طهران متمسكة برفع «جميع عقوبات التسلح» رغم تعثر إحياء «النووي»

الرئيس إبراهيم رئيسي ووزير دفاعه محمد رضا أشتياني خلال مراسم الكشف عن مسيّرة «مهاجر 10» الشهر الماضي (الرئاسة الإيرانية)
الرئيس إبراهيم رئيسي ووزير دفاعه محمد رضا أشتياني خلال مراسم الكشف عن مسيّرة «مهاجر 10» الشهر الماضي (الرئاسة الإيرانية)
TT

طهران متمسكة برفع «جميع عقوبات التسلح» رغم تعثر إحياء «النووي»

الرئيس إبراهيم رئيسي ووزير دفاعه محمد رضا أشتياني خلال مراسم الكشف عن مسيّرة «مهاجر 10» الشهر الماضي (الرئاسة الإيرانية)
الرئيس إبراهيم رئيسي ووزير دفاعه محمد رضا أشتياني خلال مراسم الكشف عن مسيّرة «مهاجر 10» الشهر الماضي (الرئاسة الإيرانية)

قال وزير الدفاع الإيراني محمد رضا أشتياني: إن جميع العقوبات على التسلح الإيراني ستنتهي في 18 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، مع حلول بند الغروب المنصوص عليه في الاتفاق النووي الهش، منذ انسحاب دونالد ترمب من الاتفاق حتى تعثر جهود إدارة جو بايدن لإنعاشه بإعادة طهران إلى القفص النووي.

وأعلن أشتياني استعداد وزارته لإقامة علاقات واسعة النطاق في المجالات الدفاعية والاستراتيجية مع الدول المستقلة كافة، والتي تشارك بلاده في التوجهات، خصوصاً الجوار الإقليمي، والدول الإسلامية، حسبما أوردت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري».

وقال أشتياني: إن «جميع العقوبات الظالمة ستنتهي الشهر المقبل». وكانت وكالة «الحرس الثوري» تقتبس من مقال نشرته صحيفة حكومية إيرانية في وقت سابق من هذا الأسبوع بمناسبة يوم الصناعات العسكرية الإيرانية.

وقبل ذلك بيومين، أدلى قائد قوة الدفاع الجوي في الجيش الإيراني، علي رضا صباحي فرد بتصريحات مماثلة، معلناً استعداد إيران للتعاون العسكري مع دول المنطقة.

وكانت تقارير صحافية قد ذكرت في يونيو (حزيران) الماضي، أن طهران تلقت بلاغات منفصلة من الاتحاد الأوروبي والترويكا الأوروبية الثلاثة، بشأن خطط أوروبية للإبقاء على عقوبات الصواريخ الباليستية والمسيّرات، التي تنتهي بعض قيودها حسب الجدول الزمني للاتفاق النووي في أكتوبر.

ويعود إبقاء العقوبات في الأساس إلى ثلاثة عوامل: استخدام روسيا طائرات إيرانية مسيّرة في حرب أوكرانيا، واحتمال نقل إيران صواريخ باليستية إلى روسيا، وحرمان إيران من المزايا التي يمنحها لها الاتفاق النووي بالنظر إلى انتهاكها الاتفاق.

والشهر الماضي، أبرمت واشنطن وطهران، اتفاقاً لتبادل السجناء، ويتضمن إطلاق أصول إيران المجمدة في كوريا الجنوبية. وذكرت تقارير أن هناك «تفاهماً غير مكتوب» أوسع نطاقاً بين الجانبين لخفض التوترات. ويشمل خفض طهران لإنتاج اليورانيوم.

وذكرت صحيفة «فاينانشيال تايمز» نقلاً عن مصادر مطلعة في 16 أغسطس (آب)، أن الولايات المتحدة تضغط على إيران للتوقف عن بيع طائرات مسيّرة مسلحة إلى روسيا في إطار مباحثات على التفاهم المحدود.

ويتضمن القرار 2231، بنوداً تدعو إيران إلى عدم اتخاذ خطوات لتطوير صواريخ باليستية، يمكنها حمل أسلحة نووية، أو يمكن تطويرها لاحقاً لحمل سلاح نووي. ويحظر القرار أي معاملات أو نقل الطائرات المسيّرة التي تتخطى 300 كيلومتر، دون موافقة مسبقة من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

غير أن إيران لم تلتزم بقيود الحد من تطوير الصواريخ الباليستية، ومنذ الأسابيع الأول على سريان الاتفاق النووي، اختبرت صواريخ باليستية، وأطلقت أقماراً اصطناعية إلى الفضاء، وهي أنشطة تثير توجساً لدى الدول الغربية من احتمال استخدامها لتطوير صواريخ عابرة للقارات.

ولا تلتزم إيران بالكثير من بنود الاتفاق النووي، بعد اتخاذ مرحلتين من خفض التزامات الاتفاق، بدأت الأولى في مايو (أيار) 2019 بعد عام من فرض العقوبات الأميركية. وباشرت طهران المرحلة الثانية، في الأسابيع الأولى من عهد الرئيس الأميركي جو بايدن، بموجب قانون أقرّه البرلمان الإيراني مطلع ديسمبر (كانون الأول) 2020.

وفي المرحلة الثانية، رفعت طهران تخصيب اليورانيوم إلى 20 في المائة، ثم 60 في المائة بمنشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم، ولاحقاً في منشأة فوردو الواقعة تحت الأرض. وأوقفت العمل بالبروتوكل الإضافي لمعاهدة حظر الانتشار النووي، بإغلاق كاميرات المراقبة الإضافية التي تراقب أنشطتها الحساسة.

وخلال فترة حسن روحاني، قالت الحكومة الإيرانية: إن تلك الخطوات ستتراجع عنها إذا ما عادت الولايات المتحدة للاتفاق ورفعت العقوبات عن طهران. ولكن حكومة إبراهيم رئيسي تعهدت بالإبقاء على قانون «الخطوة الاستراتيجية»، خصوصاً في ظل مطالبة المرشد الإيراني علي خامنئي باستمرار القانون، واصفاً إياه بأنه أنقذ البرنامج الإيراني من الضياع.

وأكدت تقارير سرية للوكالة الدولية للطاقة الذرية تباطؤ نمو تخصيب اليورانيوم الإيراني القريب من المستوى المستخدم في صناعة القنبلة الذرية، إلى نحو الثلث، أي من تسعة كيلوغرامات في كل شهر، تنتج حالياً ثلاثة كيلوغرامات بنسبة 60 في المائة.

ولا تزال طهران، لديها مخزون كبير من اليورانيوم بنسبة 60 في المائة، بما يصل 121.6 كيلوغرام، ما يعادل الكمية المطلوبة لتطوير ثلاث قنابل. ويقول الخبراء: إن المخزون قد ينخفض إذا رُفع التخصيب إلى نحو 90 في المائة.

وأعربت الوكالة الدولية عن أسفها أن طهران لم تحرز تقدماً في التحقيق المفتوح بشأن موقعين سريين، وكذلك، عدم حصولها على تسجيلات كاميرات المراقبة، التي عطلت طهران بعضها قبل عامين.

ورفض المتحدث باسم الخارجية الأميركية، فيدانت باتيل، التعليق على ما ذكرت التقارير الصحافية نقلاً عن تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وقال للصحافيين مساء الثلاثاء: إن «إنتاج إيران اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60 في المائة، ليس له غرض سلمي موثوق به». وأضاف «لا توجد دولة أخرى في العالم اليوم تستخدم اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة لغايات مزعومة».

وتأمل طهران في توصل المحادثات النووية إلى نتيجة للتوصل إلى تسوية سياسية لإغلاق الملف المفتوح بشأن المواقع السرية.

وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، ألقى وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان، المسؤولية على الأطراف الغربية، في تعثر آخر محاولات مسؤول السياسية الخارجية للاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل في سبتمبر (أيلول) العام الماضي، لإحياء الاتفاق النووي.

وتركت طهران الباب مفتوحاً لإجراء مفاوضات نووية، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، في وقت لاحق من هذا الشهر؛ وهو ما يضعف احتمال اتخاذ إجراءات ضدها في الاجتماع الفصلي للوكالة الدولية في فيينا الأسبوع المقبل.

وليس من الواضح بعد ما إذا كانت الدول الأوروبية ستمضي قدماً في الإبقاء على قيود برنامج التسلح الإيراني. وهذه المرحلة الثانية من القيود المدرجة على جدول أعمال الاتفاق النووي. وكانت الأولى في أكتوبر 2020، حينها حاولت إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، أن تدفع مجلس الأمن إلى تمديد حظر السلاح المفروض على طهران.


مقالات ذات صلة

إيران تشدد قبضتها بعد الاحتجاجات بإعدامات وقيود رقمية

شؤون إقليمية احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في مدينة مشهد (أرشيفية - رويترز)

إيران تشدد قبضتها بعد الاحتجاجات بإعدامات وقيود رقمية

في تصعيد للضغوط الأمنية بإيران، نفذت طهران أحكام إعدام بحق رجلين أدينا بمقتل 4 من أفراد الشرطة خلال الاحتجاجات بالتزامن مع إعلان تعطيل خدمة «ستارلينك» للإنترنت.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وأمين عام مجلس الأمن القومي محسن رضائي يحضران اجتماعاً حول إعادة الإعمار (الرئاسة الإيرانية)

رضائي: إيران تمر بإحدى أصعب الفترات في تاريخها

حذّر مستشار الأمن القومي الإيراني من أن الاقتصاد المتدهور بسرعة دفع البلاد إلى واحدة من أصعب الفترات في تاريخها.

إريكا سولومون (نيويورك*)
شؤون إقليمية مسيّرة إيرانية معروضة بجوار لوحة تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)

الحرب والعقوبات تعمّقان أزمة إيران

تواجه إيران ضغوطاً اقتصادية متزايدة بفعل تداعيات الحرب والعقوبات الأميركية، في وقت تتراجع فيه قيمة الريال، وترتفع تكلفة الواردات، وتتفاقم أزمة غلاء المعيشة.

«الشرق الأوسط» (لندن-واشنطن-طهران)
شؤون إقليمية إيرانيون يتظاهرون لوقف تنفيذ عقوبة الإعدام (أرشيفية - رويترز)

إعدام شخصين في إيران على خلفية الاحتجاجات المناهضة للسلطات

أعلنت السلطات القضائية الإيرانية، الاثنين، تنفيذ حكم الإعدام بحق رجلين مدانين بالضلوع في مقتل أربعة من أفراد الشرطة خلال الاحتجاجات المناهضة للسلطات.

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد (الرئاسة الإيرانية)

وزير النفط الإيراني يستقيل... وبزشكيان يعيّن قائماً بالأعمال

أفادت وسائل إعلام رسمية إيرانية، ​اليوم الأحد، بأن وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد قد استقال.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)

بريطانيا قد تطرد دبلوماسيين إسرائيليين حال إغلاق قنصليتها في القدس

صورة من أمام القنصلية البريطانية في القدس يوم 8 سبتمبر 2026 (رويترز)
صورة من أمام القنصلية البريطانية في القدس يوم 8 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

بريطانيا قد تطرد دبلوماسيين إسرائيليين حال إغلاق قنصليتها في القدس

صورة من أمام القنصلية البريطانية في القدس يوم 8 سبتمبر 2026 (رويترز)
صورة من أمام القنصلية البريطانية في القدس يوم 8 سبتمبر 2026 (رويترز)

قالت أربعة مصادر لوكالة «رويترز» للأنباء، إن بريطانيا من المرجح أن تطرد دبلوماسيين إسرائيليين إذا نفذت تل أبيب قرار إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية هذا الأسبوع، على خلفية نزاع حول العقوبات التي تستهدف المستوطنات الإسرائيلية.

وكانت إسرائيل قد أمرت بريطانيا في الثامن من سبتمبر (أيلول) بإغلاق القنصلية في القدس الشرقية في غضون 30 يوماً وسحب دبلوماسييها من المدينة، بعد أن أعلنت بريطانيا أنها ستفرض حظراً على تجارة السلع المصنوعة في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة.

وذكرت المصادر أن المهلة المحددة لبريطانيا لإغلاق القنصلية تنتهي يوم الخميس، مما سيؤثر على نحو 30 دبلوماسياً بريطانياً يعملون هناك، إلى جانب أفراد أسرهم.


بعد 3 سنوات على «7 أكتوبر»... ماذا غيّرت إسرائيل في أجهزتها الاستخبارية؟

رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير (وسط) وإلى جانبه رئيس مديرية الاستخبارات العسكرية «أمان» شلومي بيندر (الثاني من اليمين) وعدد من كبار قادة الجيش داخل مركز القيادة العسكرية تحت الأرض التابع للجيش الإسرائيلي يوم 22 يونيو 2025 (الجيش الإسرائيلي)
رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير (وسط) وإلى جانبه رئيس مديرية الاستخبارات العسكرية «أمان» شلومي بيندر (الثاني من اليمين) وعدد من كبار قادة الجيش داخل مركز القيادة العسكرية تحت الأرض التابع للجيش الإسرائيلي يوم 22 يونيو 2025 (الجيش الإسرائيلي)
TT

بعد 3 سنوات على «7 أكتوبر»... ماذا غيّرت إسرائيل في أجهزتها الاستخبارية؟

رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير (وسط) وإلى جانبه رئيس مديرية الاستخبارات العسكرية «أمان» شلومي بيندر (الثاني من اليمين) وعدد من كبار قادة الجيش داخل مركز القيادة العسكرية تحت الأرض التابع للجيش الإسرائيلي يوم 22 يونيو 2025 (الجيش الإسرائيلي)
رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير (وسط) وإلى جانبه رئيس مديرية الاستخبارات العسكرية «أمان» شلومي بيندر (الثاني من اليمين) وعدد من كبار قادة الجيش داخل مركز القيادة العسكرية تحت الأرض التابع للجيش الإسرائيلي يوم 22 يونيو 2025 (الجيش الإسرائيلي)

بعد ثلاث سنوات على هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أدخلت إسرائيل سلسلة من التغييرات على عمل أجهزتها الاستخبارية، شملت إعادة ترتيب بعض الأولويات، وتعديلات في جمع المعلومات وتحليلها والتدريب والتنسيق بين الأجهزة. وجاءت هذه الإجراءات في أعقاب تحقيقات داخلية تناولت أوجه القصور التي سبقت الهجوم، فيما يتطلب تقييم حجم هذه التغييرات وفاعليتها التمييز بين ما أعلنته المؤسسات الإسرائيلية وما يمكن التحقق من نتائجه عملياً.

وظهر أحدث التوجهات المعلنة، الأحد، عشية الذكرى الثالثة للهجوم، عندما عرض الجيش الإسرائيلي أمام كبار ضباطه ما وصفها بـ«الدروس المستخلصة من «7 أكتوبر»». وحسب «تايمز أوف إسرائيل»، شملت التوجهات الاستعداد لاحتمال وقوع هجوم مفاجئ على أكثر من جبهة، وأخذ قدرات الخصم في الحسبان إلى جانب تقدير نيّاته، فضلاً عن تحديث سيناريوهات التهديد كل ستة أشهر. وفي الجانب الاستخباري، أعاد الجيش التأكيد على أولوية الإنذار ضمن مهام مديرية الاستخبارات العسكرية «أمان».

فلسطينيون يعبرون إلى الجانب الإسرائيلي من السياج الحدودي بين قطاع غزة وإسرائيل بعد اختراق مسلحين الحدود يوم «7 أكتوبر» 2023 (رويترز)

أين أخفقت الاستخبارات الإسرائيلية؟

جاءت هذه التغييرات بعد تحقيقات رسمت خلال العامين الماضيين صورة أكثر تفصيلاً لأسباب الإخفاق. ووفق تقرير نشرته «تايمز أوف إسرائيل» عام 2025، استناداً إلى تحقيقات «أمان»، حددت المديرية ثلاثة جوانب رئيسية للخلل: سوء تقدير استراتيجية «حماس» وخططها وقدراتها، وعدم إصدار إنذار بهجوم وشيك خلال الأيام التي سبقته، إلى جانب قصور في جمع المعلومات عن نيات الحركة وخططها. وتشير هذه النتائج إلى أن المشكلة لم تكن مرتبطة فقط بكمية المعلومات المتاحة، وإنما أيضاً بطريقة قراءتها وتحويلها إلى تقدير لمستوى التهديد.

وعززت مراجعة أجراها فريق خبراء عيّنه رئيس الأركان إيال زامير هذه الخلاصة. وبعد مراجعة 25 تحقيقاً ومقابلة نحو 80 مسؤولاً، قال الفريق إن معلومات متنوعة ومهمة كانت متاحة ليلة الهجوم، وكان يمكن أن تقود، لو جرى تحليلها بصورة مختلفة، إلى رفع مستوى الإنذار. كما أشار إلى مشكلات في الثقافة التنظيمية وطريقة فهم «حماس» والتعامل مع خطة أطلقت عليها الاستخبارات الإسرائيلية الاسم الرمزي «جدار أريحا»، وهي وثيقة حصلت عليها إسرائيل قبل الهجوم بأكثر من عام وتضمنت تصوراً لهجوم واسع عبر حدود غزة، ظهرت عناصر عديدة منه لاحقاً في هجوم «7 أكتوبر».

الإنذار في صلب عمل «أمان»

أحد أوضح التغييرات المعلنة يتعلّق بمكانة الإنذار داخل «أمان». ففي سبتمبر (أيلول) 2025، قال زامير خلال زيارة للوحدة 9900 إن المديرية تمر بعملية تغيير تستند إلى دروس «7 أكتوبر»، واضعاً الإنذار في صلب مهمتها. وحسب الجيش، كانت إعادة ترتيب الأولويات قد بدأت بالفعل خلال العامين السابقين.

لكن التغيير الذي ظهر بصورة أوضح في 2026 يتعلق بكيفية التفكير في المفاجأة نفسها. فالدروس التي عرضها الجيش في 4 أكتوبر الجاري تدعو إلى الاستعداد لهجوم مفاجئ حتى في حال فشل الردع والإنذار، وإلى النظر إلى ما يستطيع الخصم فعله وليس فقط إلى ما تعتقد الاستخبارات أنه يريد فعله. وهذا التحوّل يستهدف إحدى المشكلات التي ظهرت قبل «7 أكتوبر»، حين أسهم الاعتقاد بأن «حماس» لا تريد حرباً واسعة في تفسير مؤشرات ميدانية ضمن هذا التصوّر.

عناصر من الوحدة 8200 التابعة لمديرية الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية «أمان» خلال العمل على تحليل البيانات (الجيش الإسرائيلي)

عودة إلى المصادر البشرية والمفتوحة

طالت المراجعة أيضاً أدوات جمع المعلومات. ﻓ«معهد دراسات الأمن القومي» الإسرائيلي «INSS» أشار، في تحليله للإخفاق، إلى اعتماد كبير على اعتراض الاتصالات والقدرات التقنية، مقابل ضعف نسبي في بعض المصادر البشرية والمفتوحة، أي المعلومات المتاحة علناً، مثل وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي والمنشورات والبيانات العامة.

وفي هذا السياق، عاد الاهتمام بوحدة «حتساف» التابعة لمديرية الاستخبارات العسكرية «أمان»، والمتخصصة في جمع المعلومات من المصادر المفتوحة، والتي شمل عملها تاريخياً متابعة وسائل الإعلام العربية، ثم توسع ليشمل شبكات التواصل الاجتماعي. وكانت الوحدة قد أُغلقت عام 2021، قبل أن تبدأ «أمان» في مارس (آذار) 2023، أي قبل نحو سبعة أشهر من هجوم «7 أكتوبر»، عملية إعادة إنشائها بصيغة جديدة. وعند وقوع الهجوم، كانت عملية إعادة تشكيل الوحدة لا تزال جارية، قبل أن يتوسع نشاطها خلال الحرب، وفق تقرير لصحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية.

وفي الاستخبارات البشرية، وسّعت الوحدة 504 التابعة لـ«أمان» نشاطها المتعلق بغزة. وتنقل «جيروزاليم بوست» عن مصادر عسكرية أن الوحدة كانت أقل نشاطاً في القطاع خلال السنوات السابقة للهجوم، فيما كان جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) يتولى جانباً كبيراً من جمع المعلومات البشرية هناك. وبعد «7 أكتوبر»، عززت الوحدة 504 انتشارها ومواردها المخصصة لهذا الملف.

تغييرات داخل «الشاباك» والتنسيق مع «أمان»

بدوره، أعلن «الشاباك» تغييرات في طريقة إدارة ملف غزة بعد تحقيقه الداخلي. وحسب «جيروزاليم بوست»، قسّم الجهاز عمليات جمع المعلومات في القطاع إلى مناطق جغرافية أصغر، على نحو أقرب إلى النموذج الذي يستخدمه في الضفة الغربية، كما عدّل آليات التعاون مع الوحدة 8200 التابعة لمديرية الاستخبارات العسكرية «أمان»، والمتخصصة في اعتراض الاتصالات وجمع المعلومات عبر الوسائل الإلكترونية وتحليلها، بهدف زيادة تبادل المعلومات.

ومع ذلك، يصعب الحكم حتى الآن على أثر هذه التغييرات. فالصحيفة تشير إلى أن «الشاباك» والوحدة 8200 كانا يتبادلان المعلومات على نطاق واسع قبل «7 أكتوبر» أيضاً. ومن ثم، فإن زيادة التنسيق بينهما لا تعني بالضرورة أن المشكلة كانت في حجم المعلومات المتبادلة، إذ أظهرت التحقيقات أن جانباً من الإخفاق ارتبط أيضاً بكيفية قراءة المعلومات وتقدير دلالاتها.

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس يعقد اجتماعاً لتقييم الوضع الأمني بحضور رئيس الأركان إيال زامير ورئيس مديرية الاستخبارات العسكرية «أمان» شلومي بيندر وقادة عسكريين كبار في تل أبيب يوم 7 مارس 2026 (رويترز)

مراجعة أساليب العمل والتفكير

ومن بين التغييرات المعلنة أيضاً مراجعة بعض جوانب الثقافة التنظيمية داخل الاستخبارات. ففي ديسمبر (كانون الأول) 2025، قال رئيس الأركان إيال زامير، خلال المؤتمر السنوي لقسم الأبحاث في «أمان»، إن التغييرات الجارية تشمل الثقافة الاستخبارية ونهج العمل والحوار بين الرتب والتدريب. ودعا إلى تعزيز التفكير النقدي وتعدد الآراء داخل المديرية، وإلى إفساح المجال أمام ضباط الاستخبارات لتحدي المسلّمات المهنية السائدة.

تغييرات استخبارية تحت الاختبار

تطول التغييرات المعلنة جوانب متعددة من العمل الاستخباري الإسرائيلي، لكن تحديد أثر كل منها يبقى صعباً في ظل محدودية المعلومات المتاحة عن عمل الأجهزة ونتائج الإجراءات التي اتخذتها.

وتحذّر دراسة نشرها «مركز مكافحة الإرهاب» في الأكاديمية العسكرية الأميركية «ويست بوينت» من اختزال إخفاق «7 أكتوبر» في سبب واحد، وتشير إلى تداخل الافتراضات الاستراتيجية والانحيازات المعرفية ومشكلات جمع المعلومات وتحليلها. كما أن جزءاً من المعلومات المتعلقة بالإخفاق لا يزال غير متاح علناً، مما يضع حدوداً لأي تقييم نهائي.

وبعد ثلاث سنوات على هجوم «7 أكتوبر» تُظهر المراجعات التي أجرتها إسرائيل تغييرات في جوانب عدة من العمل الاستخباري؛ من الإنذار المبكر وجمع المعلومات، إلى التنسيق بين الأجهزة وأساليب التحليل والتدريب. وتأتي هذه التغييرات في إطار مراجعة أوجه القصور التي كشفت عنها التحقيقات في الهجوم. لكن الحكم على نتائجها لا يزال مبكراً، وستتضح فاعليتها بصورة أكبر عند مواجهة تهديدات وأزمات جديدة، واختبار قدرة الأجهزة على رصدها وتحليل المعلومات بشأنها والتحذير منها في الوقت المناسب.


عشية ذكرى «7 أكتوبر»... كاتس يوجه الجيش بحالة «التأهّب القصوى»

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
TT

عشية ذكرى «7 أكتوبر»... كاتس يوجه الجيش بحالة «التأهّب القصوى»

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)

أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، اليوم (الثلاثاء)، أنه وضع الجيش في حالة تأهّب قصوى «لأي سيناريو محتمل»، عشية الذكرى السنوية لهجوم حركة «حماس» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، محذراً من أن سكان غزة سيدفعون «ثمناً باهظاً» في حال تعرّض الجيش لأي هجوم.

وجاء في بيان صادر عن مكتب كاتس أن التعليمات صدرت «في ضوء معلومات استخباراتية بشأن نوايا حركة (حماس) لمحاولة تنفيذ هجمات وعمليات إرهابية ضد قواتنا في غزة في ذلك اليوم».

وأضاف البيان: «إذا تم المساس بقواتنا، لا قدّر الله، فإن من سيدفع الثمن الباهظ سيكون (حماس) وسكان غزة، بما يفوق كل تناسب».

وأسفر هجوم «حماس» غير المسبوق على إسرائيل عن مقتل 1221 شخصاً، حسب حصيلة أعدّتها «وكالة الصحافة الفرنسية»، استناداً إلى أرقام إسرائيلية رسمية. كما اقتاد المسلحون 251 رهينة إلى غزة، كان 44 منهم قد فارقوا الحياة.

وردّت إسرائيل بحملة عسكرية واسعة النطاق على غزة، خلّفت دماراً هائلاً وأسفرت عن مقتل 74 ألفاً و200 شخص على الأقل، وفق وزارة الصحة في القطاع التابعة لـ«حماس»، التي تعتبر الأمم المتحدة أرقامها موثوقة.

ومنذ إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، قتلت القوات الإسرائيلية 1460 شخصاً في غزة، حسب وزارة الصحة في القطاع.

وخلال مشاركته في مراسم إحياء الذكرى الثالثة للهجوم أمس الاثنين، تعهّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بألّا تحكم «حماس» قطاع غزة، متوعداً بمواصلة استهداف كل من شارك في الهجوم أو احتجز رهائن في غزة.