ليبيون يشتكون من «تعطل» الأحكام القضائية وتجاهل القانون

أكاديمي يؤكد أن «شرائح واسعة من المواطنين باتت تمتنع عن التوجه للقضاء بسبب عدم تنفيذ الأحكام»

النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)
النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)
TT

ليبيون يشتكون من «تعطل» الأحكام القضائية وتجاهل القانون

النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)
النائب العام الليبي الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

يشكو قانونيون وساسة ليبيون من «أزمة ثقة» تواجه المنظومة القضائية في عموم البلاد، وتزداد وتيرتها بسبب عدم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال إدانات واتهامات موثقة لسياسيين وقادة ميليشيات، أو لعدم تنفيذ أحكام قضائية صادرة بالفعل.

بدا ذلك بوضوح للمراقبين مع ظهور موسى المقريف، وزير التربية التعليم في حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، في منزله بأجدابيا (شرق)، وذلك بعد أيام فقط من إدانته بالسجن بتهم «فساد» في عملية طباعة الكتاب المدرسي.

ويرى سياسيون أن «العائق الرئيسي أمام تحقيق العدالة الناجزة في ليبيا، يكمن في محدودية النطاق الجغرافي لسيطرة الأجهزة الأمنية»، وفي هذا السياق، اعترف عضو المجلس الأعلى للدولة، سعد أونيس، في تصريحات صحافية سابقة، بأن تلك الأجهزة تعمل «وفق تعليمات ومناطق نفوذ محددة، بدلاً من تشريعات الدولة الشاملة».

موسى المقريف وزير التعليم بحكومة الوحدة في منزله بمدينة أجدابيا شرق ليبيا (حسابات موثوقة)

وسبق أن أقر رئيس المجلس الأعلى للقضاء الليبي، المستشار مفتاح القوي، بأن ظروف البلاد الراهنة «ليست سهلة في ظل الانقسامات الواقعة»، مؤكداً أن «الحفاظ على الجهاز القضائي ليس بالأمر اليسير». ولم تكن واقعة المقريف الحالة الوحيدة لعدم تطبيق العدالة، فقد تداولت وسائل إعلام محلية صوراً لآمر «فرقة الإسناد الأولى»، محمد بحرون، الشهير بـ«الفأر» في إفطار رمضاني بالعاصمة طرابلس، بينما لم تظهر بعد نتيجة تحقيقات أجرتها النيابة العامة معه، بتهمة «الضلوع في اغتيال عبد الرحمن ميلاد»، الشهير بـ«البيدجا»، آمر الأكاديمية البحرية في سبتمبر (أيلول) 2024.

وبجانب «الفأر»، يوجد آمر «جهاز الشرطة القضائية»، أسامة نجيم، إذ لم يصدر أي تحرك قانوني بشأنه رغم صدور مذكرة توقيف دولية ضده من «المحكمة الجنائية»، بتهم «جرائم القتل والتعذيب والاغتصاب والعنف الجنسي»، بل تم إطلاق سراحه، فيما يبدو، بتدخل من «الوحدة» عقب توقيفه في إيطاليا.

في السياق ذاته؛ ترى منظمة «هيومن رايتس ووتش» أن «نظام العدالة الجنائية في ليبيا محفوف بمخاوف خطيرة»، وأرجعت ذلك إلى أن «القضاة والمدعين العامين والمحامين معرضون لخطر مضايقات الجماعات المسلحة»، بحسب تقريرها السنوي.

وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى ممارسات ارتكبها قادة ميليشيات لم يتحرك حيالها النائب العام، الصديق الصور، أو حتى جهات رقابية، إلى جانب تقارير أخرى تتحدث عن ضبط وقائع فساد.

وعلى سبيل المثال، فإن تقرير خبراء الأمم المتحدة تحدث عن تورط «آمر جهاز دعم الاستقرار»، عبد الغني الككلي الشهير بـ«غنيوة»، أحد أبرز قادة ميليشيات طرابلس، في تعاقدات تخص شركة الكهرباء الحكومية، وهي اتهامات اكتفى الككلي بنفيها، دون إعلان من الجهات القضائية عن تحرك بشأنها.

وفي شرق البلاد، لا يزال الصمت يخيم حول تحقيقات قال «الجيش الوطني» الليبي إنه يجريها بشأن انتهاكات في سجن قرنادة العسكري، كشف النقاب عنها في يناير (كانون الثاني) الماضي.

آمر «فرقة الإسناد الأولى» محمد بحرون، الشهير بـ«الفأر» (يمين) في إفطار رمضاني بالعاصمة طرابلس (حسابات موثوقة)

ويذهب قانونيون، ومن بينهم المحامي الليبي محمد بن دردف، إلى الاعتقاد بأن منظومة القضاء تعاني «أزمة ثقة»، وقال لـ«الشرق الأوسط» بهذا الخصوص، إن «القوانين تتعطل مع قادة الميليشيات، لأنها في بيئة تخضع لسيطرة ميليشياوية، دون وجود أي ضمانات لإنفاذ القانون».

وربما تكون «تجارب الحكومات المتعاقبة في ليبيا أحد أسباب هذا الوضع»، وفق بن دردف، الذي أشار إلى أنها «دأبت على القفز على القانون، وتلقي ضمانات غير معلنة بعدم الملاحقة حين تحل لحظة تسليم السلطة».

ولا يتوقف الأمر عند وزراء أو قادة ميليشيات فقط، بل إن حكومة «الوحدة» باتت متهمة هي الأخرى، وعلى نطاق واسع، بـ«تجاهل القانون وأحكام القضاء»، حسب اختصاصيين قانونيين.

وسبق أن اشتكى شيوخ وأعيان في مدينة تاورغاء من عدم امتثال الدبيبة لحكم قضائي صادر عن محكمة استئناف طرابلس، بوقف تنفيذ قراره ضم تاورغاء لبلدية مصراتة، ولم يكتفِ بذلك فحسب، بل ذهب إلى تعيين رئيس لها باعتبارها فرعاً بلدياً في يناير (كانون الثاني) الماضي. كما اشتكى وزير النفط المُقال، محمد عون، من تجاهل حكومة «الوحدة»، «أحكاماً قضائية تعيده إلى منصبه»، بعد أن تم توقيفه عام 2024، والأكثر من ذلك أن الدبيية قرر إحالته إلى التقاعد في مطلع فبراير (شباط) من العام نفسه.

هذا إلى جانب صدور حكم قضائي في محكمة بطرابلس بإلغاء قرار الدبيبة تشكيل مجلس إدارة جديد لجمعية الدعوة الإسلامية، وهو ما لم يلقَ أيضاً إشارة حكومية تعبر عن الامتثال لهذا الحكم.

ومن منظور قانوني، فإن حكومة «الوحدة» ضربت المثل في «تجاهل الأحكام القضائية»، وفق الأكاديمي وأستاذ القانون بجامعة طرابلس فرج حمودة، الذي نبّه إلى أن «امتناع الجهات الحكومية والموظف العام عن تنفيذ الأحكام القضائية، يعد جنحة مباشرة أمام المحكمة الجنائية»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «لا يوجد مسؤول أو وزير، عزل من منصبه لعدم تنفيذ حكم قضائي».

وتنص أحكام قانون العقوبات الليبي، خصوصاً «المادة 234»، على معاقبة كل موظف عمومي بالحبس والعزل إذا امتنع عمداً عن تنفيذ حكم قضائي، أو أمر صادر من المحكمة بعد 10 أيام من إنذاره على يد محضر.

وفي هذا السياق، يشير الأكاديمي الليبي إلى أن «شرائح واسعة من الليبيين تمتنع عن التوجه إلى القضاء بسبب عدم تنفيذ الأحكام»، محذراً من أن «التجاهل والمماطلة يفقدان الدولة هيبتها، ويقوضان الثقة بين الدولة والنظام القضائي».

وانتهى بن دردف إلى أنه لا يوجد خيار للحل سوى «استقلال القضاء، وتوحيد السلطة التنفيذية، ومراجعة القوانين لتصبح رادعة».


مقالات ذات صلة

وزارة العدل الأميركية تجدد ملاحقة كومي وخصوم ترمب

الولايات المتحدة​ المدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي آي» جيمس كومي (إ.ب.أ)

وزارة العدل الأميركية تجدد ملاحقة كومي وخصوم ترمب

اتهم المدير السابق لـ«إف بي آي»، جيمس كومي، بسبب منشور يتضمن رقمين يعنيان «اغتيال» الرئيس دونالد ترمب، وسط خشية جمهورية من أثر انخفاض شعبيته على الانتخابات.

علي بردى (واشنطن)
أوروبا أنصار منظمة «فلسطين أكشن» ينظّمون احتجاجاً خارج المحكمة الملكية للعدل في لندن 28 أبريل 2026 (أ.ب)

بريطانيا تطعن بقرار محكمة يقضي بعدم قانونية حظر منظمة «فلسطين أكشن»

سعت بريطانيا، الثلاثاء، إلى الإبقاء على حظر جماعة «فلسطين أكشن» المؤيدة للفلسطينيين، والتي صنفتها منظمة إرهابية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ صورة ملتقطة في 26 أبريل 2026 في العاصمة الأميركية واشنطن تظهر كول توماس ألين، البالغ من العمر 31 عاماً من كاليفورنيا، بعد محاولته دخول قاعة الاحتفالات حاملاً أسلحة نارية وسكاكين خلال حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض في فندق واشنطن هيلتون حيث كان يحضر الحفل الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
p-circle

القضاء الأميركي يتهم مهاجم حفل مراسلي البيت الأبيض بمحاولة اغتيال ترمب

وُجّهت، الاثنين، تهمة محاولة اغتيال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الرجل الذي حاول اقتحام عشاء جمعية مراسلي البيت الأبيض مستخدما أسلحة نارية وسكاكين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ المحكمة العليا الأميركية في واشنطن (رويترز)

محاكم الهجرة الأميركية تشهد تحوّلات تحت إدارة ترمب

تشهد محاكم الهجرة الأميركية تحولات كبيرة تحت إدارة الرئيس دونالد ترمب، الذي يسعى إلى تسريع معالجة التراكم الضخم في قضايا المقيمين بصورة غير شرعية في البلاد.

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا الكاتب كمال داود (أ.ب)

الجزائر: السجن الغيابي 3 سنوات بحق الكاتب كمال داود

أدانت محكمة جزائرية الكاتب كمال داود، المقيم في فرنسا، بالسجن غيابياً ثلاث سنوات، وغرامة مالية قدرها خمسة ملايين دينار.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

الطوارق يتوعدون بإسقاط الحكم في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
TT

الطوارق يتوعدون بإسقاط الحكم في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)

توعد المتمردون الطوارق، أمس، المجلس العسكري الحاكم في مالي بـ«السقوط»، في مواجهة الهجوم الذي ينفذونه مع جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين».

وقال المتحدث باسم المتمردين الطوارق محمد المولود رمضان، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، في أثناء زيارة لباريس، إن النظام «سيسقط عاجلاً أم آجلاً. ليس لديهم حل للبقاء في السلطة... في مواجهة هجوم جبهة تحرير أزواد (شمال مالي) من جهة، وهجوم المسلحين على باماكو ومدن أخرى».

وأعلن الطوارق التوصل إلى «اتفاق» يقضي بانسحاب الجنود الروس التابعين لـ«فيلق أفريقيا» من كيدال في الشمال. وشدد رمضان على أن «هدفنا هو انسحاب الروس بشكل دائم من أزواد ومن مالي بأكملها».

إلى ذلك، تبدو باريس عاجزة عن التأثير في تطورات مالي، إذ طلبت من مواطنيها مغادرة البلد الأفريقي المضطرب من دون إبطاء. وتراقب فرنسا عن بعد ما يجري في مستعمرتها السابقة، ومع ذلك فالحكومة الفرنسية ليست مستعدة لإنقاذ النظام الذي أخرجها من مالي رغم الخوف من تمدد التمرد إلى دول في غرب أفريقيا قريبة جداً من فرنسا، مثل السنغال وساحل العاج.


ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
TT

ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)

أفادت جمعية الهلال الأحمر الليبي ومصادر أمنية، الأربعاء، بانتشال ما لا يقل عن 17 جثة ​لمهاجرين وفقدان تسعة آخرين فيما تم إنقاذ سبعة بعد تعطل قاربهم وتقطع السبل بهم وسط البحر لمدة ثمانية أيام.

وذكر الهلال الأحمر في بيان أن المتطوعين، بالتعاون مع القوات البحرية وحرس السواحل التابع للجيش الوطني ‌الليبي، نفذوا عمليات الإنقاذ ‌وانتشال الجثث قبالة ​مدينة ‌طبرق ⁠الساحلية ​الواقعة شرقي البلاد ⁠بالقرب من الحدود المصرية.

وتعد ليبيا نقطة عبور رئيسية للمهاجرين الذين ينحدر الكثير منهم من دول أفريقيا جنوب الصحراء والذين يخاطرون بحياتهم للوصول إلى أوروبا عبر الصحراء والبحر هربا من النزاعات ⁠والفقر.

وقالت المصادر الأمنية إنه من ‌المتوقع أن ‌تقذف الأمواج جثث المفقودين التسعة ​إلى الشاطئ خلال ‌الأيام القليلة القادمة.

ونشر الهلال الأحمر صورا ‌عبر الإنترنت تظهر المتطوعين وهم يضعون الجثث في أكياس بلاستيكية سوداء وينقلونها على متن سيارات «بيك آب».

وفي سياق متصل، أعلن النائب ‌العام، الثلاثاء، أن محكمة جنايات طرابلس أدانت أربعة أفراد من «عصابة ⁠إجرامية» ⁠في مدينة زوارة غربي البلاد تورطوا في تهريب البشر والاختطاف لطلب الفدية والتعذيب، وصدرت بحقهم أحكام بالسجن تصل إلى 22 عاما.

كما أمر مكتب النائب العام يوم الاثنين بالقبض على «تشكيل عصابي» قام بتفويج مهاجرين من مدينة طبرق باتجاه شمال المتوسط على متن قارب متهالك وغير آمن، مما أدى إلى ​غرق القارب ​ووفاة 38 شخصا من الجنسيات السودانية والمصرية والإثيوبية.


حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
TT

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، تتواتر تحذيرات في مصر من زيادة حجم المياه في «سد النهضة» بصورة كبيرة مما قد يتسبب في تكرار سيناريو التدفق العشوائي على دولتي المصب مصر والسودان، كما حدث العام الماضي عند فتح بوابات «السد» دون تنسيق مسبق، ما أدى لفيضانات أحدثت أضراراً بالغة.

وتحدث خبير مائي مصري لـ«الشرق الأوسط» عن أهمية أن تفتح إثيوبيا بوابات السد من الآن قبل بدء موسم الأمطار مطلع مايو (أيار)، وقبل أن تصبح الأمطار غزيرة في يوليو (تموز) ويتجدد معها خطر الفيضانات على دولتي المصب.

وتظهر صور الأقمار الاصطناعية توقف توربينات «سد النهضة» العلوية خلال الأسبوعين الأخيرين بعد تشغيل محدود من قبل، واستمرار توقف التوربينين المنخفضين منذ يونيو (حزيران) الماضي، لتظهر بحيرة «السد» بالحجم نفسه دون تغيير يذكر منذ 10 أبريل (نيسان) الحالي، بنحو 47 مليار متر مكعب عند منسوب 629 متراً فوق سطح البحر، وانخفاض 11 متراً عن أعلى منسوب 640 متراً عند افتتاح السد في 9 سبتمبر (أيلول) الماضي.

ويبدأ موسم الأمطار جغرافياً في حوض النيل الأزرق في الأول من مايو؛ والبحيرة حالياً شبه ممتلئة، في حين أنه من المفترض في حالة التشغيل الجيد أن يكون بها نحو 20 مليار متر مكعب وليس 47 ملياراً، وفق تقديرات أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، عباس شراقي.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن إثيوبيا تسببت خلال أيام في أضرار بدولتي المصب نتيجة «إدارتها غير المنضبطة لسد النهضة» وتدفقات المياه غير المنتظمة التي تم تصريفها دون إخطار أو تنسيق، مؤكداً أن التوصل لاتفاق بشأن الملء والتشغيل هو السبيل الوحيد لتحقيق التوازن بين التنمية الحقيقية لدول المنبع وعدم الإضرار بدولتي المصب.

وأكدت وزارة الري وقتها أنه ثبت بالفعل قيام إثيوبيا بإدارة السد «بطريقة غير منضبطة»، ما تسبب في تصريف كميات كبيرة من المياه بشكل مفاجئ نحو دولتي المصب، وأدى إلى تضرر واضح لهما.

جانب من «سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

وقال شراقي: «هناك مخاوف مشروعة ومتزايدة مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، وتأثير التدفق غير المنتظم لمياه النيل على دولتي المصب، خاصة وقد رأينا حدوث فيضان كبير غير معتاد في نهاية سبتمبر أو أول أكتوبر الماضيين».

وأفاد بأن احتواء بحيرة «سد النهضة» على نحو 47 مليار متر مكعب حالياً يجعل من الضروري إحداث تفريغ لها من الآن لأن هذه كمية كبيرة جداً بالنسبة لهذا الوقت من العام، بحسب قوله.

وأوضح أن موسم الأمطار سيبدأ في الأول من مايو بأمطار خفيفة، وفي ظل امتلاء ثلثي السد تقريباً وتوقف التوربينات، فإن هناك خطورة حقيقية من حدوث تدفقات عشوائية كالعام الماضي.

وأشار إلى حدوث أضرار غير مباشرة في العام الماضي تمثلت في اضطرار مصر لفتح مفيض توشكي لتصريف كميات المياه الزائدة التي وصلت فجأة، ما أدى لضياع تلك المياه في الصحراء دون استفادة حقيقية من أي جانب.

وأضاف: «رغم الأضرار التي وقعت، فإن السد العالي حمى البلاد من الفيضان الذي أغرق مساحات كبيرة من السودان».

وأكد أهمية تحرك الحكومة الإثيوبية بالفتح الفوري لإحدى بوابات المفيض لتفريغ المياه بشكل تدريجي ومنتظم لخفض منسوب البحيرة.

واستطرد: «لو كان هناك اتفاق مع مصر والسودان لحدث تبادل للمعلومات وتفريغ تدريجي يحقق استفادة لجميع الأطراف. هذا لم يحدث حتى الآن، ولا يبدو أن النزاع له حل قريب».

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد في 2024، بعد جولات استمرت لسنوات، وذلك نتيجة لـ«غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات وزارة الري، فيما تؤكد أديس أبابا أن «السد بهدف التنمية وليس الضرر لدول المصب».

ويرى مراقبون أنه لا جديد بشأن نزاع السد بين الدول الثلاث.