادرات البحرية، بل يمتد إلى شبكات النقل والتجارة والإمداد داخل إيران وخارجها.

لكن هذه الاستراتيجية تثير مخاوف من انعكاساتها على الأوضاع المعيشية للإيرانيين، في ظل اتساع نطاق القطاعات المستهدفة وتأثيرها المحتمل على النشاط الاقتصادي، وفرص العمل وتكاليف النقل والإنتاج.

منصة «إيه 7» الروسية

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

وفي إطار مساعيها لتضييق الخناق على شبكات التمويل التي تتهمها بمساعدة إيران على الالتفاف على العقوبات، فرضت وزارة الخزانة الأميركية إجراءات جديدة على منصة «إيه 7» الروسية للتحويلات المالية، متهمة إياها بتسهيل معاملات مالية مرتبطة بإيران، وإخفاء مدفوعات تخص قطاعات وأفراداً خاضعين للعقوبات.

وقالت الوزارة، الخميس، إنها تحظر التعاملات مع المنصة ووكلائها، ووصفتها بأنها «منظمة إجرامية كبيرة عابرة للحدود»، مشيرة إلى أن الإجراءات الجديدة توسّع نطاق العقوبات السابقة لتشمل الشبكة المرتبطة بها بالكامل.

وتأسست «إيه 7»، عام 2024، على يد بنك «بي إس بي» الروسي، الذي يركز على قطاع الدفاع، وسرعان ما أصبحت من أبرز الجهات العاملة في سوق المدفوعات الدولية في روسيا، في وقت تسعى فيه موسكو إلى تطوير أنظمة مالية بديلة عن المنظومة الغربية، بالاعتماد على وسائل تشمل العملات المشفرة والذهب والعملات غير الغربية، وبالتعاون مع شركاء تجاريين رئيسيين، من بينهم الصين والهند.

ورفضت المنصة، في بيان صدر، الجمعة، الاتهامات الأميركية، نافية أي صلات لها بإيران أو منظمات إرهابية، ومؤكدة أنها توفر خدمات تسوية المدفوعات للسوق الروسية، التي قالت إنها تخضع لإجراءات تقييدية غير قانونية، وأضافت أنها تقدم خدماتها لدعم عمليات الاستيراد والتصدير المشروعة، المتعلقة بالسلع الاستهلاكية والمواد الأولية.

في المقابل، قالت وزارة الخزانة الأميركية إن المنصة أنشأت شبكة عالمية من الشركات التابعة بهدف إخفاء المدفوعات المرتبطة بقطاعات وأشخاص خاضعين للعقوبات، وإظهارها على أنها معاملات تجارية اعتيادية، مضيفة أن إيران و«الحرس الثوري» استفادا من هذه الشبكة.

مقترح عراقجي

عباس عراقجي يغادر المنصة بعد حديثه إلى وسائل الإعلام خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)

وفي موازاة التصعيد العسكري والاقتصادي، برزت مؤشرات على تحرك دبلوماسي إيراني لاحتواء الضغوط؛ إذ أفادت مصادر مطلعة لوكالة «بلومبرغ» بأن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اقترح، خلال لقاءاته في نيويورك، السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالوصول إلى المنشآت النووية التي تعرضت للقصف خلال الحرب، مقابل تخفيف العقوبات الأميركية.

وبحسب المصادر، فإن المقترح قد يعكس حجم الضغوط الاقتصادية التي تواجهها طهران، ورغبتها في التوصل إلى تفاهم يخفف وطأة العقوبات، وإن لم يقدم عراقجي، خلال لقاءاته، تفاصيل موسعة بشأن الوضع الاقتصادي الإيراني، أو طبيعة التنازلات التي قد تكون بلاده مستعدة لتقديمها.

ويأتي المقترح في وقت لا تزال فيه الملفات النووية والعقوبات والأمن الإقليمي تشكل أبرز نقاط الخلاف بين واشنطن وطهران، وسط شكوك أميركية بشأن فرص التوصل إلى اتفاق قابل للاستمرار.

وبينما تواصل واشنطن الجمع بين التهديد باستخدام القوة، وتشديد العقوبات، تسعى طهران إلى إظهار استعدادها للمواجهة العسكرية، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام تفاهمات دبلوماسية قد تتيح تخفيف الضغوط الاقتصادية، غير أن استمرار استهداف السفن في مضيق هرمز، وتباعد مواقف الطرفين بشأن الملفات الأمنية والنووية، يبقيان احتمالات التصعيد قائمة، ويجعلان المسار الذي ستتخذه المواجهة مرهوناً بمدى استعداد الجانبين لتقديم تنازلات تحول دون تجدد العمليات العسكرية.