أوروبا عاجزة عن إسماع صوتها في حرب غزة وانقساماتها تطفو على السطح

شكوك إزاء خطة التحرك التي طرحها مسؤول السياسة الخارجية باسم الاتحاد

دخان يتصاعد من أبنية بعد قصف إسرائيلي لحي في مدينة غزة الأربعاء (أ.ب)
دخان يتصاعد من أبنية بعد قصف إسرائيلي لحي في مدينة غزة الأربعاء (أ.ب)
TT

أوروبا عاجزة عن إسماع صوتها في حرب غزة وانقساماتها تطفو على السطح

دخان يتصاعد من أبنية بعد قصف إسرائيلي لحي في مدينة غزة الأربعاء (أ.ب)
دخان يتصاعد من أبنية بعد قصف إسرائيلي لحي في مدينة غزة الأربعاء (أ.ب)

مرة أخرى تكشف دول الاتحاد الأوروبي الـ27 عن عجزها عن التوافق على خط سياسي واحد إزاء التطورات الدرامية المتسارعة في حرب غزة. وثمة مفارقة تكمن في قدرتها، من جهة، على الوقوف صفاً واحداً في إدانة الهجوم «الإرهابي» الذي قامت به «حماس» ضد غلاف قطاع غزة صباح السبت الماضي والتأكيد على حق إسرائيل في الدفاع عن النفس والسكوت، ومن جهة ثانية، على عمليات القصف الجوي الإسرائيلي ضد أهداف مدنية ودفع عشرات الآلاف من الغزيين إلى النزوح من بيوتهم إلى مناطق ليست آمنة، فضلاً عن وقوع مئات القتلى بينهم العشرات من الأطفال والنساء.

وبرز كذلك العجز والانقسام الأوروبيان، في جانب آخر، حول مصير المساعدات التي يقدمها الاتحاد للفلسطينيين، سواء أكانت المساعدات التنموية أو المساعدات الإنسانية التي تذهب في جزء منها إلى السلطة الفلسطينية، وفي جزء آخر إلى مؤسسات الإغاثة الدولية في الضفة الغربية وفي غزة.

وقياساً لما يقدمه الاتحاد لأوكرانيا، منذ انطلاق الحرب الروسية عليها في فبراير (شباط) من العام الماضي، فإن المخصصات الفلسطينية لا يعدو كونها قطرة في بحر.

وأظهرت معلومات توافرت عن اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأخير مدى الانقسام العميق الذي يعتمل أعضاء الاتحاد في موضوع المساعدات.

فبعد الجدل الذي تسبب به مفوض الشؤون السياسية للجوار الأوروبي أوليفر فارهيلي، المجري الجنسية والمقرب من رئيس الوزراء فيكتور أوربان، اليميني المتطرف وصديق بنيامين نتنياهو، في تغريدته التي أشار فيها إلى «تعليق» المساعدات للفلسطينيين، «بمفعول (فوري)»، برز التباين في مواقف الأوروبيين. فمن جهة، اعتبرت خمس دول أوروبية هي «إسبانيا وآيرلندا والبرتغال وبلجيكا ولوكسمبورغ» أن المفوض المجري «تجاوز سلطاته» وأنه «لم يكن مخولاً» باتخاذ قرار بهذا المعنى.

لم تكن المرة الأولى التي بين فيها أوليفر فارهيلي عن تحيزه لإسرائيل ومعاداته للطرف الفلسطيني، إذ سعى العام الماضي إلى تجميد المساعدات ورهن معاودتها بمراجعة المناهج والكتب المدرسية الفلسطينية. وفي شهر مايو (أيار)، اقترحت المجر (هنغاريا) على إسرائيل مساعدتها لمنع إدانتها أمام محكمة العدل الدولية.

ومن جانب آخر، أكدت فرنسا وإيطاليا أنهما «تعارضان» وقف المساعدات، الأمر الذي التزمت به سلوفينيا كذلك. وبالمقابل، فإن دولاً مكسوبة الولاء لإسرائيل مثل ألمانيا والنمسا فقد عمدتا، الثلاثاء، إلى تجميد مساعداتهما الثنائية للطرف الفلسطيني.

وكانت برلين قد ضمنت «وثيقة الأمن الوطني» الصادرة في شهر يونيو (حزيران) من العام الماضي تأكيدات مفادها بأن ألمانيا «تتحمل مسؤولية الدفاع عن حق إسرائيل في الوجود»، وأنها تعتبر علاقتها بها شبيهة وفي المستوى نفسه لعلاقاتها مع شركائها الأوروبيين.

والثلاثاء أيضاً، أعلنت الدنمارك والسويد تعليق معوناتهما التنموية للفلسطينيين، فيما المساعدات الإنسانية متواصلة. وأشارت كوبنهاغن إلى أنها «أطلقت دراسة لضمان أن الأموال الدنماركية لا يساء استخدامها وبخاصة لدعم منظمات إرهابية تهاجم إسرائيل بشكل غير مباشر». وكانت كوبنهاغن قد رصدت 31.6 مليون يورو كمساعدات تنموية لعام 2023. وهذا المبلغ تم تجميده.

من جانبها، حذت السويد حذو الدنمارك. وجاء الإعلان عن طريق وزير شؤون التنمية يوهان فورسيل الذي قال إن المساعدات «جمدت حتى إشعار آخر». ومن خارج الاتحاد، قررت بريطانيا «مراجعة مساعداتها الثنائية».

مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي خلال مؤتمر صحافي في مسقط في 10 أكتوبر (أ.ف.ب)

ما بين الداعين لمعاقبة الفلسطينيين والمدافعين عن استمرار المساعدات الأوروبية على المستوى الجماعي (وليس الثنائي) استقر الرأي على حل وسط يقوم على مواصلة الدعم الإنساني و«مراجعة» المساعدات التنموية.

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، الأربعاء، إن «دعمنا الإنساني للشعب الفلسطيني ليس موضع شك. ومع ذلك، فمن المهم أن نراجع بدقة مساعداتنا المالية لفلسطين». وأضافت: «إن تمويل الاتحاد الأوروبي لم ولن يرسل أبداً إلى (حماس) أو إلى أي كيان إرهابي آخر، لذلك سوف نعيد النظر في محفظتنا بأكملها في ضوء التطورات الحاصلة ميدانياً».

تقول مصادر فرنسية معنية إن الخلافات بشأن تمويل المخصص للفلسطينيين تعكس تضارب المواقف من الملف الفلسطيني - الإسرائيلي ككل حيث الانقسامات عميقة أصلاً بين الدول التي تؤيد إسرائيل في كل زمان ومكان وبين الدول التي تسعى لمواقف متوازنة. وهذه الانقسامات منعت الاتحاد الأوروبي من أن يلعب دوراً فاعلاً في الملف المذكور في العقود الأخيرة، خصوصاً أن إسرائيل كانت تعارض دوماً أي مبادرة أوروبية فيما كان جانب مهم من الأوروبيين ملتصقاً حرفياً بما تقوله وتقرره واشنطن.

ورغم الانقسامات، فقد عبّر وزير الخارجية الأوروبي جوزيب بوريل عن موقف واضح وقوي في رفضه الحصار المطبق الذي فرضته إسرائيل على قطاع غزة وحرمانه من المياه والكهرباء والمواد الغذائية والطاقة، واعتباره أن هذه الإجراءات تخالف نصوص القوانين الدولية كما ذكرت بذلك الأمم المتحدة ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان.

وفي أي حال، رأى بوريل أن «معاقبة كل الشعب الفلسطيني من شأنها أن تضر بمصالح الاتحاد الأوروبي والمنطقة وتقوي الإرهابيين».

ولخص بوريل مطالب الأوروبيين، بعد إدانة العمليات الإرهابية واستهداف المدنيين، وهو ما كان قد فعله يوم السبت الماضي، مشيراً إلى إطلاق سراح الرهائن وحماية المدنيين والتراجع عن الحصار ومنع المياه والكهرباء والغذاء عن المدنيين في غزة، وفتح ممرات إنسانية وتسهيل تنقل السكان إلى مصر وتحضير مرحلة ما بعد الحرب.

ما قاله بوريل يعد، إلى حد ما، خريطة طريق. ولكن هل ستجد سبيلاً للتنفيذ؟ كثيرون يبدون شكوكاً إزاء هذا الطرح، والتطورات الميدانية لا تنبئ بأن ما يدعو إليه المسؤول الأوروبي هو التوجه الغالب في المرحلة الراهنة.


مقالات ذات صلة

«حماس» متشبثة بـ«جدول زمني» لالتزامات إسرائيل قبل «نزع السلاح»

خاص أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب) p-circle

«حماس» متشبثة بـ«جدول زمني» لالتزامات إسرائيل قبل «نزع السلاح»

بلورت «حماس» رداً على مطالبتها والفصائل الفلسطينية ببدء «نزع السلاح» وأكدت مصادر لـ«الشرق الأوسط» أن الرد يرتكز على «التشبث بجدول زمني» لالتزامات إسرائيل أولاً.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يستقبل البابا ليو الرابع عشر بعد هبوطه في مطار هواري بومدين الدولي في العاصمة الجزائر... 13 أبريل 2026 (د.ب.أ) p-circle 00:51

رئيس الجزائر: أدعو مع البابا ليو بالأمن والأمان لمنطقة الخليج ولبنان

دعا الرئيس الجزائري، خلال لقائه بابا الفاتيكان، بالأمن والأمان لمنطقة الخليج ولبنان.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
المشرق العربي صورتان لآية سلامة بعد عمليات التجميل في مصر (الطبيب المعالج)

سيدة من غزة تروي قصة «استعادة» وجهها بعد الحرب

جاءت آية سلامة إلى مصر من أجل ترميم وتجميل وجهها بعد تشوهه في قصف إسرائيلي مطلع الحرب على غزة.

يسرا سلامة (القاهرة)
المشرق العربي أعضاء اللجنة التوجيهية لأسطول الصمود العالمي ومنظمة «أوبن آرمز»  يحضرون مؤتمراً صحافياً بينما يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة (رويترز)

أسطول مساعدات جديد يسعى لكسر الحصار الإسرائيلي على غزة

من المقرَّر أن ينطلق أسطول ثانٍ يحمل مساعدات إنسانية إلى الفلسطينيين في قطاع غزة، اليوم (الأحد)، من ميناء برشلونة الإسباني.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
خاص فلسطينيان متأثران خلال تشييع قتلى سقطوا بغارة إسرائيلية في دير البلح وسط قطاع غزة السبت (د.ب.أ)

خاص الاستهدافات الإسرائيلية تركز على «القوة المشتركة» في غزة

قتلت «مسيّرة» إسرائيلية، بعد منتصف ليل الجمعة - السبت، 6 من نشطاء «كتائب القسام» الجناح العسكري لحركة «حماس»، خلال انتشارهم في مخيم البريج شرق وسط قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

ترمب يهاجم ميلوني لعدم دعمها الحرب على إيران

صورة مركبة لترمب وميلوني وجهاً لوجه (أ.ف.ب)
صورة مركبة لترمب وميلوني وجهاً لوجه (أ.ف.ب)
TT

ترمب يهاجم ميلوني لعدم دعمها الحرب على إيران

صورة مركبة لترمب وميلوني وجهاً لوجه (أ.ف.ب)
صورة مركبة لترمب وميلوني وجهاً لوجه (أ.ف.ب)

كان يفترض أن تكون رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني جسر أوروبا إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكن هذا الجسر ربما يكون بصدد الاحتراق الآن، وفق ما أوردته «وكالة الأنباء الألمانية».

فبعد توبيخه للبابا ليو الرابع عشر، حول ترمب غضبه أيضاً إلى ميلوني، التي تعد منذ فترة طويلة من أقرب حلفائه الأوروبيين، بسبب وصفها هجومه على البابا بأنه «غير مقبول»، وعدم دعمها الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران.

وقال ترمب في مقابلة مع صحيفة «كوريري ديلا سيرا» الإيطالية: «كنت أعتقد أنها تتمتع بالشجاعة، لكنني كنت مخطئاً».

ولم ترد ميلوني بشكل مباشر على هجمات ترمب. لكن هذه الهجمات قد تصب في مصلحتها، إذ إنها تتعافى من هزيمة حاسمة في استفتاء الشهر الماضي، وتسعى في الوقت نفسه إلى التخفيف من تداعيات الحرب على إيران التي تواجه معارضة شعبية عميقة، بما في ذلك ارتفاع أسعار الطاقة.

وشدد ترمب اليوم على موقفه مجدداً، مؤكداً أن العلاقة بينهما قد تدهورت. وأضاف في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»: «إنها كانت سلبية، وأي شخص رفض مساعدتنا في هذا الموقف المتعلق بإيران لن تربطنا به علاقة جيدة».


نتنياهو: قواتنا ستواصل استهداف «حزب الله»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القدس - 19 مارس 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القدس - 19 مارس 2026 (رويترز)
TT

نتنياهو: قواتنا ستواصل استهداف «حزب الله»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القدس - 19 مارس 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القدس - 19 مارس 2026 (رويترز)

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين ​نتنياهو، الأربعاء، إن الجيش يواصل ضرب جماعة «حزب الله» اللبنانية، وإنه على ‌وشك «اجتياح» منطقة ‌بنت ​جبيل، في ‌ظل ⁠تزايد ​الضغوط من ⁠أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين إسرائيل ولبنان.

وذكر نتنياهو، في ⁠بيان مصوّر، أنه ‌أصدر ‌تعليمات ​للجيش ‌بمواصلة تعزيز المنطقة الأمنية ‌في جنوب لبنان.

وفيما يتعلق بإيران، قال نتنياهو إن ‌الولايات المتحدة تبقي إسرائيل على اطلاع بالمستجدات، ⁠وإن ⁠الجانبين على اتفاق. وأضاف: «نحن مستعدون لأي سيناريو» في حال فشل وقف إطلاق النار مع إيران.


بأسلاك شائكة... مستوطنون إسرائيليون يقطعون طريق أطفال فلسطينيين إلى مدارسهم

دورية للجيش الإسرائيلي في رام الله (رويترز)
دورية للجيش الإسرائيلي في رام الله (رويترز)
TT

بأسلاك شائكة... مستوطنون إسرائيليون يقطعون طريق أطفال فلسطينيين إلى مدارسهم

دورية للجيش الإسرائيلي في رام الله (رويترز)
دورية للجيش الإسرائيلي في رام الله (رويترز)

كانت هاجر ورشيد حثلين يذهبان دائماً إلى المدرسة من حيهما في ضواحي قرية أم الخير في مدينة رام الله بالضفة الغربية. ولكن عندما استؤنفت الدراسة هذا الأسبوع للمرة الأولى منذ بدء الحرب الإيرانية، تم قطع طريق الأخوين الفلسطينيين إلى وسط القرية بأسلاك شائكة ملفوفة.

وقام المستوطنون الإسرائيليون بتثبيت الأسلاك خلال الليل، وفقاً لفيديو قدمه سكان فلسطينيون إلى وكالة «أسوشييتد برس». ويقول الفلسطينيون إن السياج المرتجل هو آخر محاولة من المستوطنين لتوسيع نطاق السيطرة على جزء من الضفة الغربية المحتلة حيث تحدث عمليات هدم وحرائق وتخريب مدعومة من الدولة بشكل منتظم ونادراً ما يتم مقاضاة عنف المستوطنين، الذي يكون قاتلا في بعض الأحيان.

وقد تمت تغطية محنة سكان القرية في الفيلم الوثائقي الحائز على جائزة الأوسكار عام 2024 بعنوان «لا أرض أخرى»، لكن الدعاية لم تفعل الكثير لوقف إراقة الدماء أو الحد من الاستيلاء على الأراضي. ويقولون إن إسرائيل استخدمت غطاء الحرب الإيرانية لتشديد قبضتها على المنطقة، مع تصاعد هجمات المستوطنين وفرض الجيش قيوداً إضافية على الحركة في زمن الحرب، بزعم أن هذا لأسباب أمنية.