طلال حيدر... شاعر النقاء الرعوي والاستعارات المدهشة

اقتطع الشعر من براريه وينابيعه الخام ووضعه في قلب الحداثة

طلال حيدر في ربوع قلعة بعلبك
طلال حيدر في ربوع قلعة بعلبك
TT

طلال حيدر... شاعر النقاء الرعوي والاستعارات المدهشة

طلال حيدر في ربوع قلعة بعلبك
طلال حيدر في ربوع قلعة بعلبك

أصعب ما في الكتابة عن طلال حيدر أنك لا تستطيع ضبطه متلبساً في حالة هدوء، أو وضعية ثابتة، لكي تستطيع القبض على ملامحه. فهو يظهر حيناً في صورة إعصار، ويظهر حيناً آخر متلفعاً بحكمته، ومنكفئاً داخل نفسه كالكهف، ويبدو حيناً ثالثاً مشمساً ورائقاً كصباحات سهل البقاع. وإذا كنت قد أجلت الكتابة عنه مرة إثر أخرى، فليس لأنني لم أعثر في شعره وسيرته على المواد الكافية للكتابة، بل لأن فيه من التعدد بما يشعرك بالتهيب من كثرته، ومن تقلبات المزاج وملابسات الحضور، بما يجعلك عاجزاً عن وضعه في خانة، أو توصيف.

إلا أن ما تقدم لا يعني بأي حال أن طلال حيدر كان مديناً فيما قدمه من أعمال متميزة لموهبته ومزاياه الشخصية وحدها، بل إن تجربته الشعرية قد أخذت طريقها إلى الجدة والابتكار، مستندة إلى مجموعة من العوامل التي لم يكن له من دونها أن يحتل موقع الريادة في القصيدة اللبنانية المحكية. وإذا كان الشعر من بعض وجوهه هو أحد تجليات المكان، وتعبيراته الرمزية، فإن مخيلة صاحب «بياع الزمان» قد استندت إلى ملاعب شاسعة الآفاق، يتشكل ظهيرها المشهدي من سلسلتي جبال شاهقتين، ونهرين متعاكسي المجرى هما العاصي والليطاني، وسهل فسيح، ومبقع بعشرات الألوان.

وحيث لا يوجد شعر غني دون طفولة غنية، كما يقول باشلار، فقد عرف طلال كيف يحول طفولته إلى مصيدة ناجحة للصور والمجازات، وكيف يدرب حواسه الخمس على تعقب الظواهر المتقلبة للطبيعة، معايناً حركة الأرض في مخاضاتها، والرياح في تفتحها، والشموس في اندلاعها الأوليّ، والغيوم في أوكارها الممطرة.

وعلينا أن لا نغفل في الوقت ذاته أن تجربة طلال المميزة قد نشأت في كنف حالة النهوض الاجتماعي والثقافي التي شهدها لبنان بُعيد منتصف القرن الفائت، حيث أتيح للشاب البقاعي الوافد إلى بيروت أن يعاين عصر المدينة الذهبي، وأن يقف عن كثب على السجالات الحادة بين حركات التقليد والتجديد التي شهدتها العاصمة اللبنانية في أواسط القرن الفائت. واللافت أن رغبة الشاعر العارمة في الاطلاع على التراث العربي وتذوق فنونه وآدابه كانت ترافقها رغبة موازية في التفاعل الخلاق مع تيارات الحداثة الوليدة، والتي توزعت تعبيراتها بين الشعر، والمسرح، والموسيقى، وفنون التشكيل.

كما تتبع طلال نشوء مجلة «شعر» ورافق روادها المؤسسين، مشاركاً في ندوتها الأسبوعية، ومتفاعلاً في الوقت ذاته مع انطلاقة مهرجانات بعلبك الدولية، ومع النصوص المحكية التأسيسية لسعيد عقل، وميشال طراد، والأخوين رحباني. وبفضل اشتغاله المضني على تثقيف نفسه، وحرصه الدؤوب على تنويع قراءاته الأدبية والفنية والفلسفية، تمكن الشاعر المغامر من تجاوز الردح الزجلي السائد في تلك الفترة، والقائم على الهجاء، والمديح، والاجترار اللفظي السقيم، ليأخذ القصيدة المحكية نحو مناطق تعبيرية ورؤيوية جديدة، وغير مأهولة.

والواقع أن ما أضافه طلال إلى الشعرية العربية لا تنحصر أهميته في إثبات قدرة القصيدة المحكية على مجاراة الفصحى، ومنافستها في مجال التخييل، والتقاط الصور المجازية المفاجئة في عمقها وطزاجتها، بل في تعقبه المستمر للفولكلور والتراث الشعبي، ولأغاني الرعاة، ومواويل الريف، وصولاً إلى الروح الإسلامية التي تشربها طفلاً ويانعاً، والأهازيج والحداءات المنتشرة في نواحي بلاد الشام وبواديها.

على أن طلال حيدر الذي رفد تجربته بما ادخرته الصحارى العربية في رمالها اللاهبة من شموس متخثرة، وأقواس قزحية، وأعقاب زفرات وأصوات، لم يُبق المواد الأولية التي تلقفها من هذه الأماكن في صورتها الخام، بل أعاد إنتاجها بصورة مختلفة، مستخدماً أسلوب الاختزال، والترميز، والإيماء إلى المعنى، والمباعدة المدهشة بين طرفي الصورة، بما جعل منها قيمة مضافة إلى جمالية الفصحى، وللمشهد الشعري الحداثي برمته. ولعل ما فعله طلال باللغة المحكية يشبه إلى حد بعيد ما فعله الشاعر الإسباني غارسيا لوركا، الذي جاب سهوب الأندلس وجهات إسبانيا الأربع، بحثاً عن تراث أسلافه الشفوي، وعن أشكال التعبير الشعبي والفولكلوري التي اقتبس منها ديوانه المميز «أغاني الغجر».

ولأن حيدر كان يعرف بفطرته السليمة وذكائه الحاد أن الشعر العظيم لا تنتجه مصانع التأليف البارد، ولا التصاميم المتعسفة للعقل، وأنه لا يتأتى من احتكاك المفردات بنفسها فحسب، بل من احتكاكها بالعالم الحقيقي، وتفتح الحواس، فقد اندفع باتجاه الحياة بكامل «شراسته»، وجنونه، ونزوعه الشهواني، غير آبه بالأعراف، والمحظورات، والخطوط الحمراء. ولهذا السبب بدت كتابته مزيجاً شديد الفرادة من الاختزالات اللفظية المنمنمة، والحِكَم المأثورة، والتعريشات القريبة من فن الأرابيسك العربي، والمشهديات المقطعية القريبة من فنون السينما، والتشكيل، كما في أبيات من مثل «هالعمرْ جفْلة فَرسْ والناسْ خيَّاله»، أو «حلوةْ متلْ طلُّوا العربْ رحْ يوصلوا عالشامْ»، فيما كان توتره العصبي وضراوة شغفه بالحياة يمنعان شعره من الوقوع في مزالق التأنق المحض، والزخرفة الساكنة، ويمنحانه قوة التوهج، وثراء الدلالة، وجماليات التأويل.

أما افتتان الشاعر بالأنوثة، فلم يكن ناجماً عن اكتظاظه بالرغبات، أو تعلقه المفرط بالمرأة فحسب، بل لأنه رأى في الأنوثة رمزاً للجمال الكوني، وللحياة في صيغتها الوردية، والقصيدة في تفتحها الملغز. هكذا نتعرف عنده على نساء غابرات احتفظت بهن المخيلات الجمعية، فيما تسمر جمالهن كحروف قديمة على جداريات الزمان الآفل «عبله على ضهر الفرَسْ، حلوهْ متلْ آيهْ، كلّ الحروف مْنكَّسهْ، إلا الألِفْ رايهْ، أللهْ شو حلوه الألِفْ، بسْ تنحكى حْكايهْ، سبعْ لغات العربْ، عندي مْخبَّيهْ، عَكِترْ ما القوس انحنى، صار السهمْ غايهْ».

ولم يجد طلال حرجاً في الإفادة من المصادر الأم لنصوص الحب والعشق، سواء تعلق الأمر بشعر الرقائم والألواح التي تركتها خلفها حضارات السومريين والبابليين والفراعنة، أو تلك التي أفردت لها الكتب المقدسة أسفاراً وآيات وحكايا خاصة بها. وهو ما تبدو تمثلاته واضحة في قول الشاعر: «وجِّكْ قطعان الِمعزَه بْجبل التفاحْ»، الذي يستلهم عبارة «شَعركِ كقطيع معِزٍ يبدو من جبل جلعاد»، الواردة في: «نشيد الأناشيد».

وإذ لا يكف طلال عن المواءمة بين افتتانه بسحر المرأة، وافتتانه الموازي بسحر المكان الصحراوي، يجعل من اللغة نفسها الأقنوم الثالث لهذه المواءمة، وبخاصة صيغة المثنى التي لم يكف عن استخدامها في غير واحدة من قصائده، وبينها قوله: «تتْلفَّتين شْمالْ، يِتْغيّرْ طقسْ سنْتينْ، ويمرقْ عرسْ بالبالْ أحلى من بنات تنينْ، والبنْ شاف الهالْ جايي من اليمنْ دَلُّوا على الخدَّينْ، بسْ يكتملْ بدر الجزيرة فوق نجْد بْخافْ صيبةْ عينْ، لوَّنتْ توبكْ منِ الشمس البِقِتْ فوق الرملْ عامينْ، والرملْ ما بيسأل الصحرا مْنين المدى بِبلِّش ولَويْنْ».

تحولت نصوص كثيرة لطلال حيدر إلى أغنيات معروفة ترددها حناجر الكبار من المغنين والمغنيات

ولم يكن من قبيل الصدفة أن تتحول نصوص كثيرة لطلال حيدر إلى أغنيات معروفة ترددها حناجر الكبار من المغنين والمغنيات، من أمثال فيروز، وصباح، ووديع الصافي، ومرسيل خليفة، بل إن الأمر عائد إلى تصادي هذه النصوص مع أجمل ما ترسخ في الذاكرة العربية من أطياف الأزمنة، والأماكن المفقودة، ومع الترجيعات الدفينة للطفولة الجمعية. ولعل معرفة الشاعر الوثيقة باللغة الفصحى، وبحور الخليل هي التي ساعدته على الإفادة من بعض أوزان الشعر العربي الفصيح، وبخاصة البسيط، والخبب، والاشتغال على البنية الإيقاعية للقصيدة المحكية. كما أنه استفاد إلى أبعد الحدود من البنى الإيقاعية المختلفة لأشكال الفولكلور المحلي، وبينها الحداء، والحوربة، والندب، وأهازيج النصر، وأغاني الحصاد، والأعراس، وهدهدات الأطفال.

إلا أن احتفاء طلال بمباهج الحياة وجمالاتها ولحظاتها الممتعة يجب ألا يصرفنا بالمقابل عما يشيع في شعره من نبرات الشجن والأسى النوستالجي الناجمة عن خسارة مباهج الحياة، وتغيُّر الأحوال، وتقادم السنين. وإذا كنا نرى ظلالاً لهذا الشجن والأسى في الكثير من نصوص طلال حيدر، فإنها تبدو جلية تماماً في قصيدته المؤثرة «هالكان عندن بيت»، التي يقول فيها: «وين أهلي؟ وين طاحونةْ حزنْ خيّي الزغيرْ؟ وين طيارةْ ورقْ نومي على هزّةْ سْريرْ؟ وين الإيديْن الْحطَّت إبريق الشّتي فوق الحصيرْ؟ وين شْبابيك الْفات منها الصوتْ متل الزمهريرْ؟ وِقْع العمرْ ما بين إيد وْبينْ هزَّات السّريرْ».


مقالات ذات صلة

يوميات الشرق ارتفعت العصا في يد هاروت فازليان فبدا كأنّ الصمت نفسه يستعدّ ليقول شيئاً (الجامعة الأميركية)

هاروت فازليان «في بحر الحبّ»: الموسيقى والشِّعر يُعيدان تشكيل الإنسان

بين صوت رفعت طربيه ونَفَس هاروت فازليان، وبين الشّعراء والملحّنين الذين مرّوا، ترك «في بحر الحبّ» للروح حقّها في أن تُصاب، ثم تتعافى، ثم تتّسع.

فاطمة عبد الله (بيروت)
صحتك وصلات الشعر الشائعة الاستخدام قد تصيب النساء بأمراض خطيرة (أ.ب)

احترسي... وصلات الشعر قد تصيبك بالسرطان واضطرابات الهرمونات

كشفت دراسة علمية حديثة عن وجود عشرات المواد الكيميائية السامة في منتجات وصلات الشعر (الإكستنشن) شائعة الاستخدام، بعضها مرتبط بالسرطان واضطرابات الهرمونات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
ثقافة وفنون دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمود البريكان... شعرية الاغتراب

محمود البريكان... شعرية الاغتراب

تجربة الشاعر محمود البريكان، بوصفه أحد شعراء الحداثة العراقيين، المجايلين للشاعر بدر شاكر السياب، منذ خمسينات القرن الماضي، تجربة شعرية متفردة إلى حدٍ كبير.

فاضل ثامر

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل
TT

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات تدعو للتأمل.

هذا ما تؤكده الفنانة التشكيلية والباحثة سماء يحيى في كتابها «العروسة في الفن والحياة»، الصادر أخيراً عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» ضمن سلسلة «آفاق الفن التشكيلي»، لافتة إلى أن الدُمى كانت توضع في حقب زمنية سابقة في قبور الأطفال الصغار، وكأنها تبعد عنهم الوحشة، وهو ما يعكس قوة حضورها في الثقافة الشعبية.

تشير المؤلفة إلى أن «العروسة» هي تشكيل نحتي يُصنع على هيئة إنسان أو حيوان بحجم صغير وخامات مختلفة لأغراض اللعب أو لأغراض تزينيية وطقسية وفنية، وتعد واحدة من أقدم التشكيلات النحتية التي صنعها الإنسان، ويعود تاريخها في رأي بعض الباحثين إلى ما قبل ظهور الحضارة.

ومن الواضح أن افتتان الإنسان الأول بالجسد وخيالاته الأولى في التجسيد جعله يحاول تقريب صور الطبيعة لكي تشبه شكله وأشكال مخلوقات أخرى مألوفة لديه ليخلق في مخيلته اعتقاداً بأنه يستطيع أن يقترب منها أو يقوم بطقس ليتقي شرها، فكانت هناك عرائس لموسم الحصاد في بداية عصر الزراعة والأمطار وأخرى لجلب الرزق والصيد في المجتمعات الرعوية، كذلك عرائس منحوتة كتمائم وآلهة صُنعت من القش والعظم وعرائس لأغراض الخصوبة والإنجاب.

نجد أيضاً أن الإنسان الأول صنع تشكيلات من خامات البيئة المحلية مثل الطين والبوص والأخشاب في محاولة لتجسيد الآباء الراحلين الأعزاء على نحو يجعله قادراً على أن يتواصل معهم ويحدثهم بما يجول في خاطره. حتى في الطقوس السحرية والإيذاء، كانت صناعة دمية على شكل العدو أمراً شائعاً في عصور ما قبل التاريخ، حيث تخلق الدمى نوعاً من التواصل الحسي والحركي مع البيئة وتفتح المجال للخيال ونمو العقل لدى الأطفال، فالظروف البيئية في العصر الحجري على سبيل المثال كانت من العوامل المهمة التي قامت حولها طائفة من العقائد والطقوس القديمة.

حرف وصناعات

تلفت سماء إلى أنه ترتب على ذلك قيام مجموعة من الحرف والصناعات والفنون لنجد أن الطقوس الدينية أو السحرية اتخذت من تلك الحرف وسيلة لحفظ هذا التراث الإنساني من الضياع، بل ربما كانت ضماناً لارتقاء تلك الحرف والصناعات.

عُثر على العديد من نماذج الدمى في العصور الأولى المبكرة للحضارة المصرية القديمة، لا سيما في كل من «نقادة» و«البداري»، كما وُجدت بأحجام وخامات وأشكال منوعة في سيبيريا ووسط آسيا والبلطيق، وابتُكرت في أشكال مختلفة بملابس أو من دون، وألبست حلياً تشبه تلك التي يستخدمها أهل المنطقة ولُوّنت في بعض الأحيان مثل الدمى السومرية الملونة، كما وُجدت منها نماذج فرعونية مكسوة بالذهب والمطعمة بالملابس.

ومع هذا التاريخ العظيم الثري من استخدام العرائس والدمى في التعبير الفني والثقافي والمجتمعي في مصر، فإن المؤلفة تلاحظ أن النظر إلى «العروسة» كعنصر مهم من الممكن الاستفادة منه في الفن التشكيلي المصري الحديث بكل مجالاته، وهذا لم يلق العناية الكافية من الفنانين التشكيليين المصريين المعاصرين.

وبينما اقتصرت أغلبية الأعمال التشكيلية المعاصرة في مصر على «تيمة عروس المولد» في أعمال نحتية وتصويرية، لم يهتم إلا قليلون باستخدام مفاهيم وتشكيلات أخرى لدمى مصرية لها خصوصية متفردة واستلهامها في تطوير أساليب وأعمال فنية ذات فرادة، وفي الوقت نفسه يقبل على مشاهدتها الجمهور العادي لأنها ليست غريبة على ثقافته وذائقته، وإن كان هذا لا ينفي قيام بعض التشكيليين بمحاولات رائدة في هذا السياق مثل جمال السجيني، وعبد الغني الشال، وممدوح عمار، ومصطفى الرزاز، وفرغلي عبد الحفيظ، ورمزي مصطفى، وعصمت داوستاشي، وحلمي التوني.

أشهر النماذج

تعد «دمية فرن الخبز» أشهر عروس في منازل المصريين الذين كانوا حتى وقت قريب يصنعون الخبز في منازلهم، من وجه بحري حتى أقاصي الصعيد، وهى تُصنع من قطعة صغيرة من العجين، وتخلطها الأمهات والجدات بالسمن وبعض السكر، ثم يشكلها الأطفال على هيئة دمى بدائية قريبة الشبه جداً بتلك التي شُكلّت في عصور فرعونية قديمة تعود إلى ما قبل الأسرات.

تخرج «عروسة الخبيز» وقد نضجت بنار الفرن فيفرح بها الصغار ويلهون بها قبل أن يأكلوها في طقس بسيط يحمل معاني البهجة والاحتفال، وربما كان متوارثاً من أعياد ومناسبات سحيقة لا يُعرف عنها شيء الآن.

أما ثاني الدمى المهمة في الحياة الاجتماعية المصرية فهي «عروس القمح»، أو باللهجة الشعبية «عروس الغلة»، التي تُصنع من سنابل القمح الخضراء المضفرة في تركيبة تشبه علامة «العنخ» أو «مفتاح الحياة» المصري القديم، التي تعلّق على أبواب المنازل وفوق النوافذ للاحتفال وجلباً للخير.

وكانت الدمية تُقدم ومعها وعاء من القمح كقربان للإلهة «رنتوتت» في مصر القديمة كنوع من الشكر لها على بركة الحصاد، وهى الآن تُصنّع وتباع في أعياد «شم النسيم» ويطلق عليها «مشط الفريك» وتعلق على الشرفات والعتبات.

وتذكر سماء أنه من أشهر الدمى الشعبية في هذا السياق «خيال المآتة» وهي تشكيل يوضع في الحقول الزراعية لتخويف الطيور يتكون من خشبتين متصالبتين، ويصنع لهما رأس من القماش أو يلبس قبعة من القش، وقديماً كان يُصنع لها رأس مخيف من الطين ويطلق عليه لقب «أبو خف».

أيضاً توجد دمية الحسد الورقية الشهيرة التي تُقص من ورقة على شكل إنساني، ثم تخرم بالإبرة الغشيمة التي ليس لها عين ثقباً باسم كل من تحوم حوله الشكوك في أنه حاسد أو يحمل شراً، ثم تُحرق في موقد صغير مع بخور الحسد ولبان وشبّة، ثم يخطو المحسود فوق الموقد سبع مرات ويقال إنه تظهر في رماد الدمية وجوه الحساد.

وهناك كذلك «عروسة الخماسين» المصنوعة من القش وورق الشجر، التي يصنعها الأطفال أيام رياح الخماسين في أرياف الدلتا ويُلبسونها جلباباً قديماً مثل «خيال المآتة»، ثم يزفونها ليلاً على عرصة فرن حديدية بمركب في النهر، ومع مطلع الفجر يأخذونها للشاطئ ويشعلون فيها النار ثم يقفزون في الماء وهم يغنون: «عروسة الخماسين... سنة بيضة على الفلاحين».


الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري
TT

الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والحاصلة على جائزة الدولة التقديرية العام الماضي. ويسعى الكتاب لمقاربة صورة الشخصية القبطية على مدار عقود طويلة، ولدى أجيال مختلفة من الأدباء، ويتَّخذ من ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 مرحلةً مفصليةً في تحولات تمثيل هذه الشخصية في الأعمال الروائية.

يبدأ الكتاب بمقدِّمة مقتضبة كتبها الروائي المصري نعيم صبري، ثم مقدمة المؤلفة التي تشرح فيها تاريخ اهتمامها بالموضوع، بدءاً من دراسة مطولة نشرتها في إحدى المجلات في عام 1999، ثم عودتها مؤخراً لهذه الدراسة وتحويلها إلى كتاب، ومحاولتها رصد وتحليل معظم الأعمال الروائية التي تقدم الشخصية القبطية عقب 2011، وما حدث في تقديمها من اختلاف بين روايات القرن الماضي وروايات ما بعد الثورة.

يتكوَّن الكتاب من 3 فصول رئيسية، الأول نظري بعنوان «الشخصية القبطية بين تاريخين»، تشير فيه إلى أنَّ هناك اهتماماً كبيراً منذ يناير 2011 بالكتابة عن الأقباط، وأن أبرز أهداف هذا الاهتمام هو محاولة النفاذ إلى داخل المجتمع القبطي، وجعل الأقباط يعبِّرون عن أنفسهم، بدلاً من الكتابة عنهم وعن مجتمعهم من خارجهم. وكذلك إعادة قراءة تاريخ بعض الشخصيات القبطية الأكثر خلافية، فضلاً عن توثيق وإضاءة المساحات غير المعروفة في حياة الأقباط.

الفصل الثاني بعنوان «الشخصية القبطية في الأدب المصري قبل ثورة يناير 2011»، وتتوقَّف فيه عند عدد كبير من الروايات، ومنها روايات لنجيب محفوظ ويحيى حقي، ويوسف إدريس، وإدوار الخراط، وإبراهيم عبد المجيد، وبهاء طاهر، وسلوى بكر، ونعيم صبري، ونبيل نعوم، وغيرهم. وتخلص من خلال دراسات هذه الروايات إلى 17 نقطة تلخص خصائص تقديم الشخصية، ومنها خلو تلك الأعمال من خصائص شكلية ينفرد بها الأقباط، كما تخلو من صفات ذاتية تلازمهم، كما كانت الشخصية القبطية تتخلل مختلف أنحاء الوطن وسائر الأعمال والمهن، كما تتخلل رقائق النسيج الاجتماعي المصري في الواقع، وتتضافر مع خيوطه في جديلة واحدة.

النقطة الأخيرة، ضمن النقاط الـ17، تتصل بالبُعدَين الوطني والقومي للشخصية القبطية، وموقف الأقباط من العروبة. وتشير المؤلفة إلى أنَّ «الأقباط ليست لهم مشكلة مع العروبة، بل يجدون أنفسهم في إطارها، ولا يحسنون التعبير عن ذواتهم إلا بلسانها». وتشير إلى مواقف الأقباط الواضحة «من القضايا القومية عموماً، ومن القضية القومية المركزية، أو الصراع العربي - الإسرائيلي خصوصاً، وكيف تفاعلت الشخصيات القبطية بكل عمق مع تطورات هذا الصراع».

الفصل الثالث «الشخصية القبطية في الأدب المصري بعد ثورة 2011»، قراءة في 28 رواية قدَّمت هذه الشخصية عقب الثورة. وتُخصِّص الكاتبة مقالاً منفرداً عن كل رواية، وتخلص من هذه القراءات إلى ظهور نزعة واضحة للتمرُّد على السلطة الأبوية للكنيسة بعد الثورة، رغم أنَّ نوازع هذا التمرد على السلطة البطريركية كانت موجودة قبل هذا التاريخ، لكن الفرق في المساحة التي أخذت تتمدَّد فيها روح التمرُّد بعد الثورة.


هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
TT

هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس

ليس مؤلماً في موت الفلاسفة أن أجسادهم ترحل؛ بل أن أفكارهم تُستدعى في لحظة الوداع لتُحاكم على ضوء العالم الذي خلَّفوه وراءهم. هكذا يغادر عالمنا يورغن هابرماس، آخر حرّاس الحداثة الكبار، في وقت يبدو فيه العقل الذي دافع عنه طويلاً عاجزاً عن تسمية المذبحة في غزة، والحوار الذي بشّر به ضيقاً عن احتواء صراخ الضحايا. فماذا يبقى من «العقلانية التواصلية» حين تتكلم القنابل، ويختار المفكّر أن يختار ذاكرة أوروبا على كونية الإنسان؟

مات الفيلسوف الألماني في اللحظة التي كان فيها إرثه أحوج ما يكون إلى محكمة، لا إلى تأبين. فالرجل الذي أمضى عمره يدافع عن المجال العام، وعن حق البشر في بلوغ الحقيقة عبر الحوار الحر، انتهى في لحظة غزة إلى لغة تضيق بالحقيقة، وتضع للضحايا سقفاً أخلاقياً لا يجوز لهم تجاوزه. لذلك يأتي رحيله بوصفه لحظة كاشفة لمصير تقليد فلسفي كامل: تقليدٍ أراد إنقاذ الحداثة، ثم وجد نفسه عاجزاً عن إنقاذ إنسانها المستعمَر من العمى الأوروبي القديم.

توفي هابرماس -حسبما أعلن ناشره- السبت الماضي، 14 مارس (آذار) 2026، مخلِّفاً وراءه إرثاً فكرياً ضخماً هيمن على الساحة الفلسفية والاجتماعية الغربيّة أكثر من ستة عقود، أهّله ليكون الوريث الأبرز لمدرسة فرانكفورت النقدية، والشخصية التي حاولت ترميم مشروع التنوير الأوروبي، وإعادة الثقة في العقلانية بعد الفظائع التي شهدها القرن العشرين.

وُلد عام 1929 في مدينة دوسلدورف، وعاش طفولته في ظل صعود النازية، وهي التجربة التي شكّلت وعيه السياسي المبكر. وقد عانى من تشوه خلقي في الحنك (الشفة الأرنبية)، ما سبب له صعوبات في النطق، ربطها متابعوه باهتمامه العميق لاحقاً بمفهوم «التواصل» واللغة. تلقى تعليمه في جامعات بون وغوتينغن وزيوريخ، وعمل مساعداً للفيلسوف تيودور أدورنو في معهد البحوث الاجتماعية بفرانكفورت.

تمثل أعمال هابرماس -وخصوصاً «نظرية الفعل التواصلي» و«التحول البنيوي للمجال العام»- محاولات جادة لصياغة ديمقراطية تقوم على مبدأ الحوار الحر، فطرح فكرة أن المجتمعات الحديثة تعاني من «استعمار العالم المعيش» أي تغلغل منطق الربح المادي والآليات الإدارية الجافة إلى تفاصيل حياتنا اليومية وقيمنا الأخلاقية؛ فيتم تنحية «الحوار»، وإبراز «المال» و«السلطة» كوسائل وحيدة للتنظيم. وبدلاً من أن يتفاهم البشر حول غاياتهم المشتركة، تُحيلهم البيروقراطية إلى مجرد «زبائن»، وتُحوّلهم الرأسمالية إلى «مستهلكين»، ما يؤدي إلى تآكل الروابط الاجتماعية وفقدان المعنى. ونظّر بأن الخلاص يكمن في استعادة الإنسان لقدرته على التفاهم العقلاني، وبناء سد منيع من «الديمقراطية التداولية» يحمي المساحات الإنسانية من طغيان الأنظمة البيروقراطية والرأسمالية.

ارتبط اسمه بالماركسية منذ بداياته في مدرسة فرانكفورت، ولكنه قدم قراءة نقدية وتعديلية واسعة للماركسية التقليدية. فبينما ركّز ماركس على «العمل» و«قوى الإنتاج» كمحرك للتاريخ، رأى هابرماس أن ذلك يغفل جانباً حيوياً هو «التفاعل اللغوي» أو «التواصل»، وزعم أن التحرر الإنساني لا يتحقق فقط عبر تغيير علاقات الملكية أو السيطرة على الطبيعة؛ بل عبر تحرير اللغة من الزيف والإكراه. وقد خلص إلى أن «دولة الرفاهية» في الغرب استطاعت امتصاص حدة الصراع الطبقي الماركسي التقليدي، ما يوجب نقل المعركة إلى «المجال العام» لضمان شرعية ديمقراطية حقيقية. في هذا السياق، كان يسمي نفسه «ماركسياً» من حيث الالتزام بالتحرر ونقد الرأسمالية المتأخرة، ولكنه يرفض الحتمية الاقتصادية، ويفضل عليها ما أطلق عليها وصف «العقلانية التواصلية».

تمحورت فلسفته حول مفهوم «العقلانية التواصلية» هذا، مفرقاً بين نوعين من العقلانية: «العقلانية الأداتية» التي تهتم بالوسائل لتحقيق الأهداف والسيطرة، و«العقلانية التواصلية» التي تهدف إلى الوصول إلى تفاهم مشترك. ويُنسب إليه ابتكار مفهوم «المجال العام»، أي تلك الفضاءات التي يلتقي فيها الأفراد كمواطنين لمناقشة القضايا العامة بحرية، معتبراً أن الديمقراطية الحقيقية تعتمد على جودة هذا النقاش وقدرة «الحجة الأفضل» على الإقناع دون استخدام القوة. كما طوّر «أخلاقيات الخطاب»، وهي القواعد التي تجعل الحوار عادلاً، مثل حق الجميع في المشاركة، وصدق المتحدثين، وخلو النقاش من الضغوط الخارجية.

مثلت علاقته بالفلاسفة المعاصرين صراعاً بين «بقاء الحداثة» و«ما بعد الحداثة». في مواجهة ميشيل فوكو، انتقد هابرماس اختزال كل شيء في «علاقات القوة»، وأصر على وجود معايير عقلانية كونية يمكن الاحتكام إليها، متهماً الفيلسوف الفرنسي الراحل بأنه يقدم تشريحاً للسلطة يفتقر إلى معيار أخلاقي للتغيير.

أما في سجاله مع جاك دريدا، فقد انتقد «التفكيك» الذي قد يؤدي إلى العدمية، مفضلاً بناء جسور التفاهم. وبالنسبة لجان فرنسوا ليوتار، رفض هابرماس فكرة «نهاية السرديات الكبرى»، معتبراً الحداثة «مشروعاً لم يكتمل» يحتاج إلى مواصلة العمل بدلاً من التخلي عنه. وفي مقارنته مع حنا أرنت، يتفق معها لناحية أهمية الفعل السياسي في الفضاء العام، ولكنه يضيف إليها شروطاً تداولية وقانونية أكثر صرامة.

يأتي غيابه في وقت يشهد فيه إرثه الفكري هزة عنيفة بسبب مواقفه السياسية الأخيرة تجاه الحرب في غزة؛ إذ كان قد أصدر بياناً بعنوان «مبادئ التضامن» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، دافع فيه عن رد الفعل العسكري الإسرائيلي، وصوره «مبرراً من حيث المبدأ». هذا الموقف أثار موجة عارمة من النقد؛ حيث رأى كثيرون في هذا البيان «احتراقاً» لكامل مشروعه الفلسفي.

يجد النقاد -ومن بينهم أساتذة من المدرسة النقدية نفسها- أن هابرماس خان أهم مبادئه في هذا الموقف. فالفيلسوف الذي قضى حياته يبشر بـ«الكونية» الإنسانية، سقط في فخ «الخصوصية» الألمانية، بعد أن ربط التضامن مع الدولة العبرية بالهوية الديمقراطية الألمانية، وضرورة التكفير عن «الهولوكوست»، ما اعتبره بعض المفكرين نوعاً من عمى «المركزية الأوروبية» التي ترى ضحايا «الهولوكوست» وتعمى عن ضحايا الاستعمار والاحتلال.

وبينما طالب في كتبه بفتح المجال العام لكل الأصوات، يرى منتقدوه أنه ساهم في إغلاق هذا المجال في ألمانيا. فالبيان الذي أصدره حاول وضع حدود لما يجوز قوله، معتبراً أن توجيه تهمة الإبادة الجماعية لإسرائيل يمثل «انزلاقاً في المعايير»، في تناقض تام مع فكرته عن «الحوار غير المشروط»؛ إذ وضع قيوداً مسبقة على البحث عن الحقيقة؛ خصوصاً مع تحرك القانون الدولي ومحكمة العدل الدولية للنظر في هذه التهم بجدية.

تجلّت في موقفه أزمة فلسفية تتعلق بتعريف «الآخر»، واتهمه باحثون بأنه يميز بين «الآخر الأقرب» (الأوروبي أو الذي يشبهه) وبين «الآخر الأقصى» (الفلسطيني أو غير الأوروبي). إن تواصلية هابرماس التي يفترض أن تكون عالمية، بدت في لحظة غزة وكأنها حوار حصري بين الأوروبيين حول مآسيهم الخاصة، مع تجاهل تام للمعاناة الفلسطينية والظلم التاريخي الواقع عليهم.

أدى هذا الموقف إلى شعور تلاميذه في العالم العربي والجنوب العالمي بالخذلان. فإذا كان الفيلسوف الذي يُنظر إليه كحارس للقيم الديمقراطية والكرامة الإنسانية يعجز عن مد هذه القيم لتشمل شعباً يرزح تحت القصف والحصار، فإن مصداقية «الكونية الأوروبية» برمتها تصبح محل شك. ووصف البعض هذا التحول بأنه «إفلاس أخلاقي» للفلسفة الغربية؛ حيث يتم التضحية بالعقل النقدي لصالح الحسابات السياسية وسياقات «الشعور بالذنب» المحلية.

يمضي يورغن هابرماس تاركاً خلفه مفارقة كبرى؛ فبينما تظل أدواته التحليلية عن المجال العام والفعل التواصلي ضرورية لفهم أعطاب المجتمعات الرأسمالية المعاصرة، فإن تطبيقه الشخصي لهذه الأدوات في لحظة الحقيقة التاريخية كشف عن فجوة عميقة بين النظرية والممارسة. وسيبقى في ذاكرة الفكر بوصفه الفيلسوف الذي حاول بناء عالم من الحوار، ولكنه تعثر في فهم لغة الألم خارج حدود قارته، فاحترقت فلسفته في أتون غزة قبل أن يوارى الثرى.