«تجرحني بخفة وتعلو» مراوغة الوجود في فضاء القصيدة

جمال القصاص يلوذ بالشعر والمرأة من الشيخوخة والحروب

«تجرحني بخفة وتعلو» مراوغة الوجود في فضاء القصيدة
TT

«تجرحني بخفة وتعلو» مراوغة الوجود في فضاء القصيدة

«تجرحني بخفة وتعلو» مراوغة الوجود في فضاء القصيدة

يبدو ديوان «تجرحني بخفة وتعلو»، للشاعر المصري جمال القصاص، منذ عنوانه مفتوحاً على احتمالات تأويلية متعددة، فإذا كان المفعول به في هذه الجملة الفعلية واضحاً، وهو ياء المتكلم، الذي يعود على الذات الشاعرة، فإن الفاعل يظل دالاً عائماً، فهو ضمير غائب، يمكن حمله على تقديرات لا نهائية، لا يحدها شيء سوى كونها مؤنثة، فهي المرأة، والحياة، والقصيدة، والموسيقى، والشيخوخة والطفولة، والطبيعة، إلى آخر الدوال المشابهة، وكلها تطل برأسها على مدار الديوان، وتمارس حضورها في الذات الشاعرة، في وجودها وكينونتها، وحتى في الندوب التي تتركها في الجسد، ومن ثم فإن هذه الدوال الغائبة كلها في حالة لعب حر مع بعضها من ناحية، ومع الذات الشاعرة من ناحية أخرى، هذه الذات التي تعشق الحواف، وتقف على حافة كل شيء، ولا تنحاز كلية لشيء سوى الحب والشعر، وحتى هذين الأخيرين تبدو العلاقة معهما مسكونة بكثير من المراوغة واللعب والإرجاء.

هذا العنوان المخاتل تتعدد تمثيلاته داخل قصائد الديوان، وكل منها يشير إلى دلالة مغايرة عن الأخرى، فمرة يقول «هي نفس الموسيقى/ تجرحني بخفة... وتعلو»، فالإحالة هنا إلى الموسيقى، لكن هذه الإحالة ليست نهائية، فسرعان ما نجد في قصيدة أخرى إحالة مغايرة، حين يقول «أشياء كثيرة لا أحبها في الشعر/ لا تجرحني بخفة/ لا تعلو ولا تسقط/ لا تفتح في جسدي كتاب الليل أو النهار/ تضع في كفي متاهة تشبهني»، غير أن هذا الاقتران بالشعر ليس نهاية المطاف، فسرعان ما تنفتح دالة تجرحني على إحالة أكثر اتساعاً «سأرحل../ كل شيء يجرحني بخفة ويعلو/ كأني محض رغبة/ محض شبح». فالجملة المفتاحية التي تأتي في العنوان تنزاح دلالاتها من قصيدة لأخرى، وتظل في حالة لعب حر، وفي كل مرة تكتسي دلالات جديدة، ليصبح المعنى في المقطع الأخير أكثر اتساعاً، ولا يقتصر على الموسيقى أو الشعر، إنما أكثر نزوعاً نحو ظلال وجودية وفلسفية.

الديوان الصادر أخيراً عن دار «بتانة للنشر» في القاهرة، في أكثر من ثلاثمائة صفحة، يتكون من اثنتي عشرة قصيدة، كل منها تتكون من مجموعة مقاطع. وعلى مدار هذه القصائد، وفي كل قصيدة على حدة أيضاً، نرى الذات الشاعرة وقد جمعت الحياة من طرفيها، من لحظة الطفولة التي ما زالت حاضرة، كمعنى ونزق ورغبة في الاكتشاف، وحتى شيخوخة الذات، وما بينهما من استعادات للحظات جوهرية في هذه المسيرة الوجودية والعاطفية والجسدية وحتى السياسية، حتى إنه يمكن قراءة الديوان بوصفه سيرة شعرية مشفرة لهذه الذات التي تستعيد الماضي من جهة، ولا تكف عن البدء من جديد، سيرة لمراوغة العالم، لترويضه، لشعرنته، لمحاولة جعل الوجود أكثر ألفة، لإعادة تنظيمه في كلمات، فالشاعر صياد قديم - ومفردة صياد تتكرر أكثر من مرة في عدة قصائد - والقصيدة شبكته التي يلقي بها في لجة الوجود الصاخبة، محاولاً في كل مرة أن يظفر بغنيمة شعرية.

الالتباس والتداخل هو جوهر هذا الخطاب الشعري، فتتقاطع الذات الشاعرة مع الذات الشخصية لجمال القصاص، الذي يحضر باسمه في أكثر من نص، والذاتي يلتبس بالموضوعي ويتداخل معه، والعاطفي يمتزج بالأيروتيكي، والأحداث السياسية بالأزمات الصحية، والشيخوخة بطفولة جديدة. هنا، ذات تدرك تعددها، تدرك أن العالم عجينة نيئة، ألوان متعددة، ظلمة مسكونة بالنور، ونور مشوب بظلمة، ظلال لا متناهية، تتداخل كلها داخل الذات، فتحاول ترويض هذه المتاهة، متاهة الأنا ومتاهة العالم:

«الحياة متاهتنا الصغيرة نشبكها في أصابعنا

نحدثها عن ماض كان يشبهنا عن ظل دائماً يسبقنا

حين نتعب نتمسح في غباره»

رغم ضخامة الديوان، وإمكانية قراءة كل مقطع بشكل منفصل، فإنه محكم البناء، ويبدو مترابطاً منذ بدايته وحتى نهايته، كوحدة واحدة، وسؤال كبير مفتوح على إجابات شتى. فالشاعر يستهل الديوان بمساءلة ذاته بهذا السؤال الوجودي: «ماذا فعلت في هذه الحياة/ لا شيء يحرس عريك/ يؤنس وحدتك/ يضع شمعة صغيرة فوق الرف»، وإذا كان هذا المقطع هو ما أول يطالعه القارئ في الديوان، فإن إجابة السؤال تأتي في نهاية الديوان، ليس في القصيدة الأخيرة، لكن في المقطع الذي اختاره الشاعر ليكون على الغلاف الخلفي «ما زلت أحلم/ أتعرف على جسدي/ على نفسي/ على اسمي/ على حياة/ تركتها خلفي/ لم أودّعها/ فقط.../ نزّت الدموعُ من يدي/ وأنا أعلق الكتاب». وبين سؤال البدء، وإجابة الختام، تتناسل على مدار الديوان عشرات الأسئلة الأخرى المعلقة، عن الشعر، والحياة، والحب، والحرب، والمرأة، والجسد، وعن وجود ظل معلقاً على الحافة، وعن طفل يسكن الذات، ولا يتوقف عن محاولة البدء من جديد، فتصير النهايات بدايات أخرى، ليتحول الزمن إلى بنية دائرية، وليس خطاً فيزيائياً مستقيماً، فهو زمن شعري لا متناهٍ، زمن تعيد القصيدة والحب خلقه من جديد، لتمنحه طفولة لانهائية:

«ربما نحلم ببداية جديدة

في هذه السن الطائشة المجنونة

ربما تعرف النهايات كيف تسند القلب

توهمه بسعادة مؤجلة

تشبه الحنين أو النسيان»

وإذا كان الديوان مترابطاً بشكل بنائي، فإنه أيضاً يبدو مشدوداً ومترابطاً مع الدواوين السابقة للشاعر نفسه، فإذا كان الشاعر على مدار الديوان يراوع الحياة والزمن، فإن دواوينه السابقة قادرة على مراوغة النسيان وممارسة الحضور في القصائد الجديدة، مكتسبة حياة أخرى ووجوداً جديداً، فتحضر كثير من عناوين دواوين السابقة، بل بعض مقاطع من تلك الدواوين، في أكثر من قصيدة داخل هذا الديوان، وكأنها تولد من جديد، لتعيش طفولة نزقة - هي الأخرى - داخل القصائد الحديثة، فنرى حضوراً لدواوين «من أعلى بمحاذاة الموسيقى» و«السحابة التي في المرآة»، و«خصام الوردة»، و«بالكاد أعبر الشارع».

ثمة مرتكزان رئيسان في الديوان: الشعر والمرأة، وكلاهما يفضي إلى الآخر، ويسكنه، أو إنهما يندغمان أحياناً ليصيرا شيئاً واحداً، فالمرأة قصيدة متجسدة، والقصيدة امرأة لغوية، وكل منهما تستمد جدارتها من تشكيلها وتفاصيلها المغايرة للمعتاد، وتمثلان معاً الفضاء الآمن للذات، والملاذ من قسوة العالم وحروبه وأوبئته وغباره، فالشعر هو حارس الذات، ومرشدها إذا تعثرت الخطوات في الطريق «ببساطة شديدة أحب شعري/ يحرسني حين أنام/ وحين تتعثر خطوتي في الطريق/ يشدني من أذني ويهتف:/ انتبه... تشعبت قرون المشهد». أما المرأة، فإنها تعيد تشكيل هذه الذات، التي تتماهى معها، وتصير جزءاً من تجلياتها، وتعترف أنها صنيعة هذه الأنوثة: «يمكنني أن أواجه الظلمة برائحتك/ أضحك حين أصطدم بصدى صوتك/ ببقايا ظلك (....) كأن الكلمات كلها تخرج منك/ كأنني محض رائحتك». هكذا تتجلى مركزية كل من الشعر والمرأة في وجود الذات الشاعرة وعالمها، بل تذهب هذه الذات إلى القول إنهما معاً هما العالم، ولا تحقق لهذا العالم من دونهما:

«لا أعرف شكل العالم بلا شعر

لا أطيقه

تماماً مثل جسدي الفارغ منكِ»

هذه المركزية للشعر والمرأة تتجلى جمالياً في استخدام الضمائر على مستوى قصائد الديوان، إذ يغلب استخدام ضمير «أنتِ» المخاطبة، وكأن ثمة حالة حوارية دائمة مع امرأة ما، فتصير القصيدة بيتاً للحب غير المتحقق في الواقع، وفضاء للاتصال المؤجل في الحياة. أما الضمير الآخر الذي يقارب «أنتِ»، فهو ضمير الأنا، وكثيراً ما يكون استخدامه - أيضاً - في مقاربة علاقة الذات بالقصيدة أو بالحب، مقدماً مفاهيمه عن كليهما، فكثير من قصائد الديوان يمكن قراءتها بوصفها «ميتا شعر»، فإذا كانت الأنثى تخلق الذات، فهذه الأخيرة تخلق الشعر، وتكشف عن طبيعة مطبخها الشعري «بوسعي أن أخلق القصيدة/ من منفضة سجائر/ من حفرة عرجاء/ من صرخة فأر»، ولا تتوقف عند هذه الحدود، وتتعداها إلى وصف طبيعة اللغة الشعرية، وانحيازها إلى اللغة التي تولد من رحم الحياة وصخبها ومواضعاتها، وليس من متاحف القواميس والمعاجم، دلالة على انتماء الشعر للعالم، للحركة، للواقع المعيش:

«أكره الألفاظ المحنطة في المعاجم

اللغة حيث أمشي

حيث أرى

حيث ألمس

حيث أحس...

تلتحف قدميّ كعشبة

كبصقة...

كبقعة ضوء

فرت من غبار الرصيف».


مقالات ذات صلة

ولادة جديدة لـ«وعود من العاصفة» باكورة شراكة مارسيل خليفة ومحمود درويش

يوميات الشرق مارسيل خليفة (فيسبوك)

ولادة جديدة لـ«وعود من العاصفة» باكورة شراكة مارسيل خليفة ومحمود درويش

بعد خمسين سنة، يعيد مارسيل خليفة تسجيل ألبومه الأول «وعود من العاصفة»؛ وحين تستمع إليه بصوته بعد مرور كل هذا الزمن، بتقلباته المجنونة، تشعر بأن لا شيء تغير.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟

إذا كان الحب يستند من بعض وجوهه إلى العناصر المادية التي يتيحها الواقع الملموس، كما هو الحال مع الشعر، إلا أنه يغادر ملموسيته من وجوه أخرى.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون شاعر سعودي يقترح صيغةً عربية للهايكو

شاعر سعودي يقترح صيغةً عربية للهايكو

من لسان العرب: «وقال ذو الرمة: وكائِنْ تَخَطَّتْ ناقَتي مِنْ مَفازةٍ... وكمْ زَلَّ عَنْهَا مِنْ جُحافِ المَقادِرِ... وَقِيلَ: الجُحافُ الموتُ فَجَعَلُوهُ...

عبد اللطيف بن يوسف المبارك
ثقافة وفنون دراسة نقدية عن شعر محمد عفيفي مطر

دراسة نقدية عن شعر محمد عفيفي مطر

صدر أخيراً في القاهرة، عن دار «أم الدنيا» للدراسات والنشر، كتاب «احتفاليات المومياء المتوحشة لعفيفي مطر: مقاربة إدراكية أنطولوجية» للأكاديمية مروة الشريف

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون الشعر مواجهاً جروح الذات

الشعر مواجهاً جروح الذات

في ديوانها الثالث «أبتر فرعي من شجرة العائلة»، تضع الشاعرة المصرية آلاء فودة يدها بكل قسوة في جروح الذات، تنكأها بلا رحمة، ودون محاولات للتجميل

عمر شهريار

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟


أفروديتي
أفروديتي
TT

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟


أفروديتي
أفروديتي

إذا كان الحب يستند من بعض وجوهه إلى العناصر المادية التي يتيحها الواقع الملموس، كما هو الحال مع الشعر، إلا أنه يغادر ملموسيته من وجوه أخرى، ليقيم في عالم التخيل وسماء التهيؤات، كما لو أن «أسطرة» الآخر هي الممر الإلزامي لتتيُّمنا به. وإذا كان الجسد العاشق هو جسد طفولي بامتياز، وفق رولان بارت، فإن ما ينطبق على الأفراد ينطبق على الجماعات، حيث كانت الأساطير هي سبيل الشعوب القديمة، إلى فهم الظواهر الكونية أو النوازع الإنسانية. وتكفي معاينة ذلك الإرث الهائل من السرديات الملحمية والميثولوجية المتعلقة بالحب، لكي نتحقق من دوره في رفد الأساطير بنماذجها الأولية، والعكس بالعكس أيضاً.

ومع أننا نلاحظ غياباً للحدود الواضحة بين الحب الروحي، الذي يقيم مملكته في سماء التصورات، وبين العشق الملفوح بنيران الرغبات الجسدية، إلا أن أي نظرة متأنية إلى الميثولوجيات القديمة، لا بد أن تكشف عن تباين ملحوظ في الرؤية إلى الحب، بين حضارات تُطابق على نحو كلّي بين الحب والشغف الشهواني، وبين حضارات أخرى تفرد هامشاً واسعاً لزفرات القلب وانخطافات الروح. إضافةً إلى ما نلحظه داخل الحضارة نفسها من تبدل في الرؤى والمفاهيم.

ولا بد لمن يتأمل في آلهة الخلق الأربعة لدى السومريين (إن، وكي، وإنليل، وأنكي) أن يلاحظ أنهم لم يكونوا سوى المعادل الميثولوجي للعناصر الأربعة، الهواء والماء والنار والتراب. ولما كانت وظيفة الإنسان تتمثل بالدرجة الأولى في خدمة الآلهة، والتوفير لها كل ما تحتاج إليه من طعام وشراب ومأوى، لكي يتسنى لها التفرغ لشؤونها الإلهية، فقد استتبع ذلك إنشاء المعابد التي تقام فيها الصلوات. فضلاً عن القرابين والشعائر والطقوس التي كانت تقدّم لاسترضائها، والتي كان يتولى القيام بها كهان وكاهنات ومنشدون وخصيان وبغايا مقدسات. وفي أعياد القمر الجديد، التي كانت تُختتم في العادة بطقوس الزواج المقدس، كان ملك سومر يتزوج من إنانا، إلهة الخصب والتناسل، أو من إحدى الكاهنات التي تنوب عنها.

ولم تكن أسطورة أدونيس وعشتروت لدى الفينيقيين والكنعانيين، سوى نسخة معدلة عن مثيلتها في بلاد الرافدين. فعشتروت إلهة الحب والخصب، التي التقت أدونيس، الشاب الوسيم وعاشق الصيد، في مكان قريب من مغارة أفقا اللبنانية، سرعان ما وقعت في غرامه وهامت به حباً. ومع أنها نهته بإلحاح عن التجول وحيداً في الغابات المكتظة بالوحوش المفترسة، فإن عشقه للمغامرة جعله غير مكترث بتحذيراتها، إلى أن قتله خنزير بري على ضفة نهر إبراهيم المنحدر من الذرى الشاهقة عبر وادٍ سحيق، ما لبث أن سُمي باسمه.

وكما هو حال الأساطير المماثلة في الشرق القديم وبلاد اليونان، فإن عشتروت تهبط إلى العالم السفلي متضرعةً للآلهة بأن تعيد حبيبها القتيل من عالم الأموات، ثم تتم تسوية المعضلة على نحو جزئي، بحيث يعود أدونيس إلى الحياة في فصلي الربيع والصيف، مترافقاً مع قيامة الزرع والخصب، ثم يعود إلى عالم الأموات في الخريف والشتاء. ويرى جيمس فريزر أن ملوك بيبلوس، كانوا يتسمّون جميعاً باسم أدونيس ويتزوجون من عشتروت. وفي السنوات التي أعقبت موته وقيامته، ظل سكان تلك النواحي يحتفلون بالمناسبتين، نواحاً حدادياً في الأولى، وفرحاً عارماً في الثانية.

وفي الأساطير الإغريقية يظهر هذا الإله على شكل شاب جميل أغرمت به أفروديت. وبعد أن خبأته الآلهة الكبرى، حمايةً له، في صندوق ووضعته في عهدة برسيفوني إلهة العالم السفلي، رفضت الأخيرة إعادته إلى أفروديت، بعد أن فتحت الصندوق ورأت ما هو عليه من جمال. وبعد إخفاق أفروديت في استعادته، قرر زيوس حسماً للنزاع بين آلهة الحب وآلهة الموت، أن يُبقي أدونيس ستة أشهر فوق الأرض برفقة الأولى، وستة تحتها برفقة الثانية.

أما الأساطير الرومانية فتربط على نحو وثيق بين الحب بالجمال، جاعلةً من فينوس إلهة لكليهما معاً. غير أنها لا تكتفي بالتركيز على رمزية الأم، بل تصوِّر ابنها كيوبيد، على شكل طفل مجنح، يحمل قوسه ونشابه ويرمي من يشاء بالسهام الذي لا تخطئ هدفها إلى قلوب البشر. وإذ تظهر على مسرح الجمال منافسة بشرية لفينوس تسمى سايكي، تغضب الأولى وتطلب من ابنها معاقبتها على طريقته. لكن الابن العابث يجرح نفسه عن طريق الخطأ، ليقع في غرام سايكي، ويصاب بالسهم إياه الذي ظل يسدده باتجاه الآخرين. وبعد أن تمر قصة الحب تلك بتعقيدات كثيرة، يتدخل كبير الآلهة جوبيتير ليمنح سايكي الخلود ويسمح للحبيبين بالزواج.

على أن المماهاة التامة بين وجهي الحب والخصب، كما بين صورتي الموت والانبعاث، لم تنحصر في ثقافة بعينها، أو حيز جغرافي واحد، بل اتسعت دائرتها في الألفية الثالثة قبل الميلاد، والألفيتين اللاحقتين، لتطول الحضارة الفرعونية وحوض النيل، إلى جانب الحضارات العديدة الأخرى. فحيث لم ترُق علاقة الحب التي ربطت بين إيزيس إلهة الخصب عند المصريين، وزوجها أوزيريس، للإله ست أخي أوزيريس، عمد ست بفعل الغيرة العمياء، إلى قتل أخيه وتقطيع جثته أربع عشرة قطعة، قبل أن يرميها جميعاً في مياه النيل. وبعد أن تمكنت إيزيس من جمع الأجزاء وإعادتها إلى الحياة، توصل ست إلى معرفة مكان أخيه، حيث قام بقتله مرة أخرى وتقطيع جسده إلى اثنتين وأربعين قطعة.

لكن الزوجة الوفية رفضت الاستسلام للأمر الواقع، فقامت بجمع أجزاء الزوج المتناثرة من جديد، وأعادت إليه الحياة بما تملكه من طاقة السحر، «ثم ما لبثت أن استنجدت بالإله رع، متوسلةً إليه أن يخصبها، كي تلد ولداً ينتقم. فنزل عليها رع ونفخ فيها من أنفه، فخصّبها بالفعل وولدت بعد ذلك طفلها حورس الذي لم يتأخر في الانتقام لموت أبيه». وإذ تتقاطع قصة التخصيب عن طريق النفخ الإلهي في الأنف، مع سرديات دينية أحدث عهداً، ولو على نحو معدل، تتقاطع مراثي إيزيس لأوزيريس، من جهة ثانية مع مراثي إينانا لديموزي، وعشتار لتموز، ومن بينها قول إيزيس مخاطبةً حبيبها القتيل:

أنا زوجتك وأختك وأمك

عدْ إليّ على جناح السرعة

إن السماء والأرض متحدتان في الظلام

وقلبي يحترق لانفصاله عنك

إنني أطأ الأرض ولا أكلُّ أبداً عن البحث

وفي داخلي حرارةٌ متأتية عن حبي لك

المماهاة التامة بين وجهي الحب والخصب كما بين صورتي الموت والانبعاث لم تنحصر في ثقافة بعينها أو حيز جغرافي واحد

وقد تكون أسطورة أورفيوس ويوريديس اليونانية، واحدة من الأساطير القليلة التي لا تماهي على نحو تام بين الحب والفعل الجنسي، كما يشير الفيلسوف الألماني هيغل، بل تضع العلاقة بين الحبيبين في إطارٍ من انخطافات الروح وحمّى المشاعر الملتهبة. إلا أن صورة الموت المتربص بالحبيبين، لا تتأخر عن إعطاء مشهد العشق طابعه التراجيدي، حيث تقضي يوريديس نحبها بلدغة أفعى قاتلة. وإذ قرر أورفيوس الطلب من هاديس، إله الموتى، إعادة زوجته إلى الحياة، راح يستعين بموهبته النادرة في العزف والغناء، ليشق طريقه إلى العالم السفلي. وبعد أن وافق هاديس على إعادة المرأة المتوفاة إلى الحياة، اشترط على أورفيوس ألا يلتفت إلى الوراء، حيث قُضي على زوجته بأن تمشي خلفه إلى ما لا نهاية. لكنّ عاصفةً من الحنين لرؤية الحبيبة العائدة سرعان ما تهب على الزوج العاشق، حتى إذا التفت إلى الخلف، اختفت يوريديس عن ناظريه إلى الأبد.

ومع أن النقاد والباحثين كانت لهم اجتهادات متباينة في تأويل أسطورة الحب المؤثرة تلك، إلا أنها تشير من بعض وجوهها إلى أن صراع الحب والموت، ليس بالضرورة أن ينتهي دائماً لمصلحة الأول، بقدر ما تشير إلى العواقب الوخيمة، التي تترتب على كل مَن يعصى الآلهة ويخالف مشيئتها. وقد تكون المقايضة الجائرة بين عودة المرأة المعشوقة إلى الحياة، وبين تعذر النظر إليها، نوعاً من الاختبار القاسي لالتزام الزوج بطاعة الآلهة والوثوق بها، من جهة، والاختبار المماثل لتغليب الروح على الجسد، من جهة أخرى. ومن دلالات تلك السردية الأسطورية، أنه ليس بمستطاع أحد خرق قوانين الطبيعة، وقطع الحاجز الفاصل بين الحياة والموت، حتى لو استعان البشر بالحب والفن لتحقيق هذه الأمنية.


أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
TT

أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا

كشفت أعمال التنقيب في البادية الفلسطينية عن منشآت عمرانية تعود إلى الحقبة الأموية، أهمها قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم «قصر هشام»، نسبة إلى عاشر خلفاء الدولة الأموية الذي أمر بتشييده خلال عهده الذي استمر من عام 724 إلى عام 743.

تطور بناء هذا القصر في عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام مدة قصيرة لم تتجاوز سنتين، وخرب حين تعرَّض موقعه لزلزال ضخم في سنة 746، وأعيد اكتشافه في الأزمنة المعاصرة.

خرجت من هذا القصر مجموعة هائلة من القطع النحتية، تشهد لتنوُّع كبير في الأطرزة المتبعة، وتحوي كثيراً من القطع التصويرية التي تستمد مواضيعها من العالم الحيواني، منها ما تمثل أحصنة مسرجة، وصلت كلُّها بشكل مهشَّم.

بدأ استكشاف قصر خربة المفجر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في ظل حكم الدولة العثمانية، وتواصل في عهد الانتداب البريطاني؛ حيث شرعت دائرة الآثار البريطانية في مسح الموقع خلال عام 1934، ونقلت اكتشافاتها الأثرية إلى متحف بدأت تشييده عام 1930 في القدس الشرقية، وافتتحته عام 1938 تحت اسم «متحف فلسطين للآثار».

استمرت أعمال المسح في الموقع اثني عشر عاماً، وخرجت بمجموعة هائلة من القطع الحجرية المنقوشة، تبيَّن أنها أجزاء مهشَّمة من حُلَّة الموقع الأصلية. وتمَّ حفظ هذه القطع في «متحف فلسطين للآثار» الذي تحوَّل اسمه إلى «متحف روكفلر» إثر هزيمة 1967، نسبة إلى الثري الأميركي جون ديفيد روكفلر الابن الذي تبرَّع بمبلغ مليوني دولار لبنائه في العشرينات. وبات هذا المتحف مقراً لرئيس دائرة الآثار الحكومية.

تحضر في هذا المتحف مجموعة كبيرة من نقوش وتماثيل «قصر هشام»، وتُعتبر من أهمِّ وأجمل شواهد الفن الأُموي. وفقاً للتقليد الذي تبنَّاه هذا الفن بشكل كبير. اعتمدت هذه الحُلل في الدرجة الأولى تقنية الجص المنقوش، على شكل شبكات هندسية زخرفية تجمع بين المفردات الهندسية المجرَّدة والعناصر التصويرية المتعدَّدة. وأخذت بأساليب عدة مستمدَّة من فنون العالم المتوسطي والعالم الفارسي والعالم الآسيوي الأوسط، غير أنها عكست قدرة مثيرة في الابتكار والقولبة والتجديد. من هنا بدت متأصلة في تقاليد قديمة، ومطبوعة بطابع محلِّي خاص يُعرف اليوم بالطابع الأُموي.

برز النقش التصويري بقوَّة في هذا الميدان، واعتمد في تشكيلاته مختلف العناصر الحيوانية، ومنها الطيور والزواحف المتعدِّدة الأنواع والأشكال. ظهر الحصان في عدد من هذه القطع المهشَّمة، واتَّضح تكوينه الفني بشكل كامل من خلال الدراسة المتأنية لهذه القطع الجزئية. حضر رأس هذا الحصان في قطعتين مستقلتين، وحضر الجزء الأعلى من بدنه كذلك في قطعتين، وبدا من خلال هذه القطع أنه حصان مسرَّج ومروَّض. في المقابل، ظهر في قطع أخرى حصان من نوع آخر، تميَّز بجناحين كبيرين يعلوان وسطه. وحضر هذا الحصان بشكل كامل في قطعة أُعيد جمع أجزائها وفقاً للتقنيات العلمية المتبعة، كما حضر بشكل جزئي في قطعةٍ سقط قسم كبير من تكوينها الأصلي.

وصل رأس الحصان بشكل شبه كامل في هاتين القطعتين المستقلتين، اللتين جاءتا على شكل كتلتين حجريتين اعتمدتا النقش الناتئ، وقاربتا في صياغتهما النحت الكامل. يبدو الرأس منحنياً في إحدى هاتين المنحوتتين، وتظهر ملامحه المجسَّمة بشكل متين، وتتكوَّن من منخرين واسعين، وفم مطبق عريض، وأذنين طويلتين منتصبتين، وعينين لوزيَّتين ضاعت إحداهما، وحافظت الأخرى على تكوينها. يعلو الرأس شعر وثير، يأخذ شكل شبكة من الخصل المتناغمة والمتوازية، التي تنسدل على رقبة طويلة مقوَّسة، وتنقسم كتلتين معاكستين تستقرَّان على جبين مسطَّح. يعلو هذا الرأس لجام عريض، مصنوع من الجلد، يُثبَّت على رأس الحصان للتحكم في اتجاهه وسرعته أثناء الركوب. يتكوَّن من شريط عمودي يستقر وسط العينين، وشريط مشابه ينعقد حول الوجه، وتُزيِّن هذين الشريطين سلسلة من الحلقات الدائرية المترابطة. كذلك يظهر شريط حول أعلى الرقبة، وآخر حول أسفلها، وتزيِّنهما شبكة من الخيوط المجدولة. يبدو الفم مكبَّلاً بحلقة، تُعرف باسم «الأنفة»، وتحيط بالخطم وفك الحصان لتمنعه من فتح فمه بشكل واسع.

يظهر الرأس الثاني في حركة المواجهة، وصياغته مشابهة إلى حدِّ التماثل. هنا وهناك، يحضر النقش الأنيق ويأخذ طابعاً زخرفياً، يتجلَّى في تجسيم حدود الملامح، كما في تشكيل خصل الشعر المنسدلة، وتزيين شرائط اللجام. يخرج هذا الحصان عن النسق الروماني الكلاسيكي، ويتبنَّى أسلوباً يعكس أثر الفن الساساني، ويظهر كذلك في القطعتين المستقلتين اللتين تجسَّدان الجزء الأوسط من بدن الحصان. يظهر طرف الكاهل، وهو الجزء الذي يعلو الكتفين مباشرة، ويُعد أعلى نقطة في جسم الحصان. تحضر مكوِّنات الجزء الأعلى من البدن بشكل كامل، وقوامها الصدر والظهر والبطن والكِفَل والمؤخرة. أما القوائم فغائبة، ولم يبقَ منها أي أثر للأسف. يعلو الظهر سراج عريض ضاع الجزء الأكبر منه، تزيِّنه حلَّة زخرفية، أنيقة ومرهفة.

يحضر الحصان المجنَّح داخل إطار دائري على شكل إكليل تحدّه سلسلة من الحلقات المتجانسة، ويظهر بدنه هنا بشكل كامل، في حركة حية. تتقدّم القائمتان الأماميتان نحو الأعلى، وتتقدّم القائمتان الخلفيتان بشكل معاكس. يتكرّر هذا التأليف في القطعة الأخرى التي ضاع جزء كبير منها، مما يوحي بأنّ القطعتين تتبعان طرازاً واحداً جامعاً.

للوهلة الأولى، يعيد هذا الكائن إلى الذاكرة الحصان اليوناني الذي يُعرف في قاموس الميثولوجيا اليونانية باسم «بيغاسوس»، غير أنه في الواقع حصان آخر، يعود إلى الفن الإيراني، وشواهده الفنية كثيرة، منها قطع من النسيج تعود إلى العهد البيزنطي.

يتبنّى النقش الأموي هذا النموذج التشكيلي، ويعيد صياغته بشكل مبتكر في تكوين يغلب عليه طابع النحت.


تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»
TT

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

صدر أخيراً عن «دار روافد للنشر والتوزيع» بالقاهرة، رواية «أيام حي البوسطة»، للروائي السوداني مصطفى خالد مصطفى. الرواية سبق أن فازت وهي مخطوطة بالمركز الأول في «جائزة الطيب صالح» للإبداع الروائي. وتعتمد على تداخل الحكاية الشخصية بالذاكرة الجماعية؛ إذ يستلهم الكاتب بعض شخصياتها وحكاياتها من وقائع وأشخاص عرفهم، قبل أن يعيد تشكيلها داخل العمل الروائي.

تدور «أيام حي البوسطة» في أحد الأحياء القديمة بمدينة أم درمان، حيث تتقاطع حكايات سكانه مع تحولات المجتمع السوداني وتفاصيل الحياة اليومية. ومن خلال مجموعة من الشخصيات، خصوصاً النساء، تستعيد الرواية ذاكرة المكان والعلاقات العائلية والاجتماعية، وتكشف عما تخفيه البيوت من صراعات وآلام وأحلام مؤجلة.

تتحرك الرواية بين أجيال مختلفة، وتتناول موضوعات مثل العنف الأبوي، والزواج، والمرض النفسي، وتفكك العلاقات الأسرية، في محاولة لفهم أثر البيئة الاجتماعية في مصائر أفرادها. ولا يظل حي البوسطة مجرد خلفية للأحداث، بل يتحول إلى فضاء يحمل ذاكرة شخصياته ويعكس التحولات التي مر بها المجتمع من حولهم.

يذكر أن المؤلف مصطفى خالد مصطفى، طبيب وروائي سوداني، مواليد أم درمان 1998م، صدرت له ثلاثة أعمال أدبية؛ «غول سليمة» (رواية 2020م)، و«تكيّة البِجاوي» (رواية 2022م)، و«السقف النبيل للأحلام» (مجموعة قصصية 2023م). وفاز بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي 2022م عن رواية «أيام حي البوسطة»، كما فاز بجائزة «بيت الغشّام» - دار عرب للترجمة الدولية- عن رواية «هاه هاه... كُح كُح... نجوتُ بأعجوبة» 2025م. وجائزة «نيرفانا» الأدبية عن قصّة «حرب شارع البهلوان» 2020م. وحصل على منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون 2023 عن المجموعة القصصية «السقف النبيل للأحلام».

ومن أجواء الرواية، نقرأ: «فور دخولكِ مع شادية بوَّابة هذا المشفى يتغيَّر وجهُك وتحسين بثقلٍ رهيب على صدرك، كثيرون قالوا لأمك إنّ المريضة فيكما هي أنتِ، أصحاءُ ومرضى قالوا هذا الكلام، لا تحبين قضاء الكثير من الوقت في ردهات هذا المشفى. أحلك أيام حياتك هي تلك الأيام التي تسوء فيها حالة أمك كثيراً فترينها مبتهجةً كثيرة الحركة ثرثارةً فتضطرين لترقيدها والبقاء معها لأيام خصوصاً إذا لم ترافقكما جدتك. لا مشكلة إذا تدهورت حالتك النفسيّة ليومٍ أو اثنين، المهم عندك أن تتلقى أمك العلاج وتبقى صموتةً هادئة راقدةً على الدوام. تعرفتِ على حالاتٍ كثيرة مشابهة وغير مشابهة لحالتها، كوّنتِ صداقاتٍ مع المرضى كثيري التردد للمتابعة، أحسستِ أنكِ قريبةٌ منهم وتفهمينهم جيِّداً كما تفهمين طبيعة شادية، تعرفين أمراضهم جيِّداً وقصصهم الخلفيَّة لها، كلها محزنة مشرّبة بالألم، كقصَّة أمك تماماً».