تباين بشأن حكومة بزشكيان... من «حكومة مثالية إلى ممكنة»

أنباء عن استقالة ظريف... وانتقادات لغياب أهل السنة

بزشكیان ورئيس مكتبه محسن حاجي ميرزايي خلال اجتماع الحكومة الأربعاء الماضي (الرئاسة الإيرانية)
بزشكیان ورئيس مكتبه محسن حاجي ميرزايي خلال اجتماع الحكومة الأربعاء الماضي (الرئاسة الإيرانية)
TT

تباين بشأن حكومة بزشكيان... من «حكومة مثالية إلى ممكنة»

بزشكیان ورئيس مكتبه محسن حاجي ميرزايي خلال اجتماع الحكومة الأربعاء الماضي (الرئاسة الإيرانية)
بزشكیان ورئيس مكتبه محسن حاجي ميرزايي خلال اجتماع الحكومة الأربعاء الماضي (الرئاسة الإيرانية)

تباينت ردود الأفعال في إيران حيال التشكيلة الحكومية التي قدّمها الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان. وظهرت مؤشرات على خلافات عميقة بينه وبين حلفائه الإصلاحيين والمعتدلين، بعدما قام بتسمية 8 من أصل 19 حقيبة وزارية لسياسيين محسوبين على التيار المحافظ.

وأبدت «جبهة الإصلاحات»، الإطار التنسيقي لأطراف التيار الإصلاحي، تحفظاً ضمنياً إزاء التشكيلة، قبل ساعات من إعلانها رسمياً تحت قبة البرلمان.

وقالت آذر منصوري، رئيسة «جبهة الإصلاحات» عبر منصة «إكس»: «كنا قلنا في رسالة جبهة الإصلاحات إلى الرئيس: في المرحلة الأولى من تشكيل الحكومة، لا تدع التعيينات الخاصة والإجراءات غير السليمة تؤدي إلى استبعاد الكفاءات وإحباط الناس من اختيارهم، خاصة أولئك الذين كانوا مترددين في التصويت لك حتى يوم الاقتراع».

وفي نفس السياق، نقلت وكالة «إيلنا» الإصلاحية عن النائبة الإصلاحية السابقة بروانة سلحشوري قولها إن «بزشكيان رسب في أول امتحان له، باستثناء حالات نادرة». وأضافت: «الحكومة التي تشكلت ليس أساسها الكفاءة والتخصص واستشارة الفرق واللجنة الاستراتيجية، بل على أساس المحاصصة والتدخلات الصريحة من قبل هذا وذاك».

وحذّرت سلحشوري، بزشكيان، قائلة إن «التجربة العالمية أظهرت أن عمر مثل هذه الحكومات قصير، ولا تصل إلى نهايات جيدة».

وانتقد النائب السابق، جليل رحيمي جهان آبادي، التشكيلة الحكومية المقترحة من بزشكيان. وانتقد النائب الذي ينحدر من مدينة تربت جام وحيدرية، ذات الأغلبية السنية في شرق البلاد، عدم وفاء بزشكيان بوعوده في تسمية وزير من أهل السنة.

وكتب عبر منصة «إكس»: «فخامة الرئيس، تم منح 8 وزارات للمحافظين الذين وقفوا ضدك وضدنا ولم يختاروك. بينما لم تُخصص وزارة واحدة لأهل السنة الذين دعموك وحركة الإصلاحات بصدق. أين الوفاق الوطني في هذه الحكومة؟ ألسنا جزءاً من الشعب الإيراني؟».

على خلاف الانتقادات، قال حسين مرعشي، الأمين العام لحزب «كاركزاران» (كوادر البناء)، فصيل الرئيس الأسبق، علي أكبر هاشمي رفسنجاني، إن «الحكومة التي قدّمها بزشكيان إلى البرلمان تختلف بنسبة 50 في المائة عن الحكومة التي قدّمتها اللجنة الاستشارية برئاسة ظريف».

وأضاف: «جزء من هذا الاختلاف يعود إلى استعلامات الأجهزة الأمنية، وهو إجراء قانوني، حيث تم رفض بعض الأفراد. كما أن السيد طبيبيان أخذ في اعتباره توجهات البرلمان في تشكيل جزء من الحكومة».

وتابع مرعشي أن «الحكومة التي قدمها بزشكيان هي حكومة ممكنة، بينما كانت الحكومة التي اقترحتها اللجنة كانت حكومة مثالية». وأضاف: «بالتأكيد هناك فرق بين الحكومة المثالية والحكومة الممكنة. ما حدث كان نتيجة للقيود والظروف التي واجهها بزشكيان. بشكل عام، أنا راضٍ عن التشكيلة العامة للحكومة، ولكن هناك بعض النواقص في بعض الوزارات التي قد تجعل عمل الحكومة أكثر صعوبة».

ودافع عن إبقاء وزير الاستخبارات إسماعيل خطيب، قائلاً: «لا بد أن هناك مصالح عليا كانت وراء قرار بزشكيان».

وفي إشارة إلى سبب عدم تقديم مرشحين من أهل السنة، قال مرعشي: «ليست لديّ معلومات دقيقة، ولكن وجود وزيرة في الحكومة هو من النقاط الإيجابية، وغياب وزير من أهل السنة هو من نواقص الحكومة».

واختتم مرعشي بالإشارة إلى ارتفاع متوسط الأعمار في قائمة الحكومة الرابعة عشرة المقترحة، قائلاً: «هذا النقص ناتج عن عدم تربية الكوادر الشابة».

استقالة ظريف!

وقبل ذلك بساعات، انتشر خبر استقالة محمد جواد ظريف من منصب نائب الرئيس للشؤون الاستراتيجية، وهو منصب جديد لم يكن موجوداً ضمن المناصب التي حول الرئيس الإيراني. وكان ظريف مسؤولاً عن اللجنة الاستشارية التي جرى تشكيلها مؤقتاً للإشراف على اقتراح الوزراء.

وساهم ظريف قبل ذلك بشكل كبير في فوز بزشكيان على منافسيه المحافظين في انتخابات 28 يونيو (حزيران) الماضي، وجولة الإعادة في 5 يوليو (تموز).

وقالت صحيفة «آرمان ملي» الإصلاحية: «إذا كانت استقالة أو مقاطعة فهي احتجاج على قائمة وزراء بزشكيان».

وكتبت الناشطة هنجامة شهيدي، على منصة «إكس»: «إذا كانت مسألة استقالة ظريف من منصبه المستحدث كنائب استراتيجي صحيحة، فيجب أن نتوقع انسحابات من نوع الاتفاق النووي، وأخرى مماثلة في حكومة بزشكيان».

وقالت ناشطة إصلاحية على منصة «إكس»: «السيد بزشكيان، حذار أن تكون قد قبلت استقالة ذلك الرجل الكبير! إذا لم يقف خلفك، فلن نقف نحن أيضاً، وإذا لم نكن، فستصبح الرئيس الأكثر كرهاً في تاريخ إيران». وقد سأل مستخدم آخر يحمل اسم «مصدر مطلع» تحت هذه التغريدة: «ظريف!».

ولم یتضح علی الفور، ما إذا كان الحديث عن استقالة ظريف قد حدث بالفعل، أو يأتي في سياق الشائعات التي انتشرت في الأيام الأخيرة حول التشكيلة الحكومية، وشغلت المهتمين بمتابعة تشكيلة الحكومة.

ظريف خلال مشاركته في اجتماع الحكومة الأربعاء الماضي (الرئاسة الإيرانية)

وبالتزامن مع ذلك، تعرض ظريف لهجوم شرس في البرلمان، من النائب أمير حسين ثابتي المقرب من المرشح الرئاسي، سعيد جليلي.

وقال ثابتي في كلمة أمام البرلمان، الأحد: «كنا نعتقد خلال الانتخابات أن هناك أشخاصاً أفضل منك لإدارة البلاد، ولذلك لم نصوت لك؛ ولكن اليوم أنت رئيس جمهورية لكل الشعب الإيراني، ونجاحك هو نجاحنا جميعاً». وتابع: «إذا تمكنّا من المساعدة في أي مجال لدفع حكومتك نحو التقدم وحل مشاكل البلاد، فإن من واجبنا القيام بذلك... لكن يجب أن نأخذ في الاعتبار أن نجاحك لن يكون ممكناً مع أي شخص وأي تركيبة في الحكومة. لا يمكن التحدث عن الوحدة الوطنية وحكومة الوفاق الوطني. وفي الوقت نفسه، تعيين شخص في أروقة الحكومة كان قد خلق انقساماً زائفاً بين الدبلوماسية والميدان في السنوات الماضية، وعدّ (...) قاسم سليماني عقبة أمامه، ثم تدّعي أنك تسعى لتشكيل حكومة وحدة وطنية! هل ستقوم بذلك مع رموز الانقسام الوطني؟».

وكان ثابتي يشير إلى قضية «الدبلوماسية والميدان»، التي طرحها ظريف في شهادته للأرشيف الإيراني، خلال الحكومة السابقة، وجرى تسريبه في مارس (آذار) 2021. ويوجه ظريف انتقادات لدور «الحرس الثوري» خصوصاً مسؤول العمليات الخارجية السابق قاسم سليماني، في تقويض السياسة الخارجية الإقليمية والاتفاق النووي لعام 2015، عبر توسيع التعاون الميداني مع روسيا في الحرب السورية.

وعود لم تتحقق

وتحت عنوان «حكومة الوعود، التي لم تحقق الآمال»، نصح المحرر السياسي في موقع «بولتون نيوز» منصة استخبارات «الحرس الثوري»، بزشكيان بالتحدث إلى الناس، والشفافية.

وأضاف الموقع: «عندما قدّم الرئيس خلال فترة الانتخابات وعوداً كثيرة بتشكيل حكومة شابة، متنوعة وشاملة، أصبح كثيرون يأملون أن تكون الحكومة الجديدة ممثلة لكل فئات المجتمع»، ورأى أن «الوعود كانت تشير إلى تغييرات جذرية في هيكل الحكومة، وتعد بمشاركة الشباب، والنساء، وأهل السنة في قيادة الوزارات. ولكن الآن، وبعد نشر قائمة الوزراء المقترحة، يبدو أن هذه الوعود لم تتحقق، ما أثار مخاوف جدية بين أنصار الحكومة ومعارضيها على حد سواء».

وقال المحلل السياسي، أحمد زيدآبادي، إن «تركيب الحكومة بالشكل الذي تم تقديمه للبرلمان، وبالنظر إلى الأهداف التي حددها بزشكيان لنفسه، يحتوي على اثنتين أو 3 ثغرات أساسية».

لكنه رأى أن من «حق الرئيس اختيار فريقه... عدم ملائمة الوزراء مع بعض، هي مشكلة بزشكيان في الدرجة الأولى. إذا كان يعتقد حقاً أنه يمكنه العمل مع بعض هؤلاء الأفراد، فلا يوجد سبب يجعلنا نتدخل أكثر منه!». وقال: «قبضة الرئيس في إيران ليست مفتوحة تماماً لانتخاب الوزراء، تشارك الجماعات والمحافل السياسية في تفاصيل هذا الموضوع بشكل غير معتاد». وأضاف: «ما يهمنا الآن هو التزام الحكومة بوعدها لإنهاء هذه الحالة غير المستقرة. ما تبقى هو أمر ثانوي».

وأشار زيدآبادي إلى تغييب أهل السنة مرة أخرى من تشكيلة الحكومة، وقال: «في قائمة الحكومة المعلنة يوم أمس، كان اسم سيد عماد حسيني من المواطنين السنة مرشحاً لوزارة النفط، لكن هذا الاسم غاب عن القائمة الرسمية اليوم».

وتساءل: «ماذا حدث خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية؟ هل هناك حساسية من بعض الأوساط تجاه وزير سني؟» وزاد: «بينما تُغطى جدران المدينة بصور إسماعيل هنية، ويثني المسؤولون في البلاد على مكانته كوليّ من أولياء الله، ويهددون بالانتقام لدمه، فما معنى هذه الحساسية الضيقة وغير الوطنية تجاه استخدام أهل السنة في الحكومة؟».

وختم: «ألم يكن هنية سنياً؟ كيف تكون سنيته غير مرفوضة ولا تثير حساسية، بينما سنيّة بعض المواطنين الآخرين مثيرة للقلق؟».


مقالات ذات صلة

«فيفا» سيمنع رفع علم «إيران ما قبل الثورة» داخل ملاعب «كأس العالم 2026»

رياضة عالمية تنظر السلطات الإيرانية إلى العلم القديم بوصفه رمزاً مرتبطاً بعهد الشاه (رويترز)

«فيفا» سيمنع رفع علم «إيران ما قبل الثورة» داخل ملاعب «كأس العالم 2026»

كشفت شبكة «The Athletic» عن أن «الاتحاد الدولي لكرة القدم» يخطط لمنع الجماهير الإيرانية من إدخال أعلام أو ملابس أو رموز تحمل شعار «إيران ما قبل الثورة»...

The Athletic (لوس أنجليس (الولايات المتحدة))
أوروبا نانديتو باديا وجورج ستانا رجلان رومانيان متهمان بطعن الصحافي الإيراني الدولي بوريا زراتي قرب منزله في ويمبلدون في مارس 2024 يمثلان أمام محكمة «وولويتش كراون» في لندن ببريطانيا 18 مايو 2026 في رسم تخطيطي للمحكمة (رويترز)

محكمة بريطانية: رومانيون طعنوا صحافياً في لندن بتحريض من إيران

قال ممثلو ادعاء أمام محكمة بريطانية، اليوم الاثنين، إن مجموعة من الرجال الرومانيين، يعملون وكلاء للحكومة الإيرانية، نفّذوا هجوماً بالسكين على صحافي في لندن.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية وصلت بعثة المنتخب المكنّى «تيم ملّي» المؤلفة من 22 لاعباً إلى تركيا (أ.ف.ب)

بعثة إيران لـ«مونديال 2026» تحط في جنوب تركيا لإقامة معسكر تدريبي

وصل المنتخب الإيراني لكرة القدم إلى جنوب تركيا لإقامة معسكر تدريبي، واستكمال إجراءات الحصول على تأشيرات الدخول إلى الولايات المتحدة قبل نهائيات المونديال...

«الشرق الأوسط» (أنطاليا (تركيا))
رياضة عالمية احتفالات المنتخب الإيراني بالتأهل رسمياً لكأس العالم (فيفا)

منتخب إيران يغادر إلى تركيا تحضيراً لمونديال 2026

غادر المنتخب الإيراني إلى تركيا لخوض مباراة ودية أخيرة قبل التوجه إلى الولايات المتحدة لخوض مونديال 2026 لكرة القدم وفق ما أفادت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

ترمب: لن يتبقَّى شيء من إيران ما لم توافق على إبرام اتفاق

حذَّر الرئيس الأميركي دونالد ترمب من أنه «لن يتبقى شيء» من إيران، إذا لم توقِّع اتفاقاً مع الولايات المتحدة، في ظل تعثر المباحثات بين البلدين لإنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مهلة ترمب لإيران... نافذة تفاوض أم مقدمة لاستئناف الحرب؟

ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)
TT

مهلة ترمب لإيران... نافذة تفاوض أم مقدمة لاستئناف الحرب؟

ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)

لم يكن إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، تعليق ضربة عسكرية جديدة ضد إيران مجرد قرار عابر في مسار الحرب المستمرة منذ أسابيع، بل بدا كاشفاً عن مأزق أوسع: هل يفتح إرجاء الهجوم نافذة حقيقية لاتفاق سياسي، أم إن القرار يندرج في نمط مألوف من التهديدات عالية السقف ثم التراجع في اللحظة الأخيرة؟

المفارقة أن ترمب قدّم التعليق بوصفه استجابة لوساطة خليجية ترى أن «مفاوضات جدية» جارية، وأن اتفاقاً «مقبولاً» يمكن أن يولد قريباً. لكنه، في الوقت نفسه، أبقى التهديد قائماً، موجهاً الجيش إلى الاستعداد لـ«هجوم واسع النطاق» إذا لم تصل المفاوضات إلى نتيجة.

هنا تكمن دلالة اللحظة: واشنطن لا تبدو في موقع الحسم العسكري الكامل، ولا في موقع التسوية السياسية الناضجة، بل في منطقة وسطى تتداخل فيها حسابات الردع، وأسعار النفط، وضغوط الحلفاء، ومحدودية قدرة القوة الجوية على فرض استسلام سياسي كامل.

تجنب دفع التكلفة

ورغم الضربات القاسية التي استهدفت قيادات إيران وبناها العسكرية والبحرية، فإنها ما زالت تحتفظ بأدوات ضغط مؤلمة، مثل الصواريخ، والمسيّرات، والقدرة على تعطيل مضيق هرمز، والتهديد بنقل التوتر إلى باب المندب... ولذلك؛ فإن طلب تأجيل الضربة لا يعني بالضرورة أن طهران قدمت تنازلات جوهرية، بل ربما تكسب الوقت للانخراط مجدداً في حرب إقليمية أكبر تكلفة.

فرزين نديمي؛ كبير الباحثين بالشأن الإيراني في «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى»، يضع هذا العامل في صلب تفسير القرار. وقال في حديث مع «الشرق الأوسط» إن «أسباباً عسكرية وراء تأجيل الضربة» تتعلق بتهديدات إيران، واحتمال وقوع إصابات وأضرار في صفوف القوات الأميركية، إضافة إلى الردود الإيرانية الأخرى. وبرأيه، فإن ترمب «قد يفضل عدم تجديد العملية العسكرية إذا كان ممكناً تحقيق حد أدنى من الشروط مع تقليص الأخطار»، لكن «احتمالات العمل العسكري تبدو متساوية مع فرص الحل الدبلوماسي».

مروحية أميركية تحلق بجوار سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)

فجوة في الأولويات

تتحدث تسريبات عن تبادل مقترحات وردود مضادة عبر وسطاء، بينهم باكستانيون، وعن نقاشات تشمل الملف النووي، وفتح مضيق هرمز، ورفع بعض القيود أو العقوبات عن النفط الإيراني، وربما إرسال جزء من مخزون اليورانيوم المخصب إلى الخارج، لكن المشكلة ليست في وجود أفكار تفاوضية، بل في ترتيبها...

تريد إيران، وفق ما تسرّب، اتفاقاً يبدأ بوقف الحرب والحصار، ثم يترك الملف النووي؛ الأعلى حساسية، لمسار لاحق. أما واشنطن فتريد اتفاقاً متزامناً يثبت نتائج الحرب: قيود طويلة الأمد على التخصيب، وضمانات ضد امتلاك سلاح نووي، وربما التزامات تتعلق بالصواريخ، والوكلاء، وفتح «هرمز». هذه الفجوة تجعل الحديث عن «تقدم حقيقي» مشروطاً لا مؤكداً.

الأرجح أن ترمب، تحت ضغط أسعار الطاقة والانتخابات النصفية المقبلة، بدأ يضيّق نطاق مطالبه العملية؛ فبدلاً من الإصرار على التزامن بشأن تغيير سلوك إيران الإقليمي، وتفكيك قدراتها الصاروخية، وإنهاء شبكة الوكلاء، بات التركيز العلني أوضح على «الملف النووي» و«هرمز». ولا يعني هذا أن الشروط الأخرى اختفت، لكن الإدارة قد تكون مضطرة إلى التمييز بين ما تريد تحقيقه سياسياً وما تستطيع فرضه عسكرياً.

بين الردع وحدود القوة

تشكك وسائل الإعلام وصحف أميركية عدة في رواية البيت الأبيض، ليس بالضرورة لأنها تعارض ترمب سياسياً فقط؛ بل لأن مسار الأزمة نفسه يعطي أسباباً لهذا التشكيك. الرئيس حدد مواعيد، وأطلق تهديدات، وأعلن أن الحرب تقترب من نهايتها، ثم عاد إلى تمديد المهل. كما أن إيران، رغم الخسائر الكبيرة، لم تقبل حتى الآن شروطاً تعدّها استسلامية، ولم تتخلَّ عن أوراقها الأساسية في «هرمز» أو «الردع الصاروخي».

مايكل روبن، كبير الباحثين في «معهد أميركان إنتربرايز»، يذهب أبعد من ذلك في حديثه مع «الشرق الأوسط»؛ إذ يرى أن ترمب «يرتجل وهو يمضي»، «رغم امتلاكه فرقاً قادرة على التخطيط لاستراتيجيات معقدة». ويقول إن «ما يحرك الرئيس غالباً هو شعوره بأن إيران تهينه شخصياً؛ مما قد يدفعه إلى ضربات أعمق تركيزاً على الملف النووي، أو حتى إلى اغتيالات مستهدفة، لكنه لا يقود إلى استراتيجية متماسكة».

هذا التقييم قاسٍ، لكنه يلامس معضلة حقيقية في إدارة الأزمة: ترمب يريد أن يظهر بمظهر الرئيس الذي لا يتراجع، لكنه يريد أيضاً تجنب حرب مفتوحة لا تحظى بشعبية داخلية وتستنزف الذخائر وترفع أسعار الوقود... يريد إعلان النصر، لكنه لم يحصل بعد على وثيقة استسلام... يريد استخدام القوة لإنتاج اتفاق، لكنه يواجه خصماً اعتاد امتصاص الضغط وإعادة تعريف الخسارة بوصفها صموداً.

لذلك؛ لا يمكن اختزال المسألة في «انتصار الدبلوماسية» أو «ضعف ترمب». التعليق يعكس توازناً متبادلاً: واشنطن تخشى تكلفة التصعيد، وطهران تخشى ضربة أشد تدميراً.

إيرانيون أمام لوحة دعائية مناهضة للولايات المتحدة تُظهر رسماً لمضيق هرمز وشفتَي الرئيس الأميركي دونالد ترمب مَخيطتين (رويترز)

تنازلات متزامنة

رد ترمب العنيف على الإعلام يعكس حساسيته المعروفة تجاه أي تصوير له بوصفه متردداً أو عاجزاً عن فرض شروطه. لكن السؤال الأهم: «هل تشكيك الإعلام نابع من حقائق أم من حسابات سياسية؟ الجواب الأقرب أنه مزيج من الاثنين، مع أفضلية واضحة للوقائع في هذه الحالة»، وفق فرزين نديمي. ويضيف أن «الوقائع تقول إن الضربات الأميركية - الإسرائيلية أضعفت إيران عسكرياً، لكنها لم تحلّ المعضلة السياسية».

والوقائع تقول إن أسعار النفط، والقلق الاقتصادي الأميركي، أصبحا عاملين في حسابات البيت الأبيض. والوقائع تقول أيضاً إن إيران لم تقدم بعد تنازلاً يرقى إلى قبول كامل بالشروط الأميركية، وإن الوسطاء يتحدثون عن صيغ جزئية أكثر مما يتحدثون عن صفقة نهائية.

أما البعد السياسي، فيظهر في طريقة قراءة هذه الوقائع داخل واشنطن... خصوم ترمب يرون في كل تراجع دليلاً على الفوضى. أنصاره يرون في كل تعليق للضربة مناورة ذكية تمنح الخصم فرصة أخيرة. لكن بين القراءتين، تبدو الحقيقة أشد تعقيداً: ترمب يستخدم التهديد العسكري أداةً تفاوضية، لكنه لم ينجح بعد في تحويله اتفاقاً نهائياً.

كما أن إيران تستخدم قدرتها على تعطيل الطاقة والرد الإقليمي لتقليل أثر الضغط الأميركي، لكنها لا تستطيع أيضاً تجاهل تكلفة الحرب والحصار عليها.

لهذا؛ فإن تعليق الضربة لا يكشف بالضرورة عن قرب اتفاق يرضي الجميع؛ لأن اتفاقاً كهذا يفترض تنازلات متزامنة لم تظهر بعد. لكنه لا يعني أيضاً مجرد تراجع مجاني. إنه بالأحرى محاولة لإدارة مأزق: إبقاء العصا مرفوعة من دون استخدامها فوراً، ومنح الوسطاء فرصة قصيرة، وطمأنة الأسواق والحلفاء، مع الحفاظ على صورة الرئيس الذي يستطيع العودة إلى القصف «في أي لحظة».


«مجموعة السبع» تشدد على فتح هرمز وإيقاف القتال

 سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)
سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)
TT

«مجموعة السبع» تشدد على فتح هرمز وإيقاف القتال

 سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)
سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)

جدَّد وزراء مالية «مجموعة السبع» تأكيدهم على إعادة فتح مضيق هرمز لمواجهة الاختلالات ‌العالمية ⁠الجارية، بينما دعا ممثل الولايات المتحدة إلى إجراءات «أكثر صرامة» لتعطيل ما وصفها بـ«شبكات التمويل الإيرانية».

ويحاول الغرب منذ أسابيع التوصل إلى أفكار عملية لتحرير الملاحة في مضيق هرمز، الذي يتعرض لحصار مزدوج من واشنطن وطهران، لكن التباينات السياسية بين أوروبا والولايات المتحدة تعوق التوصل إلى أرضية مشتركة.

وقال بيان مشترك عن المجموعة، عقب اجتماعها في باريس الثلاثاء، إن دولها ملتزمة «بالتعاون متعدد الأطراف من ⁠أجل التصدي للمخاطر ‌التي ‌تهدد الاقتصاد ‌العالمي».

ودعا وزراء ‌كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان وبريطانيا والولايات ‌المتحدة جميع الدول إلى تجنب فرض قيود تعسفية على الصادرات. جميع الدول إلى تجنب فرض قيود تعسفية على الصادرات.

كريستين لاغارد لدى وصولها للمشاركة في اجتماع وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة السبع بباريس (أ.ف.ب)

ودعا وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الثلاثاء، حلفاء بلاده إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لتعطيل شبكات ‌التمويل ‌الإيرانية، وقال ‌إن ⁠بلاده ستحذف الأسماء «⁠التي عفا عليها الزمن» من قائمة العقوبات لتسهيل مهمة المؤسسات ⁠المالية في القضاء ‌على مخططات ‌تمويل الإرهاب تعقيداً.

وخلال ‌كلمة معدة للإلقاء في مؤتمر لمكافحة تمويل ‌الإرهاب عقب اجتماع وزراء مالية ومسؤولين ماليين ⁠من ⁠دول مجموعة السبع في باريس، أكَّد بيسنت أن المشاركين بحاجة إلى «الوقوف معنا بكل قوة» ضد إيران.

وأكد بيسنت، في تصريحاته للصحافيين، أن الولايات المتحدة مصممة على تطبيق سياسة «الضغط الأقصى» لوقف تمويل النشاطات العسكرية والإرهابية الإيرانية، مشيراً إلى أن هذا النهج يهدف إلى إضعاف قدرات إيران من دون الاعتماد فقط على الخيارات العسكرية.

وأكد بيسنت أن «وزارة الخزانة ستحدث هيكل عقوباتها، لجعل الأمر أكثر فاعلية، لأن أعداءنا يتكيفون ويبتكرون ‌من خلال إنشاء شركات وهمية جديدة»، على حد تعبيره.

وعقب الاجتماع، أظهر ‌موقع ‌وزارة ​الخزانة الأميركية ⁠الثلاثاء ​أن ⁠الولايات ⁠المتحدة ‌فرضت ‌عقوبات ​جديدة على ‌إيران.

من جهته، قال وزير المالية الكندي، فرانسوا فيليب، في تصريحات للصحافيين، إن «مجموعة السبع متحدة بشأن ضرورة فتح هرمز وإيقاف القتال».

المرور الآمن

أكد البيان الختامي التزام المجموعة بضمان استقرار أسواق الطاقة ودعم الدول الأكثر هشاشة من خلال تعزيز دور صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، كما حثَّ البيان على «العودة السريعة إلى حرية المرور الآمنة» عبر مضيق هرمز، الذي لا تزال الملاحة فيه مقيدة بشدة بعد الحصار الفعلي الذي فرضته إيران في بداية الصراع.

وقال مراقبون إن اجتماع الدول السبع تعامل بارتياح مع إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وقف هجوماً كان مخططاً له ضد إيران الثلاثاء والاستجابة لطلب الدول الخليجية لمحاولة إعطاء الدبلوماسية فرصة للتوصل إلى اتفاق يحد من البرنامج النووي الإيراني.

وناقش وزراء المالية قضايا أخرى تتعلق بضرورة تنويع سلاسل الإمداد للعناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية، لتقليل الاعتماد على الصين.

وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور لدى وصوله إلى اجتماع مجموعة السبع في باريس (أ.ب)

وشارك في الاجتماع ممثلون عن دول خليجية في بعض الجلسات لمناقشة الأزمة، كما شاركت كل من سوريا وأوكرانيا في أجزاء من المناقشات أيضاً، إلى جانب مسؤولين من البرازيل والهند وكوريا الجنوبية.

وينظر إلى إشراك طيف أوسع من الدول في النقاشات المتعلقة بمستقبل الملاحة في الشرق الأوسط، إلى أنه انعكاس لحاجة ملحة لكسر الجمود السياسي، والبحث عن خيارات بديلة، وزيادة الضغط على طرفي الحصار في «هرمز»؛ واشنطن وطهران.

ويقول محللون إن اجتماع المجموعة في باريس قد يعطي الرئاسة الفرنسية دفعة دبلوماسية للتوصل إلى مقاربة مشتركة من شأنها إعادة فتح هرمز، رغم الخلافات في النهج بين الولايات المتحدة، التي تركز على الخيار العسكري والعقوبات، والنهج الأوروبي الذي يركز على تحقيق توازن بين الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية.

غير أن المناقشات، التي وصفها وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور بأنها «صعبة»، عكست تحديات حقيقية في توحيد السياسات عبر ضفتي الأطلسي، مع ميل الإدارة الأميركية إلى تطبيق شعار «أميركا أولاً» في بعض الملفات.


ترمب يمهل إيران أقل من 3 أيام لتفادي الضربة

مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز(سنتكوم)
مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز(سنتكوم)
TT

ترمب يمهل إيران أقل من 3 أيام لتفادي الضربة

مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز(سنتكوم)
مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز(سنتكوم)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، إن الولايات المتحدة قد تضطر إلى ضرب إيران مجدداً، وإنه كان على بُعد ساعة واحدة فقط من اتخاذ قرار بشن ضربة قبل أن يؤجل الهجوم.

وقال ترمب للصحافيين في البيت الأبيض: «كنت على بُعد ساعة واحدة من اتخاذ قرار بالهجوم اليوم».

وقال ترمب إن قادة إيران يتوسلون لإبرام اتفاق، لكن هجوماً أميركياً جديداً سيحدث في الأيام المقبلة إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق.

وأضاف: «حسناً، أعني، أنا أقول يومين أو ثلاثة أيام، ربما الجمعة أو السبت أو الأحد، أو شيء من هذا القبيل، ربما أوائل الأسبوع المقبل، فترة زمنية محدودة، لأننا لا نستطيع السماح لهم بالحصول على سلاح نووي جديد».

وقال ترمب، الاثنين، إنه أوقف مؤقتاً استئناف الهجمات المخطط لها على إيران بعدما أرسلت طهران مقترح سلام جديداً إلى واشنطن، وإن هناك الآن «فرصة جيدة جداً» للتوصل إلى اتفاق يحد من برنامج إيران النووي.

وتحت ضغط التوصل إلى اتفاق يعيد فتح مضيق هرمز، وهو طريق إمداد رئيسي للإمدادات العالمية من النفط والسلع الأخرى، أعرب ترمب سابقاً عن أمله في أن يكون الاتفاق قريباً لإنهاء الصراع، كما هدد بشن ضربات قوية على إيران إذا لم تتوصل طهران إلى اتفاق.

وفي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ترمب إن قادة قطر والسعودية والإمارات طلبوا منه تأجيل الهجوم لأن «اتفاقاً سيتم التوصل إليه، وسيكون مقبولاً جداً للولايات المتحدة الأميركية، وكذلك لجميع دول الشرق الأوسط وما وراءه».

وفي حديثه لاحقاً إلى الصحافيين، الاثنين، قال إن الولايات المتحدة ستكون راضية إذا تمكنت من التوصل إلى اتفاق مع إيران يمنع طهران من الحصول على سلاح نووي.

وقال ترمب للصحافيين: «يبدو أن هناك فرصة جيدة جداً للتوصل إلى حل. إذا تمكنا من تحقيق ذلك من دون قصفهم بقوة، فسأكون سعيداً جداً».