لماذا غاب الحراك الأدبي السعودي عن النقد العربي؟

من «الحداثة المترددة» إلى «الملتبسة»

لماذا غاب الحراك الأدبي السعودي عن النقد العربي؟
TT

لماذا غاب الحراك الأدبي السعودي عن النقد العربي؟

لماذا غاب الحراك الأدبي السعودي عن النقد العربي؟

يتناول كتاب «الحداثة الأدبية والنقدية في السعودية: جذورها واتجاهاتها»، للأكاديمي السعودي الدكتور محمد الصفراني، والصادر عن مركز أبو ظبي للغة العربية؛ بالرصد والتحليل جانباً من تاريخ الأدب والنقد في السعودية، يعمل من خلاله المؤلف في تحليل ودراسة الكثير من المؤلفات الأدبية خصوصاً في مجال الشعر، والكثير من المؤلفات النقدية لكتاب سعوديين.

ويتناول الكتاب جانباً من تاريخ الأدب والنقد في السعودية بالرصد والتحليل، ليجيب عن بعض الأسئلة المعرفية المركزية المهمة ومنها: كيف تشكلت الحداثة في الأدب والنقد في السعودية؟ وهل كانت السعودية في منأى عن الفكر التقدمي في الأدب والنقد في مراكز الثقافة العربية منذ بدايات القرن العشرين؟ وما الذي جعل الحراك الأدبي والنقدي الذي جرى في السعودية مبكراً، يغيب عن معظم كتب الأدب العربي الحديث؟

وتتوزع الإجابة عن التساؤلات عبر فصول الكتاب؛ فالفصل الأول بعنوان «ملامح النشأة الأدبية»، تناول أبرز مظاهر الحراك الأدبي في السعودية منذ أقصى عمق تاريخي مثبت. وتناول الفصل الثاني أبرز الفنون الأدبية مثل: الشعر، والمقالة، والقصة القصيرة، والرواية، والسيرة الذاتية، وأبرز المحطات التي تخلقت فيها هذه الفنون وأبرز الأسماء السعودية التي تفاعلت معها إبداعاً ونشراً.

الحداثة المترددة

أما الفصل الثالث، وهو بعنوان «الحداثة المترددة»، فيذكر فيه المؤلف أن الحداثة في السعودية مرت بما يمكن تسميتها «الحداثة المترددة»، وهى التي ظن دعاتها أنهم على وعي بها، وبمتغيرات المرحلة ومتطلباتها، في حين أنهم يعيشون في الماضي فكراً وتصوراً وثقافة، وخير من يمثل الحداثة المترددة عبد القدوس الأنصاري، الذي يعدونه رائد مدرسة تجديدية محافظة، هدفها إحياء التراث العربي القديم، في عصر الازدهار الأدبي، في العصر العباسي الثاني، وقد اجتهد الأنصاري وأنصار هذه المدرسة في نقد الفكر الجامد، واستبدال فكر جديد قائم على التراث الأدبي في الشعر والنثر يه. وحين ندقق في منجز الأنصاري نجده متردداً، لا ينتمي إلى القديم ولا الحديث، يتقدم خطوة ويعود متراجعاً عنها آلاف الخطوات. ثم قدم المؤلف في هذا الفصل دراسة نقدية وافية عن شعر الأنصاري.

وتناول المؤلف في الفصل الرابع «جذور الحداثة»، فيذكر أن الحداثة في السعودية تكاد تنحصر في حقل نقد الشعر تحديداً، فقد نشأت لصيقة بجنس الشعر، ومتجلية في تقنيات كتابته، وهذا جعلها موضوعاً نقدياً وإبداعياً في آن واحد.

وذكر المؤلف أن مرحلة نشأة مفهوم الحداثة في نقد الشعر السعودي بدأت في الفترة ما بين عامي 1920م و1980م، وتبدأ بكتاب «خواطر مصرحة» لمحمد حسن عواد عام 1926م، وتنتهي بكتاب «الشعر الحديث في الحجاز» لعبد الرحيم أبو بكر عام 1977م، وكتب أخرى صدرت في تلك المرحلة. وقد شكلت هذه الكتب وغيرها علامات بارزة على طريق نشأة مفهوم الحداثة في نقد الشعر السعودي.

ثم عرض المؤلف لجذور الحداثة عند محمد حسن عواد، من خلال كتابه «خواطر مصرحة»، وجذور الحداثة عند عبد الله عبد الجبار، من خلال كتابه «التيارات الأدبية الحديثة في قلب الجزيرة العربية»، وجذور الحداثة عند عبد الرحيم أبو بكر، من خلال استعراض كتابه «الشعر الحديث في الحجاز». وخلص المؤلف إلى أنه من خلال استقراء أبرز الكتب النقدية الصادرة في تلك المرحلة، يتضح أن مصطلح الحداثة أشير إليه بمصطلحات متعددة مثل: العصرية، والمعاصرة، والتطوير، والتجديد، والتنوير، والتقدم، والتحديث... لكن المفهوم الذي انطوت عليه هذه المصطلحات لا يبتعد في جوهره كثيراً عن مفهوم الحداثة الشعرية، كما تبلور مستقبلاً.

وفي الفصل الخامس، وهو بعنوان «ترجمان الحداثة»، طرح المؤلف قضية السبق التاريخي في كتابة شعر التفعيلة، التي أغفلت دور محمد حسن عواد في هذه القضية. واستعرض المؤلف حياة العواد وبيئته التي نشأ فيها وعصره، وكيف أثّرت على إنتاجه الأدبي، ثم عرض لرموز السبق في الأدب العربي الحديث في شعر التفعيلة، أمثال محمد فريد أبو حديد وأحمد باكثير، ونازك الملائكة، وبدر شاكر السياب.

ثم تحدث عن السبق التاريخي للعواد في كتابة شعر التفعيلة من خلال قصيدته «خطوة إلى الاتحاد العربي» التي كتبها بين عامي 1916 و1925، وعرض لآراء بعض النقاد التي تؤيد سبق العواد في كتابة شعر التفعيلة، من خلال إثبات السبق نصياً، ومدونة العواد الشعرية، ومرحلة النشر في الصحف، وعرض لبعض نصوص الشاعر العواد من شعر التفعيلة وتاريخ كتابتها ونشرها في الصحف والدواوين وما كُتب عنها من نقد وتحليل.

وفي الفصل السادس، وهو بعنوان «مفهوم الحداثة»، يذكر المؤلف أن الشعر السعودي الحديث خطا خطوات متقدمة في سبيل الحداثة، وأصبح مصطلح الحداثة من المصطلحات الملتبسة في بعض الأذهان نظراً لما رافق نشأته وطرحه من تجاوز المألوف النقدي، وهذا جعل الوسط الأدبي السعودي ينقسم في استقباله إلى فريقين: فريق استقبله بالرفض، وفريق استقبله بالقبول والترويج.

ويشير المؤلف إلى أن نشأة الحداثة في الشعر السعودي استغرقت ستين عاماً تقريباً من المقاربات النقدية النظرية والتطبيقية ليتم طرح المصطلح وبلورة المفهوم، وتبدأ بكتاب «الكتابة خارج الأقواس» لسعيد السريحي عام 1986م، ويبلور السريحي مفهوم الحداثة ويعرِّفها بأنها «صرخة احتجاج من الإنسان ضد كل تنظيم يحاول تعليبه في أطر جاهزة. ويوجد كتاب آخر وهو «الخطيئة والتكفير من البنيوية إلى التشريحية» لعبد الله الغذامي، وفيه يعلن الغذامي أزمة المنهج النقدي في دراسة النص الشعري، ورغبته في تجاوز التقاليد النقدية والأدبية المتوارثة. ونرى أن الكتابين يعلنان تحول النقد في السعودية إلى مرحلة ما بعد الحداثة، وقد حفلت السنوات السابقة لصدور كتاب «الكتابة خارج الأقواس» بتوظيف مناهج النقد الأدبي الحديث التي بدأ توظيفها خارج نطاق الشعر السعودي، من خلال كتاب «شعر أبي تمام بين النقد القديم ورؤية النقد الجديد» لسعيد السريحي.

وعرض المؤلف بشكل مفصل قراءة لكثير من الكتابات الخاصة بنقاد سعوديين عن مصطلح الحداثة، وكذلك أطروحات النقاد العرب في نقد الشعر السعودي، والذين طرحوا فيها مصطلح الحداثة وبلوروا مفهومها.

وفي الفصل السابع، وهو بعنوان «تجليات الحداثة»، قدم المؤلف قراءة تفكيكية حرة لنص «الأوقات» للشاعر محمد الثبيتي، بوصفه نموذجاً لشعر الحداثة في السعودية، وثمرة من ثمارها على المستوى الإبداعي. وقسم قراءته إلى: قراءة أولية، وتفكيك النص. وخلص المؤلف إلى أن الإبداع هو مادة النقد الأدبي، وأن تطور المادة وتقدمها يقضي بالضرورة إلى تطور النقد وتقدمه، وأن الحداثة النقدية في السعودية كانت وما زالت تسير في توازٍ مع الإبداع الذي يعي جوهر العمل الإبداعي الشعري ويصنع الفارق في الوقت نفسه.

وفي الفصل الثامن، وهو بعنوان «الحداثة الملتبسة»، يذكر المؤلف أن الحداثة المترددة التي أسسها عبد القدوس الأنصاري، ظلت تسري في الساحة النقدية السعودية منتجةً ما يمكن تسميتها «الحداثة الملتبسة»، ونعني بها تلكمُ الكتابات النقدية التي تقوم على تدوين انطباع القارئ عن النص، وإصدارها في كتاب تحت مسمى النقد، وأن نقد الشعر السعودي مُني بمجموعة كبيرة من المؤلفات التي تقع في إطار النقد الملتبس بالحداثة، وتعتمد كتاباتها على الانطباع المبنيّ على ذوق الكاتب وتذوقه النصوص الشعرية التي يقاربها، دون البناء على مناهج نقدية معروفة، أو مقولات نظرية ومفاهيم إجرائية.

وينتقل المؤلف إلى الفصل التاسع من هذا الكتاب وهو بعنوان «اتجاهات الحداثة»، والذي تناول فيه اتجاهات الحداثة في نقد الشعر السعودي، ومحاولة التعرف على طرائق إعلان المناهج النقدية وتوجهات النقاد إلى الطرائق والمناهج، وعرض ذلك من خلال عينة بحثية عبارة عن دراسات من مجلة «علامات»، وتشمل إحدى وثلاثين دراسة طُرحت في ملتقى قراءة النص الثاني المنعقد عام 2002م في نادي جدة الأدبي.

وعرض في هذه الدراسة طرائق إعلان النقاد مناهجهم النقدية، لمحاولة الكشف عن المناهج النقدية التي وظَّفها النقاد في دراساتهم، وقياس توجهات النقاد إلى المناهج النقدية. وذكر أن قراءتنا لأي دراسة نقدية لا بد أن تتم في ضوء منهجها النقدي.


مقالات ذات صلة

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

ثقافة وفنون «الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

في المفارقة التي ينطوي عليها عنوان رواية «الأمل مرضي المفضل» للروائي المصري مينا ناجي، يتحدد أحد توتراتها الأساسية

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

صدر أخيراً في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ديوان «مرآتان لوجه واحد» للشاعر العراقي عدنان الصائغ، ضمن إصدارات سلسلة «الإبداع العربي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الولايات المتحدة​ الصحافي الأميركي بوب وودوارد (أ.ب- أرشيفية)

كاشف أسرار واشنطن... بوب وودوارد يزيح الستار عن مصادره السرية

يكشف الصحافي المخضرم بوب وودوارد في مذكراته الجديدة هويات مصادره السرية، وكواليس تحقيقاته عن أسرار واشنطن، ويوجِّه انتقادات إلى جيف بيزوس.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
لمسات الموضة يسلط الكتاب الضوء على عملية الإبداع وما يليها (ديور)

كتاب يستعيد زمناً وفرصة ذهبية في دار «ديور»

يتضمن الكتاب شعوراً عميقاً بالامتنان من شاب أُتيحت له فرصة استثنائية للعمل مع الكبار ثم عاد بعد عقود ليستحضر تلك المبادرة التي غيّرت مسار حياته

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون تكريم مبارك ربيع في أصيلة

الروائي المغربي مبارك ربيع: حضورنا الأدبي في المشرق غير مُرضٍ

يُعدّ الروائي والأكاديمي المغربي مبارك ربيع أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في تأسيس الرواية المغربية الحديثة، ومن الجيل الذي رافق تحولات المجتمع المغربي

ميرزا الخويلدي (أصيلة - المغرب)

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟
TT

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

لم يعد الكتاب الصوتي يقف على هامش عالم النشر، بوصفه نسخة أخرى من كتاب سبق أن اكتملت حياته على الورق. ففي معرض فرانكفورت للكتاب، الذي أقيم بين السابع والحادي عشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2026، احتلّ موقعاً بارزاً، لا بوصفه ابتكاراً في وسائل الإتاحة فحسب، بل بوصفه تجربة ثقافية تعيد طرح أسئلة القراءة نفسها: كيف نتلقّى الأدب حين نسمعه؟ وماذا يضيف صوت الراوي إلى النص؟ وهل تستطيع الحكاية، حين تغادر الصفحة إلى الأذن، أن تبلغ قرّاء لم تكن تصل إليهم من قبل؟

اللافت، أن المعرض منح هذا التحوّل حيّزاً أوسع ضمن «فرانكفورت أوديو»، فجمع بين مركز جديد للقاء الناشرين والمنتجين والمنصّات، ومساحات تتيح للجمهور اكتشاف الأعمال المسموعة والاقتراب من أصحابها. ولم يقتصر البرنامج على مناقشة الأسواق ووسائل الإنتاج؛ بل شمل لقاءات بين الكتّاب والرواة، وفضاءً للاستماع إلى أدب الفانتازيا.

حين يصبح الصوت جزءاً من الكتاب

ليس الكتاب الصوتي نصًّا مطبوعاً أضيف إليه تسجيل فحسب. ففي المسافة بين الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة، ينشأ عمل آخر يشتغل على المعنى: نبرة تكشف التردّد، ووقفة تمنح الصمت ثقله، وإيقاع يقرّب الشخصيات أو يباعد بينها. لا يكتب الراوي الحكاية من جديد، لكنه يقترح سبيلاً إلى سماعها، ويصبح أداؤه ضرباً من التأويل؛ فقد يلتقط المستمع في جملة مألوفة سخرية خفيّة أو حزناً لم ينتبه إليه على الصفحة.

وتزداد هذه العلاقة خصوصية حين يقرأ الكاتب سيرته بنفسه. ففي النسخة المسموعة من «وأصبحت» لميشيل أوباما، التي أدّتها بصوتها، يغدو الاستماع لقاءً بين رواية الحياة والصوت الذي يستعيدها. وكانت دار «بنغوين راندوم هاوس» قد وصفت النسخة المسموعة من مذكراتها بأنها الأسرع مبيعاً بين كتبها الصوتية آنذاك.

أما الأعمال الروائية التي ارتبط بها القرّاء طويلاً، فتفتح النسخة المسموعة باباً آخر للعودة إليها. ومن الأمثلة الدالّة اهتمام «فرانكفورت» بعالم «هاري بوتر»؛ إذ تضمّن برنامجه لقاءً مع الأصوات التي أدّت الكتب بالألمانية. هنا لا يأتي الجمهور لاكتشاف الحكاية وحدها، بل للتعرّف إلى من منح شخصياتها حضورها المسموع؛ كأنّ للرواية ذاكرة صوتية تضاف إلى ذاكرتها المكتوبة.

على أن خصوصية هذه التجربة لا تجعل الاستماع أعلى منزلة من القراءة البصرية أو أدنى منها. فقارئ الورق يضبط سرعته، ويتوقّف عند عبارة، ويعود بعينه إلى صفحة سابقة، في حين يختبر المستمع زمناً يصوغه الأداء، وإن استطاع إيقافه أو استعادته. إنهما علاقتان مختلفتان بالنص، ليست امتحاناً لإثبات أفضلية أحدهما على الآخر. وتكمن جاذبية الكتاب الصوتي أيضاً في أنه يوسّع الأوقات التي يمكن للأدب أن يجد فيها مكاناً: في الطريق، وأثناء المشي، وبين الأعمال اليومية.

جمهور يتّسع... ومبيعات يصعب حصرها

تقدّم فرنسا صورة دالّة على اتّساع هذه الصلة. فحسب بارومتر «صوفيا» والنقابة الوطنية للنشر وجمعية أهل الأدب لاستخدامات الكتاب الرقمي والكتاب الصوتي، الذي أنجزه معهد «ميديامتري» ونُشر في 2026، استمع نحو 10.1 مليون شخص، أي 17 في المائة من السكان بين 6 و80 عاماً، إلى كتاب صوتي رقمي خلال الاثني عشر شهراً الماضية. وتكشف الدراسة أيضاً عن أن جمهور هذا النوع من الكتب أصغر سنًّا، في المتوسط، من جمهور الكتاب المطبوع. والأهم ثقافيًّا ليس الرقم وحده، بل ما يفتحه من سؤال: هل يصبح الصوت مدخلاً إلى الأدب لدى فئات لا تجعل القراءة الورقية عادة ثابتة؟

رأت لور ساجيه، المديرة العامة لدار «أوديوليب»، في اتّساع العرض فرصة لتجديد الجمهور. وقالت لصحيفة «لوموند»، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إن هذا التطوّر «سيجعل جمهور الكتاب الصوتي أصغر سنًّا، ويوسّع انتشاره». وربطت ذلك بإمكان تجربة مؤلّفين وأجناس مختلفة، بدلاً من حصر الاختيار منذ البداية في عنوان واحد. بهذا المعنى، قد تقود عتبة الاستماع السهلة إلى مغامرة أدبية: قصّة قصيرة لم يكن المتلقّي ليشتريها منفردة، أو كتاب للأطفال، أو كاتب يلتقيه للمرة الأولى.

غير أن عدد المستمعين لا يساوي عدد المشترين، ولا يكفي وحده لقياس مكانة الكتاب الصوتي في اقتصاد النشر. ففي مقالها «سبوتيفاي يربك عالم الكتاب الصوتي» المنشور في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أوضحت «لوموند» أن السوق الفرنسية لا تُقاس بدقّة، بسبب امتناع منصّات رئيسية عن نشر بياناتها، وقدّرتها آنذاك بنحو اثنين في المائة من قطاع النشر. وفي المقابل، تُظهر بيانات جمعية ناشري الكتب الصوتية الأميركية استمرار نموّ الإيرادات في الولايات المتحدة خلال 2025؛ إذ ارتفعت 9 في المائة لتبلغ 2.43 مليار دولار، بما يؤكّد أن الكتاب الصوتي لم يعد تجربة عابرة في أسواق النشر الكبرى. لكنّ نجاحه الثقافي يظلّ أوسع من حصيلته التجارية.

مَن يتحكّم في بوابة الاستماع؟

خلف الألفة التي يصنعها صوت الراوي، تقف وساطة أخرى أقلّ ظهوراً: المنصّة التي يكتشف عبرها المستمع كتابه. في فرنسا، رسّخت «أوديبل»، التابعة لـ«أمازون»، موقعاً مهيمناً في هذا المجال. وقدّرت صحيفة «لو فيغارو»، في مقالها «سبوتيفاي يستثمر مليون يورو لإنتاج كتب صوتية في أوروبا»، المنشور في 11 أبريل (نيسان) 2025، حصّتها آنذاك بنحو ثلثي السوق الفرنسية. وتناول المقال نفسه استثماراً أعلنت عنه «سبوتيفاي» لدعم الإنتاج في أسواق من بينها فرنسا وهولندا. وفي حديثها إلى «لوموند»، وصفت لور ساجيه عرضَي «أوديبل» و«سبوتيفاي» بأنهما «عرضان متكاملان»، يتيحان بيع كتب مختلفة. وأوضحت أن الاضطرار إلى مفاضلة حاسمة قد يدفع إلى اختيار الكتب الأشهر أو الأطول، في حين يشجّع إمكان التجربة على التنقّل بين مؤلّفين وأجناس أدبية قبل الاستقرار على عمل بعينه.

الناشرون بين توسيع الجمهور وحماية القيمة

لا يقف الناشرون خارج هذا التحوّل؛ فهم من يصنع مادّته الأدبية ويختار الأصوات التي تحملها. وفي فرنسا، تعمل دور متخصّصة، من بينها «أوديوليب» المرتبطة بهاشيت وألبان ميشيل، و«ليزي» التابعة لإديتيس، إلى جانب نشاط مجموعة «مادريغال»، على توسيع حضور الكتاب الصوتي. وقد ربط مسؤولو هذه الجهات وصول منصّات جديدة بإمكان تنويع الجمهور وإعادة تحريك أعمال من رصيدهم المنشور، لا بالاكتفاء بمرافقة الإصدارات الحديثة.

وفي هذا السياق، قال إريك ماربو، مدير المبيعات الرقمية في مجموعة «مادريغال»، لصحيفة «لوموند» إن العرض الجديد يتيح «استقطاب مستمعين عرضيّين جدد»، ولاحظ «تنوّعاً جميلاً في الأعمال المستمع إليها»، مرحّباً خصوصاً بالتفات الجمهور إلى عناوين أقدم في فهارس المجموعة. وهذه نقطة جوهرية في الرهان الثقافي: أن يمنح الصوت الكتاب حياة إضافية، وأن يعيده إلى التداول بعدما يكون قد ابتعد عن واجهات المكتبات.

وقد أعادت الكتب الصوتية إلى بعض روائع الأدب الكلاسيكي قرّاءً جدداً؛ فاستعادت «البؤساء» لفيكتور هوغو و«الكونت دي مونت كريستو» لألكسندر دوما حضورها بين المستمعين، كما سهّلت التسجيلات الصوتية الاقتراب من «البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست. وشهدت «كبرياء وهوى» لجين أوستن ارتفاعاً ملحوظاً في الاستماع، بما يثبت أن الصوت قادر على إحياء النصوص القديمة وإعادة الشباب إليها.

وبعيداً عن التفاؤل التجاري الذي يحمله هذا القول، فإن جمهور الكتاب الصوتي ليس كتلة واحدة؛ فتعدّد منافذ الوصول يمكن أن يتيح طرائق متباينة للقاء الأدب، بشرط أن يصاحبه تعدّد حقيقي في الأعمال المعروضة. ومن هنا يتّصل السؤال الثقافي بالتجاري: كيف تصل رواية أقلّ شهرة إلى الأذن التي قد تحبّها؟ وما الذي يضمن بقاء مكان للقصّة القصيرة، وللأعمال التي تحتاج إلى إصغاء صبور، حين يصبح الإقبال معياراً حاسماً في الاختيار؟ إن زيادة المعروض فرصة، لكنها لا تكفي وحدها لصون التنوّع. فليست قيمة الكتاب في قدرته على جمع ساعات الاستماع فحسب، بل في التجربة التي يتركها، ولو لدى جمهور محدود.


«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي
TT

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

يوثِّق كتاب «كتابة المذبحة... أشكال تناول صبرا وشاتيلا»، الصادر عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، للباحثة سمية ممدوح الشامي، الكثير من وقائعها، كما يأتي مواكباً للذكرى الرابعة والأربعين لحدث اختلط فيه السياسي بالإنساني بالثقافي، وتعددت بشأنه السرديات والشهادات، لكن المؤكد أنه يظل وصمة عار على جبين كل حر، حتى لو لم يعاصر وقائع إبادة المخيمين اللذين كانا يضمان لاجئين فلسطينيين في بيروت بين يومي 16 و18 سبتمبر (أيلول) 1982.

وحسب تقارير الأمم المتحدة، دخل مسلحون من «القوات اللبنانية»، الجناح العسكري لـ«حزب الكتائب»، إلى صبرا وشاتيلا، واستمرت عمليات القتل الجماعي نحو 43 ساعة لتخلف أعداداً غير مسبوقة من الضحايا، بينهم جثامين أطفال ونساء، لكن الكتاب الذي كان في الأصل آخر رسالة علمية بالإنجليزية ناقشتها الكاتبة والأكاديمية الراحلة رضوى عاشور قبل أسابيع من رحيلها في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، يعيد تفكيك سردية المذبحة من منظور ثقافي ليرصد تجلياتها في التحليل الغربي والرواية العربية، على حد سواء.

يتوقف الكتاب، الذي ترجمته نسمة محمد دياب وياسمين أسامة الشيمي وراجعه عمرو زكريا عبد الله، بشكل خاص، عند تجارب ثلاثة مثقفين غربيين اختاروا أن ينظروا إلى المأساة الفلسطينية من خارج القوالب الجاهزة، وأن يستندوا إلى ما شاهدوه وقرأوه وعايشوه، بدلاً من الاكتفاء بإعادة إنتاج الخطاب الإعلامي السائد آنذاك.

على رأس هؤلاء يأتي الكاتب الفرنسي جان جينيه، لا سيما مقاله «أربع ساعات في شاتيلا» الذي يصف فيه، بلغة مشحونة بالألم، تفاصيل الصدمة التي خلفتها المشاهد التي رآها، كما توقف مطولاً عند إشكالية اللغة التي استخدمها الخطاب السياسي في وصف الفلسطينيين، وكيف يمكن لكلمة أو توصيف مختزل أن يحجب إنسانية الضحية ويطمس هويتها، كما ذهب إلى أن الواقعة تحولت من منظوره إلى مواجهة أوسع مع الاستبداد، بعد أن بات «يشتم رائحة الموت تنبعث من جسده»، وفق تعبيره.

وفيما يتعلق بالصحافي البريطاني روبرت فيسك، فقد اقترب من مأساة المخيم بأدوات التحقيق الصحافي الميداني، إذ توجه إلى المكان وعاين آثار المذبحة وطرح أسئلة مباشرة حول الروايات التي قُدمت لتفسير ما حدث، ومن بين ما لفت انتباهه الطريقة التي جرى بها استخدام اللغة، مثل استبدال تعبير فضفاض هو «أحداث» بكلمة «مذبحة»، أو حذف كلمة «فلسطيني» من بعض الصياغات، بما يسهم في طمس حقيقة ما جرى.

أما المفكر الأميركي نعوم تشومسكي، فيركز على الروايات الرسمية والحجج التي قُدمت حول المذبحة، محاولاً تفكيك ما اعتبره «تناقضات داخل بنيتها»، عبر أدوات التحليل والسخرية للكشف عن الفجوات بين ما قيل وما حدث على الأرض. كما توقف كذلك عند الطريقة التي يمكن أن يتحول بها الجدل السياسي إلى وسيلة لإغلاق النقاش، من خلال وضع «منتقدي الصهيونية» تلقائياً في مواجهة اتهامات بـ«معاداة السامية»، بما يصرف الانتباه عن مناقشة الظروف السياسية التي أحاطت بالمذبحة، على حد تعبيره.

في المقابل، تتوقف الباحثة عند ثلاث روايات عربية، هي: «الحب في المنفى» لبهاء طاهر، و«الطنطورية» لرضوى عاشور، و«باب الشمس» لإلياس خوري، إذ تتناول تلك النصوص المأساة من زوايا مختلفة، وتقدم سردية أدبية إبداعية لما حدث بالفعل، من خلال منظور فني يستند إلى سردية الواقع.

تضع «الحب في المنفى» الواقعة في سياق إنساني يتجاوز حدود فلسطين ولبنان، فالرواية تربط بين ما يواجهه المعارضون في العالم العربي وبين مآسٍ شهدتها شعوب أخرى، من تشيلي وغينيا إلى إسبانيا، لتصبح «صبرا وشاتيلا» واحدة من صور القمع التي يتعرض لها الإنسان عندما يتم إخضاع الآخرين وسلب حقوقهم بالقهر. وتقدم «الطنطورية» معالجة مختلفة، إذ تمتد أحداث الرواية زمنياً من نكبة 1948 إلى تحرير الجنوب اللبناني عام 2000، عبر حكايات الشخصيات وذكرياتها وما عاشته من تهجير وفقد، عبر سردية تمتزج فيها التفاصيل التاريخية مع جوانب من الحياة اليومية والتراث الشعبي الفلسطيني، مما يمنح الأحداث بعداً إنسانياً لافتاً. وتعيد «باب الشمس» بناء جانب واسع من تاريخ النكبة من خلال قصص الفلسطينيين وذاكرتهم، مثل سقوط قرى: عين الزيتون والبروة والشعب خلال عام 1948، فالكاتب هنا لا يتوقف فقط عند الأحداث الكبرى المحفورة في الوجدان العام، إنما يهتم أيضاً بالتفاصيل الصغيرة التي حفظها أصحابها، من أسماء الأماكن إلى حكايات العائلات وتجارب النزوح.


الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني
TT

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

تحت عنوان «الصراع حول أفريقيا»، صدر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة الجزء الأول من كتاب «يوميات ويلفريد بلنت - سردية شخصية للأحداث من 1888 حتى 1914»، من تأليف الرحالة والشاعر والدبلوماسي البريطاني ويلفريد سكاون بلنت، ترجمة أسامة الغزولي.

يعد الكتاب سجلاً تاريخياً واجتماعياً يلتقي فيه الخاص بالعام، والسفر بالتأمل السياسي، عبر مفارقة نادرة لرجل انحاز للشرق وتعاطف معه ضد سياسات بلاده الاستعمارية، كما يكتسب أهمية خاصة للقارئ العربي لأنه يقدم شهادة شخصية مباشرة على مرحلة شديدة الاضطراب من تاريخ المنطقة، تمتد في الأصل إلى الفترة من 1888 إلى 1914.

عاش بلنت في الفترة من 1840 حتى 1922، وعمل في السلك الدبلوماسي البريطاني بين عامي 1858 و1869، ثم اتجه لاحقاً إلى السفر والكتابة، وارتبط اهتمامه بالشرق بعلاقته بزوجته الليدي آن بلنت، حفيدة الشاعر الإنجليزي لورد بايرون، إذ جاب الزوجان مناطق واسعة من الشرق الأوسط، وأسسا لاحقاً مزرعة لتربية الخيول العربية.

ورغم ذلك، لم يكن اهتمامه بالشرق مجرد شغف بالرحلات أو بالحياة البدوية، فقد تطور تدريجياً إلى موقف سياسي ناقد للإمبريالية البريطانية، بالتزامن مع موقف أقرب إلى الانبهار بالثقافة العربية.

وتكمن قيمة الكتاب في أن مؤلفه لم يكن مؤرخاً يكتب بعد عقود من وقوع الأحداث، وإنما رجل تحرك داخل دوائر سياسية واجتماعية متعددة، وشاهد شخصيات وأحداثاً وصراعات كانت لا تزال في طور التشكل، ولذلك تبدو اليوميات أقرب إلى كاميرا تتحرك بين لندن والقاهرة ومناطق الشرق، فتسجل الانطباعات والمحادثات والأخبار والقرارات، ثم تربطها بسياق سياسي أكبر.

ينتقل المؤلف إلى تونس وليبيا، في خطوة من شأنها توسيع زاوية النظر من مصر إلى شمال أفريقيا في الوقت الذي كانت فيه القوى الأوروبية تتنافس على المنطقة، كما أولى شبه الجزيرة العربية اهتماماً خاصاً، في إطاراهتمامه بالخيول العربية والمجتمعات البدوية، إذ انتقد النظرة الغربية المنحازة سلفاً ضد المجتمعات المحلية.

يتسع المشهد ليشمل السودان أيضاً، من خلال فصل «أم درمان وفاشودة»، حيث تدخل اليوميات في قلب التنافس البريطاني الفرنسي في أفريقيا، ضمن محطات التوتر بين القوتين في نهاية القرن التاسع عشر، مع تحول موقف المؤلف من «الاستشراق الرومانسي» في شبابه إلى بلورة موقف نقدي أكثر تماسكاً للسياسة الاستعمارية.

ولأنه شاعر في الأساس، لا يمكن فصل الحس الأدبي عن طريقة كتابة اليوميات لدى ويلفريد بلنت فحتى عندما يتناول الشأن السياسي المباشر لا يكتفي بتسجيل أسماء المسؤولين أو القرارات، إنما يهتم بالشخصيات وطباعها وعلاقاتها بما وراء التصريحات الرسمية، عبر لغة تجمع بين الصورة الأدبية ودقة المؤرخ والحس التوثيقي.

على هذه الخلفية، يصعب التعامل مع الكتاب بوصفه وثيقة محايدة فيما يتعلق بتناول الشأن المصري تحديداً، فالمؤلف نفسه شخصية سياسية ذات مواقف واضحة، فقد عاش خصماً للسياسة الإمبراطورية البريطانية، ومناصراً لثورة الزعيم الوطني أحمد عرابي، وهو ما يعني أن اختياراته لما يسجله وطريقته في وصف الشخصيات والأحداث تأثرت برؤيته الفكرية كناقد للإمبريالية ومتعاطف مع الحركة الوطنية المصرية.

من هنا تكتسب المواجهة بين بلنت واللورد كرومر، المندوب السامي البريطاني في القاهرة، أهمية خاصة لأنها تكاد تكون مواجهة بين رؤيتين متناقضتين لمصر بعيون إنجليزية، فالثاني يمثل الإدارة الاستعمارية ويدافع عن تجربتها في مستعمرات الشرق، بينما كان بلنت يرى أن الوجود البريطاني تحول إلى سيطرة سياسية تتعارض مع حق المصريين في تقرير مستقبلهم.

اللافت أن هذه اليوميات تجعل التاريخ أقل تجريداً وحيادية كما تمنحه بعداً شخصياً ملموساً، فبدلاً من أن نقرأ الاحتلال البريطاني للبلدان العربية في صورة تواريخ ومعاهدات وأسماء حكام، نراه من خلال رجل يتحرك بين لندن والشرق، ويتابع العلاقات بين القوى السياسية، ويراقب المجتمع والناس، ويكتب عن صراع الإمبراطوريات وهي تتوسع، على نحو يثبت أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري، وإنما شبكة من النفوذ المالي والإداري والسياسي والثقافي.