بدء محاكمة إمام أوغلو بتهمة التجسس في تركيا

رئيس بلدية إسطنبول مُلاحق بتسريب معلومات إلى دول أجنبية

تظاهر الآلاف أمام بلدية إسطنبول في 18 مارس مطالبين بالإفراج عن أكرم إمام اوغلو بمناسبة مرور عام على اعتقاله (رويترز)
تظاهر الآلاف أمام بلدية إسطنبول في 18 مارس مطالبين بالإفراج عن أكرم إمام اوغلو بمناسبة مرور عام على اعتقاله (رويترز)
TT

بدء محاكمة إمام أوغلو بتهمة التجسس في تركيا

تظاهر الآلاف أمام بلدية إسطنبول في 18 مارس مطالبين بالإفراج عن أكرم إمام اوغلو بمناسبة مرور عام على اعتقاله (رويترز)
تظاهر الآلاف أمام بلدية إسطنبول في 18 مارس مطالبين بالإفراج عن أكرم إمام اوغلو بمناسبة مرور عام على اعتقاله (رويترز)

يمثل رئيس بلدية إسطنبول المحتجز، أكرم إمام أوغلو، أمام المحكمة في قضية جديدة بتهمة «التجسس السياسي»، وذلك فيما تتواصل ملاحقته بتهمة الفساد للشهر الثالث على التوالي.

وتعقد الدائرة 25 لمحكمة جنايات إسطنبول، الاثنين، أولى جلساتها، في سجن سيليفري بغرب إسطنبول، لمحاكمة إمام أوغلو، المرشح الرئاسي لحزب «الشعب الجمهوري»، أكبر أحزاب المعارضة، بتهمة «التجسس السياسي»، استناداً إلى ادعاء بتسريب بيانات ملايين الناخبين في الانتخابات المحلية بإسطنبول التي فاز بها عام 2019، إلى أجهزة مخابرات أجنبية؛ من بينها «الموساد» الإسرائيلي.

وقبلت المحكمة في 28 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، لائحة الاتهام المقدمة ضد إمام أوغلو و3 آخرين، والتي تطالب بعقوبة السجن لكل منهم لمدد تتراوح بين 15 و20 سنة، ومنعهم من ممارسة أي نشاط سياسي لمدة مماثلة لمدة العقوبة.

تسريب معلومات وتجسس

يحاكم في هذه القضية مع إمام أوغلو، كل من مستشاره الصحافي نجاتي أوزكان، ومدير «قناة تيلي 1» المعارضة؛ الصحافي مردان يانارداغ، اللذين صدر قرار بتوقيفهما أيضاً، للاشتباه في تسهيلهما تسريب بيانات سرية تخص 4.7 مليون ناخب خلال الانتخابات المحلية في 2019، نُقلت بعد ذلك إلى أجهزة مخابرات أجنبية.

إمام أوغلو خلال إحدى جلسات محاكمته في قضية تزوير شهادته الجامعية (إعلام تركي)

وتم ربط التحقيق مع إمام أوغلو وأوزكان ويانارداغ بقضية تجسس تعود إلى يوليو (تموز) 2025، أوقف فيها رجل الأعمال حسين غون، بتهمة التجسس لصالح دول أجنبية، من بينها إسرائيل.

وتبيّن أن غون التقى مرة واحدة مع أوزكان قبل 15 يوماً فقط من جولة إعادة الانتخابات المحلية في بلدية إسطنبول التي أجريت في 23 يونيو (حزيران) عام 2019، حيث عرض العمل في تقديم تحليلات لمواقع التواصل الاجتماعي حول التصويت المتوقع في هذه الجولة؛ لكن لم يتم قبول طلبه، وتمت الاستجابة فقط لطلبه بتقديم التهنئة لإمام أوغلو عقب الفوز في الانتخابات للمرة الثانية بجولة الإعادة، حيث حضر مع سيدة قال إنها «أمه الروحية» والتقطا صورة معه، كما تبين أنه أجرى اتصالاً مع الصحافي يانارداغ.

واتهم غون بالتواصل مع أعضاء رفيعي المستوى في أجهزة المخابرات البريطانية والأميريكية والإسرائيلية، واستفاد من مبدأ «التوبة الفعالة»، بعد اعترافه بأنه عميل للمخابرات البريطانية، وتحول إلى مخبر في قضية إمام أوغلو، وقُدمت مراسلاته دليلاً في القضية، وخُصِص جزء كبير من لائحة الاتهام، المؤلفة من 160 صفحة، للمواد الرقمية والمراسلات والتصريحات الخاصة به.

ويؤكد دفاع المتهمين أن الادعاء حاول ربط أمور منفصلة لا صلة لها بالموضوع وتقديم المراسلات، التي تم الحصول عليها من هاتف غون، بوصف ذلك دليلاً رئيسياً على نشاط التجسس في قضية إمام أوغلو.

ويعرّف قانون العقوبات التركي «التجسس السياسي»، بأنه «الحصول على معلومات ينبغي أن تبقى سرية لأمن الدولة أو مصالحها السياسية، لأغراض التجسس».

الصحافي مردان يانارداغ المعتقل في قضية تجسس متهم فيها إمام أوغلو (من حسابه في «إكس»)

ودعت «منظمة العفو الدولية»، الجمعة، إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن الصحافي يانارداغ، المحتجز منذ 26 أكتوبر 2025، قائلة إن «الصحافيين في تركيا يكممون باستخدام قوانين فضفاضة وغامضة للغاية».

قضية الفساد ببلدية إسطنبول

تتواصل محاكمة إمام أوغلو، الذي ينظر إليه على أنه أقوى منافسي الرئيس رجب طيب إردوغان على رئاسة تركيا، للشهر الثالث على التوالي، بتهمة تشكيل منظمة إجرامية ارتكبت أعمال فساد ورشوة وتلاعب بالمناقصات في شركات ومشروعات بلدية إسطنبول.

ويواجه إمام أوغلو، الذي اعتقل في 19 مارس (آذار) 2025، في هذه القضية، 142 اتهاماً تبلغ مدة العقوبة فيها 2430 سنة.

نفذت السلطات التركية حملة اعتقالات جديدة الجمعة في إطار تحقيقات الفساد ببلدية إسطنبول (إعلام تركي)

ونفذت السلطات التركية، الجمعة، موجة اعتقالات جديدة في هذه القضية، شملت 29 مسؤولاً وموظفاً، بتهم المشاركة في «نظام مناقصات وهمية أو غير قانونية» من خلال شركة تابعة لبلدية إسطنبول، متخصصة في تنسيق الحدائق والمتنزهات.

وبالإضافة إلى ذلك، يحاكم إمام أوغلو في كثير من القضايا الأخرى؛ من بينها اتهامه بتزوير شهادته الجامعية التي تم إلغاؤها من جانب جامعة إسطنبول قبل اعتقاله بيوم واحد، ليفقد واحداً من أهم شروط الترشح للرئاسة، ما دفع إلى الاعتقاد على نطاق واسع؛ سواء على مستوى المعارضة أو الشارع التركي، بأن الاتهامات والقضايا الموجهة ضده «ذات دوافع سياسية»، وهدفها إبعاده عن منافسة إردوغان على الرئاسة.

وترفض الحكومة التركية هذه الاتهامات، مؤكدة أنها لا تتدخل في عمل القضاء.

استطلاع رأي

أظهرت نتائج أحدث استطلاعات الرأي حول فرص مرشحي الرئاسة حال التوجه إلى انتخابات مبكرة قبل الموعد المقرر في عام 2028، أن انتخابات الرئاسة قد تشهد جولة إعادة، وفي هذه الحالة سيتفوق إمام أوغلو على إردوغان بحصوله على 57.35 في المائة من الأصوات، مقابل 42.65 في المائة لإردوغان.

شارك الآلاف في تجمع لحزب «الشعب الجمهوري» بمدينة ريزا مسقط رأس الرئيس إردوغان السبت مطالبين بإطلاق سراح إمام أوغلو وإجراء انتخابات مبكرة (حساب الحزب في «إكس»)

وأوضح الاستطلاع «أجندة تركيا»، الذي أجرته شركة «غونديمار» في الفترة من 23 إلى 26 أبريل (نيسان) الماضي، أنه حال عدم قدرة إمام أوغلو على خوض الانتخابات واختيار حزب «الشعب الجمهوري» ترشيح رئيس بلدية أنقرة، منصور ياواش، فإنه سيحصل على 57.83 في المائة، مقابل حصول إردوغان على 42.17 في المائة.

وأظهر الاستطلاع أيضاً استمرار احتلال حزب «الشعب الجمهوري» المرتبة الأولى منذ الانتخابات المحلية في 2024، وحصوله على 36.10 في المائة من الأصوات، بينما حل حزب «العدالة والتنمية» الحاكم برئاسة إردوغان، ثانياً، بنسبة 28.56 في المائة.


مقالات ذات صلة

تركيا: تلميحات لتعديل النظام الرئاسي في الدستور الجديد

شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)

تركيا: تلميحات لتعديل النظام الرئاسي في الدستور الجديد

ظهرت مؤشرات جديدة على وضع دستور جديد لتركيا في ظل سعي الرئيس رجب طيب إردوغان لخوض انتخابات الرئاسة المقررة في 2028 والتي لا يحق له خوضها بموجب الدستور الحالي

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم العربي الرئيس عبد الفتاح السيسي يلتقي نظيره التركي إردوغان بالقاهرة في فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)

توافق مصري - تركي على ضرورة «تجنيب المنطقة التصعيد العسكري»

توافقت مصر وتركيا على «أهمية مواصلة تعزيز آليات الحوار الاستراتيجي وتطوير التعاون الاقتصادي والتجاري».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شؤون إقليمية قوة من شرطة مكافحة الشغب خلال القمة الأخيرة لحلف شمال الأطلسي في العاصمة التركية أنقرة (رويترز)

تركيا... احتجاز 36 ضمن تحقيق يتعلق بمنطقة تسيطر عليها المعارضة

أمر الادعاء التركي باحتجاز 36 شخصاً، من بينهم رئيس بلدية منطقة في أنقرة تديرها المعارضة الرئيسية.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
أوروبا منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس - 400» (موقع الصناعات الدفاعية التركي)

قمة «ناتو» في أنقرة انتهت مخلفة وراءها جدلاً وحكايات لا تنتهي

انتهت القمة الـ36 لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، التي عُقدت في أنقرة، لكن الانشغال بما دار فيها لا يزال مستمراً داخل تركيا وخارجها.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي قوات إسرائيلية تنشط بمنطقة جبل الشيخ في سوريا يوم 9 ديسمبر 2024 وهو اليوم التالي لسقوط نظام الأسد (رويترز)

أنباء عن نصب أنقرة بطاريات صواريخ في مطار دمشق

تركيا ليست دولة لبنان ولا سوريا ولا إيران، وتحويلها إلى عدو مغامرة ستكون كلفتها باهظة.

نظير مجلي (تل أبيب)

ملامح «مسار آمن» في «هرمز»

مضيق هرمز كما يبدو من ساحل مسندم في عُمان (رويترز)
مضيق هرمز كما يبدو من ساحل مسندم في عُمان (رويترز)
TT

ملامح «مسار آمن» في «هرمز»

مضيق هرمز كما يبدو من ساحل مسندم في عُمان (رويترز)
مضيق هرمز كما يبدو من ساحل مسندم في عُمان (رويترز)

تبلورت أمس ملامح لتأمين مسار آمن لملاحة السفن التجارية في مضيق هرمز، وذلك تماشياً مع جهود الوساطة الأخيرة التي أدت إلى عودة واشنطن وطهران إلى التفاوض في أعقاب التصعيد العسكري الذي ساد خلال الأيام الماضية.

وذكرت وسائل إعلام رسمية إيرانية أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بحث أمس في سلطنة عُمان الترتيبات المتعلقة بضمان المرور الآمن للسفن عبر المضيق، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى الحصول على تعهد مكتوب وعلني من طهران بحرية الملاحة، وتأمين عبور الممر المائي الحيوي.

وذكر موقع «أكسيوس» الأميركي أمس، أن إيران وعُمان تناقشان بياناً يتعلق بفتح «الممر الأوسط» في المضيق أمام السفن التجارية.

من جهة أخرى، قال مصدر إيراني كبير لـ«رويترز» إن الوسطاء يحاولون ترتيب مكالمة هاتفية بين إيران والولايات المتحدة وقطر وباكستان، على أن تتم أثناء وجود عراقجي في عُمان. كما أفادت شبكة «سي بي إس نيوز» بأن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر صهر ترمب، من المتوقع أن يقودوا المحادثات مع عراقجي.

إلى ذلك، هدّد المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، أمس، بالثأر لدماء والده وسلفه علي خامنئي الذي قُتل في اليوم الأول من الهجمات الأميركية - الإسرائيلية في 28 فبراير (شباط) على إيران.

وقال مجتبى في رسالة: «نقطع عهداً بأن نأخذ بثأر دمك الطاهر (...) هذا الثأر هو إرادة أمتنا، وهو حاصل لا محالة».


«الحرس الثوري» يعلن إغلاق مضيق هرمز «حتى إشعار آخر»

زوارق تحوم حول ناقلة نفط خلال مناورة عسكرية لعناصر من «الحرس الثوري» في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
زوارق تحوم حول ناقلة نفط خلال مناورة عسكرية لعناصر من «الحرس الثوري» في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

«الحرس الثوري» يعلن إغلاق مضيق هرمز «حتى إشعار آخر»

زوارق تحوم حول ناقلة نفط خلال مناورة عسكرية لعناصر من «الحرس الثوري» في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
زوارق تحوم حول ناقلة نفط خلال مناورة عسكرية لعناصر من «الحرس الثوري» في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

أعلن «الحرس الثوري» الإيراني، اليوم (الأحد)، أنه أغلق مضيق هرمز «حتى إشعار آخر» بعد استهدافه سفينة بإطلاق نار تحذيري خلال عبورها «مسارا غير مصرح به»، وفق ما أفادت وكالة «إرنا» الرسمية الإيرانية للأنباء.

وتهدد هذه الخطوة بتعقيد جهود إنقاذ المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في ظل تبادل الطرفين الضربات والتهديدات.

وأفاد موقعا «أكسيوس» و«بوليتيكو» بأن واشنطن منحت طهران مهلة تنتهي السبت لوقف إطلاق النار على السفن التجارية في مضيق هرمز والإقرار رسميا بأن الممر المائي مفتوح.

ويعد مستقبل مضيق هرمز عقبة رئيسية أمام التوصل إلى اتفاق نهائي، إذ تصر طهران على السيطرة على حركة الملاحة فيه، في حين تطالب واشنطن بحرية الملاحة دون قيود.

وقالت بحرية الحرس الثوري في بيان أن «السفينة أصيبت بطلقات تحذيرية وتوقفت"بعد تجاهلها تعليمات متكررة باستخدام مسار معتمد، وفقا للبيان الذي نقلته وكالة «إرنا».

أضاف البيان «في أعقاب هذا الحادث (..) سيُغلق مضيق هرمز حتى إشعار آخر وحتى انتهاء التدخلات الأميركية في المنطقة، ولن يُسمح لأي سفن بالمرور عبره».

كما توعد «الحرس الثوري» بأنه سيستهدف «قواعد جديدة للعدو في المنطقة» في حال شنت القوات الأميركية هجمات جديدة ضده بذريعة هذا الحادث.

ويُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، اذ يمر عبره نحو خُمس حركة التجارة العالمية للنفط والغاز المسال، ما يجعل أي اضطراب فيه مصدر قلق كبير لأسواق الطاقة.

وأغلقت إيران المضيق أمام الملاحة التجارية خلال حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ما ساهم في ارتفاع حاد في أسعار النفط وعرقلة حركة الملاحة البحرية في المنطقة.

وتُصر إيران على حقها في تنظيم حركة المرور عبر المضيق، وقد أعلنت عن خطط لفرض رسوم على السفن التي تستخدمه.

وصرح مسؤولون إيرانيون مرارا بأنه لن تكون هناك عودة إلى نظام الملاحة غير المقيدة الذي كان سائدا قبل الحرب.

وبموجب القانون الدولي، لا يُسمح للدول عموما بفرض رسوم عبور على المضائق المستخدمة للملاحة الدولية.


مأتم خامنئي... عندما يتحول المؤثرون الغربيون إلى «أدوات» بيد «الحرس الثوري»؟

مأتم خامنئي... عندما يتحول المؤثرون الغربيون إلى «أدوات» بيد «الحرس الثوري»؟
TT

مأتم خامنئي... عندما يتحول المؤثرون الغربيون إلى «أدوات» بيد «الحرس الثوري»؟

مأتم خامنئي... عندما يتحول المؤثرون الغربيون إلى «أدوات» بيد «الحرس الثوري»؟

في الوقت الذي كانت فيه المقاتلات الأميركية تستأنف ضرباتها المركزة ضد الأصول البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» في مضيق هرمز لتدمر ما تبقى من الهدنة المؤقتة، كانت العاصمة الإيرانية طهران تشهد فصلاً جديداً من فصول الحرب السياسية الرقمية.

فتحت طهران ذراعيها لاستقبال نحو 400 مدون ومؤثر أجنبي، جُيِّشوا بعناية فائقة لغسل سمعة النظام، وإعادة إنتاج روايته الرسمية أمام ملايين المتابعين في الغرب حسب ما نشرته «الإندبندنت» و «التايمز».

هذا التوظيف الفج لـ«دبلوماسية المؤثرين» الغربيين حوّل مراسم تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي إلى منصة «بروباغندا» مفتوحة للهجوم على الولايات المتحدة وإسرائيل.

وأثار هذا المشهد غضباً سياسياً غير مسبوق في واشنطن، وسط اتهامات صريحة للمشاركين بلعب دور «الطابور الخامس» والترويج لكيانات مصنفة إرهابياً في توقيت عسكري بالغ الحرج.

وتحولت الجنازة الممتدة لعدة أيام إلى منصة إيرانية لشن «حرب روايات» رقمية تهدف إلى إظهار تماسك النظام والدفاع عن موقفه في مواجهة واشنطن وتل أبيب.

وفي خطوة عكست توظيف طهران لوسائل التواصل الاجتماعي كأداة سياسية، لكسر العزلة الدولية المفروضة عليها والترويج لخطابها السياسي.

هندسة السردية البديلة والهروب من العزلة

كشفت كواليس الحشد الإعلامي الإيراني عن استراتيجية مدروسة وممنهجة. أكد رئيس «منظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية الإيرانية، محمد مهدي إيماني بور، في تصريحات نقلتها وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» أن طهران تعمدت تجاوز وسائل الإعلام التقليدية لصالح من وصفهم بـ«المؤثرين والمدونين المستقلين».

ويرى خبراء معهد الدراسات الأمنية القومية (INSS) أن هذه الخطوة تعد مؤشراً واضحاً على إدراك النظام لعزلته وشعبيته المتآكلة في الداخل، فبدلاً من لفت الأنظار إلى حملات القمع الأمني وقطع الإنترنت التي طالت المحتجين في أوقات سابقة، حاولت طهران استخدام هؤلاء «السُّذج» من الغرب لالتقاط زوايا تصوير محددة توحي بتماسك النظام والتفاف الجماهير حوله في معركته ضد واشنطن حسب «ذا جيروزاليم بوست».

من فلوريدا وموسكو.. قادة «شيوعية ماغا» في ساحات طهران

لم يكن الحضور الأميركي في الجنازة عفوياً، إذ برز اسم الناشط السياسي المثير للجدل جاكسون هينكل.

هينكل، البالغ من العمر 26 عاماً، والذي كان يُصنف سابقاً كأحد نشطاء البيئة، تحول إلى الترويج لتيار هجين يُعرف بـ«شيوعية ماغا» الداعم للرئيس الصيني شي جين بينغ.

وظهر هينكل في تسجيلات بثتها شبكة «آر تي» الروسية من ساحة «انقلاب» بطهران وهو يقود جموع المشيعين بهتافات حماسية باللغة الإنجليزية تطالب بسقوط الولايات المتحدة والصهيونية، رافعاً راية حمراء تعبر عن الانتقام، كما نشر ذلك على حسابه على منصة «إكس». ويواجه هينكل، الذي يقيم في موسكو هرباً من الملاحقات القانونية، انتقادات حادة لاستغلاله منصته التي تضم 3.8 مليون متابع على «إكس» للترويج لـ«الحرس الثوري»، ومهاجمة إدارة دونالد ترمب.

ولم يكن هينكل الممثل الوحيد لهذا التيار. شاركه في قيادة الهتافات شريكه في تأسيس ما يُسمى «الحزب الشيوعي الأميركي» الجديد، كريستوفر هيلالي.

هيلالي، الذي يشغل رسمياً منصب مسؤول محلي ومنتخب في ولاية فيرمونت، ويمتد نشاطه التدريسي إلى الدراسات الاجتماعية، دافع بصراحة في مقابلة مع شبكة «سي إن إن» عن إرث خامنئي.

ورأى هيلالي أن ممارسات النظام الإيراني لم تكن قمعاً، بل كانت «دفاعاً مشروعاً عن البلاد ضد محاولات تغيير النظام العنيفة التي تقودها المخابرات الأميركية والإسرائيلية».

انقلابات آيديولوجية... الحجاب وسردية «أعظم قائد»

شهدت القائمة أيضاً وجوهاً عكست التحولات الراديكالية لبعض عناصر اليسار الأميركي المتطرف. كان من أبرزها الناشطة كالا والش، التي بدأت مسيرتها السياسية كمتطوعة شابة في الحملة الرئاسية للسيناتورة الديمقراطية البارزة إليزابيث وارن.

والش ظهرت في طهران مرتدية الحجاب التقليدي، وبثت مقاطع فيديو عبر حساباتها الرسمية وصفت فيها خامنئي بأنه «أعظم قائد مناهض للإمبريالية عاش في عصرنا الحالي»، معتبرة أن الحشد الجماهيري يمثل استفتاءً شعبياً على ولاء الإيرانيين للثورة الإسلامية.

هذه التصريحات فتحت عليها نار الانتقادات في شبكات التلفزة الغربية. هاجمها المذيع جيمس مورو عبر شبكة «سكاي نيوز»، واصفاً موقفها بأنه «سقوط أخلاقي جديد لليسار المتطرف» الذي بات يتماهى مع أنظمة ثيوقراطية تقمع حقوق النساء بشكل صارخ.

كما انضم إلى الوفد الإعلامي غير الرسمي الصحافي ماكس بلومنثال، مؤسس موقع «غرايزون»، والناشطة البريطانية بشرى شيخ. وعمل هؤلاء على ترويج السردية الإيرانية بالكامل وتصوير الجنازة على أنها الأضخم في التاريخ الحديث لإحراج واشنطن.

سخط في واشنطن ودعوات لمقصلة «قانون الخيانة»

قوبلت هذه المشاهد الآتية من طهران بموجة غضب عارمة في الأوساط المحافظة والمقربة من الحزب الجمهوري وإدارة الرئيس دونالد ترمب، حيث طالب سياسيون ومحللون أميركيون بفتح تحقيقات فورية وإصدار مذكرات توقيف بحق هؤلاء النشطاء بموجب القوانين الفيدرالية الصارمة.

وفي هجوم فوري عبر الفضاء الرقمي، أعادت الباحثة الاستراتيجية البارزة في معهد هادسون بواشنطن، ريبيكا هاينريشس، مشاركة مقاطع فيديو هينكل في طهران، مكتفية بتوجيه اتهام صريح ومباشر بالخيانة عبر الاستشهاد بالمادة 18 من القسم 2381 من القانون الفيدرالي الأميركي، وهو البند الذي يلوح بعقوبة الإعدام لكل مواطن يقدم عوناً أو تأييداً لأعداء الولايات المتحدة.

بالتوازي مع ذلك، طالبت الناشطة المحافظة لورا لومر بإلغاء جوازات سفر المشاركين وملاحقتهم بتهمة انتهاك «قانون لوغان» الذي يحظر على المواطنين غير المفوضين التفاوض أو التواصل مع حكومات أجنبية في حالة نزاع مع واشنطن، فضلاً عن تهمة الترويج والتعاون مع تنظيمات مدرجة على لوائح الإرهاب الأميركية.

ومن جانبهم، أشار خبراء مكافحة التجسس، ومن بينهم الخبير جوناثان هاكيت، لصحيفة «ذا جيروزاليم بوست» إلى أن استراتيجية إيران الحالية تماثل تماماً أساليب «المؤتمرات الهوليودية» التي كان ينظمها النظام سابقاً لجذب الأصوات الغربية، موضحاً أن طهران تعمد إلى إخفاء مصادر تمويل هذه الرحلات الفاخرة وتغطية نفقات هؤلاء المؤثرين عبر شبكات معقدة من العملات المشفرة لتجنيبهم الملاحقة المصرفية والقانونية في بلدانهم.

التمويه الرقمي في مواجهة الطائرات المسيرة

يعيد هذا المشهد إلى الأذهان أساليب الدعاية السوفياتية القديمة خلال الحرب الباردة، ولكن بأدوات القرن الحادي والعشرين.

فبينما كان الشارع الإيراني يعاني تداعيات الصراع العسكري المباشر وشلل حركة الملاحة البحرية، نجحت الأجهزة الدعائية في طهران في اختراق الفضاء الرقمي الغربي مستغلة مناخ الحريات هناك.

واستخدمت مواطنين أميركيين كأدوات لتسويق صورة «الدولة المقاومة»، في حين يرى الشارع الأميركي في هؤلاء النشطاء مجرد أدوات «بروباغندا رخيصة» وظفتها طهران لغسل سمعتها الدولية والتغطية على أزماتها البنيوية العميقة.