ثلاثة أفلام من «كان» السادس والسبعين

غموض الدوافع والوقوف عند الذاكرة

مشهد من «وحش» (كان)
مشهد من «وحش» (كان)
TT

ثلاثة أفلام من «كان» السادس والسبعين

مشهد من «وحش» (كان)
مشهد من «وحش» (كان)

تطالعنا في صباح كل يوم قوائم أفلام جديدة تُضمّ إلى قوائم الأيام السابقة. يفحص الناقد ما سيختاره منها ثم يُشاهدها والفاصل بين الاختيار والمشاهدة مسألة حظ. قد يأتي الفيلم بما يحمل المُشاهد فوق الريح معجباً أو يتركه منطوياً أو متسائلاً.

بالأمس، على سبيل المثال، هرعت أفواج الحاضرين لالتقاط رحيق الفيلم الجديد للمخرج الياباني هيروكازو كوري - إيدا «وحش» (Monster) المعروض داخل المسابقة: دراما في ساعتين و6 دقائق تتحاشى الإجادة المطلقة وتنجح في ذلك. لكن الجمهور صمد ولم يسجل خروج سوى اثنين. في اليوم التالي، كتب من كتب ملاحظاته وشبه الإجماع هو أن الفيلم جيد بسبب غموضه لكنه لا يصل إلى مستوى ما حققه المخرج قبل أعوام قليلة تحت اسم Shoplifters وحاز عليه جائزة مهرجان كان سنة 2018.

«وحش» هو أول فيلم لكوري - إيدا يحققه في اليابان بعد خمس سنوات من العمل في إطار السينما الكورية.

الوحش في الفيلم ليس رجلاً يبعث الخوف بأفعاله الوحشية، كما قد يوحي العنوان. على العكس قد يكون ذلك الولد الذي تتمحور حوله العديد من المشاهد سواء في حضوره أو غيابه. الفيلم في ثلاثة فصول: فصل عن أم الولد، التي تبحث عن جواب في المدرسة بعدما وجّه إليه الأستاذ كلمة تحقير (قال له «لديك دماغ خنزير») وعاقبه بالضرب أيضاً. بعد استيفاء الموقف من وجهة نظر الأم، ننتقل إلى الحدث من وجهة نظر المعلّم، ثم، وفي الفصل الثالث يعرض الفيلم وجهة نظر الولد، أو لنسمّها الأحداث، كما يعتقد الفيلم أنها وقعت للولد أو بفعله بحيث يمكن اعتبارها وجهة نظر.

مثلما فعل أكيرا كوروساوا في فيلمه الشهير «راشامون» (1950) هي القصة ذاتها من خلال التطرّق لها من أكثر من جانب. على عكس ذلك الفيلم النص يغلب الصورة في أكثر من مناسبة والتوجّه للبحث عن الواقع (وليس عن الحقيقة بالضرورة) يسود فوق العناية بالمعالجة فنياً. هذا يعني أن السرد يُثير الاهتمام بسبب مضمونه أكثر مما يُثير الاهتمام بالكيفية التي عالج فيها المخرج تلك الحكاية من ثلاثة جوانب.

يفتح الفيلم على نار تلتهم النصف الأعلى من بناية تقع في بلدة ناغانو المشرفة على ساحل بحيرة كبيرة. النار ترمز إلى الوحش بدورها. لا يبحث الفيلم مطلقاً في الفاعل (رغم اشتعال النار في عمارتين لاحقتين)، ولا يتم الحديث عنها كثيراً بين الشخصيات. في المقابل، هناك تصوير بديع للماء. للبحيرة أولاً ثم للمطر والعواصف العاتية التي تهاجم البلدة من دون رحمة. شلال من السماء يهطل فوق الجميع بلا هوادة. العاصفة بدورها قد تكون الوحش المعني. المشكلة هي أن هذا البعد لا يعرف الوضوح، مما يعزز احتمال أن يكون الوحش ذلك الصبي الذي تعرّض لاعتداءات لفظية أثّرت على رغبته في أن يكون مقبولاً لدى الآخرين وعدائياً صوبهم.

لذلك يبقى السؤال الكبير واحداً: عمّن يكون هذا الوحش مع افتراض كبير بأن المقصود هو ذلك التصرّف الداكن، الذي يعيش داخل الإنسان ذاته. التيمة جديدة كقصّة لكنها ترتاح أكثر مما يجب بين فقراتها وعدم سردها على خط واحد يبعث السأم والاهتمام على نحو متوازن.

عطلة وذاكرة

العائلة الأفريقية في «العودة» (كان)

دراما أخرى في مسابقة المهرجان نجدها في Homecoming. لكاثرين كورسيني. فيلم عن عطلة لعائلة أفريقية متمثلة في الأم خديجة (عيشاتو ديالو سغنا)، التي تتسلم مهام رعاية أولاد عائلة (بيضاء) تسكن جزيرة كورسيكا خلال غياب الزوجين عن البيت. إنها فرصة لخديجة لكي تقضي مع ابنتيها ما يشبه العطلة في تلك الجزيرة، إنها الزيارة الثانية لها، إذ يبدأ الفيلم بمشهد يقع زمنياً قبل خمس عشرة سنة عندما هربت خديجة من كورسيكا بابنتيها اللتين كانتا طفلين صغيرين آنذاك.

يكشف الفيلم لاحقاً عن سبب الحدث الذي دفع العائلة للهرب من الجزيرة، فقد توفي زوج خديجة (ووالد الفتاتين) في حادثة لا يود الفيلم الكشف عنها سريعاً. لكن لا تود المخرجة كورسيني تحويل حكايتها إلى بحث تشويقي. ترضى بعدم تعريض الفيلم لحكاية متسعة زمنياً لأكثر من مناسبة محدودة. تجد غايتها في الإحاطة الرومانسية بين الشخصيات والمكان وبين الشقيقتين المراهقتين وملامح الحب الأول لكل منهما.

هناك نوع يرتاح إليه الجمهور الفرنسي، ويطلبه كثيرون من المخرجين الفرنسيين وهو نوع أفلام العطلة. تبدو جذّابة. طبيعية. هادئة لكنها لاحقاً ما تحتوي على عواصف عاطفية ونفسية مرهقة. في هذا الصدد، لا يختلف «العودة» عن سواه من الأفلام، ولا حتى في نواحٍ أخرى باتت تقليداً متوقعاً. قصتا الحب اللتان نراهما خلال هذا الفيلم لا تختلفان إلا قليلاً عن حبكات بعض أفلام الراحل إريك رومير، لكن الجديد فيها أنها تقع على خلفية لون البشرة السمراء. بالتالي يتابع المُشاهد مفارقات اعتاد عليها إذا ما كان شاهد أعمالاً مماثلة من قبل. هناك لمسات رقيقة إضافية لكنها لا تكفي لصنع فيلم جيد.

ذكريات مدينة باردة

خارج المسابقة عرض المخرج البريطاني ستيف ماكوين فيلمه الجديد «مدينة مُحتلّة» (Occupied City). سبق لهذا المخرج أن قدّم أعمالاً روائية مثيرة للاهتمام مثل «عيب» (Shame) و«جوع» (Hunger) وفيلمه الفائز بالأوسكار «12 سنة عبداً» (‪12 Years a Slave‬).

لكن يؤثر هنا الانتقال إلى صرح السينما غير الروائية في فيلم من أربع ساعات يؤرخ فيه لمدينة أمستردام التي احتلها الألمان، خلال الحرب العالمية الثانية، لخمس سنوات متعاقبة.

يستقي المخرج معلوماته من كتاب وضعته زوجته الهولندية (وإحدى منتجي هذا الفيلم) بيانكا ستيغتر تحت عنوان «أطلس لمدينة محتلة، أمستردام». كانت ستيغتر أخرجت فيلماً بعنوان «ثلاث دقائق: تطويل» (Three Minutes‪:‬ A Lengthening) والرابط بين الفيلمين هو طرح مسألة الهولوكوست من زاويتين متشابهين. المختلف هو أن فيلمها اكتفى بـ58 دقيقة بينما شهد «مدينة محتلة» ذلك «التطويل» الوارد في عنوان فيلم زوجته.

أربع ساعات عن موضوع واحد لا يتغير ولا يشهد اندماج المخرج فيما يعرضه ولا الكثير من الرغبة في تتويجه بأسلوب معيّن سوى تصوير العديد من المواقع التي تم فيها تجميع نحو 60 ألف يهودي لنقلهم إلى حيث يتم إعدامهم.

طريقة صنع هذا الفيلم لا تخلو من التحدي: هو فيلم كبير الحجم أراده المخرج ماكوين نوعاً من الرثاء يشبه ذلك الذي حققه في «12 سنة عبداً» الذي تناول فيه - درامياً - سنوات الرق والعبودية التي عاشها السود في الولايات المتحدة قبل الحرب الأهلية. كذلك من التحدي بمكان كبير ألا يستعين المخرج بوثائق أرشيفية. كذلك يستغني عن المقابلات (وهي بعض أسس معظم أفلام الهولوكوست) وعن التعليق الصوتي لشهود عيان أو ناجين (عنصر رئيسي آخر في مثل هذه الأفلام).

هذا التحدي (مصحوباً بالتصوير في نحو 130 موقعاً)، بينها تلك التي كان يتم تجميع اليهود وشحنهم منها، سبب في أن الفيلم يأتي أطول بكثير مما كان يمكن له أن يسرده في ساعة ونصف أو ساعتين. حتى ولو اعتبرنا أن الساعات الأربع ملائمة لموضوع تاريخي كهذا (عرض التسجيلي كلود لانزمان فيلمه «شواه»، Shoah في تسع ساعات و40 دقيقة سنة 1985 بطيئة ومملّة لكنها كاشفة) فإن خلوّ فيلم ماكوين من موقف المخرج حيال التاريخ (سلباً أو إيجاباً) يجعل الفيلم عبارة عن سلسلة من المشاهد الطويلة التي تكرر مفاداتها على نحو مستمر ولا تمنح جديداً فعلياً تضيفه لما سبق للعديد من الأفلام (روائية ووثائقية) تحدثت فيه.

ينتقل المخرج بين سنوات الاحتلال وسنوات الحاضر ليسجل كيف أصبحت بعض أماكن الاعتقال مقاصد سياحية تؤمها عائلات للتزلج واللهو. المهم هو أن هذا التنويع والانتقال بين فترات مختلفة لا يعفي الفيلم من برودة أوصال، ولا يضيف قيمة تذكر بل يعكس ترهل الفيلم على موضوع كان يمكن أن يكون أكثر فعلاً لو تخلى مخرجه عن رغبته في إخراج ملحمة لم تتحقق.


مقالات ذات صلة

كيف يؤثر «الإغلاق المبكر» على صناعة السينما في مصر؟

يوميات الشرق لقطة لأبطال فيلم «برشامة» الذي تصدر إيرادات الأفلام قبل قرارات الإغلاق وخلالها (الشركة المنتجة)

كيف يؤثر «الإغلاق المبكر» على صناعة السينما في مصر؟

منع التصوير ليلاً ستكون له تداعيات سلبية على صناعة السينما، وقد يؤدي إلى توقُّف مشروعات عدّة، وعدم خروج بعض الأفلام إلى النور.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق فيلم الافتتاح «قبلة كهربائية» (ملف «كان»)

مهرجان «كان» يكشف عن دورته الجديدة ويؤكد: السينما للبشر لا للذكاء الاصطناعي

لن يسمح مهرجان «كان» للذكاء الاصطناعي بأن يفرض قوانينه على السينما

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق من كواليس تصوير الفيلم (حساب المخرج على «فيسبوك»)

«إشعار بالموت»... بطولة سينمائية أولى وأخيرة لبهاء الخطيب

يسجل الفيلم السينمائي المصري «إشعار بالموت» البطولة الأولى والأخيرة لبطله الممثل الشاب بهاء الخطيب الذي تُوفي في أغسطس الماضي.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق الأميرة نورة بنت تركي الفيصل تتوسط الفائزين في المهرجان وضيوف الشرف ولجنة التحكيم (الشرق الأوسط)

«مهرجان عفت السينمائي» يُوسِّع التبادل الثقافي بـ2700 فيلم عالمي

مثَّل ختام الدورة الثالثة عشرة من «مهرجان عفت السينمائي الدولي لأفلام الطلاب» بمحافظة جدة تجسيداً حياً لمسار ثقافي تتشكل ملامحه في السعودية.

أسماء الغابري (جدة)
سينما السينما توقَّعت الذكاء الاصطناعي منذ عقود

السينما توقَّعت الذكاء الاصطناعي منذ عقود

ليس هناك فرق يُذكر بين أن يخترع العالِم فرانكنستين وحشاً بأدوات بدائية، وبين أي روبوت أو أندرويد أو آلة ذكاء اصطناعي من تلك التي تحوّلت إلى واحدة من حقائق العصر

محمد رُضا (لندن)

السينما توقَّعت الذكاء الاصطناعي منذ عقود

«إمبراطورية الشمس» الحكاية نفسها (وورنر برذرز)
«إمبراطورية الشمس» الحكاية نفسها (وورنر برذرز)
TT

السينما توقَّعت الذكاء الاصطناعي منذ عقود

«إمبراطورية الشمس» الحكاية نفسها (وورنر برذرز)
«إمبراطورية الشمس» الحكاية نفسها (وورنر برذرز)

ليس هناك فرق يُذكر بين أن يخترع العالِم فرانكنستين وحشاً بأدوات بدائية (مثل إيصال الجسد الميت بالكهرباء التي توفِّرها الصواعق)، وبين أي روبوت أو أندرويد أو آلة ذكاء اصطناعي من تلك التي تحوّلت إلى واحدة من حقائق العصر.

في كل الحالات، لا تعدو المسألة أكثر من صنع كيان بشري أو حاسوبي أو رقمي، يكون أقوى، بدنياً أو ككيان معلوماتي، ثم إطلاقه في مواجهة قدرات الإنسان العادية. الرغبة في التفوّق، ولو عبر ابتكار هذا «الآخر»، تدفع العلماء إلى إنجاز ذي وجهة واحدة: شيء يمارس الحياة من دون أن يكون حياً بالفعل، ويتفوَّق على الإنسان قوةً أو ذكاءً.

الروبوت في السينما ليس وليد تطوُّر علمي فحسب، بل هو نبوءة أيضاً. فقد قدَّمت الأربعينات عدداً كبيراً من أفلام الخيال العلمي حول مصنوعات آلية لديها القدرة على الحركة. ثم تطوَّر مفهومها نحو قبولها شريكاً مؤيِّداً للإنسان، كما في سلسلة «ستار وورز»، بفضل شخصية الروبوت الذكي والظريف «C-3PO».

هالي جويل أوزمنت في «ذكاء إصطناعي» (وورنر برذرز)

فكرة قديمة

عندما أخرج ستيڤن سبيلبرغ فيلمه الجدير بالاحتفاء «ذكاء اصطناعي» (A.I.: Artificial Intelligence) 2001، بدا كما لو كان أول فيلم يتحدَّث عن روبوت مُحمَّل بالذكاء والمشاعر. لكن هذا ليس صحيحاً تماماً، إلا من حيث كونه من أوائل الأفلام التي تتناول شخصية روبوت على امتداد الأحداث.

وضع هذا الفيلم في سياقه التاريخي الصحيح يكشف أنه واحد من أفلام عدِّة ظهر فيها روبوت أو مخلوقات مصنوعة. والحقيقة أن الفارق بين رواية ماري شيلي «فرانكنستين» (1818)، وبين الصبي ديڤيد في «ذكاء اصطناعي» (كما أدّاه هايلي جويل أوزمنت) يقوم على الفكرة نفسها؛ الاختلاف قصصي، لكن المنبع واحد، وكذلك الدلالات.

كان المخرج ستانلي كوبريك قد قرأ رواية برايان ألديس القصيرة «Supertoys Last All Summer Long» المنشورة سنة 1969، وضمَّها إلى مشروعاته التي كان ينوي تحقيقها، قبل أن يهبها لسبيلبرغ. وباعتراف الأخير، في مقابلة أجريتها معه عام 2001، (واحدة من 5 مقابلات بدأت عام 2000)، ذكر أن نحو نصف الساعة الأولى من الفيلم (الذي تبلغ مدته 146 دقيقة) مأخوذ من السيناريو الذي أوصى كوبريك بكتابته، وكذلك آخر عشرين دقيقة. وهذه الأجزاء، في الواقع، هي من أفضل ما في الفيلم.

الروبوت «C‪-‬3 PO» شريك في أحداث «ستار وورز» (لوكاس فيلم)

استعارة

بعد بدايته، يواجه الفيلم مشكلة عميقة، إذ يتحوَّل، بشكل غير مُعلن، إلى سرد لحكاية الإيطالي كارلو كولودي «بينوكيو» (1881). كلا العملين يدور حول دمية، وكلاهما يبحث عن وسيلة للتحوُّل إلى إنسان.

لا يروي الفيلم أحداث «بينوكيو» حرفياً، لكنه يحتوي على خلاصتها وفحواها. فسعي بينوكيو وديڤيد إلى التحوُّل إلى بشر (الأول من دمية، والثاني من روبوت) واحد، وكذلك مشاعرهما العاطفية خلال تلك الرحلة، واكتشاف كلٍّ منهما أنه لا أحد مستعد لمبادلته الحب في عالم يعجز عن توفيره.

لقد طردت العائلة ديڤيد، الذي تبنَّته، وتركته في العراء. لكنه ليس مجرد روبوت عادي، بل مُزوَّد بالمشاعر الإنسانية ليؤدي دوره بإقناع. أراد أن يثبت جدارته للأم التي لم تلده؛ أحبها وتمنَّى أن تبادله الحب. لكن العائلة لم تستطع قبوله بعد عودة ابنها الحقيقي، فقرَّرت التخلِّي عنه.

رحلة ديڤيد للتحوُّل إلى إنسان تمتد مئات السنين، قضاها في أعماق البحر، إلى أن تعثر عليه مخلوقات فضائية تهبط إلى الأرض بعد دمارها، فتُعيد بناءه وتمنحه فرصة اللقاء بأمِّه بعد إحيائها.

الرغبة في التفوُّق تدفع الإنسان لابتكار كيان يحاكي الحياة ويتفوّق عليه

شبيه آخر

لسبيلبرغ اهتمام خاص بموضوعي الطفولة والعائلة، وهو اهتمام نابع من تجربة شخصية عميقة. فقد كان في الـ15 عندما انفصل والداه، وترك ذلك أثراً كبيراً انعكس في عدد من أفلامه اللاحقة، مع لوم غير مباشر لوالدته، كما في «مبارزة» (Duel)، و«لقاءات قريبة من النوع الثالث» (Close Encounters of the Third Kind) 1977.

في أفلام أخرى، مثل «شوغرلاند إكسبرس» (1974)، تبدو العائلة ككتلة متماسكة، بينما تقترب من التفكك الكامل في «اللون الأرجواني» (The Color Purple) 1985.

«ذكاء اصطناعي» في جوهره أكثر من كونه قراءة مستقبلية شبيهة بما قدَّمه كوبريك في «2001: أوديسة الفضاء» (1968). إنه فيلم عن طفولة تحتاج إلى أم لتستحق الحياة.

ديڤيد في «ذكاء اصطناعي» لا يختلف كثيراً عن «جيم» في «إمبراطورية الشمس» (Empire of the Sun)، الذي أخرجه سبيلبرغ في 1987، حيث أدَّى كريستيان بيل دور الصبي الذي استيقظ يوماً ليجد نفسه منفصلاً عن والديه، اللذين اضطُرَّا إلى الهرب من الصين بسبب الغزو الياباني.

ما يعنيه ذلك أن ديڤيد لم يكن بحاجة إلى أن يكون روبوتاً ليقود بطولة الفيلم؛ فالحكاية يمكن أن تحدث لأي طفل يجد نفسه وحيداً في هذا العالم، باحثاً عن الحنان الذي يفتقده.


شاشة الناقد: 3 أفلام عن الفن والخوف من الوحدة و«الزومبيز»

«الرجل الأكثر وحدة في البلدة» (فاندز وين)
«الرجل الأكثر وحدة في البلدة» (فاندز وين)
TT

شاشة الناقد: 3 أفلام عن الفن والخوف من الوحدة و«الزومبيز»

«الرجل الأكثر وحدة في البلدة» (فاندز وين)
«الرجل الأكثر وحدة في البلدة» (فاندز وين)

THE LONELIEST MAN IN TOWN

★★★1‪/‬2

* إخراج:‫ تيزا كوڤي، راينر فريمل| ألمانيا (2026)‬

البلوز زارته يوماً... وبقي فيه

لمن لا يزال غير ملمّ بـ«البلوز» كنوع موسيقي، فهو ذلك الغناء الحزين الذي انطلق في مطلع القرن الماضي، ولا يزال حاضراً حتى اليوم. لم يتفق المؤرخون على نشأته بدقة، لكن المؤكد أنه ارتبط بمشاق الحياة لدى السود الأميركيين، وتناول موضوعات تتراوح بين الوقوع في براثن العنصرية والفقر، وسوء الطالع (كما يغني ألبرت كينغ: «لولا سوء الحظ، لما كان لديّ حظ على الإطلاق»)، أو الاستيقاظ يوماً وحيداً بعد هجران الحبيبة.

بطل هذا الفيلم الألماني مغنّي بلوز (أبيض) تأثر بهذا الفن، وغنَّى له، وعاش حياته مخلصاً له بالكامل. لديه جمهور صغير في نادٍ ليلي، ويعيش وحيداً بلا عائلة أو أهل أو أصدقاء. ليس مجرد رجل حزين ومنطوٍ، بل إن البلوز، كما تقول إحدى الأغنيات، زاره يوماً واستقر فيه.

الممثل الذي يؤدي الدور، إلويس كوخ، ليس شخصية خيالية بل حقيقية، وهذا يمنح الفيلم مسحة تسجيلية واضحة، رغم أن العمل يمزج بمهارة بين تلك البصمة والمنحى الروائي. يتابع الفيلم حياته في عمارة آيلة للهدم، وهو آخر من بقي فيها، فيضطر إلى بيع أثاثه وتسجيلاته وأدواته الموسيقية، وكلها أجزاء من تاريخه وهويته. يتابعه الفيلم عبر سلسلة من المواقف التي لا تؤلِّف حبكة تقليدية، بل تنقل وحدة حياة أسلوب المخرجين هادئ الإيقاع، متماسك البناء، كلاسيكي التنفيذ.

بعد أن يبيع ما استطاع من ممتلكاته، لا يبقى لديه سوى غيتاره ورغبته في السفر إلى أميركا والانضمام، كما يقول، إلى أصدقائه هناك. غير أن هذه الصداقات رمزية، إذ لا يعرف شخصياً أياً من ملوك البلوز وفنانيه... لكنه، في النهاية، رجل وحيد يسعى إلى تحقيق حلمه.

28 YEARS LATER‪:‬ THE BONE TEMPLE

★★★

* إخراج: نيا داكوستا | الولايات المتحدة (2026)

«زومبيز» المستقبل يقودهم شيطان

بدايةً، كان هناك «بعد 28 يوماً» (2003)، أخرجه البريطاني داني بويل وكتبه أليكس غارلاند. تبعه عام 2007 «بعد 28 أسبوعاً»، من إخراج الإسباني خوان كارلوس فريسناديلو، ثم، وبعد غياب، جاء الجزء الثالث «بعد 28 عاماً» في العام الماضي، مع عودة داني بويل إلى الإخراج.

«بعد 28 سنة: معبد العظام» (سوني)

الفيلم الجديد هو الرابع في السلسلة، والثاني ضمن ثلاثية جديدة تستخدم الشطر الأول من العنوان «بعد 28 عاماً»، على أن يستكمل الفيلم المقبل، المقرر عرضه العام القادم، هذه الثلاثية.

إنها نهاية العالم كما نعرفه؛ عالم لم يعد آمناً بعد سقوط ما كان سائداً من نظم وقوانين. هكذا، ومع كل جزء، يزداد «الزومبيز» قوةً وخطراً، وإن كانت الأحداث، منذ الجزء الثالث وهذا الفيلم، قد انتقلت إلى الغابات البريطانية الشمالية، بعدما أغلقت لندن على نفسها وأصبحت قلعةً لا يدخلها أحد، ومن يغادرها لا يعود.

يتناول الفيلم الجديد تشكَّل نظام بديل يقوم على الإلحاد وعبادة الشيطان. بطله الدكتور كلسون (راف فاينس)، الذي يسعى إلى فهم أسباب الوباء، في وقت يعجز فيه عن شفاء نفسه. الحكاية هنا تركِّز على الحرب ضد الزومبيز بالصورة التقليدية التي عرفناها في هذه السلسلة وغيرها، بقدر ما تتجه نحو طرح مسائل تمزج بين المعتقدات والممارسات العنيفة لأتباعها.

في خضم ذلك، يتبنى الفيلم تصوراً يتنبأ بأن العالم ماضٍ إلى ما نخشى أن يصير إليه، ولا مفرّ من ذلك. ويترافق هذا التصور مع جرعة عالية من العنف والمشاهد الدموية، التي تبدو، في الجزأين الأخيرين، عنصراً أساسياً في البناء.

النقلة الأبرز هنا هي التوسع في تناول شؤون موازية، من الطبيعي أن تنشأ في مجتمعات كهذه. في مجمله، يقف الفيلم بين التحذير والإلهاء، غير أن إخراج داكوستا متماسك، مدعوم بأفكار لا تتوقف عن التطور.

THE BRIDE

★★

* إخراج:‫ ماجي جيلنهال | الولايات المتحدة (2026)‬

عودة إلى عالم فرانكنستين مع الروك أند رول

ثاني فيلم يصل إلينا خلال 6 أشهر عن شخصية فرانكنستين: الأول لغِييرمو دل تورو «فرانكنستين»، والثاني «العروس» لماجي جيلنهال. الأول ليس أكبر حجماً فحسب، بل يتفوق فنياً ودرامياً في مختلف جوانبه، في حين يبدو الفيلم الجديد، بالمقارنة، أشبه بشبح باهت. صحيح أن الممثلة جيلنهال، في ثاني تجاربها الإخراجية بعد «The Lost Daughter» قبل 4 أعوام، تقدِّم عملاً يحمل بعض الخصائص الفنية والمضامين، غير أنه يشبه العلكة التي لا يعرف المرء لماذا اعتاد عليها.

من «العروس» (وورنر برذرز)

جيسيكا باكلي (فازت بالأوسكار قبل نحو شهر) تؤدي دور المؤلفة الروائية ماري شيلي، وكذلك دور العروس التي يرغب مخلوق فرانكنستين في أن تكون له. تدور الأحداث في ثلاثينات القرن الماضي، مع كمٍّ كبير من الحوار يكفي لمسلسل تلفزيوني، وبعض الإشارات إلى قضايا حقوق المرأة. لكن لا شيء يلتئم تماماً، ولا يقدّم الفيلم تفسيراً مقنعاً لفواصل مهمة من الأحداث.

يتكئ الفيلم على استعادة رائعة جيمس وايل «عروس فرانكنستين»، مما يدفع من شاهد ذلك العمل الرائع إلى التساؤل عن اقتباس لا يرتقي إلى مستوى الأصل. وهذا واحد من تساؤلات عدة يمرّ عليها الفيلم من دون إجابات.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
TT

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية» التي شهدت الحملة المعادية للشيوعية في الولايات المتحدة، والتي بدأت تحقيقاتها في هوليوود عام 1947، وتضمنت محاكمة فنانين وكتّاب سينمائيين بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي أو تبنّي ميول يسارية.

وتبنّت هذه المحاكمات لجنة قادها السيناتور جوزيف مكارثي، واشتهرت باسمه.

كان للمحاكمات «المكارثية» تأثيرٌ كبير على صناعة السينما وروافدها، وعلى الحياة الفنية والثقافية عموماً، وكذلك على قطاعات أخرى مختلفة. وحسب كتاب لإيلين شريكر صدر عام 2002 بعنوان «عصر المكارثية» (وهو واحد من عشرات الكتب التي تناولت هذه الحقبة)، جُرِّد نحو 12 ألف موظف في قطاعات متعددة، من بينها القطاع الحكومي، من وظائفهم بسبب شكوك المحققين في مدى ولائهم للولايات المتحدة. وتراوح عدد عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) المشاركين في التحقيق بين 3500 و7000 فرد.كانت تلك فترة عصيبة لهوليوود، نتج عنها منع كثير من العاملين في مختلف المهن من العمل، إما بسبب الريبة في انتماءاتهم السياسية أو بسبب التأكد منها. وضمن هذه الأجواء، وُضع 10 سينمائيين على «القائمة السوداء» بسبب رفضهم الإجابة عن أسئلة المحققين خلال جلسات الاستماع، وتمسكهم بالبند الخامس من الدستور الذي يتيح للمتهم عدم الإدلاء بشهادة قد تضر به. ومن أبرز هؤلاء المخرج إدوارد دميتريك، والمنتج أدريان سكوت، والسيناريست دالتون ترمبو.

ولم يكن جميع الذين خضعوا للاستجواب قد امتنعوا عن الإدلاء بشهاداتهم أو تسمية زملاء لهم يُشتبه في ميولهم اليسارية؛ إذ تراجع بعضهم سريعاً وقرروا الإدلاء بشهادات ضد رفاقهم، ومن بينهم، وربما أشهرهم، إيليا كازان.

لقطة من «مرمى النيران» لإدوارد ديمتريك» (آر كي أ راديو)

مع كازان

في مقابلة أُجريت معه خلال زيارته لمهرجان «القاهرة السينمائي» في تسعينات القرن الماضي، سألته عن هذا الموضوع. بدا عليه الانزعاج؛ أشاح بوجهه لبعض الوقت، ثم قال بعد صمت: «كنت أتمنى لو لم تسألني هذا السؤال. الجميع يريد أن يعرف لماذا فعلت ذلك. يطاردونني دوماً بهذا السؤال... والآن أنت».

كنت على وشك التعقيب، لكنه أكمل فجأة: «فعلت ذلك لأن أميركا أفضل من أن تنتشر فيها أفكار مناوئة لها، وكان دافعي وطنياً». ثم أضاف مبتسماً ابتسامة خفيفة: «هل لديك أسئلة أخرى لا تتعلق بهذا الموضوع؟».

غيّرت مجرى الحديث، وسألته عن بعض أفلامه الشهيرة مثل «عند الميناء» (On the Waterfront)، الذي هاجم فيه النقابات العمالية، و«عربة اسمها الرغبة» (A Streetcar Named Desire)، و«اتفاق جنتلماني» (A Gentleman’s Agreement)، الذي نال عنه جائزة «أوسكار» أفضل إخراج عام 1948.

وفي عام 1999، نال كازان جائزة «أوسكار» شرفية، ما دفع بعضهم إلى انتقاد الأكاديمية، ومن بينهم المخرج إدوارد دميتريك (الذي توفي لاحقاً في العام نفسه)، والذي كان قد هاجم كازان سابقاً بسبب وشايته، علماً بأن دميتريك نفسه اضطر لاحقاً إلى الكشف عن أسماء زملاء آخرين عندما قرر، في مثل هذا الشهر من عام 1951، التعاون مع اللجنة. ومن بين الذين تضرروا من شهادته المخرج فرانك تاتل، وهربرت بييبرمان، وزميلهما جول داسن.

«عند الميناء»لإيليا كازان (كولمبيا)

اختيارات لوكارنو

أدَّت تلك الحملة وما تبعها من تداعيات إلى لجوء عدد من مخرجي تلك الفترة إلى أوروبا لتجنُّب المنع من العمل أو السجن. ومن بينهم تشارلي تشابلن، وجول داسن، وجوزيف لوزي، الذين واصلوا نشاطهم السينمائي بعيداً عن هوليوود.

ويأتي تخصيص مهرجان «لوكارنو» برنامجاً لاستعادة تلك المرحلة، تحت عنوان: «أحمر وأسود: اليسار الهوليوودي والقائمة السوداء»، ليشمل عرض 50 فيلماً من أعمال (إخراجاً أو كتابة) سينمائيين اتُّهموا خلال تلك الحقبة، مثل دوروثي باركر، وريتشارد راي، وتشارلي تشابلن، ودالتون ترمبو، وجوزيف لوزي.

وسيتضمن البرنامج أفلاماً مثل «متطفل في الغبار» (Intruder in the Dust) لكليرنس براون (1949)، الذي كان من أوائل الأفلام التي نددت بالعنصرية، و«مرمى النيران» (Crossfire) للمخرج إدوارد دميترك (1947)، وهو عمل درامي بارز عن الكراهية، و«النجمة الشمالية» (The North Star) للويس مايلستون (1943)، الذي يتناول الغزو النازي لأوكرانيا عام 1941، إضافة إلى «أزمنة حديثة» (Modern Times) لتشارلي تشابلن.

هذا هو العام الثاني على التوالي الذي يختار فيه المهرجان السويسري برنامجاً يُسلط الضوء على مرحلة تاريخية ذات أبعاد سياسية في السينما؛ ففي العام الماضي، نظَّم «لوكارنو» تظاهرة بعنوان «توقعات عظيمة» خُصصت لأفلام فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية.

ومع انطلاق المهرجان بهذا الزخم، إلى جانب ما سيُعلن عنه من أفلام جديدة ضمن برنامجه الرسمي في يوليو (تموز)، تجدر الإشارة إلى أنه واحدٌ من أقدم 6 مهرجانات سينمائية في العالم، إلى جانب مهرجانات «ڤينيسيا» (82 سنة، إيطاليا)، و«كان» (78 سنة، فرنسا)، و«سان فرانسيسكو» (69 سنة، الولايات المتحدة)، و«سان سابستيان» (74 سنة، إسبانيا)، و«برلين» (63 سنة، ألمانيا).