تدور أحداث رواية «عين جالوت»، وهي عمل أدبي يجمع بين الغموض والمشاهد المروعة والفكاهة السوداء، للكاتب الأرجنتيني دييغو موزيو، في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وتحديداً داخل مصحة في إدنبرة، كانت «تؤوي نخبة مختارة من أعداد كبيرة من المرضى النفسيين العائدين من الحرب». يجري الطبيب النفسي في المصحة، إدوارد بيرس، أبحاثاً مثيرة للجدل حول التنويم المغناطيسي كوسيلة لعلاج الأمراض العقلية؛ وفي حين يرى زملاؤه أن تجاربه «محكوم عليها بالفشل عاجلاً أم آجلاً»، يعتبر بيرس أن أساليبهم - القائمة على العقاقير والكهرباء - «غير فعالة وبالية».
يصل مريض جديد يُدعى ديفيد برادلي - وهو مهندس - إلى المصحة بعد أن تقطعت به السبل على جزيرة تضم منارة مهجورة كان قد أُرسل لتقييم حالتها بتكليف من جهة عمله. ويرى بيرس في هذه الحالة فرصة لإثبات جدوى إجراءاته النفسية المبتكرة.
يعاني برادلي من صدمة نفسية أفقدته القدرة على الكلام، وتتملكه رغبة ملحة في السباحة طوال الوقت. وقد دوّن تفاصيل فترته التي قضاها في الجزيرة في مذكرات تشكل الجزء الثاني من الكتاب، حيث يسرد رحلة انحداره نحو الجنون والرعب المستمر. بعد ذلك، يعود موزيو بالقصة إلى بيرس ومسار علاج مريضه المحيّر.
تتميز هذه الرواية بحبكة معقدة، وتزخر بالتناص الأدبي؛ إذ يوظف موزيو ثيمات ومواضيع لكُتّاب آخرين بأسلوب يشبه طريقة منتجي موسيقى «الهيب هوب» في استخدام المقاطع الصوتية الجاهزة (samples)، حيث يصيغ ألحاناً جديدة عبر اقتباس شذرات من ألحان مألوفة وإعادة ترتيبها وصياغتها بقوالب مبتكرة. وتزخر الرواية بإشارات إلى أعمال أدبية متنوعة، مثل: «مغامرات أليس في بلاد العجائب» للويس كارول، و«الجحيم» لدانتي، وسفر صموئيل الأول، وكتابات عالم الطبيعة والكاتب ويليام هنري هدسون، وقصيدة «أنشودة البحار العجوز» لكولريدج.
غير أن التأثير الأبرز يأتي من الرواية القصيرة القوطية «قضية الدكتور جيكل والسيد هايد الغريبة» لروبرت لويس ستيفنسون. فبينما تبرز بعض الإشارات بوضوح صارخ كلوحات النيون الوامضة (مثل وجود نسخة من الكتاب في غرفة نوم «بيرس»، وظهور مهندس المنارات ديفيد آلان ستيفنسون، وهو ابن عم روبرت في الواقع)، تظهر أيضاً جوانب أكثر دقة وتعمقاً في استلهام تلك الرواية. إذ تتم السيطرة على ألم الأعصاب الذي يعاني منه «بيرس» - وهي حالة تسبب صداعاً مبرحاً ناجماً عن شظايا مستقرة في رأسه - عبر جرعات متزايدة التواتر من المورفين؛ وتعكس عادته هذه اعتماد الدكتور جيكل على إكسيره السري، الذي كان يتجرعه أولاً ليُخرج إلى العالم قرينه الشرير «هايد» (ثم يعود ليتناوله لاحقاً لكبح جماح «هايد» ومنعه من الظهور من تلقاء نفسه).
وهناك واقعة تتعلق بجثتين تُرى من منظورين مختلفين: أحدهما يعتبرها تدنيساً للحرمة، والآخر يراها تعبيراً عن الندم؛ ففي حين قد يرى شخص ما «هايد» في هذا الموقف، قد يرى آخر «جيكل». كما تتكرر ثيمات التوائم والنسخ المتطابقة طوال أحداث الرواية، بما في ذلك لحظة بارعة يتضاعف فيها الكتاب نفسه.
*خدمة «نيويورك تايمز» ومن خلال أسلوبها النثري الأنيق - الذي يتسم أحياناً بطابع طريف وغريب ومحبب (وقد نُقل ببراعة من الإسبانية على يد راهول بيري) - وعبر بنيتها السردية، ولا سيما الوثائق التي تشكل قسم «برادلي»، تلمح الرواية إلى الطابع القوطي، دون أن تتحول كلياً إلى مجرد محاكاة ساخرة أو تقليد للأسلوب القديم.
وتكمن خلف مساري أحداث «بيرس» و«برادلي» ذكريات الحرب التي وضعت أوزارها مؤخراً، وهي ذكريات يفضل الرجلان نسيانها؛ إذ تُعد مشاهد الاسترجاع (الفلاش باك) التي تصور أجواء السريالية الكابوسية لحرب الخنادق - التي وُصفت بأنها «محفز مذهل للجنون» - أكثر فقرات الرواية إثارة للقلق والاضطراب. يرى بيرس في تجسيد الحرب تشويهاً بشعاً لشخصية «أليس» التي أبدعها كارول، تلك الفتاة ذات «العينين المتلألئتين التي كانت تتجول حاملةً حلقة مفاتيح تصدر رنيناً، لتفتح بها كل حجرات العقل التي حُبست فيها جحافل من الشياطين الثرثارة».
فالخنادق هي المكان الذي تضطر فيه الظروفُ كلَّ رجلٍ إلى إخراج «هايد» الكامن في داخله؛ لا طلباً للمتعة التي كان يجدها «هايد» - شخصية ستيفنسون - في العنف، بل لمجرد البقاء على قيد الحياة. وفي هذه الرواية الآسرة، يوحي مصير كل من بيرس وبرادلي بأنه مهما كانت المبررات التي قد تدفع المرء لإطلاق العنان لـ«هايد» ليعيث فساداً في المرة الأولى، فإن كبح جماحه مجدداً يُعد أمراً بالغ الصعوبة.


