أوروبا عاجزة عن إسماع صوتها في حرب غزة وانقساماتها تطفو على السطح

شكوك إزاء خطة التحرك التي طرحها مسؤول السياسة الخارجية باسم الاتحاد

دخان يتصاعد من أبنية بعد قصف إسرائيلي لحي في مدينة غزة الأربعاء (أ.ب)
دخان يتصاعد من أبنية بعد قصف إسرائيلي لحي في مدينة غزة الأربعاء (أ.ب)
TT

أوروبا عاجزة عن إسماع صوتها في حرب غزة وانقساماتها تطفو على السطح

دخان يتصاعد من أبنية بعد قصف إسرائيلي لحي في مدينة غزة الأربعاء (أ.ب)
دخان يتصاعد من أبنية بعد قصف إسرائيلي لحي في مدينة غزة الأربعاء (أ.ب)

مرة أخرى تكشف دول الاتحاد الأوروبي الـ27 عن عجزها عن التوافق على خط سياسي واحد إزاء التطورات الدرامية المتسارعة في حرب غزة. وثمة مفارقة تكمن في قدرتها، من جهة، على الوقوف صفاً واحداً في إدانة الهجوم «الإرهابي» الذي قامت به «حماس» ضد غلاف قطاع غزة صباح السبت الماضي والتأكيد على حق إسرائيل في الدفاع عن النفس والسكوت، ومن جهة ثانية، على عمليات القصف الجوي الإسرائيلي ضد أهداف مدنية ودفع عشرات الآلاف من الغزيين إلى النزوح من بيوتهم إلى مناطق ليست آمنة، فضلاً عن وقوع مئات القتلى بينهم العشرات من الأطفال والنساء.

وبرز كذلك العجز والانقسام الأوروبيان، في جانب آخر، حول مصير المساعدات التي يقدمها الاتحاد للفلسطينيين، سواء أكانت المساعدات التنموية أو المساعدات الإنسانية التي تذهب في جزء منها إلى السلطة الفلسطينية، وفي جزء آخر إلى مؤسسات الإغاثة الدولية في الضفة الغربية وفي غزة.

وقياساً لما يقدمه الاتحاد لأوكرانيا، منذ انطلاق الحرب الروسية عليها في فبراير (شباط) من العام الماضي، فإن المخصصات الفلسطينية لا يعدو كونها قطرة في بحر.

وأظهرت معلومات توافرت عن اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأخير مدى الانقسام العميق الذي يعتمل أعضاء الاتحاد في موضوع المساعدات.

فبعد الجدل الذي تسبب به مفوض الشؤون السياسية للجوار الأوروبي أوليفر فارهيلي، المجري الجنسية والمقرب من رئيس الوزراء فيكتور أوربان، اليميني المتطرف وصديق بنيامين نتنياهو، في تغريدته التي أشار فيها إلى «تعليق» المساعدات للفلسطينيين، «بمفعول (فوري)»، برز التباين في مواقف الأوروبيين. فمن جهة، اعتبرت خمس دول أوروبية هي «إسبانيا وآيرلندا والبرتغال وبلجيكا ولوكسمبورغ» أن المفوض المجري «تجاوز سلطاته» وأنه «لم يكن مخولاً» باتخاذ قرار بهذا المعنى.

لم تكن المرة الأولى التي بين فيها أوليفر فارهيلي عن تحيزه لإسرائيل ومعاداته للطرف الفلسطيني، إذ سعى العام الماضي إلى تجميد المساعدات ورهن معاودتها بمراجعة المناهج والكتب المدرسية الفلسطينية. وفي شهر مايو (أيار)، اقترحت المجر (هنغاريا) على إسرائيل مساعدتها لمنع إدانتها أمام محكمة العدل الدولية.

ومن جانب آخر، أكدت فرنسا وإيطاليا أنهما «تعارضان» وقف المساعدات، الأمر الذي التزمت به سلوفينيا كذلك. وبالمقابل، فإن دولاً مكسوبة الولاء لإسرائيل مثل ألمانيا والنمسا فقد عمدتا، الثلاثاء، إلى تجميد مساعداتهما الثنائية للطرف الفلسطيني.

وكانت برلين قد ضمنت «وثيقة الأمن الوطني» الصادرة في شهر يونيو (حزيران) من العام الماضي تأكيدات مفادها بأن ألمانيا «تتحمل مسؤولية الدفاع عن حق إسرائيل في الوجود»، وأنها تعتبر علاقتها بها شبيهة وفي المستوى نفسه لعلاقاتها مع شركائها الأوروبيين.

والثلاثاء أيضاً، أعلنت الدنمارك والسويد تعليق معوناتهما التنموية للفلسطينيين، فيما المساعدات الإنسانية متواصلة. وأشارت كوبنهاغن إلى أنها «أطلقت دراسة لضمان أن الأموال الدنماركية لا يساء استخدامها وبخاصة لدعم منظمات إرهابية تهاجم إسرائيل بشكل غير مباشر». وكانت كوبنهاغن قد رصدت 31.6 مليون يورو كمساعدات تنموية لعام 2023. وهذا المبلغ تم تجميده.

من جانبها، حذت السويد حذو الدنمارك. وجاء الإعلان عن طريق وزير شؤون التنمية يوهان فورسيل الذي قال إن المساعدات «جمدت حتى إشعار آخر». ومن خارج الاتحاد، قررت بريطانيا «مراجعة مساعداتها الثنائية».

مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي خلال مؤتمر صحافي في مسقط في 10 أكتوبر (أ.ف.ب)

ما بين الداعين لمعاقبة الفلسطينيين والمدافعين عن استمرار المساعدات الأوروبية على المستوى الجماعي (وليس الثنائي) استقر الرأي على حل وسط يقوم على مواصلة الدعم الإنساني و«مراجعة» المساعدات التنموية.

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، الأربعاء، إن «دعمنا الإنساني للشعب الفلسطيني ليس موضع شك. ومع ذلك، فمن المهم أن نراجع بدقة مساعداتنا المالية لفلسطين». وأضافت: «إن تمويل الاتحاد الأوروبي لم ولن يرسل أبداً إلى (حماس) أو إلى أي كيان إرهابي آخر، لذلك سوف نعيد النظر في محفظتنا بأكملها في ضوء التطورات الحاصلة ميدانياً».

تقول مصادر فرنسية معنية إن الخلافات بشأن تمويل المخصص للفلسطينيين تعكس تضارب المواقف من الملف الفلسطيني - الإسرائيلي ككل حيث الانقسامات عميقة أصلاً بين الدول التي تؤيد إسرائيل في كل زمان ومكان وبين الدول التي تسعى لمواقف متوازنة. وهذه الانقسامات منعت الاتحاد الأوروبي من أن يلعب دوراً فاعلاً في الملف المذكور في العقود الأخيرة، خصوصاً أن إسرائيل كانت تعارض دوماً أي مبادرة أوروبية فيما كان جانب مهم من الأوروبيين ملتصقاً حرفياً بما تقوله وتقرره واشنطن.

ورغم الانقسامات، فقد عبّر وزير الخارجية الأوروبي جوزيب بوريل عن موقف واضح وقوي في رفضه الحصار المطبق الذي فرضته إسرائيل على قطاع غزة وحرمانه من المياه والكهرباء والمواد الغذائية والطاقة، واعتباره أن هذه الإجراءات تخالف نصوص القوانين الدولية كما ذكرت بذلك الأمم المتحدة ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان.

وفي أي حال، رأى بوريل أن «معاقبة كل الشعب الفلسطيني من شأنها أن تضر بمصالح الاتحاد الأوروبي والمنطقة وتقوي الإرهابيين».

ولخص بوريل مطالب الأوروبيين، بعد إدانة العمليات الإرهابية واستهداف المدنيين، وهو ما كان قد فعله يوم السبت الماضي، مشيراً إلى إطلاق سراح الرهائن وحماية المدنيين والتراجع عن الحصار ومنع المياه والكهرباء والغذاء عن المدنيين في غزة، وفتح ممرات إنسانية وتسهيل تنقل السكان إلى مصر وتحضير مرحلة ما بعد الحرب.

ما قاله بوريل يعد، إلى حد ما، خريطة طريق. ولكن هل ستجد سبيلاً للتنفيذ؟ كثيرون يبدون شكوكاً إزاء هذا الطرح، والتطورات الميدانية لا تنبئ بأن ما يدعو إليه المسؤول الأوروبي هو التوجه الغالب في المرحلة الراهنة.


مقالات ذات صلة

غزة تستعد لأول انتخابات محلية منذ عقدين

خاص صبي فلسطيني يمر قرب لافتات لمرشحي الانتخابات المحلية في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)

غزة تستعد لأول انتخابات محلية منذ عقدين

تشهد مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية على مستوى القطاع منذ عقدين تقريباً؛ في مشهد انتخابي ينطلق السبت، بالتزامن مع الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
يوميات الشرق بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)

في مواجهة شحّ التبغ في القطاع... الغزيون يدخنون الملوخية

لم تعد الملوخية مجرد طبق تقليدي على موائد السكان في قطاع غزة، بل تحوّلت، تحت وطأة الحرب وشحّ التبغ، إلى بديل غير مألوف للسجائر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي طفل يسير في مقبرة خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

غزو القوارض والحشرات يفاقم معاناة النازحين في غزة

يواجه النازحون في غزة داخل المخيمات المكتظة الكثير من المشاكل والتحديات قد يتمثل أكثرها إلحاحاً في غزو القوارض والحشرات لخيامهم الرثة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون نازحون يحملون جثمان أيمن أبو حسنة خلال جنازته في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة أمس والذي أفادت التقارير بمقتله ليلاً في غارة إسرائيلية أثناء قيادته دراجة نارية (أ.ف.ب)

مقتل 5 في غارات إسرائيلية متفرقة على قطاع غزة

مسعفون يفيدون بمقتل 5 في غارات إسرائيلية منفصلة، وسكان يفيدون بوقوع اشتباك بين «حماس» ومجموعة مسلحة مدعومة من إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي جانب من الدمار في قطاع غزة جراء الحرب (رويترز - أرشيفية)

«مجلس السلام»: خطة غزة تحتاج إلى إحراز تقدم سريع والمحادثات «ليست سهلة»

قال كبير مبعوثي «مجلس السلام» إلى غزة، اليوم (الاثنين)، إنه «متفائل إلى حد ما» بإمكان التوصل إلى اتفاق بشأن خطة نزع سلاح حركة «حماس».

«الشرق الأوسط» (غزة)

إيران تنقل سفينتين احتجزتهما إلى أحد موانئها

السيطرة على السفينة «إم إس سي ​فرنشيسكا» في مضيق هرمز (لقطة من فيديو)
السيطرة على السفينة «إم إس سي ​فرنشيسكا» في مضيق هرمز (لقطة من فيديو)
TT

إيران تنقل سفينتين احتجزتهما إلى أحد موانئها

السيطرة على السفينة «إم إس سي ​فرنشيسكا» في مضيق هرمز (لقطة من فيديو)
السيطرة على السفينة «إم إس سي ​فرنشيسكا» في مضيق هرمز (لقطة من فيديو)

ذكرت مصادر، اليوم الخميس، أن سفينتيْ حاويات احتجزتهما إيران قرب مضيق هرمز، وعلى متنهما نحو 40 من طاقميهما، جرى توجيههما نحو ميناء بندر عباس، وذلك بعد أن توعدت ​طهران بالرد على احتجاز القوات الأميركية سفينة إيرانية قبل ثلاثة أيام.

واحتجز «الحرس الثوري» الإيراني السفينتين، أمس الأربعاء، وإحداهما تديرها شركة «إم إس سي»، أكبر مجموعة شحن حاويات في العالم. وقالت ثلاثة مصادر إن الأخرى مستأجَرة من الشركة نفسها.

وقال قريب لأحد البحّارة المحتجَزين، لوكالة «رويترز»: «اقتحم السفينة نحو 20 إيرانياً مدججين بالسلاح. والبحّارة تحت سيطرة الإيرانيين، وحركتهم على متن السفينة محدودة، لكن الإيرانيين يعاملونهم معاملة حسنة».

وقال فيليب رادولوفيتش، وزير الشؤون البحرية في الجبل الأسود، لهيئة الإذاعة والتلفزيون «آر تي سي جي» الحكومية: «السفينة راسية على بُعد تسعة أميال بحرية ‌من الساحل الإيراني. ‌المفاوضات بين (إم إس سي) وإيران جارية، وبحّارتنا بخير».

وأضاف أن أربعة ​بحّارة ‌على متن السفينة «إم إس سي ​فرنشيسكا»، بمن فيهم القبطان، من مواطني الجبل الأسود. وأكدت وزارة الخارجية الكرواتية وجود اثنين من رعاياها على متن السفينة.

ولم تتوفر تفاصيل كاملة عن طاقم السفينة التي ترفع عَلَم بنما، لكن سفن الحاويات الكبيرة تحتاج عادةً إلى 20 فرداً على الأقل. وأحجمت «إم إس سي» عن التعليق.

ويقول خفر السواحل اليوناني إن السفينة «إيبامينونداس» التي ترفع عَلَم ليبيريا تضم طاقماً مكوناً من 21 فرداً من الأوكرانيين والفلبينيين. وكانت السفينة متجهة إلى الهند.

وأفادت التقارير بأن طاقمَي السفينتين بخير، لكن السلطات في بلديهما قالت إنها تسعى ‌للحصول على معلومات حول سلامة البحّارة وتعمل على ‌إطلاق سراحهم. ولم يجرِ الكشف عن أي معلومات حول ​الشحنة التي كانت تحملها السفينتان، إنْ وُجدت.

وجرى ‌إيقاف أنظمة التتبع في السفينتين، لكن مصادر أمنية بحرية قالت إن بيانات ‌الشحن تشير إلى أنهما قريبتان من بندر عباس.

احتجاز سفينة إيرانية

في 19 أبريل (نيسان) الحالي، أطلقت القوات الأميركية النار على سفينة الشحن «توسكا» التي ترفع العَلم الإيراني، واحتجزتها.

وقال متحدث عسكري، رداً على ذلك: «ستردّ القوات المسلّحة الإيرانية قريباً، وتنتقم من هذه القرصنة المسلّحة ‌التي ارتكبها الجيش الأميركي».

وطالبت وزارة الخارجية الإيرانية بالإفراج الفوري عن السفينة وطاقمها وعائلاتهم. ولم يجرِ الكشف عن أي تفاصيل بشأن طاقم السفينة.

أسعار النفط وتدفقه

قفزت أسعار النفط بسبب تضاؤل احتمالات إعادة فتح المضيق سريعاً، ويمر من المضيق عادةً 20 في المائة من الإمدادات اليومية العالمية من النفط والغاز الطبيعي المُسال.

وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت القياسي 2 في المائة لتصل إلى 102 دولار للبرميل اليوم، مقارنة مع 72 دولاراً قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وردّت الولايات المتحدة بفرض حصار يستهدف عمليات الشحن المرتبطة بإيران في 13 أبريل. وقالت القيادة المركزية الأميركية، أمس الأربعاء، إن قواتها أمرت نحو 31 سفينة بتغيير مسارها أو العودة إلى الميناء.

وقالت وزارة الدفاع الأميركية، اليوم، إنها اعتلت الناقلة «إم تي ماجستيك» المحملة بالنفط الإيراني في المحيط الهندي، وذلك بالإضافة إلى ثلاث ناقلات جرى اعتراضها في اليوم السابق.

وقالت شركة ​تحليل البيانات «فورتيكسا» إنها أحصت ست ناقلات تحمل ​أكثر من 10 ملايين برميل من النفط الخام الإيراني تَعبر المضيق وتخرج من المنطقة المحاصَرة بين 13 و21 أبريل.


نجل شاه إيران السابق يناشد الدول الغربية تقديم الدعم

رضا بهلوي وزوجته ياسمين في برلين (أ.ف.ب)
رضا بهلوي وزوجته ياسمين في برلين (أ.ف.ب)
TT

نجل شاه إيران السابق يناشد الدول الغربية تقديم الدعم

رضا بهلوي وزوجته ياسمين في برلين (أ.ف.ب)
رضا بهلوي وزوجته ياسمين في برلين (أ.ف.ب)

ناشد نجل ‌الشاه السابق الدول الغربية الانضمام إلى الحرب ضد إيران، وانتقد قرار الحكومة الألمانية عدم مقابلته، خلال زيارته برلين، ​اليوم الخميس.

واتهم رضا بهلوي، الذي أُطيح بوالده في الثورة عام 1979، أوروبا بالوقوف مكتوفة الأيدي والسماح لحكومة طهران بمواصلة ما وصفه بالقمع الدموي للاحتجاجات التي أودت بحياة الآلاف، أواخر العام الماضي.

وقال، في مؤتمر صحافي عقده ببرلين: «السؤال ليس: ‌هل سيحدث التغيير أم لا. ​التغيير ‌آتٍ... ⁠السؤال الحقيقي ​هو: ⁠كم عدد الإيرانيين الذين سيفقدون أرواحهم بينما تكتفي الديمقراطيات الغربية بالمشاهدة».

وشهد وسط برلين خروج كل من المؤيدين والمعارضين في مظاهرات، وجرى احتجاز شخص بعد أن رشّ بهلوي، الذي ظهر بين المتظاهرين، بنوع من السوائل أحمر اللون.

زعيم محتمل؟

برز بهلوي، الذي أمضى ⁠معظم حياته في المنفى، بوصفه زعيماً محتملاً ‌للمعارضة بعد اندلاع الاحتجاجات ‌المناهضة للحكومة في طهران ومدن إيرانية ​أخرى، العام الماضي.

لكن ‌حركات المعارضة الإيرانية منقسمة بشدة، ويتوخى عدد ‌من الحكومات الغربية الحذر في إعلان تأييدها إياه؛ لأن حجم الدعم الشعبي الذي يحظى به لا يزال غامضاً بعد مرور ما يقرب من نصف قرن على الإطاحة بحكم ‌والده.

واستبعدت دول أوروبية، بما في ذلك ألمانيا، الانضمام إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين ⁠شنتا ⁠الحرب، في 28 فبراير (شباط) الماضي، بموجة من الغارات الجوية التي أسفرت عن مقتل المرشد علي خامنئي.

جاءت زيارة بهلوي لألمانيا فيما يبدو أن الجهود الرامية إلى إنهاء الصراع توقفت مع استمرار إيران والولايات المتحدة في فرض السيطرة على مضيق هرمز الحيوي الذي يمر عبره نحو خمس إنتاج النفط العالمي.

وأبدى بهلوي أسفه لأن حكومة المستشار فريدريش ​ميرتس لم تعرض عليه ​عقد اجتماع، خلال زيارته ألمانيا. وقال: «مارسوا حقكم. بصفتكم ديمقراطيات، يحق لكم التحدث مع من تشاؤون».


كواليس القرار العسكري الأميركي الإسرائيلي في الحرب على إيران

قائد «سنتكوم» الأميرال براد كوبر خلال زيارة إلى إسرائيل بدعوة من رئيس الأركان إيال زامير لتعزيز التنسيق العسكري والشراكة الدفاعية بين الجانبين الأحد (الجيش الإسرائيلي-إكس)
قائد «سنتكوم» الأميرال براد كوبر خلال زيارة إلى إسرائيل بدعوة من رئيس الأركان إيال زامير لتعزيز التنسيق العسكري والشراكة الدفاعية بين الجانبين الأحد (الجيش الإسرائيلي-إكس)
TT

كواليس القرار العسكري الأميركي الإسرائيلي في الحرب على إيران

قائد «سنتكوم» الأميرال براد كوبر خلال زيارة إلى إسرائيل بدعوة من رئيس الأركان إيال زامير لتعزيز التنسيق العسكري والشراكة الدفاعية بين الجانبين الأحد (الجيش الإسرائيلي-إكس)
قائد «سنتكوم» الأميرال براد كوبر خلال زيارة إلى إسرائيل بدعوة من رئيس الأركان إيال زامير لتعزيز التنسيق العسكري والشراكة الدفاعية بين الجانبين الأحد (الجيش الإسرائيلي-إكس)

كشفت مصادر إسرائيلية كواليس القرار الذي قاد إلى الحرب على إيران، مشيرة إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اتخذا القرارات النهائية بشأن الحرب والهدنة، في حين برزت ثلاث شخصيات عسكرية بوصفها الأكثر تأثيراً بعدهما: رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية دان كين، وقائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر.

ووفق تحقيق حصري، لصحيفة «جيروزاليم بوست»، كان زامير عاملاً أساسياً في إقناع كين وكوبر بأن الحرب ممكنة وقابلة للتنفيذ، بما دفعهما إلى دعمها أو عدم معارضتها. ثم لعب كين دوراً حاسماً في إقناع ترمب بإمكانية خوض الحرب، رغم شكوكه بشأن جوانب مهمة منها. كما ارتبط موقفه بقرارات ترمب المتكررة بإعلان وقف إطلاق نار أحادي، خشية كلفة التصعيد على الأرواح الأميركية والموقع السياسي.

وكان نتنياهو، خلال زيارة طارئة إلى واشنطن في 12 فبراير (شباط) الماضي، قد عرَضَ على ترمب خطة من أربع خطوات هي: اغتيال المرشد علي خامنئي وكبار المسؤولين العسكريين والاستخباراتيين، وتدمير قدرات إيران الصاروخية والطائرات المُسيرة، وإثارة انتفاضة داخلية ثم تحويلها إلى تغيير النظام، وهجوم بري محتمل من قِبل الأكراد الذين يعيشون على الحدود بين إيران والعراق.

غير أن أياً من القادة الثلاثة لم يؤمن فعلياً بالخطوتين الثالثة والرابعة، مع استعداد زامير للمخاطرة بهما، مقابل تركيز كين وكوبر على الخطوتين الأوليين. ودفع هذا التباين نحو تغيير النظام ومحاولة تجنب الانخراط المباشر فيه، دون إعلان معارضة، كان له أثر مباشر على مسار الحرب.

وفي توزيع الأدوار، كلّفت إسرائيل باستهداف القادة ومراكز «الحرس الثوري» و«الباسيج» والقدرات العسكرية، في حين ركزت الولايات المتحدة على القدرات الإيرانية. وأبقى ترمب، بتأثير من كين وبدعم من كوبر، بلاده خارج الانخراط المباشر في تغيير النظام، رغم دعواته اللاحقة العلنية لذلك.

كما أشار التحقيق إلى أن الجهود الإسرائيلية للتأثير على قرار الحرب ركزت، بشكل خاص، على كين، من خلال زيارات زامير ومدير «الموساد» ديفيد برنياع، ورئيس الاستخبارات العسكرية شلومي بيندر، إلى واشنطن.

وفي المقابل، كان كوبر أقل تدخلاً في قرار الذهاب إلى الحرب، وركز على بناء خياراتها، مع دور رئيسي في تقسيم الأهداف جغرافياً بين إسرائيل والولايات المتحدة.

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير مع قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر والمبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر (الجيش الإسرائيلي)

منطق التوقيت

وتطرقت المصادر إلى الحجة الأساسية لزامير في تسريع توقيت الحرب، فقد أقر بإمكانية تأجيل المواجهة نظرياً، إذ لم تتجاوز إيران بعدُ العتبة الحرجة من الصواريخ الباليستية، خصوصاً أن الخطة الإسرائيلية الأصلية كانت تستهدف البرنامج الصاروخي، في وقت لاحق من عام 2026.

لكن زامير حذّر من أن إيران تتقدم بسرعة كبيرة، وأن التأجيل سيضر الجهود العسكرية لاحقاً. ووفق الأرقام الواردة، كانت إيران تنتج بين 200 و300 صاروخ باليستي شهرياً، وقد عوَّضت نحو نصف خسائرها في حرب يونيو (حزيران) الماضي من الصواريخ ومنصات الإطلاق خلال ثمانية أشهر، لتصل إلى نحو 2500 صاروخ.

ووفق هذا التقدير، كان الانتظار ستة أشهر قد يرفع العدد إلى ما بين 3700 و4300 صاروخ، في حين قد يصل بعد عام إلى ما بين 4900 و6100 صاروخ.

ويرى التحقيق أن هذه الزيادة الكبيرة كانت ستؤدي إلى ارتفاع كبير في الخسائر والأضرار، وربما إلى تقليص العمليات العسكرية في وقت مبكر.

كما ربط زامير توقيت الحرب باستغلال احتجاجات داخلية في إيران خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، وعَدَّ فبراير لحظة مناسبة للتحرك، إضافة إلى التحذير من نقل الأصول النووية إلى مواقع تحت الأرض، ما يصعّب استهدافها لاحقاً.

إخفاق الصواريخ وهرمز

في المقابل، حمّل التحقيق زامير وكين وكوبر مسؤولية إخفاقين رئيسيين؛ الأول يتعلق بعدم وقف الهجمات الصاروخية الإيرانية. فرغم إعلان انخفاضها بنسبة 70 إلى 90 في المائة خلال الأيام الأولى، لم تتراجع إلى مستويات ضئيلة، كما كان متوقعاً.

ويعزو التحقيق ذلك إلى قدرة إيران على إعادة تشغيل منصات إطلاق الصواريخ بسرعة، عبر فِرق جرافات وتقنيات كشفت مواقع الإطلاق التي تعرضت لانهيارات خلال أقل من يوم، إضافة إلى توزيع الأطقم الصاروخية في أنحاء البلاد، وتعديل أكثر من 70 في المائة من الصواريخ لتشمل ذخائر عنقودية، ما زاد صعوبة التصدي لها.

أما الإخفاق الثاني فيتعلق بمضيق هرمز. ورغم تحميل ترمب المسؤولية الأساسية بسبب ضعف آليات القرار، أشار التحقيق إلى أن كين وكوبر لم يرفعا مستوى التحذير بما يكفي بشأن المخاطر المحتملة، واكتفيا بتقديم مشورة محايدة.

ويضيف أن تأخر نشر القوات القادرة على التعامل مع سيناريو هرمز لأسابيع عدة شكّل خطأ استراتيجياً، إذ كان يمكن نشرها منذ بداية الحرب، بدلاً من التركيز أولاً على استهداف «البحرية» الإيرانية.

وخلص التحقيق إلى أن الحملة العسكرية نجحت أكثر مما كان متوقعاً، لكنها لم تحقق أهدافها كاملة، خصوصاً في ملفي الصواريخ وهرمز، بينما بقيت مسألة ترجمة المكاسب العسكرية إلى نتائج استراتيجية في يد القادة السياسيين والدبلوماسيين، لا العسكريين.

كما أشار إلى أن خيار التدخل البري ظل مطروحاً نظرياً، سواء في مضيق هرمز أم جزيرة خرج، لكن دان كين وبراد كوبر شددا على كلفته العالية، في حين بدا إيال زامير أكثر ميلاً إلى المخاطرة في بعض المسارات.