«مطعم فيصل»... ستون عاماً من النضال الثقافي

كتاب يوثق لسيرة مكان تجاوزت شهرته لبنان

«مطعم فيصل»... ستون عاماً من النضال الثقافي
TT
20

«مطعم فيصل»... ستون عاماً من النضال الثقافي

«مطعم فيصل»... ستون عاماً من النضال الثقافي

مع خفوت نجم المقاهي الثقافية في المنطقة العربية، وبشكل خاص في بيروت، التي عرفت الظاهرة الكبرى اعتباراً من منتصف القرن الماضي، يأتي كتاب «مطعم فيصل» لمؤلفته إيمان عبد الله (دار نلسن) ليعيد إلى الذاكرة حكاية مكان ليس ككل الأمكنة. فهذا المقهى البيروتي الذي كان مطعماً أيضاً تجاوزت شهرته لبنان، لينال صيتاً عربياً. ورغم مرور عقود على إغلاقه لا يزال ما دار في أروقته والدور الذي لعبه وأنشطة رواده تشغل الكتّاب والمؤرخين لإعادة قراءة فترة ذهبية عاشتها العاصمة اللبنانية، احتضنت خلالها أسماء ستصبح فيما بعد نجوماً في عالم الأدب والسياسة والفكر.

«مقهى فيصل» أو «مطعم الثوار» كما أسماه سمير صنبر، جاءت أهميته في البدء من موقعه، مقابل البوابة الرئيسية للجامعة الأميركية في بيروت، وتدريجياً، رغم وجود العديد من المقاهي المجاورة، أصبح امتداداً للحركات الفكرية والسياسية التي كانت تدور في أروقته بين الأساتذة والطلاب. أما لماذا كان هذا المقهى تحديداً هو الأوفر حظاً، والأحب إلى قلوب النخبة اللبنانية، والعربية التي تتلمذت في بيروت، أو مرت بها؟ فهذا ما يكشف عنه الكتاب، الذي يصدر في بيروت، بعد أيام. عوامل عديدة، إضافة للموقع الجغرافي، كانت وراء هذا النجاح، الذي سكن الذاكرة الجمعية. هناك شخصية صاحب المقهى توفيق، وبعده ابنه فريد؛ إذ تميّزا بالعمل الدؤوب والكرم والحنان المرافقَين للصرامة في التعاطي مع الطلّاب، ثم هناك النوادل الذين يُروى عن حسن تعاملهم الكثير، وكذلك طيب المأكولات، وخصب المناخ، وسعة الصدر.

يقول الزميل سمير عطا الله في مقدمته للكتاب عن «مقهى فيصل»: «أصبح شيئاً يتمنى الكثيرون الانتساب إليه كأنهُ نادٍ صحافيٍّ مغلق، أو كأنهُ جمعية أهل القلم، أو أنه ملتقى الأفكار والتيارات السياسية التي إما يحملها العرب من بيروت إلى أوطانهم، أو من أوطانهم إلى بيروت، حيث انفتاح المنابر وسماع الأفكار». في «مقهى فيصل»، كانت تُكتب لعقود البيانات السياسية، وتنطلق المظاهرات الاحتجاجية، وتُدبّج القصائد، وتُصحح المسرحيات، وتكتمل المخطوطات الأولى للكتب، وتُحفظ الأناشيد وتُصاغ الشعارات.

مؤسس المطعم/ المقهى توفيق سعاده، أتى من قرية عين عنوب، لقب عائلته فيصل، ومن هنا جاء اسم المكان. كان رجلاً رؤيويّاً. اختار موقعاً ممتازاً لمشروعه، مقابل المدخل الرئيسي لجامعة النخبة العربية.

ليبرالية بيروت

«الجامعة الأميركية» في بيروت، تميزت منذ نشأتها عام 1866 بجوها الليبرالي ومعاركها الفكريّة والسياسيّة. واحدة من أوائل حركاتها الشهيرة، احتجاج الطلّاب عام 1882 بسبب خلاف حول الداروينية بين أساتذة أميركيّين مُحافظين وآخرين متحرّرين، وهو ما تسبب باندلاع حركة طُلّابية امتدّت وتوسعت، وذلك عندما ثار طُلّاب كليّة الطبّ، من بينهم جورجي زيدان ويعقوب صروف وفارس نمر، وتركوا الكليّة.

هذه الأجواء التي عُرفت بها الجامعة الأميركية صارت تنتقل إلى «مقهى فيصل» الذي يُعتقد أنه تأسس عام 1919، أو على أبعد تقدير عام 1920، وبقي جزءاً من الحياة الفكرية حتى أغلق أبوابه تحت وطأة الحرب الأهلية اللبنانية، في اليوم الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985.

البعض يرى أنه يمكن التأريخ لبيروت من خلال مرآة «مقهى فيصل». فقد تزامن افتتاحه مع انتهاء الحرب العالمية الأولى وقيام لبنان الكبير، وتغيير اسم الجامِعة من «الكلية السورية الإنجيلية» إلى «الجامِعة الأميركيّة». في تلك الفترة وفد عدد كبير من الطلاب العرب من سوريا وفلسطين والعراق والأردن إلى بيروت، وبشكل خاص للالتحاق بالجامِعة الأميركيّة. كانوا في غالبيتهم شديدي الحماسة للثورة العربيّة، ومن عائلات ميسورة: العظم، والبرازي، والدالاتي، وحرب، ومن آل الشوا من غزة.

فوران الحياة الطلابية

أثر غليان الأحداث السياسية على الجامِعة وطُلّابها. يقول أنيس فريحة في كتابه «قبل أن أنسى» عن ذكرياته في تلك المرحلة: «شارل مالك كان شاباً ذكيّاً من الكورة، وكوستي (قسطنطين) زريق كان في الـ(هاي سكول)، وفؤاد صروف كان غادر للتو إلى القاهرة للالتحاق بمطبوعات عمّه».

فترة الثلاثينات تميزت بنشاطها الاجتماعي والسياسي، حيث ظهرت حركات قوميّة أبرزها «جمعية القوميّة العربيّة» السريّة، وعند «فيصل» كان بمقدور أعضائها مناقشة موضوعاتهم الحساسة. كتب يوسف الصايغ في مذكراته: «كنا نتجادل حول القوميّة العربيّة مقابل القوميّة السوريّة. وكلما جفّت حناجرُنا من النقاش، ذهبنا لتناول القهوة في (مطعم فيصل) الذي كان مؤسسة، وصاحبه ذو شخصية فريدة، ومحلّه بمثابة صالون سياسي. كان فؤاد مفرّج يذهب إلى هناك، ومحمد شقير، ومحمود صائب، وكان مُنح الصلح يذهب إليه، ولكن في وقت لاحق. كان أساساً مُلتقى القوميّين العرب، ولكن نحن أيضاً كنا نذهب إليه لنُجادلهم».

في هذا المطعم نَـظَـم سعيد عقل بعض أشعاره، منها نشيد «العروة الوثقى»، وقصيدته الغرامية التي يتغزّل فيها بإحدى الطالبات الجميلات، وكانت محط إعجاب الجميع، ومطلعها:

سمراء يا حلم الطفولة وتمنع الشفه البخيلة

لا تقربي مني وظلي فكرة لغدي جميلة

وكان لتقسيم فلسطين تأثيره الكبير على الطلّاب. بدّل هذا الحدث الجلل في حياتهم ونشاطاتهم، خصوصاً عند الطالب جورج حبش الذي دخل كليّة الطبّ، ويروي أن مطعم ومقهى فيصل كان ملتقى الطلّاب، وأصبح علامة بارزة في الحياة الجامعيّة، وبقي شهيراً ومعروفاً حتى سنوات الحرب اللبنانيّة. ويضيف: «كم أسفتُ لإغلاقه فيما بعد بسبب ظروف الحرب... كان أحد المراكز التي يدور فيها نقاشٌ حول مفاهيم البعث والناصريّة وحركة القوميّين العرب، ومُختلف الموضوعات الحيوية التي تواجه الأُمّة العربيّة».

الستينات والقومية

بقي «مقهى فيصل» في الستينات من القرن المنصرم «من المعاقِل الأساسيّة للحركة القوميّة، سواء حزب (البعث)، أو حركة القوميّين العرب، أو الأحزاب اللبنانيّة الخالصة، كحزب (الكتائب) وحزب (النجّادة)... وكان مكان التجمّع الأساسي لقادة هذا الحِزب، لا سيما في السنوات الأخيرة للوحدة، بعد تفاقُم الخلافات بين عبد الناصر وحزب (البعث العربي الاشتراكي) وانسحاب وزراء الحزب من حكومة الوحدة».

استمرّت التحركات الطلّابية ناشطة أواخر الستينات وحتى منتصف السبعينات. واستمر رؤساء مجالس الطلبة يجتمعون في «فيصل»، يكتبون بعضاً من بياناتهم هناك ويخطّطون لتوزيعها، حتى قيل إنّ «مقهى فيصل» كان أحد رموز الجامِعة الأميركيّة. ونُسب يومئذ إلى الزعيم الفلسطيني كمال ناصر قوله إنه «لا لزوم لدائرة علوم سياسيّة في الجامِعة الأميركية، ما دام (مقهى فيصل) يقوم، بالنيابة عنها، بهذه المُهمّة المُستحيلة».

في «فيصل» كُتبت الأناشيد الثورية، وعلى بابه تجمع الطلّاب للمشاركة في الاحتجاجات في الخمسينات والستينات والسبعينات. وعلى طاولاته أَعدّ ما عُرف بـ«جماعة» «مطعم فيصل» (بشارة مرهج، وماهر المصري...)، ورؤساء المجالس الطلّابية، المنشورات والبيانات الإذاعيّة المستخدمة في تحركاتهم واحتجاجاتهم ومخطّطاتهم. وقد احتُسب على الناشطين في الحركات القوميّة العربيّة، فارتاده القوميون العرب والبعثيون، بشكل كبير.

كان المفكر مُنح الصلح من أبرز روّاد «مطعم فيصل»، جعل منه مقرّه اليومي، تتحلّق حوله شخصيّات سياسيّة وفكريّة للتداول في شؤون البلد والأُمّة.

شخصيات مؤثرة

أكثر من مرة كتب المؤرخ نقولا زيادة، عن هذا المكان، وكان هو نفسه من روّاده لكونه أحد الأساتذة المبرزين في الجامعة الأميركية، وعن أمنيته بأن يبادر أحدهم إلى كتابة تاريخ «مطعم فيصل»، عادّاً أن «من لا يتعرّف إلى (مطعم فيصل) لا يستحقّ أن يكون أستاذاً في الجامِعة».

أما خليل جحا فيروي: «كنّا نلتقي الأديب الكبير أمين نخلة، والشاعر الفلسطيني كمال ناصر الذي عندما سألته عن عنوانه في بيروت أجاب: (مطعم فيصل)، بالإضافة إلى الشاعر العراقي رزوق فرج رزوق الذي كان يُعدّ أطروحة ماجستير عن الشاعر اللبناني الكبير الياس أبو شبكة. وخليل حاوي الذي كان قد تخلى عن نظم الزجل وبدأ ينظم شعر التفعيلة، و(البيك) مُنح الصلح».

على مدى سنين طويلة من عمر «مطعم فيصل» ارتادته شخصيّات مؤثرة في تاريخ لبنان والبلدان العربيّة، مثل سعيد عقل، وبدر شاكر السياب، وغادة السمان، ونزار قباني، وعبد الوهاب البياتي، وإبراهيم طوقان، وشخصيات سياسية وفكرية.

توثيق وشهادات

يعتمد هذا الكتاب التوثيقي الجديد على جمع معلومات وذكريات منشورة في كتب ومقالات عن «مقهى فيصل»، ويضعها في سياق الأحداث الاجتماعية والسياسيّة في تلك الفترة المؤثرة في الجسم الطلّابي الجامعي، كما أنه يحاول رسم صورة استعادية حية للمكان، من خلال مُقابلات أُجريت مع شخصيّات عرفت تلك الحقبة وعاشتها.

يمكن تشبيه دور «مقهى فيصل» بدءاً من خمسينات القرن الماضي حتى إغلاقه، بما كانت تمثله مقاهٍ مثل «كافيه دي فلور» أو «دو ماغو» لجان بول سارتر أو سيمون دي بوفوار في باريس، بما كان له من بعد ثقافي، ومن هالة أضفاها على «شارع بليس» البيروتي الذي يوجد فيه، حتى شبّهه الكاتب المصري أحمد بهاء الدين، بـ«الحيّ اللاتيني» في فرنسا، لكن كل هذا قد انطفأ بسبب الحروب والصراعات والظروف القاهرة التي مرّت بها بيروت من جهة، ولأن طبيعة دور المقاهي أصابها خلل كبير، وتبدّل شديد؛ فقد غزت مطاعم ومقاهي «الفاست فود» شارع «بليس» كله، وتغيرت وظائف الأمكنة بتبدل العقليات والاحتياجات والقناعات. يبقى أن هذا الكتاب ضرورة جميلة، غير أنه يحتاج بعض التشذيب لتخليصه من المعلومات المكرورة، والزيادات التي لا حاجة للقارئ بها كي يبدو أكثر جاذبية ومتعة.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تستأنف الاغتيالات في ضاحية بيروت

المشرق العربي جانب من الأضرار الناجمة عن الغارة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت أمس (إ.ب.أ)

إسرائيل تستأنف الاغتيالات في ضاحية بيروت

استأنفت إسرائيل، أمس، ملاحقة عناصر «حزب الله» في الضاحية الجنوبية لبيروت، بعد 4 أشهر من حصر الملاحقات في جنوب لبنان وشرقه.

نذير رضا (بيروت) بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي رزم من الدولارات الأميركية (رويترز) play-circle

مصادر: لبنان يضبط 2.5 مليون دولار كانت في طريقها لـ«حزب الله»

قالت 3 مصادر إن سلطات مطار بيروت ضبطت مع رجل وصل من تركيا 2.5 مليون دولار نقداً كانت في طريقها لجماعة «حزب الله».

يوميات الشرق «ميديا» المأساة اليونانية الأكثر شيوعاً في القرن الـ20 (صور المخرج)

«ميديا» الأسطورة الإغريقية بنسخة لبنانية على «مسرح مونو»

تروي «ميديا» قصة امرأة وهبت حياتها وحبّها لزوجها ياسون، لكنه يخذلها ويتخلّى عنها من أجل امرأة أصغر سناً، فتُواجه صدمة الخيانة والعزلة...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق مشاعر الحنين إلى الوطن وذكريات الطفولة في أعمال غادة جمّال (الشرق الأوسط)

معرض «من القلب إلى الوطن» للبنانية غادة جمال: أماكن مألوفة تُثير التوقّعات

في معرضها «من القلب إلى الوطن» في غاليري «آرت أون 56» ببيروت، تُقدّم التشكيلية اللبنانية غادة جمّال لزائره مساحة حرّة، فيتلقف موضوع كل لوحة وفق رؤيته الخاصة.

فيفيان حداد (بيروت)
المشرق العربي نعيم قاسم الأمين العام لـ«حزب الله» اللبناني خلال إلقاء خطاب تلفزيوني (لقطة من فيديو) play-circle

نعيم قاسم: منع الطائرة الإيرانية من الهبوط في بيروت «تنفيذ للقرار الإسرائيلي»

قال نعيم قاسم، الأمين العام لـ«حزب الله» اللبناني، إن رئيس الحكومة نواف سلام اتخذ قراراً بمنع هبوط الطائرة الإيرانية في بيروت «تنفيذاً للقرار الإسرائيلي».

«الشرق الأوسط» (بيروت)

المدينة الفاضلة

المدينة الفاضلة
TT
20

المدينة الفاضلة

المدينة الفاضلة

كان الصينيون القدامى يتركون عظام جنودهم الذين سقطوا في الحرب، عند أسس بوابات المدينة ومبانيها الرئيسية. ثم يذبحون كلابهم ويرشّون دماءها على العظام، فتتلوّن وتتشبّع بها. من مزيج عظام الجنود الشجعان، مع حرارة قلوب كلاب الحراسة، تنبعث قوى سحريّة تدافع عن المدينة ضدّ الأعداء.

في زماننا لا تجري هذه الطقوس. لكننا نحصل بالمقابل، من خلال امتزاج عرق الأسلاف، مع بخار نباح الكلاب المتشردة، وعطور دمها أيضاً ودموعها، بالإضافة إلى قيئها وبقية فضلاتها، وهي حية وميتة، تتشكّل من هذا الخليط قوى سحريّة تقوم بغرس الحياة الروحيّة في المكان، وتحافظ عليها ما دامت كانت المدينة قائمة.

الكلاب في حقيقة أمرها، بالبراءة في العينين، والسكينة في الطبع، وتوّحشها مع الغرباء أيضاً، كأنها أطفالنا الذين سوف يحملون الأعباء عنّا في المستقبل. لقد نشأت فلسفة جديدة وغدت هي الزيّ الشائع؛ الأطفال يشبّون، وربما غادروا إلى خارج البلاد، أو حادوا عن الطريق، وفي أحسن أحوالهم فإنهم يشبهون الكلاب في دروب المدينة، وهي تزرع اللطافة والحُسن. إن أيّ مساحة وتفصيل من شارع أو مبنى، وبسبب الحياة الغزيرة والثرّة في المدينة، بإمكانهما أن يؤديا دور متحف تتجدّد فيه المعروضات الفنيّة كلّ ساعة، مع ألبوم من الصور يمثّل الناس الطيّبين (يا للعبارة الكونيّة التي لا يلمّها وصف: الناس الطيّبون). صحيح أن هؤلاء يموتون، لكنهم يتناسلون، وما ينفكّ أحفادهم يسيرون وفق هذه الطِباع والعادات. تحصل هجرات في كلّ زمن من أماكن أخرى، لكنّ البشر يشبه النبات، يتربّى على الهواء والماء وضوء القمر، فهو ابن المكان أكثر منه سليل أسلافه.

والمدينة العظيمة أيضاً ليست شيئاً من هذا العالم؛ لأنك ترى فيها كلّ أنماط الحياة، وتتحقق فيها كذلك رغبات الجميع؛ الدنيوية والصوفية، بالإضافة إلى ميول أهل الفن وشهواتهم، مهما بلغ تهوّرهم وجنونهم وشذوذهم، وتعطّشهم لابتكار رغبات جديدة. يقوم الأدب الحديث على الخيال؛ لأن جلّه من إبداع أبناء المدينة، يوسّعون به أفق القارئ ومداركه، فإن جاء واقعياً صرفاً، كان بلا روح. عن ألبير كامو: «الكلمات تفرغ من معناها، حين ينام الخيال».

كان هذا النوع من المدن شائعاً في الشرق والغرب، لكنه أخذ ينحسر أو يختفي؛ بسبب تضافر جهود هندسة ما بعد الحداثة، على أن تكون المباني والمنشآت شبيهة بأقفاص الدجاج البيّاض. البشر فيها بجثامين متماثلة، يقومون بالأفعال ذاتها، وتقدّم لهم ثقافة استهلاكية واحدة، ويتبعون وصفات طعام جاهز ومعلّب، وكلّ شيء تقوده آلة إعلانية جبارة، بإمكانها طمس الجمال الحقيقي، وإعلاء شأن الدمامة والقبح. توائم هذه الطريقة من العيش لا أحد غير رجال المال والأعمال، ويصحب هؤلاء حتماً المقامرون، وبنات الهوى، والمتصابون من الرجال بصورة خاصّة. إن علينا انتظار مئات أو ألوف السنين، المدة الكافية لكي تفعل القوى السحريّة – على أن يكون البنّاءون من أهل البلاد، فإن كانوا مستوردين من الخارج، يبطل السحر حتماً.

الناس الطيّبون باستطاعتهم الخلق من أيّ مكان، وإن كان معتقلاً مرهوباً ومنسيّاً، وطناً جميلاً وفردوساً أرضيّاً؛ لأن وداعتهم انطبعت في زواياه، فهو يتّسم بها. هل يمكننا تصوّر مدينة تخلو من الناس الطيبين؟ مطلقاً. لأن هؤلاء يشكلون الدعامة الأساسية لحياة مستقرة ومهيبة. بقية الدعامات والروابط التي تشدّ أجزاء المجتمع، تكون في العادة متناثرة أو عشوائية وغير مهمة. هل أجازف وأقول لا وجود للناس الطيّبين في المدن الحديثة؛ أقفاص الدجاج البيّاض؟

القوى السحريّة التي مرّ ذكرها هي السرّ في أن كلّاً منّا مكبّل ببلده، مثل طائر في قفص. هناك من يفتح لنا نافذة فنرتحل لأسبوع أو أكثر، ثم نعود إليه حتماً، فإذا رحنا نفتّش عن ملاذ في بلاد أخرى «متخبطين مثل حصاة دحرجت من مكانها» – التعبير لجورج سيفيريس - انتقل معنا سجننا الباهر هذا بمحض إرادتنا، وهذا هو تفسير قصيدة «المدينة» الشهيرة لكافافيس: «سأذهب إلى بلاد أخرى، سأذهب إلى ضفة أخرى سأجد مدينة أفضل كلّ جهودي محتومة بالفشل فقلبي متمدّد ومدفون هنا».

يقوم الأدب الحديث على الخيال لأن جلّه من إبداع أبناء المدينة وهم يوسّعون به أفق القارئ ومداركه

القراءة الأولى للقصيدة فيها هجاء للمدينة الأم، لكن المقاربة النقدية تكشف عن مديح هادئ النبرة. الانتقال إلى مدينة أخرى لا يُبطل القوى السحريّة، فهي السبب في دوام نعمة السجن الذي نختفي بين ظلاله، ومفتونون نحن بجدرانه. ثمة بهجة حزينة في هذه الأبيات، التي نحفظها جميعاً عن ظهر قلب، مع نوع من الأسى الناعم:

«لن تجد بلاداً جديدة، أو تجد ضفةً ثانية هذه المدينة ستطاردك. سوف تمشي في الشوارع نفسها. تشيخ في الأحياء نفسها ستُصبغُ رماديّاً في المنازل نفسها».

يبدو الأمر غريباً، لكنه الواقع؛ قوى السحر هذه يكتشفها السائح في المكان، فهي غائبة عن رؤية ابن البلد. ربما بسبب خاصيّة الإخفاء التي يؤدي إليها تكرار وقوع عين الإنسان على الشيء، فكأنما وجوده وعدم وجوده سيّان. لتوضيح القصد، أستعير شيئاً من شعر اليوناني يانيس ريتسوس، لا لكي أثبّت ما توصّل إليه، بل إلى نقضه:

«يدٌ شاحبة

تخلع المسمار

تهوي المرآة

يهوي الجدار.

يصلُ السائحون

وتُلتقط الصُّور الفوتوغرافية».

يحاول ريتسوس هنا، وعبر فذلكة شعرية، إقناعنا أن السائح غريب ومنقطع عن المكان، فهو يتنقل معصوب العين، مثل آلة حديدية في البلاد التي يزورها، بينما يُثبت الواقع العكس. السحر الخاصّ بالمدينة يكون في العادة ذائباً في دماء أهلها، ولا يستطيع أحد رؤية ما يجري في عروقه، كما هو معلوم. غير أن خاصيّة الإخفاء التي تقوم بها عين الإنسان، بسبب مداومة النظر وتكراره اللاشعوري، تكون معطّلة لدى الزائرين للبلدة، فهم الوحيدون القادرون على اكتشاف السحر، وبهذا تكون القصيدة بنسقها الصحيح: «يدٌ شاحبة تثبّت المسمار فتقوم المرآة ويقوم الجدار. يصلُ السائحون وتُلتقط الصُّور الفوتوغرافية».

الناس الطيّبون والحيوانات الطيّبة الأثر هم سرّ الحياة العجيبة في المدينة، ويمكننا إضافة أهل الفنّ إلى هذا الثنائي، ليكون الكلام أكثر رسوخاً. العالم الحقيقي موجود في كل مكان، وغياب القوى السحرية هو السرّ في عزوف الفنانين عن السكن في مدن الدجاج، أو حتى مجرّد التفكير بزيارتها سائحين. ثم هناك الفرق الأهمّ بين مدينة كافافيس الفاضلة، وبين تلك التي لا تحتفظ بشيء من الماضي؛ في الأولى يشعر أفقر الناس وأدناهم منزلة بأنه شخص له شأن، وفي مدن الدجاج يكون أحسنهم وأكثرهم ثراءً غريباً، لا يستطيع المشي في شوارعها وتنفّس هوائها؛ لأن مجتمع ما بعد الحداثة اختار أن يكون الإنسان كائناً منهوشاً ومتوارياً عن الأنظار، مثل دجاجة تأكل وتأكل وتقاسي من العزلة القاتلة، في انتظار الموت.