مواقف متذبذبة للرئيس الفرنسي إزاء حرب إسرائيل على غزة

ضغوط دفعت ماكرون للتراجع عن «وقف إطلاق النار واستهداف المدنيين»

الرئيس الفرنسي السبت قرب قوس النصر بمناسبة ذكرى الهدنة مع ألمانيا في عام 1918 (أ.ب)
الرئيس الفرنسي السبت قرب قوس النصر بمناسبة ذكرى الهدنة مع ألمانيا في عام 1918 (أ.ب)
TT

مواقف متذبذبة للرئيس الفرنسي إزاء حرب إسرائيل على غزة

الرئيس الفرنسي السبت قرب قوس النصر بمناسبة ذكرى الهدنة مع ألمانيا في عام 1918 (أ.ب)
الرئيس الفرنسي السبت قرب قوس النصر بمناسبة ذكرى الهدنة مع ألمانيا في عام 1918 (أ.ب)

كثيرة الأخطاء التي ارتكبها الرئيس الفرنسي في نظر إسرائيل، ومن يقف بالمطلق إلى جانب حربها على قطاع غزة، تسببت بفتح النار عليه رغم كل المواقف التي عبَّر عنها منذ الثامن من أكتوبر (تشرين أول)، والتي رأى فيها - وعلى الدوام - أن لإسرائيل «الحق المشروع في الدفاع عن النفس»، وأن «من حقها وواجبها تدمير (حماس)»، وهو أمر «لا مجال لمناقشته». لكن من بينها هناك «الخطيئة المميتة» التي وقع بها في مقابلته مع تلفزيون «بي بي سي»، ووزعت صبيحة السبت. وأهم ما جاء فيها انتقاده المباشر لاستهداف الجيش الإسرائيلي للمدنيين في غزة، وحجبه «الشرعية» عن هذه الممارسات.

وقال ماكرون في هذا الخصوص: «يتعرض المدنيون اليوم للقصف... هناك أطفال ونساء وكبار سن يتعرضون للقصف والقتل. لا يوجد سبب لذلك ولا شرعية؛ لذلك، نحث إسرائيل على التوقف». وإذا كانت إسرائيل تتلطى في عملياتها التدميرية وراء حقها في محاربة الإرهاب، فإن ماكرون نزع عنها هذا الحق، بتأكيده أنه «من المستحيل تفسير أننا نرغب في مكافحة الإرهاب بقتل أشخاص أبرياء». مذكراً القادة الإسرائيليين، بأن رد إسرائيل على «حماس» «يجب أن يحترم قواعد الحرب والقانون الدولي الإنساني».

طفل من الخدج داخل حضانة في مستشفى «الشفاء» بغزة (رويترز)

ولاستكمال الصورة وفهم «غضب» إسرائيل، تعني الإشارة إلى أن ماكرون دعا ولأول مرة مباشرة إلى وقف لإطلاق النار، بقوله السبت: «أذكر الجميع بالقانون الدولي. أدعو إلى وقف لإطلاق النار». وكان ماكرون قد اكتفى حتى مساء الجمعة، بالدعوة إلى «هدنة إنسانية تقود لوقف إطلاق النار»، ما يعني أنه قد قام بخطوة إضافية إلى الأمام.

تأكيد للمؤكد

ما جاء على لسان الرئيس الفرنسي لا يحمل جديداً بالنسبة لأي مراقب مستقل؛ لأنه بمثابة تأكيد للمؤكد إزاء حرب إسرائيل على غزة ذهب ضحيتها ما يزيد على 11 ألف قتيل بينهم آلاف الأطفال والنساء، وضعفهم، على الأقل، من المصابين الجرحى. لكن أهمية ما قاله ماكرون، وفق مصدر سياسي فرنسي، أنه «صدر لأول مرة عن رئيس دولة أو حكومة غربية»، وأنه «حاد عن الخط الإسرائيلي ــ الأميركي ــ البريطاني ــ الألماني»، فهو دعا إلى وقف إطلاق النار وهو ما ترفضه إسرائيل، لا بل إنها ترفض عملياً الهدنات الإنسانية رغم الدعوات العالمية التي تحثها على ذلك «بلاغياً»، ولكن دون أية ضغوط فعلية.

وتفيد المقارنة بين ما قاله ماكرون، وما صدر عن المستشار الألماني أولاف شولتس الذي يتبنى الموقف الإسرائيلي بالمطلق، إذ أعلن، الأحد، خلال نقاش نظمته صحيفة إقليمية ألمانية: «أقر بأنني لا أعتقد أن الدعوات إلى وقف فوري لإطلاق النار أو إلى هدنة طويلة (...) في محلها، لأن ذلك يعني في نهاية المطاف أن إسرائيل ستدع لـ(حماس) امتلاك صواريخ جديدة». أما بالنسبة للهدنة الإنسانية، فقد رأى أنها «قد تكون منطقية، وذلك على سبيل المثال، لإخراج الجرحى من قطاع غزة»، ما يبين حتى فتوره إزاءها.

رد إسرائيلي حاد

لم تتأخر الردود النارية على تصريحات ماكرون، وجاءت بداية من إسرائيل نفسها على لسان رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، الذي أعلن رفضه مطلب وقف النار «وهذا ليس جديداً»، وكتب مغرداً على موقع «إكس»: «المسؤولية عن أي أذى للمدنيين تقع على عاتق (حماس)، وليس على إسرائيل»، التي «تقوم بكل ما بوسعها لتجنب إيذاء المدنيين، وتحثهم على مغادرة مناطق القتال...».

صورة لنتنياهو وماكرون خلال اجتماعهما الأخير في القدس (أ.ف.ب)

وذهب إلى حد تنبيه ماكرون بقوله إن «الجرائم التي ترتكبها (حماس) اليوم في غزة، سترتكبها غداً في باريس ونيويورك وفي كل أنحاءالعالم». وقال لاحقاً في مؤتمر صحافي إن تصريحات ماكرون «خاطئة لجهة الوقائع والموقف الأخلاقي». وبعده سارع وزير خارجيته إيلي كوهين، في بيان عبر الموقع نفسه، إلى تحميل «حماس وحدها» المسؤولية عما يحدث لمدنيي غزة، معتبراً أنه «العدو الأكبر للفلسطينيين» وزاعماً أن جيش بلاده «يتصرف وفق القانون الدولي».

وانتقلت الانتقادات إلى باريس حيث عجل المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا إلى استنساخ ما صدر عن نتنياهو حرفياً، إذ قال في بيان السبت إن «مسؤولية الأموات في غزة تقع على عاتق (حماس) وليس إسرائيل، تماماً كما أن مسؤولية القتلى في الرقة والموصل وقعت على عاتق (داعش) وليس على عاتق فرنسا»، في إشارة لمشاركة فرنسا في الحرب على «داعش» في إطار التحالف الدولي الذي أنشئ لهذه الغاية في عام 2014 بقيادة أميركية. ولم يكتف المجلس المذكور بالتنديد، بل طالب ماكرون بـ«توضيح» تصريحاته.

تناقض الرسائل

بدل أن يتمسك ماكرون بمواقفه «الشجاعة» التي عبَّر عنها للتلفزة البريطانية، إذا به يخطو سريعاً خطوة الى الوراء. ففي الرسالة المتأخرة ليل السبت التي وجهها للفرنسيين بمناسبة «المسيرة» المناهضة لمعاداة السامية بدعوة من رئيسي مجلس الشيوخ والنواب، أعاد ماكرون التأكيد على «حق إسرائيل في الدفاع» عن نفسها، مذكراً بأن هذا كان موقفه «منذ اليوم الأول»، ورافضاً أن يكون هذا الحق «موضع أخذ ورد».

المسيرة المناهضة لمعاداة السامية في باريس الأحد التي غاب عنها إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

ووفق مضمون رسالته، فإن «القضاء على (حماس) ضرورة» ولكن يجب أن يترافق مع «معاودة الحوار السياسي، والحرص على حماية المدنيين والرهائن الذين ليس لهم أن يدفعوا ثمن جنون الإرهابيين الدموي». أما بالنسبة للمطالبة بوقف إطلاق النار، فقد تحولت مجدداً إلى «هدنة إنسانية يمكن أن تقود لوقف لإطلاق النار». وهذا الكلام في لهجته ومضمونه بعيد كل البعد عما قاله للتلفزة البريطانية.

يبدو أن ما سبق لم يكن كافياً بالنسبة لإسرائيل ولمناصريها فرنسياً، لذا أتبعه ماكرون باتصال هاتفي، الأحد، برئيس الدولة الإسرائيلية إسحاق هرتزوغ وبوزير الدفاع السابق بيني غانتس، وكلاهما التقاهما في تل أبيب يوم زيارته لإسرائيل في 24 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. والملاحظ أن ماكرون لم يتصل بنتنياهو الذي دأب على التواصل معه منذ 8 الشهر الماضي، ولم تصدر أية توضيحات بهذا الخصوص لا من باريس ولا من الجانب الإسرائيلي، لكن الأهم، طبيعة «التوضيحات» التي حرص ماكرون على تقديمها.

ووفق الرئاسة الإسرائيلية، فإن ماكرون «أوضح أنه لم تكن لديه نيّة اتهام إسرائيل بتعمد إيذاء مدنيين أبرياء في إطار الحملة ضد منظمة (حماس) الإرهابية». كذلك «أكد أنه يدعم بشكل لا لبس فيه حقّ إسرائيل وواجبها في الدفاع عن نفسها، وأعرب عن دعمه الحرب التي تشنها إسرائيل ضد (حماس)».

وإذ أشارت الرئاسة الإسرائيلية إلى أن «تصريحات ماكرون تسببت في كثير من الألم والانزعاج في إسرائيل»، فإن الأخير حصرها بـ«الوضع الإنساني الذي يظل قضية مهمة بالنسبة إليه وإلى كثير من الدول». وكان رد هرتزوغ الترحيب بـ«توضيحات» ماكرون الذي حرص على تقديمها إليه في اتصال مباشر، بيد أن كل هذه العناصر غابت عن البيان المطول الذي صدر عن قصر الإليزيه، الذي لم يتطرق بتاتاً للتصريحات للتلفزة البريطانية، إلا أنه بالمقابل، أشار إلى تأكيده على «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، وعلى «تضامن فرنسا معها في حربها ضد الإرهاب». ولم ينس الإشارة «مجدداً إلى أن هذه المعركة يجب أن تتم وفقاً للقانون الإنساني الدولي مع مراعاة حماية السكان المدنيين»، وفقاً للإليزيه. واللافت أن أياً من وزراء ماكرون لم يهب للدفاع عنه وعن تصريحاته.

يصلّون صلاة الجنازة قبل تشييع أفراد عائلتيْ قديح والشرفي الذين قُتلوا في غارات ليلية على جنوب قطاع غزة الاثنين (أ.ف.ب)

تقول مصادر سياسية فرنسية إنه «يؤخذ» على ماكرون «انحرافه» عن الخط الداعم المطلق لإسرائيل، والخوف أن تشجع مواقف رئيس دولة مثل فرنسا دولاً غربية أخرى على الابتعاد عن «السردية الإسرائيلية». ومن ذلك أن وزير الخارجية الإيطالي دعا إلى إرسال قوة أممية إلى غزة على غرار «اليونيفيل» في لبنان، بينما دعا وزير بلجيكي إلى فرض عقوبات على تل أبيب على غرار العقوبات التي فُرضت على روسيا بعد انطلاق حربها على أوكرانيا.

كذلك فإن ماكرون، وفق المصادر المشار إليها، ارتكب خطأً كبيراً عندما دعا إلى مؤتمر دولي في باريس حصل الجمعة الماضي ليس لأنه جمع مليار دولار لدعم المدنيين في غزة، وهي وعود شفهية تحتاج إلى ترجمة عملية، بل خصوصاً «لأنه وفر منصة ثمينة لانتقاد إسرائيل وإسماع ذلك للعالم كله». وتجدر الإشارة الى أن الكلمات التي ألقيت بهذه المناسبة ومنها كلمة رئيس الحكومة الفلسطينية محمد أشتية وممثلي الوكالات الأممية كانت «جارفة» وأحياناً بدا الانزعاج على وجه ماكرون من سماعها. ثم إن اليمين الفرنسي بجناحيه التقليدي (حزب الجمهوريين) والمتطرف (التجمع الوطني)، إضافة إلى المنظمات وبعض الشخصيات اليهودية المهمة شنوا حملة شعواء على ماكرون؛ لأنه فضَّل التغيب عن المسيرة الكبرى التي شهدتها باريس بعد ظهر الأحد، علماً أنه استبق المسيرة برسالته المكتوبة للفرنسيين، وتأكيده أنه يشارك بها «بالفكر والقلب».

ما سبق يبين «تذبذب» سياسة ماكرون المتأرجحة بين الدعم المطلق لإسرائيل من جهة، والرغبة في التعبير عن مواقف أقل انحيازاً. وتجدر الإشارة إلى أن موجة انتقادات تعم وزارة الخارجية بسبب «الاصطفاف المطلق» إلى جانب إسرائيل والتخلي عن المبادئ التقليدية والإرث الديغولي في سياسة فرنسا الشرق أوسطية. وحدها الأيام والأسابيع القادمة ستبين ما إذا كان ماكرون قد تخلى «نهائياً» عن تمرده، أم أنه ما زالت لديه الرغبة والقوة بأن تلعب بلاده دوراً ما في التطورات الدراماتيكية الحاصلة اليوم في المنطقة وفي ما بعدها.


مقالات ذات صلة

تل أبيب تواصل اغتيال «قياديين» من «حماس» و«الجهاد»

خاص فلسطينيات يبكين قتلى سقطوا بغارة إسرائيلية في دير البلح بوسط قطاع غزة الجمعة (أ.ب)

تل أبيب تواصل اغتيال «قياديين» من «حماس» و«الجهاد»

اغتالت إسرائيل قياديين بارزين من الجناحين العسكريين لـ«حماس» و«الجهاد الإسلامي»، إلى جانب نشطاء آخرين، في سلسلة غارات طالت منازل عدة بمناطق متفرقة من قطاع غزة.

بندر الشريدة (غزة)
المشرق العربي صورة التقطت يوم الخميس لخيام مؤقتة للنازحين مقامة وسط الدمار بمدينة غزة (أ.ب) play-circle

«لجنة غزة» تتطلع للإعمار التام في 7 سنوات... وإسرائيل ترى المرحلة الثانية «رمزية»

أظهر رئيس لجنة إدارة غزة علي شعث تفاؤلاً لافتاً بإتمام عملية إعمار القطاع الفلسطيني في غضون 7 سنوات، بينما سعت إسرائيل إلى التقليل من خطوة بدء المرحلة الثانية.

نظير مجلي (تل أبيب) «الشرق الأوسط» (غزة)
تحليل إخباري خيام تأوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة بينما تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)

تحليل إخباري «عقبات عالقة» تهدد مسار «الإدارة الجديدة» في غزة

دخل اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة مرحلة جديدة بتشكيل لجنة إدارة القطاع التي واجهت على الفور سيل تصريحات إسرائيلية بشأن التمسك باسترجاع الرفات الأخيرة أولاً.

محمد محمود (القاهرة)
خاص اللواء الفلسطيني سامي نسمان (إكس) play-circle

خاص سامي نسمان... قصة ضابط عادته «حماس» وعاد ليدير أمن غزة

لم يكن أشد المتفائلين بتغيير واقع الحكم في غزة، يتوقع أن تشمل قائمة «لجنة إدارة غزة» أسماء شخصيات كانت توصف بأنها من أشد خصوم «حماس»، ومنها اللواء سامي نسمان.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع (أ.ف.ب) play-circle

خاص «حماس» لا تقبل «تغييبها» عن المشهد السياسي في غزة

يبدأ العد التنازلي نحو إطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة بينما يترقب مصير «حماس»، التي كانت في صدارة مواجهة إسرائيل على مدار نحو عامين.

محمد محمود (القاهرة)

هدوء حذر في طهران... وبهلوي يدعو الإيرانيين للنزول إلى الشوارع مجدداً

رضا بهلوي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بواشنطن يوم أمس (د.ب.أ)
رضا بهلوي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بواشنطن يوم أمس (د.ب.أ)
TT

هدوء حذر في طهران... وبهلوي يدعو الإيرانيين للنزول إلى الشوارع مجدداً

رضا بهلوي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بواشنطن يوم أمس (د.ب.أ)
رضا بهلوي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في بواشنطن يوم أمس (د.ب.أ)

شجع رضا بهلوي، نجل شاه إيران المخلوع، الإيرانيين على النزول إلى الشوارع مرة أخرى في نهاية هذا الأسبوع، وذلك بعدما تم خنق الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد بعد مقتل أكثر من 2600 متظاهر على يد قوات الأمن الإيرانية.

وفي منشور على منصة «إكس»، حث نجل شاه إيران المخلوع «مواطنيه الشجعان» على «رفع أصوات غضبهم واحتجاجهم» من السبت إلى الاثنين.

وقال في المنشور، إن «العالم يرى شجاعتكم وسيقدم دعماً أوضح وأكثر عملية لثورتكم الوطنية».

وجاءت تصريحات بهلوي بعدما عادت إيران إلى الهدوء المشوب بالحذر بعد موجة من الاحتجاجات التي أدت إلى حملة قمع دموية وتحذيرات من عمليات إعدام جماعية لآلاف المعتقلين في جميع أنحاء البلاد.

سيارات تسير في وسط العاصمة الإيرانية طهران يوم أمس الجمعة (ا.ب)

وبدأت التظاهرات في إيران في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي بإضراب لتجار بازار طهران على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية، لكنها تحوّلت إلى حركة احتجاج واسعة النطاق رُفعت فيها شعارات سياسيّة من بينها إسقاط الحُكم الممسك بمقاليد البلاد منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979.وبحسب الأرقام الصادرة عن منظمة «حقوق الإنسان في إيران» التي تتّخذ من النروج مقراً، قُتل ما لا يقلّ عن 3428 متظاهراً في الاحتجاجات. لكن المنظمة نبّهت لإمكان أن يكون عدد القتلى أكبر من ذلك بكثير.

إيرانيون يسيرون في طهران بجوار لوحة إعلانية كُتب عليها بالفارسية «اعرفني.. أنا إيران» (ا.ب)

وأفادت منظمات حقوقية بأن السلطات نفذت حملات اعتقال واسعة على خلفية التظاهرات، مع تقديرات بأن عدد الموقوفين قد يصل الى 20 ألفاً.وأفادت قناة المعارضة «إيران إنترناشونال» التي تبث من الخارج، بمقتل 12 ألف شخص على الأقل، نقلاً عن مصادر حكومية وأمنية رفيعة المستوى.

وكان ترمب توعّد إيران مراراً بتدخّل عسكري أميركي في حال قتلت محتجين، وشجّع المتظاهرين الإيرانيين على السيطرة على المؤسسات الحكومية، قائلاً إن «المساعدة في طريقها» إليهم.لكن بعد مرور أسبوعين على عرضه المساعدة لأول مرة، وبعدما قتلت القوات الإيرانية، وفق تقديرات، آلاف المتظاهرين، لم يسجّل أي تحرّك أميركي، لا بل شكر ترمب الجمعة إيران على إلغائها «كل عمليات الإعدام المقرّرة» بحق متظاهرين.


تحرك روسي لكبح التوتر الإيراني ــ الإسرائيلي

إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
TT

تحرك روسي لكبح التوتر الإيراني ــ الإسرائيلي

إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)

كثفت موسكو تحركاتها الدبلوماسية لخفض التوتر الإيراني – الإسرائيلي، بالتوازي مع تراجع المخاوف من تصعيد أميركي وشيك، وفي وقت صعَّدت السلطات الإيرانية الإجراءات الأمنية المشددة لمنع تجدد الاحتجاجات.

وأعلن الكرملين، أمس، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أجرى اتصالين هاتفيين منفصلين مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عارضاً مواصلة دور الوساطة وتكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية لمنع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة مباشرة.

جاء ذلك في وقت وصل مدير جهاز الموساد الإسرائيلي ديفيد برنياع إلى واشنطن لإجراء محادثات مع المبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف.

وشكر ترمب، الجمعة، الحكومة الإيرانية لإلغائها «كل عمليات الإعدام الـ800 المقررة الأربعاء» بحق متظاهرين.

وقال البيت الأبيض إن التحذيرات لطهران لا تزال قائمة، في حين يواصل الجيش الأميركي تعزيز جاهزيته في المنطقة تحسباً لأي تطور. وأفاد موقع «أكسيوس» عن مسؤولين إسرائيليين بأنهم يتوقعون ضربة عسكرية أميركية لإيران خلال أيام رغم إعلان تأجيلها.

ويأتي هذا في حين خفّت حدّة القلق من ضربة أميركية بعد تصريحات للرئيس ترمب أفادت بتراجع عمليات القتل المرتبطة بقمع الاحتجاجات، مع تأكيد البيت الأبيض في الوقت نفسه إبقاء «كل الخيارات على الطاولة»؛ ما أبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات متباينة بين خفض التصعيد واستمرار الضغوط.


ما هو الوضع الراهن للمنشآت النووية الرئيسية بإيران؟

مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)
مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)
TT

ما هو الوضع الراهن للمنشآت النووية الرئيسية بإيران؟

مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)
مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)

انحسرت المخاوف الإقليمية من هجوم أميركي على إيران، بعد أن قال الرئيس دونالد ترمب إن طهران أكدت له أن المحتجين لن يتم إعدامهم، وبالرغم من ذلك قال البيت الأبيض إنه يبقي «جميع خياراته على الطاولة».

ونفّذت إسرائيل والولايات المتحدة آخر الهجمات الكبيرة على إيران في يونيو (حزيران) الماضي، واستهدفت بشكل أساسي المنشآت النووية الرئيسية.

ما هي المواقع النووية التي ​قصفت؟

تعرضت 3 محطات إيرانية لتخصيب اليورانيوم للقصف، محطتان في نطنز، وثالثة داخل جبل في فوردو، إضافة إلى مجمع واسع في أصفهان يضم منشآت مرتبطة بدورة الوقود النووي، ومنطقة تحت الأرض يقول دبلوماسيون إن جزءاً كبيراً من مخزون إيران من اليورانيوم المخصب كان مخزناً فيها.

صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر حُفَراً في منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم عقب الضربات الأميركية (أرشيفية - رويترز)

ما حجم الضرر الذي وقع؟

لم يسمح للوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي كانت تجري عمليات تفتيش منتظمة على المنشآت النووية قبل الهجوم، بما في ذلك نطنز وفوردو، بالوصول إلى تلك المواقع منذ قصفها.

مدخل منشأة فوردو في ضواحي مدينة قم (أرشيفية - أرنا)

وأجرت الوكالة عمليات تفتيش في منشآت أخرى لم تتضرر، لكن الحالة الدقيقة للمواقع التي تعرضت للقصف تبقى غير معروفة.

وفي تقريرها الفصلي عن إيران، الصادر في نوفمبر (تشرين الثاني)، قالت الوكالة إن 7 منشآت نووية معروفة «تأثرت بالهجمات العسكرية»، بينما لم تتأثر 13 منشأة أخرى. ولم توضح هذه التقارير حجم الأضرار التي لحقت بالمواقع المتضررة.

وبعد ‌القصف، قالت الوكالة ‌الدولية للطاقة الذرية إن أصغر محطات التخصيب الثلاث، وهي محطة التخصيب التجريبية للوقود في ‌نطنز الواقعة فوق ​الأرض، دمرت.

ورجحت ‌الوكالة أن تكون المنشآت الأكبر تحت الأرض في نطنز وفوردو قد تعرضت لأضرار بالغة على الأقل.

أما حجم الانتكاسة التي تعرض لها البرنامج النووي الإيراني فهو محل جدل. وبينما أكد ترمب مراراً أن المنشآت النووية الإيرانية دمرت، قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، في يونيو، إن إيران قد تستأنف تخصيب اليورانيوم على نطاق محدود خلال أشهر.

أجهزة طرد مركزي في صالة لتخصيب اليورانيوم بمنشأة «نطنز» قبل تعرضها لهجوم أميركي يونيو 2025 (المنظمة الذرية الإيرانية)

ماذا حدث لليورانيوم الإيراني المخصب؟

مصير اليورانيوم المخصب ليس واضحاً تماماً. فبعضه دمر في الغارات الجوية، لكن إيران لم تقدم بعد تقريراً إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول ما حدث لمنشآتها التي تعرضت للقصف، ومخزون اليورانيوم المخصب، وذلك بالرغم من تأكيد الوكالة على أن ذلك أمر عاجل وتأخر. ولا يمكن للوكالة الدولية للطاقة الذرية التحقق من ذلك إلا عندما تقدم إيران التقرير.

وقال غروسي، لوكالة «رويترز»، في سبتمبر (أيلول): «أعتقد أن هناك فهماً عاماً بأن المواد لا تزال موجودة بشكل عام. ولكن، بالطبع، يجب التحقق منها. وقد يكون ‌البعض منها قد فقد». ويقول دبلوماسيون إن الوضع لم يتغير كثيراً على ما يبدو منذ ذلك الحين.

وأضاف غروسي: «ليست لدينا مؤشرات تقودنا إلى الاعتقاد بحدوث نقل كبير للمواد».

صورة أرشيفية لمركز «نطنز» للأبحاث النووية الإيرانية على بُعد 270 كيلومتراً جنوب طهران (أ.ف.ب)

وكانت إيران تخصب اليورانيوم بدرجة نقاء تصل إلى 60 في المائة قبل وقوع الضربات. ويمكن بسهولة رفع نقاء هذا اليورانيوم إلى نحو 90 في المائة تقريباً، وهي الدرجة المطلوبة لصنع الأسلحة النووية.

وتقدر الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران كان لديها 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب إلى هذا المستوى عندما بدأ القصف. ويكفي هذا نظرياً، وفقاً لمقياس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لصنع 10 أسلحة نووية، في حالة رفع درجة النقاء بشكل أكبر. ولدى إيران أيضاً يورانيوم مخصب بمستويات أقل.

ولا تعلن الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن مكان تخزين إيران لتلك المواد. ​ويقول دبلوماسيون إن إحدى منشآت التخزين الرئيسية تحت الأرض في أصفهان يبدو أنها لم تتضرر، باستثناء قصف مدخل النفق المؤدي إليها.

مفتش من «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» يجري فحصاً داخل محطة «نطنز» النووية يوم 20 يناير 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)

ما هي المخاوف المتبقية؟

كان أحد الأسباب التي قدّمتها الولايات المتحدة وإسرائيل لتبرير القصف هو أن إيران كانت تقترب كثيراً من القدرة على إنتاج سلاح نووي. وإذا جرى تخصيب اليورانيوم إلى درجة تسمح بصنع أسلحة، يمكن استخدام اليورانيوم لصنع نواة قنبلة نووية. كما يمكن استخدامه لتغذية محطات الطاقة النووية بمستويات تخصيب مختلفة.

وتقول القوى الغربية إنه لا يوجد مبرر مدني معقول لتخصيب إيران لليورانيوم إلى هذا المستوى الانشطاري العالي. وقالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن ذلك يثير قلقاً بالغاً. ولم تقدم أي دولة أخرى على ذلك دون أن تتجه لإنتاج أسلحة نووية في نهاية المطاف.

وفي الوقت نفسه، وقبل الهجمات، قالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إنها ليس لديها أي مؤشر موثوق على وجود برنامج منسق لامتلاك أسلحة نووية في إيران، وكان هناك كثير من الجدل حول المدة التي ستستغرقها إيران لتطوير قنبلة نووية إذا قررت الاتجاه لذلك.

وتنفي طهران سعيها لامتلاك أسلحة نووية. وبصفتها طرفاً في معاهدة حظر الانتشار النووي، يحقّ لها تخصيب اليورانيوم لأغراض إنتاج الطاقة والأبحاث، ما دامت لا توجه هذه العملية نحو تطوير سلاح نووي.

منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم كما تبدو من الداخل في وسط محافظة أصفهان (رويترز)

وتمتلك إيران عدداً غير معروف من أجهزة الطرد المركزي، وهي الآلات التي يمكنها تخصيب اليورانيوم، مخزنة في مواقع غير معروفة. ولأن حجم مخزونها من اليورانيوم المخصب غير معروف الآن، فهناك خطر من أن ‌تتمكن إيران من دمج الاثنين معاً سرّاً وإنتاج يورانيوم من الدرجة التي يمكن استخدامها في صنع الأسلحة، في انتهاك لالتزاماتها بموجب معاهدة منع الانتشار النووي.

وفي الوقت الحالي، يبدو من المرجح أن عملية البحث عن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب ستستمر لبعض الوقت.