مصطلح «السياسات الثقافية» انتعش مع الثورات ويرصد التحولات

دراسات لمؤسسة «المورد» هدفها الكشف عن أصوات جديدة

طلاب ماجستير السياسات الثقافية الذين تم تدريبهم في هيلدسهايم في ألمانيا
طلاب ماجستير السياسات الثقافية الذين تم تدريبهم في هيلدسهايم في ألمانيا
TT

مصطلح «السياسات الثقافية» انتعش مع الثورات ويرصد التحولات

طلاب ماجستير السياسات الثقافية الذين تم تدريبهم في هيلدسهايم في ألمانيا
طلاب ماجستير السياسات الثقافية الذين تم تدريبهم في هيلدسهايم في ألمانيا

«السياسات الثقافية» مصطلح لا يزال قليل الاستعمال في المنطقة العربية. وهو إذ تمت ترجمته عن اللغات الأجنبية، وموّلت مراكز غربية الأبحاث المتعلقة به، ها هو يجد طريقه للاستخدام، في دراسات تتناول الحركة الثقافية العربية بمختلف جوانبها، لفهمها أولاً، وللمساعدة في رسم خطوطها واستراتيجياتها المستقبلية.

«المصطلح استخدم خصوصاً بعد الربيع العربي، وبخاصة بعد الثورتين التونسية والمصرية». إذ أجريت العديد من الدراسات التي ترصد التحولات وما رافقها من أشكال للتعبير، والثغرات التي تعاني منها المجتمعات العربية. وكذلك نشرت موضوعات عن السياسات الثقافية في كل من ليبيا ولبنان والجزائر ومصر وغيرها.

منذ ما يقارب العامين أصدرت مؤسسة «المورد الثقافي» دراسة في 150 صفحة غاية في الأهمية بالمشاركة مع «المعهد الألماني للدراسات الشرقية» في بيروت، حملت عنوان «نظرة حول السياسات الثقافية في لبنان»، حرّرتها كل من الباحثَتين والناشطَتين الثقافيَتين حنان الحاج علي وناديا فون مالتسان، وضمت ثلاثة بحوث ومقدمة تعريفية، واستغرق العمل عليها أربع سنوات.

خلصت الدراسة إلى أن بيروت رغم كل ما حلّ بها من كوارث متلاحقة «لا تزال، المختبر الفعلي الذي ينتج الحياة الفنية والثقافية في الشرق الأوسط، والجسرَ الذي يعدُّه عددٌ كبير من الفنانين والمُثقفين المكانَ الذي يتبناهم. وهي مركز تلاقٍ تتقاطعُ فيه الإنتاجات الفنية». غير أن المشكلة هي أن «الحياة الثقافية في لبنان، تخضع لفوضوية عارمة». وزارة الثقافة لم تكن موجودة قبل عام 1993، ووضعها التنظيمي، لا يزال يحتاج إلى الكثير من العمل، وهو يتطور ببطء. لذلك؛ فإن التمويلات الأجنبية وما تدفعه المؤسسات الخاصة، مع المبادرة الفردية، هي عصب الحيوية والديناميكية الثقافية في العاصمة اللبنانية. وكون هذه الأنشطة مرتبطة بالمبادرات الخاصة؛ فاستمراريتها ليست أكيدة، وهي مرهونة، بقرارات الممولين، التي قد تتوقف في أي لحظة..

وجاءت الدراسات تحت أربعة محاور رئيسية، هي: الحقوق الأساسية والتنوع الثقافي، أسئلة في التمويل الثقافي، التشريعات الثقافية ومحاولات التغيير، إضافة إلى محور حول جائحة كورونا وتجربة الرقمنة.

مسألة التنوع الثقافي

وكانت ورشة مفتوحة على مدى سنتين، عملت فيها الباحثة الرئيسية حبيبة العلوي بالتنسيق مع فريق المورد الثقافي، بحيث تم العمل مع 5 باحثين شاركوا في الورشة، إضافة إلى باحث متخرج من برنامج ماجستير السياسات الثقافية والإدارة الثقافية لكتابة مقالات متخصصة في المحاور المتفق عليها بمساعدة من مجموعة من المستشارين والخبراء في السياسات الثقافية الذين تعاونوا في قراءة وتقييم مجمل الدراسات. وتقول أريج أبو حرب، مديرة مشروع في المورد: إن الهدف الرئيسي هو إشراك بحاثة شباب أو مبتدئين، بمعونة خبراء في موضوع السياسات الثقافية، لتوسيع عدد المهتمين والباحثين في المجال.

في مسألة التنوع الثقافي تناقش دراسات المنشور الجديد واحدة من أحرج المسائل في المنطقة العربية المتأججة بالصراعات والخلافات السياسية ذات الخلفيات الطائفية والقبلية والدينية؛ مما احتاج إلى جرأة كبيرة عند الباحثين، كما في موضوع «تضييق هيئة الأوقاف بالحكومة المؤقتة على تجمع تاناروت للإبداع الليبي». وكذلك، هناك موضوع عن «بلدة القدس القديمة: موروث ثقافي في مدينة مقسمة» كتبه فراس فرح. نلحظ أن الممارسات التي تطبقها سلطة الاحتلال الإسرائيلية تتعدى الإقصاء. فهي، في رأي فرح، محاربة للثقافة الفلسطينية. وأي نشاط لا يتماشى مع الآيديولوجية الإسرائيلية يتم وقفه. فمثلاً «تم إغلاق مسرح الميدان في مدينة حيفا بسبب مسرحية عن الأسرى، واعتقلت الشاعرة دارين طاطور في مسرح السرايا بمدينة يافا بسبب قصيدة، وهدم تمثال الحوت للفنان الفلسطيني وليد قشاش في عكا، وتم اعتقال خالد الغول، مدير الأنشطة والمشاريع الفنية سابقاً في مؤسسة يبوس الثقافية في القدس بتهمة تنظيم أنشطة فنية من دون تراخيص داخل البلدة، ناهيك عن مراقبة المحتوى الثقافي للأنشطة المقدمة في العديد من المؤسسات الثقافية، خصوصاً في المدارس».

المنشور الجديد يتطرق إلى مواضيع قليلاً ما بحثت، مثل «السكان السود في المنطقة المغاربية» كجزء من التنوع الثقافي، والتعامل مع الاختلاف. وتقول الدراسة: إنه «مع انتشار شبكات التواصل الاجتماعي، أصبح الجيل الجديد من المغاربة السود مرئياً أكثر، وصار يعبّر دون حرج أو عقد عن قضايا تهمه مثل العنصرية، أو التمييز. لكن في بعض المجالات الفنية، لا يزال من الصعب على الفنانين السود المغاربة رفع أصواتهم».

ثغرات الحياة الثقافية

نظراً لأن الدراسات في هذا المنشور هي عن أكثر من بلد عربي، وتطال مجالات عدة، لذا من الصعب التوصل إلى خلاصات عامة.

لكن أريج أبو حرب، من مؤسسة «المورد الثقافي» ترى أن المنطقة العربية قد تتشابه في حاجاتها إلى سد الثغرات التي تعاني منها الحياة الثقافية. «باستثناء منطقة الخليج جميع الدول العربية، تعيش أزمة تمويل حادة للقطاع الثقافي، وتلجأ المؤسسات وكذلك الأفراد عند تمويل مشاريعهم إلى منظمات دولية، خاصة وأن التمويل العربي غائب أيضاً. والدول العربية بشكل عام، تعاني في المجال الثقافي من أزمة تشريع، والقوانين فيها غير واضحة بما يكفي لحماية الفنانين والأدباء ونتاجاتهم، أو حتى لدرء الأذى والحاجة عنهم في فترة الشيخوخة، بسبب غياب الضمانات». وبالتالي، فالمهن الإبداعية، على أهميتها الكبيرة جداً، ليس ثمة ما يشجع على احترافها لأنها تنتهي بصاحبها إلى نتائج غير مأمونة، تماماً بسبب غياب النصوص التشريعية التي تنظمها.

هناك أيضاً نقص حاد في البنى التحتية الثقافية، سواء في ما يتعلق بالمسارح ودور العرض والمتاحف، وحتى البنى التحتية الثقافية في المدارس فقيرة وغير كافية، بحسب ما تشرح لنا أبو حرب. ويضاف إلى كل ذلك ضعف في نوع آخر من البنى التحتية هي التكنولوجيات الحديثة، مثل الإنترنت وشبكات دفع الأموال بالطرق الإلكترونية، مما يصعب التواصل والتبادل.

نقص الخبرات المحلية

وتستثني أريج خلال كلامها دول الخليج التي بدأت بوضع خطط وسياسات ثقافية، لكن «هذه الخطوات على أهميتها الكبرى، وما يمكن أن تأتي به من نتائج جيدة، يصعب الحكم عليها من الآن؛ لأنها لا تزال ناشئة، والخطط بالنسبة لنا كباحثين غير واضحة، غير أننا نلحظ أن ثمة نقصاً في الخبرات المحلية».

لكن هذا ليس كل شيء، «فقد تبين خلال أزمة الوباء، ومع ازدياد حالة اللاستقرار خاصة بسبب تفشي الفقر، والحروب والفوضى في العديد من البلدان العربية، ان قبضة الحكومات أصبحت أكثر شدة على المواطنين، وأن الرقابة ازدادت ولم تنقص، وأن مراقبة الناس أصبحت سائدة»، تقول أبو حرب.

تتناول الدراسات في المنشور الجديد مواضيع متفرقة، منها إشكاليات تمويل القطاع الثقافي في ليبيا، والمتاحف اللبنانية وأزمة التمويل. حرية الإبداع في التشريع المصري، السينما الجزائرية بين النص القانوني والتطبيق، التقنيون أبرز الضحايا. تطور صناعة الرسوم المتحركة في المنطقة العربية: الجزائر والسعودية مثالاً، كما نقرأ، صصكم من البيت للبيت تنقل المسرح الارتجالي إلى الفضاء الرقمي.

تقول إحدى الدراسات في المنشور: إن المنطقـة العربيـة شهدت تغيرات سياسـية وأزمـات عديـدة منـذ 2011 أثرت بعمق على القطاع الثقافي وآليات تمويله وعلى عكـس معظـم الـدول العربيـة اتخـذت دول الخليـج مسـاراً مختلفاً لدرجة أصبحت توسم جراء التطوير والاستثمار في القطاع الفني بـ«الاستثناء العربي».

موضوع «السياسات الثقافية»، لا يزال البحث فيه في أوله، ويتم تأهيل المزيد من الباحثين المبتدئين، كي يثروا هذا الميدان. فقد أطلقت مؤسسة «المورد» سلسلة من الفيديوهات من 9 حلقات، تحمل عنوان «أساسات السياسات» تضعها على موقعها الرسمي، نشرت منها لغاية الآن خمسة. وهي فيديوهات قصيرة تضمّ مقابلاتٍ مصوّرة مع فاعلين ثقافيين وخبراء وباحثين مختصّين في المجال، تهدف إلى التعريف بالسياسات الثقافية، بما في ذلك مفاهيمها، نشأتها، أشكالها ومدارسها المختلفة، وتقديمها لجمهورٍ واسع من الفاعلين الثقافيين والباحثين الّذين يرغبون بتطوير معارفهم في هذا المجال. تتيح هذه السلسلة المعارف النظريّة والخبرات العمليّة للجمهور، مع إضاءات على واقع المنطقة العربيّة وما مرّ فيها من تجارب مختلفة وقيّمة في السياسات الثقافيّة خلال السنوات الماضية، لتكون مصدراً للمعلومة والتجربة ومنطلقاً للنقاش.

خلصت الدراسة إلى أن بيروت رغم كل ما حلّ بها من كوارث متلاحقة «لا تزال المختبر الفعلي الذي ينتج الحياة الفنية والثقافية في الشرق الأوسط»


مقالات ذات صلة

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

ثقافة وفنون موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

بيعت لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)

مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

أعلنت وزارة الثقافة السعودية عن مبادرة دعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية؛ لتعزيز مساهمة المجتمع في الحفاظ على أصوله التراثية ذات القيمة وتأهيلها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان لدى لقائه الدكتور فضلي زون في جاكرتا الاثنين (وزارة الثقافة السعودية)

السعودية وإندونيسيا لرفع مستوى التعاون الثقافي

أعرب الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، عن اعتزازه بالروابط المتينة التي تجمع بلاده وإندونيسيا، والتعاون القائم بينهما في المجالات الثقافية.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)
ثقافة وفنون جانب من معرض «الملكة إليزابيث الثانية: حياتها من خلال الأناقة»... في معرض الملك بقصر باكنغهام لندن 9 أبريل 2026 (رويترز)

بالصور: بريطانيا تحتفي بالملكة إليزابيث الثانية أيقونةً للموضة بمعرض ضخم في الذكرى المئوية لميلادها

تحتفي بريطانيا بمرور مائة عام على ميلاد الملكة إليزابيث الثانية عبر معرض ضخم في قصر باكنغهام يبرز دور أزيائها أداةً دبلوماسيةً ورمزاً لأناقتها وتأثيرها الثقافي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق تذوّق استثنائي يثير أسئلة حول الترف وحدوده (شاترستوك)

بيضة الفصح بـ1300 إسترليني... سعر صادم وانتقادات واسعة

تتبَّع رجل بيضة عيد فصح وسعرها 1300 جنيه إسترليني تُباع في متجر حلويات في غرب لندن، لكن بعد سماع مدى الدقّة التي أُعدّت بها، سلّط الناس الضوء على عيب كبير فيها.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».