«تجرحني بخفة وتعلو» مراوغة الوجود في فضاء القصيدة

جمال القصاص يلوذ بالشعر والمرأة من الشيخوخة والحروب

«تجرحني بخفة وتعلو» مراوغة الوجود في فضاء القصيدة
TT

«تجرحني بخفة وتعلو» مراوغة الوجود في فضاء القصيدة

«تجرحني بخفة وتعلو» مراوغة الوجود في فضاء القصيدة

يبدو ديوان «تجرحني بخفة وتعلو»، للشاعر المصري جمال القصاص، منذ عنوانه مفتوحاً على احتمالات تأويلية متعددة، فإذا كان المفعول به في هذه الجملة الفعلية واضحاً، وهو ياء المتكلم، الذي يعود على الذات الشاعرة، فإن الفاعل يظل دالاً عائماً، فهو ضمير غائب، يمكن حمله على تقديرات لا نهائية، لا يحدها شيء سوى كونها مؤنثة، فهي المرأة، والحياة، والقصيدة، والموسيقى، والشيخوخة والطفولة، والطبيعة، إلى آخر الدوال المشابهة، وكلها تطل برأسها على مدار الديوان، وتمارس حضورها في الذات الشاعرة، في وجودها وكينونتها، وحتى في الندوب التي تتركها في الجسد، ومن ثم فإن هذه الدوال الغائبة كلها في حالة لعب حر مع بعضها من ناحية، ومع الذات الشاعرة من ناحية أخرى، هذه الذات التي تعشق الحواف، وتقف على حافة كل شيء، ولا تنحاز كلية لشيء سوى الحب والشعر، وحتى هذين الأخيرين تبدو العلاقة معهما مسكونة بكثير من المراوغة واللعب والإرجاء.

هذا العنوان المخاتل تتعدد تمثيلاته داخل قصائد الديوان، وكل منها يشير إلى دلالة مغايرة عن الأخرى، فمرة يقول «هي نفس الموسيقى/ تجرحني بخفة... وتعلو»، فالإحالة هنا إلى الموسيقى، لكن هذه الإحالة ليست نهائية، فسرعان ما نجد في قصيدة أخرى إحالة مغايرة، حين يقول «أشياء كثيرة لا أحبها في الشعر/ لا تجرحني بخفة/ لا تعلو ولا تسقط/ لا تفتح في جسدي كتاب الليل أو النهار/ تضع في كفي متاهة تشبهني»، غير أن هذا الاقتران بالشعر ليس نهاية المطاف، فسرعان ما تنفتح دالة تجرحني على إحالة أكثر اتساعاً «سأرحل../ كل شيء يجرحني بخفة ويعلو/ كأني محض رغبة/ محض شبح». فالجملة المفتاحية التي تأتي في العنوان تنزاح دلالاتها من قصيدة لأخرى، وتظل في حالة لعب حر، وفي كل مرة تكتسي دلالات جديدة، ليصبح المعنى في المقطع الأخير أكثر اتساعاً، ولا يقتصر على الموسيقى أو الشعر، إنما أكثر نزوعاً نحو ظلال وجودية وفلسفية.

الديوان الصادر أخيراً عن دار «بتانة للنشر» في القاهرة، في أكثر من ثلاثمائة صفحة، يتكون من اثنتي عشرة قصيدة، كل منها تتكون من مجموعة مقاطع. وعلى مدار هذه القصائد، وفي كل قصيدة على حدة أيضاً، نرى الذات الشاعرة وقد جمعت الحياة من طرفيها، من لحظة الطفولة التي ما زالت حاضرة، كمعنى ونزق ورغبة في الاكتشاف، وحتى شيخوخة الذات، وما بينهما من استعادات للحظات جوهرية في هذه المسيرة الوجودية والعاطفية والجسدية وحتى السياسية، حتى إنه يمكن قراءة الديوان بوصفه سيرة شعرية مشفرة لهذه الذات التي تستعيد الماضي من جهة، ولا تكف عن البدء من جديد، سيرة لمراوغة العالم، لترويضه، لشعرنته، لمحاولة جعل الوجود أكثر ألفة، لإعادة تنظيمه في كلمات، فالشاعر صياد قديم - ومفردة صياد تتكرر أكثر من مرة في عدة قصائد - والقصيدة شبكته التي يلقي بها في لجة الوجود الصاخبة، محاولاً في كل مرة أن يظفر بغنيمة شعرية.

الالتباس والتداخل هو جوهر هذا الخطاب الشعري، فتتقاطع الذات الشاعرة مع الذات الشخصية لجمال القصاص، الذي يحضر باسمه في أكثر من نص، والذاتي يلتبس بالموضوعي ويتداخل معه، والعاطفي يمتزج بالأيروتيكي، والأحداث السياسية بالأزمات الصحية، والشيخوخة بطفولة جديدة. هنا، ذات تدرك تعددها، تدرك أن العالم عجينة نيئة، ألوان متعددة، ظلمة مسكونة بالنور، ونور مشوب بظلمة، ظلال لا متناهية، تتداخل كلها داخل الذات، فتحاول ترويض هذه المتاهة، متاهة الأنا ومتاهة العالم:

«الحياة متاهتنا الصغيرة نشبكها في أصابعنا

نحدثها عن ماض كان يشبهنا عن ظل دائماً يسبقنا

حين نتعب نتمسح في غباره»

رغم ضخامة الديوان، وإمكانية قراءة كل مقطع بشكل منفصل، فإنه محكم البناء، ويبدو مترابطاً منذ بدايته وحتى نهايته، كوحدة واحدة، وسؤال كبير مفتوح على إجابات شتى. فالشاعر يستهل الديوان بمساءلة ذاته بهذا السؤال الوجودي: «ماذا فعلت في هذه الحياة/ لا شيء يحرس عريك/ يؤنس وحدتك/ يضع شمعة صغيرة فوق الرف»، وإذا كان هذا المقطع هو ما أول يطالعه القارئ في الديوان، فإن إجابة السؤال تأتي في نهاية الديوان، ليس في القصيدة الأخيرة، لكن في المقطع الذي اختاره الشاعر ليكون على الغلاف الخلفي «ما زلت أحلم/ أتعرف على جسدي/ على نفسي/ على اسمي/ على حياة/ تركتها خلفي/ لم أودّعها/ فقط.../ نزّت الدموعُ من يدي/ وأنا أعلق الكتاب». وبين سؤال البدء، وإجابة الختام، تتناسل على مدار الديوان عشرات الأسئلة الأخرى المعلقة، عن الشعر، والحياة، والحب، والحرب، والمرأة، والجسد، وعن وجود ظل معلقاً على الحافة، وعن طفل يسكن الذات، ولا يتوقف عن محاولة البدء من جديد، فتصير النهايات بدايات أخرى، ليتحول الزمن إلى بنية دائرية، وليس خطاً فيزيائياً مستقيماً، فهو زمن شعري لا متناهٍ، زمن تعيد القصيدة والحب خلقه من جديد، لتمنحه طفولة لانهائية:

«ربما نحلم ببداية جديدة

في هذه السن الطائشة المجنونة

ربما تعرف النهايات كيف تسند القلب

توهمه بسعادة مؤجلة

تشبه الحنين أو النسيان»

وإذا كان الديوان مترابطاً بشكل بنائي، فإنه أيضاً يبدو مشدوداً ومترابطاً مع الدواوين السابقة للشاعر نفسه، فإذا كان الشاعر على مدار الديوان يراوع الحياة والزمن، فإن دواوينه السابقة قادرة على مراوغة النسيان وممارسة الحضور في القصائد الجديدة، مكتسبة حياة أخرى ووجوداً جديداً، فتحضر كثير من عناوين دواوين السابقة، بل بعض مقاطع من تلك الدواوين، في أكثر من قصيدة داخل هذا الديوان، وكأنها تولد من جديد، لتعيش طفولة نزقة - هي الأخرى - داخل القصائد الحديثة، فنرى حضوراً لدواوين «من أعلى بمحاذاة الموسيقى» و«السحابة التي في المرآة»، و«خصام الوردة»، و«بالكاد أعبر الشارع».

ثمة مرتكزان رئيسان في الديوان: الشعر والمرأة، وكلاهما يفضي إلى الآخر، ويسكنه، أو إنهما يندغمان أحياناً ليصيرا شيئاً واحداً، فالمرأة قصيدة متجسدة، والقصيدة امرأة لغوية، وكل منهما تستمد جدارتها من تشكيلها وتفاصيلها المغايرة للمعتاد، وتمثلان معاً الفضاء الآمن للذات، والملاذ من قسوة العالم وحروبه وأوبئته وغباره، فالشعر هو حارس الذات، ومرشدها إذا تعثرت الخطوات في الطريق «ببساطة شديدة أحب شعري/ يحرسني حين أنام/ وحين تتعثر خطوتي في الطريق/ يشدني من أذني ويهتف:/ انتبه... تشعبت قرون المشهد». أما المرأة، فإنها تعيد تشكيل هذه الذات، التي تتماهى معها، وتصير جزءاً من تجلياتها، وتعترف أنها صنيعة هذه الأنوثة: «يمكنني أن أواجه الظلمة برائحتك/ أضحك حين أصطدم بصدى صوتك/ ببقايا ظلك (....) كأن الكلمات كلها تخرج منك/ كأنني محض رائحتك». هكذا تتجلى مركزية كل من الشعر والمرأة في وجود الذات الشاعرة وعالمها، بل تذهب هذه الذات إلى القول إنهما معاً هما العالم، ولا تحقق لهذا العالم من دونهما:

«لا أعرف شكل العالم بلا شعر

لا أطيقه

تماماً مثل جسدي الفارغ منكِ»

هذه المركزية للشعر والمرأة تتجلى جمالياً في استخدام الضمائر على مستوى قصائد الديوان، إذ يغلب استخدام ضمير «أنتِ» المخاطبة، وكأن ثمة حالة حوارية دائمة مع امرأة ما، فتصير القصيدة بيتاً للحب غير المتحقق في الواقع، وفضاء للاتصال المؤجل في الحياة. أما الضمير الآخر الذي يقارب «أنتِ»، فهو ضمير الأنا، وكثيراً ما يكون استخدامه - أيضاً - في مقاربة علاقة الذات بالقصيدة أو بالحب، مقدماً مفاهيمه عن كليهما، فكثير من قصائد الديوان يمكن قراءتها بوصفها «ميتا شعر»، فإذا كانت الأنثى تخلق الذات، فهذه الأخيرة تخلق الشعر، وتكشف عن طبيعة مطبخها الشعري «بوسعي أن أخلق القصيدة/ من منفضة سجائر/ من حفرة عرجاء/ من صرخة فأر»، ولا تتوقف عند هذه الحدود، وتتعداها إلى وصف طبيعة اللغة الشعرية، وانحيازها إلى اللغة التي تولد من رحم الحياة وصخبها ومواضعاتها، وليس من متاحف القواميس والمعاجم، دلالة على انتماء الشعر للعالم، للحركة، للواقع المعيش:

«أكره الألفاظ المحنطة في المعاجم

اللغة حيث أمشي

حيث أرى

حيث ألمس

حيث أحس...

تلتحف قدميّ كعشبة

كبصقة...

كبقعة ضوء

فرت من غبار الرصيف».


مقالات ذات صلة

يوميات الشرق ارتفعت العصا في يد هاروت فازليان فبدا كأنّ الصمت نفسه يستعدّ ليقول شيئاً (الجامعة الأميركية)

هاروت فازليان «في بحر الحبّ»: الموسيقى والشِّعر يُعيدان تشكيل الإنسان

بين صوت رفعت طربيه ونَفَس هاروت فازليان، وبين الشّعراء والملحّنين الذين مرّوا، ترك «في بحر الحبّ» للروح حقّها في أن تُصاب، ثم تتعافى، ثم تتّسع.

فاطمة عبد الله (بيروت)
صحتك وصلات الشعر الشائعة الاستخدام قد تصيب النساء بأمراض خطيرة (أ.ب)

احترسي... وصلات الشعر قد تصيبك بالسرطان واضطرابات الهرمونات

كشفت دراسة علمية حديثة عن وجود عشرات المواد الكيميائية السامة في منتجات وصلات الشعر (الإكستنشن) شائعة الاستخدام، بعضها مرتبط بالسرطان واضطرابات الهرمونات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
ثقافة وفنون دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمود البريكان... شعرية الاغتراب

محمود البريكان... شعرية الاغتراب

تجربة الشاعر محمود البريكان، بوصفه أحد شعراء الحداثة العراقيين، المجايلين للشاعر بدر شاكر السياب، منذ خمسينات القرن الماضي، تجربة شعرية متفردة إلى حدٍ كبير.

فاضل ثامر

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.