ما التغييرات المنتظرة من حكومة إردوغان الجديدة؟

الملف الاقتصادي بالمقدمة... وتضافر الملفات الخارجية والأمنية

إردوغان يتوسط أعضاء حكومته الجديدة في القصر الرئاسي بأنقرة في 3 يونيو (أ.ب)
إردوغان يتوسط أعضاء حكومته الجديدة في القصر الرئاسي بأنقرة في 3 يونيو (أ.ب)
TT

ما التغييرات المنتظرة من حكومة إردوغان الجديدة؟

إردوغان يتوسط أعضاء حكومته الجديدة في القصر الرئاسي بأنقرة في 3 يونيو (أ.ب)
إردوغان يتوسط أعضاء حكومته الجديدة في القصر الرئاسي بأنقرة في 3 يونيو (أ.ب)

كشفت تشكيلة الحكومة التركية الجديدة، التي أعلنها الرئيس رجب طيب إردوغان عقب بدء فترة ولايته الثالثة، عن ملامح السنوات الخمس لرئاسته للبلاد، وتركيزه على التحدي الاقتصادي الداخلي، وتحديات السياسة الخارجية.

وأعطى إردوغان في تشكيل حكومته، الذي أعلنه ليل السبت إلى الأحد، اهتماماً كبيراً للملف الاقتصادي، وشكّل فريقاً معروفاً باتباع النظريات التقليدية الراسخة في الاقتصاد، التي تختلف تماماً عن النموذج الاقتصادي الذي أصرّ عليه إردوغان منذ التحول إلى النظام الرئاسي عام 2018، الذي يقوم على خفض الفائدة وزيادة الإنتاج وتحفيز النمو وجذب الاستثمارات.

وخلّف هذا النموذج أزمات حادة للاقتصاد التركي، انعكست في تضخم جامح وغير مسبوق على مدى ما يقرب من ربع قرن، وزيادات متلاحقة في الأسعار، وانهيار غير مسبوق لليرة التركية، وعجز كبير في الحساب الجاري، وتراجع في الاستثمارات.

توجه اقتصادي جديد

صورة جماعية للحكومة التركية الجديدة في 3 يونيو (أ.ب)

اختار إردوغان نائباً له هو جودت يلماز، وهو وزير سابق للتنمية في حكومتين من حكومات إردوغان، كما شغل منصب نائب رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو عام 2015، وهو من موظفي مؤسسة تخطيط الدولة التابعة للحكومة، وكان رئيساً للجنة الخطة والموازنة في البرلمان. ونجح إردوغان في إقناع نائب رئيس الوزراء السابق للشؤون الاقتصادية وزير المالية والاقتصاد الأسبق، محمد شيمشك، الذي يتمتّع بسمعة دولية مرموقة في الأوساط المالية العالمية بتولي حقيبة الخزانة والمالية. وأعلن شيمشك في أول تصريح له، الأحد، أنه ليس أمام تركيا من خيار آخر سوى العودة للسياسات العقلانية، متعهداً بالعمل مباشرة على خفض التضخم ومشكلات الحساب الجاري، والعمل على السياسات الكلية للاقتصاد.

كما عيّن إردوغان عمر بولاط، وهو الرئيس السابق لاتحاد رجال الأعمال الأتراك والصناعيين الأتراك المستقلين، وزيراً للتجارة لدفع الصادرات وتنمية حركة التجارة الخارجية، وخفض العجز فيها.

ورأى الخبير الاقتصادي فاتح أوزاتاي أن تولي شيمشك وزارة الخزانة والمالية سيولّد رياحاً إيجابية في البداية، لكن يجب تحقيق «عائد معقول» في وقت قصير بشأن قضايا مثل مكافحة التضخم، وسعر الصرف، والنمو، وعجز الحساب الجاري. وتساءل عن قدرة شيمشك على وقف تدخلات إردوغان في الملف الاقتصادي، وإقناعه بالعدول عن النظرية غير التقليدية، القائمة على أن الفائدة المرتفعة هي سبب التضخم المرتفع. بدوره تساءل الكاتب المحلل السياسي مراد صابونجو عما إذا كان شيمشك قادراً على تطبيق سياسات ليبرالية.

السياسة الخارجية

واجهت السياسة الخارجية التركية على مدى السنوات العشر الماضية انتقادات داخلية وخارجية شديدة؛ بسبب الأزمات بين تركيا وجيرانها، التي قادتها إلى شبه عزلة حاول إردوغان تلافيها خلال الفترة التي سبقت الانتخابات.

موكب نقل إردوغان وزوجته إلى القصر الرئاسي بأنقرة في 3 يونيو (أ.ب)

وتُظهر تركيا حالياً توجهاً نحو استعادة حضورها في الشرق الأوسط عبر تحسين علاقاتها مع مصر ودول الخليج، كما تعمل على تطوير علاقاتها مع العراق، مع بدء تدشين خط التجارة الاستراتيجي من البصرة إلى تركيا، وما سيترتب عليه من إنشاء طرق برية وسكك حديدية، وتهيئة بيئة آمنة لعودة اللاجئين السوريين، مع تطبيع العلاقات مع سوريا لاستعادة طرق التجارة المختصرة مع المنطقة وآسيا. كما يجري العمل على مزيد من تعزيز الحضور التركي في القوقاز والبلقان.

وهنا يبدو لافتاً اختيار إردوغان لوزيرَي الخارجية والدفاع. ففي المنصب الأول، عيّن إردوغان رئيس جهاز المخابرات هاكان فيدان، وهو اختيار نظر إليه المراقبون على أنه موفّق بدرجة كبيرة، لا سيما مع خلفيات فيدان وتداخله في ملفات السياسة الخارجية لتركيا جميعها، من سوريا والعراق إلى ليبيا، وصولاً إلى الدوائر الأخرى في القوقاز والبلقان، وحتى في العلاقات مع الغرب وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، حيث أدى وظائف في الحكومة مستشاراً، وعمل لفترة داخل «الناتو»، وانخرط في السنوات الأخيرة في القضايا الخارجية الحساسة جميعها بالنسبة لتركيا.

واعتبر الكاتب والمحلل السياسي مراد يتكين أن هذا الاختيار، إلى جانب التعيين المتوقع للمتحدث باسم الرئاسة التركية الحالي إبراهيم كالين رئيساً للمخابرات، يعني بداية حقبة جديدة لتركيا ستُدار فيها ​​السياسة الخارجية والعملياتية من مصدر واحد.

ودلل يتكين على ذلك بحضور كالين إلى جانب فيدان، ووزير الدفاع الجديد يشار غولر، لقاء إردوغان مع الأمين العام لحلف الناتو، ينس ستولتنبرغ في إسطنبول، الأحد، فضلاً عن وجود كالين وفيدان في الاتصال الهاتفي بين إردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في 27 أبريل (نيسان) الماضي في فترة الانتخابات.

سياسة الدفاع

وعن غولر (69 عاماً)، لفت يتكين إلى أن تعيينه وزيراً للدفاع يشير إلى استمرار سياسات الدفاع والأمن المعتمدة من طرف سلفه خلوصي أكار. وكان غولر رئيساً للأركان منذ عام 2018، ويحظى بثقة من جانب إردوغان الذي مدد خدمته العام الماضي في رئاسة الأركان على الرغم من تجاوزه الحد الأقصى للسن.

جانب من زيارة إردوغان إلى ضريح أتاتورك بأنقرة في 3 يونيو (إ.ب.أ)

وأشرف غولر، بوصفه رئيساً لأركان الجيش التركي على عملية «نبع السلام» العسكرية في شمال شرقي سوريا في 2019، وعملية «درع الربيع» في إدلب في 2020، وعلى العمليات الأخيرة ضد حزب «العمال» الكردستاني في شمال العراق. وهو ما يؤكد الاستمرار في النهج ذاته تجاه المسلحين الأكراد في شمال سوريا وشمال العراق. كما يعطي هذا التعيين، وفق يتكين، مؤشراً إلى أن مسألة الانسحاب العسكري التي تطالب بها سوريا من أجل التطبيع مع تركيا تبدو بعيدة المنال.

وغولر هو ثاني رئيس أركان يتولى منصب وزير الدفاع، بعد أكار، ما اعتُبر تكريساً لتعيين شخصية عسكرية من القيادة العليا في منصب وزير الدفاع، وهو ما قرأه المحلل صابونجو على أنه «تسييس للقيادة العسكرية العليا».


مقالات ذات صلة

تركيا: أزمة «الشعب الجمهوري» تتعمق... وأوزيل يستعد لجميع السيناريوهات

شؤون إقليمية الرئيس المنتخب لحزب «الشعب الجمهوري»، أكبر أحزاب المعارضة التركية متحدثاً أمام حشد من أنصاره في مدينة نيغده في وسط تركيا في 12 يوليو (من حسابه في إكس)

تركيا: أزمة «الشعب الجمهوري» تتعمق... وأوزيل يستعد لجميع السيناريوهات

بدأ الرئيس المنتخب لحزب «الشعب الجمهوري» التركي المعارض خطوات قضائية لاستعادة رئاسة الحزب، وأعد في الوقت ذاته لتأسيس حزب جديد لمواجهة أي احتمالات.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)

تركيا: تلميحات لتعديل النظام الرئاسي في الدستور الجديد

ظهرت مؤشرات جديدة على وضع دستور جديد لتركيا في ظل سعي الرئيس رجب طيب إردوغان لخوض انتخابات الرئاسة المقررة في 2028 والتي لا يحق له خوضها بموجب الدستور الحالي

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية رئيس حزب «الديمقراطية والتقدم» التركي المعارض علي باباجان (من حساب الحزب في إكس)

تركيا: باباجان يكشف عن سعي لتحالف يجذب أصوات ناخبي حزب إردوغان

بدأت الأحزاب السياسية في تركيا استعداداتها لاحتمالات إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة بعدما أعلن فريق الرئيس رجب طيب إردوغان عن احتمال تقديم موعدها.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية أعلن حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في تركيا أن مرشحه للانتخابات الرئاسية المقبلة سيكون الرئيس رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)

تركيا: حزب إردوغان يعلن رسمياً ترشيحه للرئاسة في 2028

أعلن حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في تركيا أن مرشحه لانتخابات الرئاسة المقررة في عام 2028 سيكون الرئيس رجب طيب إردوغان...

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان متحدثاً خلال افتتاح خط جديد لمترو الأنفاق في إسطنبول في 19 يونيو (الرئاسة التركية)

تركيا: إردوغان يشن هجوماً حاداً على «الشعب الجمهوري» ويتهم قادته بالعجز

وجَّه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان انتقادات حادة لحزب «الشعب الجمهوري»، داعياً قياداته إلى التركيز في شؤونهم، بعيداً عن السياسة الخارجية لحكومته.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

ما أهمية جزيرة طنب الكبرى قبالة مضيق هرمز؟


صورة جوية لجزيرة قشم الإيرانية عند مضيق هرمز (رويترز)
صورة جوية لجزيرة قشم الإيرانية عند مضيق هرمز (رويترز)
TT

ما أهمية جزيرة طنب الكبرى قبالة مضيق هرمز؟


صورة جوية لجزيرة قشم الإيرانية عند مضيق هرمز (رويترز)
صورة جوية لجزيرة قشم الإيرانية عند مضيق هرمز (رويترز)

أعادت الضربات الأميركية على جزيرة طنب الكبرى، الأربعاء، واحدة من أكثر النقاط حساسية عند مدخل مضيق هرمز إلى صدارة المواجهة، بعدما أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) استهداف أنظمة دفاع ساحلية ومخازن ومنصات لإطلاق صواريخ كروز خلال موجة استمرت 90 دقيقة.

وقالت «سنتكوم» إن الضربات استهدفت تقليص قدرة إيران على مهاجمة السفن التجارية في مضيق هرمز. وتضم الجزيرة، وهي واحدة من الجزر الإماراتية الثلاث التي تحتلها إيران منذ عام 1971، مطاراً عسكرياً وقواعد تابعة لبحرية «الحرس الثوري»، إلى جانب حاميات وأصول صاروخية تستخدم في مراقبة الممرات البحرية القريبة.

وكان القائد السابق لبحرية «الحرس الثوري» علي رضا تنغسيري قد وصف طنب الكبرى بأنها نقطة حاسمة في قدرة إيران على السيطرة على المضيق، بسبب وقوعها وسط مسارات دخول السفن وخروجها.

ويقول تنغسيري، الذي قُتل في ضربة جوية استهدفته في بندر عباس في 26 مارس الماضي، في مقابلة سابقة مع التلفزيون الرسمي، إن خسارة طنب الكبرى تعني بالنسبة إلى إيران خسارة السيطرة على مسارات العبور في مضيق هرمز، معتبراً أن موقعها يمنح القوات الإيرانية قدرة على مراقبة الحركة البحرية والتأثير فيها.

وربط تنغسيري أيضاً بين أبو موسى وجزيرة سيري وحقول الغاز والتجارة الإيرانية في الخليج العربي، قائلاً إن خسارة أبو موسى قد تقود إلى فقدان سيري، وما يرتبط بها من مواقع عسكرية وحقول غاز ومسارات تجارية.

وكان تنغسيري، قد أشرف على تعزيز قواعد «الحرس الثوري» في الجزر، بما فيها المطار العسكري في طنب الكبرى ومنشآت في سيري.

جزر ومسارات عبور

تدخل طنب الكبرى ضمن حزام من الجزر يشمل أبو موسى وطنب الصغرى وقشم ولارك وهرمز وسيري، وتصفها دراسات بأنها تشكل «قوس دفاع» إيران حول المضيق. ووصف مسؤولون إيرانيون هذه الجزر بأنها أشبه بـ«حاملات طائرات ثابتة لا يمكن إغراقها»، نظراً إلى ما تضمه من صواريخ مضادة للسفن ومواقع رصد وقواعد بحرية.

وتنبع أهمية طنب الكبرى أيضاً من موقعها قرب المسارين الرئيسيين لعبور السفن. وتتمسك طهران بأن السفن يجب أن تستخدم مسارات وأوقاتاً تحددها السلطات الإيرانية، وأن تحصل على موافقات مسبقة، بينما تدفع واشنطن نحو مسار جنوبي بمحاذاة الساحل العماني لا يخضع للإدارة الإيرانية.

وأصبحت هذه المسارات محوراً عملياً للخلاف منذ مذكرة تفاهم إسلام آباد في 17 يونيو. فقد فسرت إيران البند الخامس باعتباره يمنحها دوراً في تنظيم العبور، فيما تصر الولايات المتحدة على أن مضيق هرمز ممر دولي لا يجوز إخضاعه لتصاريح أو رسوم أحادية.

و تمثل طنب الكبرى نقطة عسكرية متقدمة داخل شبكة السيطرة الإيرانية على المضيق. ويهدف استهدافها يهدف، شل مواقع الدفاع الساحلي والصواريخ التي يمكن استخدامها ضد السفن، وتقليص قدرة إيران على فرض قواعدها على مسارات الملاحة.


واشنطن تربط الشراكة الأمنية مع بغداد بنزع سلاح الميليشيات

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع ضيفه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض يوم 14 يوليو 2026 (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع ضيفه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض يوم 14 يوليو 2026 (أ.ب)
TT

واشنطن تربط الشراكة الأمنية مع بغداد بنزع سلاح الميليشيات

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع ضيفه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض يوم 14 يوليو 2026 (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع ضيفه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض يوم 14 يوليو 2026 (أ.ب)

كثفت الولايات المتحدة ضغوطها على الحكومة العراقية للمضي في نزع سلاح الميليشيات بالتزامن مع اقتراب موعد إنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق نهاية سبتمبر (أيلول) المقبل، بينما اتسع الجدل داخل الساحة العراقية ليشمل مستقبل الاستثمارات الأجنبية، في ظل انقسام بين قوى تؤيد توسيع حضور الشركات الأميركية وأخرى تدعو إلى استبدالها بشركات صينية.

وقال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، الأربعاء، إن الحكومة العراقية مطالبة بتأكيد سيادتها من خلال نزع سلاح الفصائل المسلحة الموالية لإيران، محملاً تلك الفصائل مسؤولية أكثر من 600 هجوم استهدف أميركيين خلال السنوات الماضية.

وجاءت تصريحات هيغسيث عقب مباحثات أجراها في مقر وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) مع رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، الذي يزور واشنطن في أول زيارة رسمية له منذ توليه منصبه.

وأكد الوزير الأميركي أن القوات العراقية وقوات البيشمركة ستكونان مسؤولتين عن قيادة العمليات ضد «داعش» بعد انسحاب قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، والمقرر في 30 سبتمبر المقبل.

من جهته، قال المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية صباح النعمان إن المباحثات ركزت على مستقبل التعاون الأمني بعد انتهاء مهمة التحالف، وأسفرت عن اتفاق على استمرار تبادل المعلومات الاستخبارية، وتعزيز التنسيق في مكافحة الإرهاب، إلى جانب توسيع التعاون في مجالات التدريب والدعم الفني والتكنولوجي والرقمي وتطوير قدرات القوات العراقية.

وأضاف أن الزيدي وجه عقب الاجتماع بتشكيل لجنة حكومية تتولى رسم إطار العلاقة الأمنية والعسكرية المقبلة مع الولايات المتحدة بما ينسجم مع «السيادة العراقية» وبعد انتهاء وجود قوات التحالف.

كان الزيدي قد التقى، الثلاثاء، الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض، حيث ناقش الجانبان مستقبل الشراكة الأمنية والاقتصادية، في وقت أعلن فيه ترمب دعمه لخطط الحكومة العراقية بشأن حصر السلاح بيد الدولة، مؤكداً أن واشنطن لا ترى ضرورة لاستمرار وجود قواتها العسكرية في العراق بعد استكمال الانسحاب.

كما أعلن ترمب أن الولايات المتحدة تعتزم إبرام صفقات اقتصادية ونفطية كبيرة مع العراق، وقال إن الأسبوع المقبل سيشهد الإعلان عن شراكة نفطية جديدة بين البلدين.

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث يؤدي التحية العسكرية أثناء عزف النشيد الوطني لدى استقباله رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يوم 14 يوليو 2026 بمدينة أرلينغتون بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)

الطاقة في قلب الشراكة

يتزامن الحراك السياسي مع مساعٍ أميركية لتوسيع حضور شركاتها في قطاع الطاقة العراقي، وسط توجه لإعادة رسم مسارات تصدير النفط بعيداً عن الخليج.

وكان مسؤول أميركي قد أعلن دعم واشنطن لجهود العراق وسوريا لإحياء خط أنابيب كركوك – بانياس، وهو مشروع تاريخي يهدف إلى نقل النفط العراقي إلى البحر المتوسط، في خطوة تقول الولايات المتحدة إنها توفر منفذاً بديلاً عن مضيق هرمز الذي تزايدت المخاطر الأمنية فيه منذ اندلاع الحرب الإقليمية في وقت سابق من العام.

وتشير تقارير إلى أن شركات أميركية كبرى قد تضطلع بدور رئيسي في إعادة تأهيل الخط، ضمن توجه أوسع لتعزيز الاستثمارات الأميركية في قطاع الطاقة العراقي.

وفي هذا السياق، وصف المبعوث الأميركي إلى العراق توم براك لقاء ترمب والزيدي بأنه يمثل «نقطة تحول» في العلاقات الثنائية، قائلاً إن الشراكة بين البلدين تتجه من التركيز على الملفات الأمنية إلى الاستثمار والتجارة والطاقة، معتبراً أن العراق يمتلك موقعاً استراتيجياً يسمح له بأن يصبح مركزاً للربط الاقتصادي بين الخليج وتركيا وسوريا والأردن وآسيا الوسطى.

انقسام سياسي

أثارت المؤشرات إلى توسع الاستثمارات الأميركية ردود فعل متباينة داخل العراق، في وقت بات فيه ملف الشركات الأجنبية يعكس انقساماً سياسياً يتجاوز الاقتصاد إلى الاصطفافات الجيوسياسية.

فقد قال عضو ائتلاف «دولة القانون»، حسين مردان، إن الشركات النفطية الروسية العاملة في العراق ستستبدل بها شركات أميركية، معتبراً أن ذلك لا يعني بالضرورة وضع الاقتصاد العراقي تحت الهيمنة الأميركية، ومؤكداً أن رئيس الوزراء يحتفظ بعلاقات وثيقة مع قوى الإطار التنسيقي.

وأضاف أن الولايات المتحدة تضغط باتجاه توسيع حضور شركاتها الاستثمارية، لكنه استبعد أن يؤدي ذلك إلى احتكار أميركي لقطاع الطاقة العراقي.

في المقابل، صعدت الفصائل المسلحة المقربة من إيران هجومها على التوجهات الجديدة للحكومة.

وقال أمين «حركة النجباء»، أكرم الكعبي، إحدى الفصائل الموالية لإيران، إن الشركات الأميركية تتحمل مسؤولية الإخفاقات المزمنة في قطاع الكهرباء العراقي منذ عام 2003، داعياً الحكومة إلى طردها واستبدالها بـ«شركات رصينة وموثوقة».

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال اجتماع في «البنتاغون» يوم 14 يوليو 2026 (أ.ب)

لم يسم الكعبي دولاً بعينها، إلا أن دعوات قوى في الفصائل المسلحة والإطار التنسيقي خلال السنوات الماضية دأبت على المطالبة بإسناد مشاريع البنية التحتية والطاقة إلى شركات صينية، باعتبارها بديلاً عن الشركات الأميركية والغربية، في إطار توجه ينسجم مع تعميق التعاون الاقتصادي مع بكين.

ويرى مراقبون أن الخلاف حول هوية الشركات العاملة في العراق لم يعد يقتصر على اعتبارات اقتصادية أو فنية، بل أصبح جزءاً من التنافس الجيوسياسي بين محورين إقليميين ودوليين.

ويعكس هذا التباين استمرار الصراع على رسم توجهات السياسة الخارجية والاقتصادية للعراق، بالتزامن مع مرحلة انتقالية تشهد إنهاء الوجود العسكري للتحالف الدولي وإعادة تعريف طبيعة العلاقة بين بغداد وواشنطن، وسط تنافس متزايد على النفوذ والاستثمار في أحد أكبر منتجي النفط في العالم.


الحرب الأميركية على إيران تدخل مرحلة جديدة


سفينة حربية أميركية تشارك في العمليات البحرية بالمنطقة، مع إعلان «سنتكوم» نشر أكثر من 20 سفينة حربية ومئات الطائرات العسكرية بالتزامن مع استئناف الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)
سفينة حربية أميركية تشارك في العمليات البحرية بالمنطقة، مع إعلان «سنتكوم» نشر أكثر من 20 سفينة حربية ومئات الطائرات العسكرية بالتزامن مع استئناف الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)
TT

الحرب الأميركية على إيران تدخل مرحلة جديدة


سفينة حربية أميركية تشارك في العمليات البحرية بالمنطقة، مع إعلان «سنتكوم» نشر أكثر من 20 سفينة حربية ومئات الطائرات العسكرية بالتزامن مع استئناف الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)
سفينة حربية أميركية تشارك في العمليات البحرية بالمنطقة، مع إعلان «سنتكوم» نشر أكثر من 20 سفينة حربية ومئات الطائرات العسكرية بالتزامن مع استئناف الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)

اندفعت إدارة ترمب مجدداً إلى حرب مع إيران لم تكن قد انتهت فعلياً.

عندما بدأت الحرب قبل أكثر من أربعة أشهر، استهدفت القوات الأميركية قواعد عسكرية إيرانية ومنصات إطلاق صواريخ وسفناً ومنشآت بحرية. وضربت إسرائيل، التي كانت تقاتل إلى جانب الولايات المتحدة، قيادات إيرانية أملاً في إسقاط الحكومة المتشددة في طهران.

لكن سجل نجاحهما كان متفاوتاً في أحسن الأحوال. فقد قتلت إسرائيل المرشد الإيراني علي خامنئي، غير أن القادة الذين خلفوه كانوا أكثر تشدداً. وضربت القوات الأميركية آلاف الأهداف، لكنها لم تدمر قدرة إيران على السيطرة على مضيق هرمز، الممر المائي الذي يمر عبره عادة نحو 20 في المائة من نفط العالم.

وساد وقف متقطع لإطلاق النار لنحو 90 يوماً بدءاً من أبريل. ثم انتهى.

ويبدو أن الولايات المتحدة تدخل الآن الجولة الثانية من حملتها العسكرية. ولهذه الجولة تركيز جديد، لكن ليس بالضرورة استراتيجية أكثر وضوحاً.

وتُعد قدرة إيران على السيطرة على المضيق، رغم الضربات الساحقة التي تلقتها وحداتها البحرية، أهم درس خرجت به المرحلة الأولى من الحرب بفارق كبير. ولذلك، ليس مفاجئاً أن تركز إدارة ترمب على محاولة إضعاف قبضة إيران عليه.

وفي الأسبوع الماضي، أمر الرئيس دونالد ترمب، رداً على هجمات استهدفت ناقلات، بشن غارات جوية على عشرات الأهداف في إيران، بينها رادارات ساحلية، ومنصات لإطلاق صواريخ مضادة للسفن، وأسطول من الزوارق الهجومية الإيرانية الصغيرة.

وبعد فترة هدوء قصيرة، ضربت الولايات المتحدة 140 هدفاً عسكرياً في اليوم الأول من ثلاثة أيام متتالية من القصف المكثف هذا الأسبوع.

ونفذت القوات الأميركية جولات جديدة من الهجمات على إيران طوال يوم الثلاثاء، واستأنفت الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، وهي استراتيجية أظهرت قدراً من النجاح في المرحلة السابقة.

وتهدف الضربات إلى فتح الممر المائي أمام حركة السفن. أما الحصار البحري، فالغرض منه ممارسة ضغط اقتصادي على إيران عبر خنق تجارتها، واستعراض القوة العسكرية الأميركية.

وسارع ترمب إلى إعلان النجاح.

لقطة من فيديو تظهر استهداف منصة متحركة لإطلاق باليستي في موقع بجنوب إيران (سنتكوم)

وكتب على منصة «تروث سوشال» صباح الثلاثاء: «مضيق هرمز مفتوح أمام جميع حركة السفن باستثناء إيران، وذلك بسبب قيادتها الكاذبة والعنيفة والخبيثة، التي تقودها على طريق الدمار الشامل».

لكن ما الذي سيفعله الجيش الأميركي تحديداً لفرض الحصار، وإلى أي مدى سيذهب لبسط السيطرة على المضيق، لا يزال غير واضح.

ويتمثل سؤال رئيسي في ما إذا كان ترمب سيفكر في تنفيذ عملية للسيطرة على جزيرة خرج، وهي مركز رئيسي لصادرات النفط الإيرانية.

وكان ترمب قد تحدث علناً خلال المرحلة الأولى من الحرب عن إصدار أوامر لمشاة البحرية بالسيطرة على الجزيرة، لكنه تخلى في نهاية المطاف عن تلك الخطط خشية سقوط أعداد كبيرة من القتلى الأميركيين.

وستمثل عملية من هذا النوع تصعيداً أكبر بكثير من أي خطوة اتخذها ترمب حتى الآن. لكنها ستكون عملية صعبة، وقد تسقط أرواح خلال السيطرة على الجزيرة أو الاحتفاظ بها.

ولا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بترسانة هائلة في المنطقة، تشمل حاملتي طائرات وعشرات الطائرات الهجومية وطائرات المراقبة المتمركزة على الحاملات وفي القواعد البرية.

وقالت القيادة المركزية الأميركية، في بيان أعلنت فيه استئناف الحصار: «تعمل حالياً أكثر من 20 سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية ومئات الطائرات العسكرية في أنحاء الشرق الأوسط. وتبقى القوات الأميركية يقظة وفتاكة وجاهزة».

وخلال ضربات الأسبوع الماضي، استهدفت القوات الأميركية أكثر من 170 هدفاً عسكرياً إيرانياً. وخلال ثلاثة أيام متتالية من القصف المكثف هذا الأسبوع، ضربت الولايات المتحدة 140 هدفاً عسكرياً.

وقال محللون إن إدارة ترمب توجه رسالة واضحة إلى الحكومة في طهران مفادها أن الولايات المتحدة مستعدة لتوسيع مهمتها مجدداً وضرب مواقع لها استخدامات عسكرية ومدنية معاً.

لكن مسؤولين أميركيين كباراً قالوا إن التركيز الحقيقي للمرحلة الراهنة ينصب بلا شك على المضيق.

استهدف الجيش الأميركي بعض المواقع البعيدة عن المضيق، لكنها ترتبط أيضاً بالمهمة الأساسية. فعلى سبيل المثال، يبدو أن القوات الأميركية ضربت الأسبوع الماضي جسراً للسكك الحديدية في شمال شرقي إيران يبعد أكثر من 700 ميل عن المضيق. وأظهر مقطع مصور نُشر على الإنترنت عدداً من الأشخاص يتفقدون حفرة في الموقع.

وقال النقيب تيم هوكينز، المتحدث باسم القيادة المركزية الأميركية، في مقابلة هاتفية إن تلك الأهداف شملت بنى تحتية لوجستية عسكرية إيرانية مكّنت إيران من نقل الأسلحة والذخائر وإمدادات عسكرية أخرى إلى أكثر مناطق النزاع احتداماً.

وحتى الآن، لم يأمر ترمب باستئناف حرب شاملة، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن خطوة كهذه قد تدفع إيران إلى استهداف ليس فقط القوات الأميركية في المنطقة، بل أيضاً منشآت الطاقة في تلك الدول.

وقد تؤدي الهجمات على تلك المنشآت إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي إلى مستويات أعلى بكثير.

وقال مسؤولون كبار إن هدف الحملة العسكرية الجديدة هو إجبار إيران على السماح للناقلات وسفن الشحن التجارية الأخرى بالمرور بحرية عبر المضيق، ثم إعادتها في نهاية المطاف إلى طاولة المفاوضات لاستئناف المحادثات الأولية بشأن قضايا أكثر صعوبة وطويلة الأمد، مثل مصير اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب.

لقطة مأخوذة من مقطع فيديو يُظهر ضربات أميركية على مرساة في بندر عباس جنوب إيران (سنتكوم)

ويقر مسؤولو الإدارة بأن الاستراتيجية العسكرية لا تخلو من المخاطر. فقد أظهرت إيران أنها تمتلك ميزة غير متكافئة. ولا تحتاج القوات الإيرانية إلى إصابة كل سفينة تعبر المضيق أو إغراق أي منها. بل يكفيها أن تلحق أضراراً كافية وتطلق تهديدات كافية لإخافة شركات الشحن وشركات التأمين.

وخلال هذا الأسبوع، أصابت صواريخ إيرانية ناقلتي نفط خام كانتا تعبران الجزء الجنوبي من المضيق. وأسفر الهجوم عن مقتل أحد أفراد الطاقم من الجنسية الهندية. كما تعرضت ناقلة أخرى محملة بالغاز الطبيعي المسال للإصابة واندلع فيها حريق قرب الساحل العُماني.

وقال مسؤولون أميركيون كبار إن عامل الوقت لا يزال في مصلحة الولايات المتحدة مع انهيار الاقتصاد الإيراني.

وخلال فترة السلام الهش، تمكنت إيران من إخراج عدد كبير من ناقلاتها، وتفريغ خزانات التخزين التي كانت تفيض بالنفط.

لكن استئناف الحصار سيؤدي إلى تراكم النفط مجدداً، كما ستبدأ الأموال التي جنتها إيران من صادراتها النفطية في النضوب.

غير أن السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع القيادة الإيرانية المتشددة الصمود مدة أطول من قلق ترمب حيال ارتفاع أسعار النفط؟

*خدمة «نيويورك تايمز»