ثلاثة أفلام من «كان» السادس والسبعين

غموض الدوافع والوقوف عند الذاكرة

مشهد من «وحش» (كان)
مشهد من «وحش» (كان)
TT

ثلاثة أفلام من «كان» السادس والسبعين

مشهد من «وحش» (كان)
مشهد من «وحش» (كان)

تطالعنا في صباح كل يوم قوائم أفلام جديدة تُضمّ إلى قوائم الأيام السابقة. يفحص الناقد ما سيختاره منها ثم يُشاهدها والفاصل بين الاختيار والمشاهدة مسألة حظ. قد يأتي الفيلم بما يحمل المُشاهد فوق الريح معجباً أو يتركه منطوياً أو متسائلاً.

بالأمس، على سبيل المثال، هرعت أفواج الحاضرين لالتقاط رحيق الفيلم الجديد للمخرج الياباني هيروكازو كوري - إيدا «وحش» (Monster) المعروض داخل المسابقة: دراما في ساعتين و6 دقائق تتحاشى الإجادة المطلقة وتنجح في ذلك. لكن الجمهور صمد ولم يسجل خروج سوى اثنين. في اليوم التالي، كتب من كتب ملاحظاته وشبه الإجماع هو أن الفيلم جيد بسبب غموضه لكنه لا يصل إلى مستوى ما حققه المخرج قبل أعوام قليلة تحت اسم Shoplifters وحاز عليه جائزة مهرجان كان سنة 2018.

«وحش» هو أول فيلم لكوري - إيدا يحققه في اليابان بعد خمس سنوات من العمل في إطار السينما الكورية.

الوحش في الفيلم ليس رجلاً يبعث الخوف بأفعاله الوحشية، كما قد يوحي العنوان. على العكس قد يكون ذلك الولد الذي تتمحور حوله العديد من المشاهد سواء في حضوره أو غيابه. الفيلم في ثلاثة فصول: فصل عن أم الولد، التي تبحث عن جواب في المدرسة بعدما وجّه إليه الأستاذ كلمة تحقير (قال له «لديك دماغ خنزير») وعاقبه بالضرب أيضاً. بعد استيفاء الموقف من وجهة نظر الأم، ننتقل إلى الحدث من وجهة نظر المعلّم، ثم، وفي الفصل الثالث يعرض الفيلم وجهة نظر الولد، أو لنسمّها الأحداث، كما يعتقد الفيلم أنها وقعت للولد أو بفعله بحيث يمكن اعتبارها وجهة نظر.

مثلما فعل أكيرا كوروساوا في فيلمه الشهير «راشامون» (1950) هي القصة ذاتها من خلال التطرّق لها من أكثر من جانب. على عكس ذلك الفيلم النص يغلب الصورة في أكثر من مناسبة والتوجّه للبحث عن الواقع (وليس عن الحقيقة بالضرورة) يسود فوق العناية بالمعالجة فنياً. هذا يعني أن السرد يُثير الاهتمام بسبب مضمونه أكثر مما يُثير الاهتمام بالكيفية التي عالج فيها المخرج تلك الحكاية من ثلاثة جوانب.

يفتح الفيلم على نار تلتهم النصف الأعلى من بناية تقع في بلدة ناغانو المشرفة على ساحل بحيرة كبيرة. النار ترمز إلى الوحش بدورها. لا يبحث الفيلم مطلقاً في الفاعل (رغم اشتعال النار في عمارتين لاحقتين)، ولا يتم الحديث عنها كثيراً بين الشخصيات. في المقابل، هناك تصوير بديع للماء. للبحيرة أولاً ثم للمطر والعواصف العاتية التي تهاجم البلدة من دون رحمة. شلال من السماء يهطل فوق الجميع بلا هوادة. العاصفة بدورها قد تكون الوحش المعني. المشكلة هي أن هذا البعد لا يعرف الوضوح، مما يعزز احتمال أن يكون الوحش ذلك الصبي الذي تعرّض لاعتداءات لفظية أثّرت على رغبته في أن يكون مقبولاً لدى الآخرين وعدائياً صوبهم.

لذلك يبقى السؤال الكبير واحداً: عمّن يكون هذا الوحش مع افتراض كبير بأن المقصود هو ذلك التصرّف الداكن، الذي يعيش داخل الإنسان ذاته. التيمة جديدة كقصّة لكنها ترتاح أكثر مما يجب بين فقراتها وعدم سردها على خط واحد يبعث السأم والاهتمام على نحو متوازن.

عطلة وذاكرة

العائلة الأفريقية في «العودة» (كان)

دراما أخرى في مسابقة المهرجان نجدها في Homecoming. لكاثرين كورسيني. فيلم عن عطلة لعائلة أفريقية متمثلة في الأم خديجة (عيشاتو ديالو سغنا)، التي تتسلم مهام رعاية أولاد عائلة (بيضاء) تسكن جزيرة كورسيكا خلال غياب الزوجين عن البيت. إنها فرصة لخديجة لكي تقضي مع ابنتيها ما يشبه العطلة في تلك الجزيرة، إنها الزيارة الثانية لها، إذ يبدأ الفيلم بمشهد يقع زمنياً قبل خمس عشرة سنة عندما هربت خديجة من كورسيكا بابنتيها اللتين كانتا طفلين صغيرين آنذاك.

يكشف الفيلم لاحقاً عن سبب الحدث الذي دفع العائلة للهرب من الجزيرة، فقد توفي زوج خديجة (ووالد الفتاتين) في حادثة لا يود الفيلم الكشف عنها سريعاً. لكن لا تود المخرجة كورسيني تحويل حكايتها إلى بحث تشويقي. ترضى بعدم تعريض الفيلم لحكاية متسعة زمنياً لأكثر من مناسبة محدودة. تجد غايتها في الإحاطة الرومانسية بين الشخصيات والمكان وبين الشقيقتين المراهقتين وملامح الحب الأول لكل منهما.

هناك نوع يرتاح إليه الجمهور الفرنسي، ويطلبه كثيرون من المخرجين الفرنسيين وهو نوع أفلام العطلة. تبدو جذّابة. طبيعية. هادئة لكنها لاحقاً ما تحتوي على عواصف عاطفية ونفسية مرهقة. في هذا الصدد، لا يختلف «العودة» عن سواه من الأفلام، ولا حتى في نواحٍ أخرى باتت تقليداً متوقعاً. قصتا الحب اللتان نراهما خلال هذا الفيلم لا تختلفان إلا قليلاً عن حبكات بعض أفلام الراحل إريك رومير، لكن الجديد فيها أنها تقع على خلفية لون البشرة السمراء. بالتالي يتابع المُشاهد مفارقات اعتاد عليها إذا ما كان شاهد أعمالاً مماثلة من قبل. هناك لمسات رقيقة إضافية لكنها لا تكفي لصنع فيلم جيد.

ذكريات مدينة باردة

خارج المسابقة عرض المخرج البريطاني ستيف ماكوين فيلمه الجديد «مدينة مُحتلّة» (Occupied City). سبق لهذا المخرج أن قدّم أعمالاً روائية مثيرة للاهتمام مثل «عيب» (Shame) و«جوع» (Hunger) وفيلمه الفائز بالأوسكار «12 سنة عبداً» (‪12 Years a Slave‬).

لكن يؤثر هنا الانتقال إلى صرح السينما غير الروائية في فيلم من أربع ساعات يؤرخ فيه لمدينة أمستردام التي احتلها الألمان، خلال الحرب العالمية الثانية، لخمس سنوات متعاقبة.

يستقي المخرج معلوماته من كتاب وضعته زوجته الهولندية (وإحدى منتجي هذا الفيلم) بيانكا ستيغتر تحت عنوان «أطلس لمدينة محتلة، أمستردام». كانت ستيغتر أخرجت فيلماً بعنوان «ثلاث دقائق: تطويل» (Three Minutes‪:‬ A Lengthening) والرابط بين الفيلمين هو طرح مسألة الهولوكوست من زاويتين متشابهين. المختلف هو أن فيلمها اكتفى بـ58 دقيقة بينما شهد «مدينة محتلة» ذلك «التطويل» الوارد في عنوان فيلم زوجته.

أربع ساعات عن موضوع واحد لا يتغير ولا يشهد اندماج المخرج فيما يعرضه ولا الكثير من الرغبة في تتويجه بأسلوب معيّن سوى تصوير العديد من المواقع التي تم فيها تجميع نحو 60 ألف يهودي لنقلهم إلى حيث يتم إعدامهم.

طريقة صنع هذا الفيلم لا تخلو من التحدي: هو فيلم كبير الحجم أراده المخرج ماكوين نوعاً من الرثاء يشبه ذلك الذي حققه في «12 سنة عبداً» الذي تناول فيه - درامياً - سنوات الرق والعبودية التي عاشها السود في الولايات المتحدة قبل الحرب الأهلية. كذلك من التحدي بمكان كبير ألا يستعين المخرج بوثائق أرشيفية. كذلك يستغني عن المقابلات (وهي بعض أسس معظم أفلام الهولوكوست) وعن التعليق الصوتي لشهود عيان أو ناجين (عنصر رئيسي آخر في مثل هذه الأفلام).

هذا التحدي (مصحوباً بالتصوير في نحو 130 موقعاً)، بينها تلك التي كان يتم تجميع اليهود وشحنهم منها، سبب في أن الفيلم يأتي أطول بكثير مما كان يمكن له أن يسرده في ساعة ونصف أو ساعتين. حتى ولو اعتبرنا أن الساعات الأربع ملائمة لموضوع تاريخي كهذا (عرض التسجيلي كلود لانزمان فيلمه «شواه»، Shoah في تسع ساعات و40 دقيقة سنة 1985 بطيئة ومملّة لكنها كاشفة) فإن خلوّ فيلم ماكوين من موقف المخرج حيال التاريخ (سلباً أو إيجاباً) يجعل الفيلم عبارة عن سلسلة من المشاهد الطويلة التي تكرر مفاداتها على نحو مستمر ولا تمنح جديداً فعلياً تضيفه لما سبق للعديد من الأفلام (روائية ووثائقية) تحدثت فيه.

ينتقل المخرج بين سنوات الاحتلال وسنوات الحاضر ليسجل كيف أصبحت بعض أماكن الاعتقال مقاصد سياحية تؤمها عائلات للتزلج واللهو. المهم هو أن هذا التنويع والانتقال بين فترات مختلفة لا يعفي الفيلم من برودة أوصال، ولا يضيف قيمة تذكر بل يعكس ترهل الفيلم على موضوع كان يمكن أن يكون أكثر فعلاً لو تخلى مخرجه عن رغبته في إخراج ملحمة لم تتحقق.


مقالات ذات صلة

يوميات الشرق فيلم «مسألة حياة أو موت» يُقدِّم حكاية تمزج الرومانسية بالكوميديا السوداء (هيئة الأفلام السعودية)

«مسألة حياة أو موت» يُمثِّل السعودية في سباق «الأوسكار»

اختارت السعودية الفيلم الروائي «مسألة حياة أو موت» لتمثيلها رسمياً في جوائز الأوسكار لفئة أفضل فيلم دولي خلال الدورة 99 في خطوة تعزز حضور سينما المملكة دولياً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق يشكل المنتدى منصة تجمع المستثمرين وصناع الأفلام (هيئة الأفلام)

«منتدى الأفلام السعودي» يعود إلى الرياض أواخر أكتوبر

تنطلق النسخة الرابعة من منتدى الأفلام السعودي يومي 28 و29 أكتوبر في استوديوهات جاكس للأفلام بالرياض، برعاية الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان

يوميات الشرق «مهرجان السينما الأوروبية» من 8 إلى 17 أكتوبر (متروبوليس)

«مهرجان السينما الأوروبية» يحتفي بالكوميديا والرومانسية والكلاسيكيات

يستمرّ المهرجان حتى 17 أكتوبر في سينما «متروبوليس» بشارع مار مخايل في بيروت، وتُنظّمه بعثة الاتحاد الأوروبي في لبنان.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ياسمين المصري وكلارا خوري في مشهد من فيلم الافتتاح «شكراً لأنك تحلم معنا» (إدارة المهرجان)

«السينما الفلسطينية بالسويد» يروي حكايات المعاناة والذاكرة

اختارت لجنة المهرجان 22 فيلماً للمسابقة الرسمية من بين 73 عملاً تقدّم بها صنّاع سينما من قرابة 20 دولة.

أحمد عدلي (القاهرة)

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
TT

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

أعلنت «استوديوهات MBC»، الذراع الإنتاجية لـ«مجموعة MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم، تمهيداً لعرضه في صالات السينما السعودية اعتباراً من 19 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على أن يصل لاحقاً إلى عدد من المدن العربية.

وصُوّرت جميع مشاهد الفيلم في السعودية، وتولت إخراجه المخرجة السعودية هناء العمير، فيما كتب أسامة المسلم السيناريو المقتبس من روايته، ويشارك في بطولته أضواء بدر، وباسل الصلي، ومحمد علي، وشجاع نشاط، وعزيز غرباوي.

وينتمي «جحيم العابرين» إلى سينما التشويق والغموض والرعب، مستنداً إلى الأسلوب الذي عُرف به المسلم في أعماله الأدبية، والقائم على مزج الفانتازيا بالإثارة النفسية، وتقديم شخصيات وأحداث غامضة ضمن حبكة متسارعة.

وتبدأ أحداث الفيلم على طريق منعزلة، عندما تصادف فتاة تقود سيارتها بمفردها شاباً تعطلت مركبته، فتقرر مساعدته وإيصاله إلى أقرب محطة، رغم شعورها بالقلق تجاه الموقف. وسرعان ما تتحول الرحلة في عتمة الليل إلى سلسلة من الأحداث الغريبة والمخيفة، لتدخل الشخصيتان في مواجهة متصاعدة مع مخاطر تضع إمكانية نجاتهما موضع تساؤل.

يأتي الفيلم ضمن شراكة أعلنت عنها «استوديوهات MBC» وأسامة المسلم قبل نحو عامين، تستهدف تحويل عدد من روايات الكاتب السعودي إلى أعمال درامية وسينمائية.

ويحمل الفيلم بصمة المنتج محفوظ الزهراني، فيما تولى سفيان الفاني إدارة التصوير، وتولت شركة «Aflam Production» التنفيذ، وهو من إنتاج «استوديوهات MBC»، وإخراج هناء العمير، وقصة وسيناريو أسامة المسلم.


«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
TT

«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)

في عام 1954، وبينما كانت سفينة مدنية تمخر عباب البحر، فوجئ الركاب بوحش يخرج من تحت الماء. وحش ضخم ما لبث أن هاجم السفينة وأطاح بها وبمن فيها، قبل أن يغوص مجدداً في أعماق البحر.

تحرّكت القوات البحرية للتحقيق في الحادث، وأخذت تجمع شهادات بعض من شاهدوه في قرى الساحل، قبل أن يعاود الوحش ظهوره، مطيحاً بمزيد من السفن ومنتقلاً إلى اليابسة، حيث تسبّب في مقتل ضحايا كثيرين. لم يكن هناك ريب في أن مدينة طوكيو ستكون الهدف التالي لهذا الوحش الذي لم تنفع معه جميع الأسلحة. وكان الدمار الذي لحق بطوكيو شبيهاً بذلك الذي لحق بمدينتَي هيروشيما وناغازاكي، خصوصاً أن الوحش كان ملوّثاً بالإشعاع النووي.

قال أحد المسؤولين حينها: «إذا لم تقضِ عليه القنبلة النووية، فكيف سنقضي نحن عليه؟».

سؤال وجيه، لكن ذلك لم يوقف محاولات اليابانيين التصدّي للوحش والقضاء عليه... أو هكذا خُيّل لهم.

«غودزيللا» الأول: الوحش في المدينة (توهو كومباني)

تميُّز

ورد كل ما سبق في فيلم «غودزيللا» الذي أخرجه حينها إيشيرو هوندا. وقد عاد الوحش للظهور 38 مرّة في أفلام يابانية، ثم أميركية - يابانية. وسيحطّ الفيلم الـ39 خلال أيام على الشاشات تحت عنوان «غودزيللا ناقص صفر» (Godzilla Minus Zero)، وسنراه في الشهر الثالث من العام المقبل في فيلم يجمعه مجدداً بكينغ كونغ، عنوانه «Godzilla x Kong: Supernova».

باتت أفلام غودزيللا منذ سنوات عدَّة تقدّمه وحشاً كارثياً يهدّد السلامة البشرية بقوّته الطاغية. وما بات يغيب عن معظم تلك الأفلام هو التعامل مع الدوافع التي وفّرها الفيلم الأول وبعض الأفلام التي تبعته في الخمسينات والستينات؛ وهي أن الوحش لم يكن ليظهر على السطح لولا التجارب النووية التي أجراها الروس والأميركيون، بموافقة اليابان، في البحار القريبة.

بذلك حمل «غودزيللا» وتوابعه الأولى رسائل سياسية تحذّر من مغبّة السلاح النووي. وهو أمر شاركت هوليوود في إثارته في الستينات عبر أفلام لا علاقة لها بالوحوش، مثل «على الشاطئ» لستانلي كرامر، و«دكتور سترانجلف» لستانلي كوبريك، و«لعبة الحرب» لبيتر ووتكنز.

ما ميّز سلسلة «غودزيللا» عن تلك الأفلام الهوليوودية هو أنها دمجت سينما الوحوش الجوراسية بالرسالة السياسية. لاحقاً، جرى تخفيف الرسالة السياسية والدفع باتجاه التقليل من التحذير من الويلات النووية، لصالح إنتاجات ضخمة تحتفي بالوحش بوصفه مصدر خطر بذاته فقط؛ بقوّة بدنية طاغية سيفشل البشر في التصدّي لها، قبل أن يعود إلى أعماق البحر ويتنفّس الناس الصعداء، بانتظار فيلمه المقبل.

وكان على الفيلم المقبل، تبعاً للتقاليد، أن يكون أكبر، والخطر أشدّ. فلمَ لا يُجمع هذا الوحش الأسطوري مع وحش آخر من النوع نفسه وبالضخامة نفسها، مثل كينغ كونغ؟

سبق كينغ كونغ غودزيللا في الظهور على الشاشة، إذ اكتشفه فيلم «كينغ كونغ» لماريون س. كوبر سنة 1933. فيه نتابع سفينة تبحث عن قبيلة على جزيرة مخفية، فتكتشف وجود وحوش ما قبل التاريخ، وفي مقدّمتها تلك الغوريلا الضخمة التي تقع في حب بطلة الفيلم (فاي راي). وعندما يُقبض عليه ويُنقل إلى نيويورك للمتاجرة به، يفكّ قيوده وينطلق باحثاً عن الفتاة الشقراء التي أحبّها من النظرة الأولى، ليحملها إلى سطح مبنى الإمباير ستايت، مواجهاً الطائرات الحربية التي تهاجمه، قبل أن يقضي عليه حبّه.

الفيلم المقبل من السلسلة «غودزيللا ناقص صفر» (روبوت كوميونيكاشن)

استلهام حادثة حقيقية

كان «كينغ كونغ» الأصلي، في الواقع، رومانسياً في الباطن وتشويقياً في الظاهر. وما يجمعه مع «غودزيللا» هو تلك النبرة الحزينة عن حال وحش كان يفضّل البقاء مجهولاً، لولا قيام الإنسان بانتشاله من بيئته.

بدأ الجمع بين «غودزيللا» و«كينغ كونغ» سنة 1963 بفيلم آخر لإيشيرو هوندا، هو «King Kong vs. Godzilla». لكن المخرج، إذ استعار كينغ كونغ من الغرب ليجمعه مع ندّه الشرقي، حافظ على النبرة السياسية وأدان، عبر حكايته، المتاجرة بالوحشين، كما فعل «كينغ كونغ» الأول.

لاحقاً، عندما اندفعت هوليوود لإنتاج «غودزيللا» الخاص بها سنة 1989، بفيلم من إخراج رولاند إيميريش، استغنت عن المعاني التي تداولتها السلسلة اليابانية لصالح الإبهار التقني. وتكرّر ذلك في «غودزيللا» هوليوودي آخر سنة 2014، عبر فيلم لغارث إدواردز. ولم تمضِ إلا بضع سنوات حتى بدأ الجمع بين الوحشين الضخمين على الطريقة الهوليوودية، في فيلمين أخرجهما آدم وينغارد، هما «غودزيللا ضد كينغ كونغ» (2021)، و«غودزيللا ضد كونغ: الإمبراطورية الجديدة» (2023). هذا مع العلم أن السينما اليابانية نفسها جمعت كذلك بين بطلها غودزيللا ووحوش جوراسية أخرى، ضمن الفحوى نفسه الملائم للفيلم الأول من السلسلة.

لكن لا شيء مما يُنتج حالياً يشابه، في فحواه وغاياته، نسخة هوندا سنة 1954. ففيها أمانة في ضمّ البعد السياسي إلى الحكاية الخيالية. وبداية الفيلم، حيث تتعرّض سفينة الصيد لغضب الوحش، تلتقي مع حادثة فعلية لسفينة صيد يابانية تعرّض بحّارتها لإشعاع نووي، بفعل تجربة نووية أجرتها الولايات المتحدة قبل 3 سنوات من إنتاج الفيلم.

مضى «غودزيللا»، كما قدّمه هوندا، إلى أبعد من مجرّد ربط الحادثة ببداية الفيلم؛ فالوحش الذي أُوقظ من سباته في أعماق المحيط بدا غير قادر على استيعاب ما أيقظه. بات الإنسان عدوّاً له. وأكثر من ذلك، يدمّر معظم طوكيو في ثورته، مذكّراً بما حاق بمدينتَي ناغازاكي وهيروشيما. وعندما يعود إلى حيث أتى، يترك بصمته لنا لنتذكّر.

إنها رسالة بالغة الأهمية، ضاعت في طيّات الرغبة في استغلال غودزيللا كوحش مخيف فقط. فالأفلام اللاحقة، في العقدين الأخيرين على الأخص، أبقت على الوحش وأهملت رسالته، في الوقت الذي كان يمكن لها أن تنجز الاثنين معاً، كما فعلت الأفلام الأولى. لم يهتمّ صانعو أفلام «غودزيللا» الحديثة إلا بكيفية تحويل الوحش إلى مصدر مادي، شأنه شأن كل السلاسل الأخرى، من «باتمان» إلى «جوراسيك بارك»، ومن «كوكب القردة» إلى «سبايدر مان» و«ستار وورز».


شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
TT

شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

المواطن أسامة

(جيد)

* إخراج: أحمد حسّونة

* فلسطين (2026) | النوع: تسجيلي

الكاميرا التي تصوّر «كاميرا مان» فلسطينياً ينتقل في الشوارع العارية من الحياة وبين المباني المدمّرة تقول كل شيء عن المصوّر وغزّة. هناك نوع من الإخراج المباشر للواقع لا يحتاج إلى تقنيات عالية، ولا إلى إدخال عناصر تكمّل ما يهدف المخرج إلى إيصاله للمشاهدين.

كل شيء في «المواطن أسامة» واضح. هو عن رجل وكاميرا وأسرته وعلاقاته بالبشر الآخرين. كذلك هو عن غزّة وما كابدته من دمار وإبادة نتج عنهما مقتل قرابة 200 مصوّر وصحافي، من بين العدد الهائل الذي تجاوز 70 ألف ضحية. نشاهد المصوّر الصحافي أسامة العشّي تلازمه أصوات القصف ومشاهد الدمار. أسامة محمّل بالحزن على الواقع وبالخوف على سلامة عائلته. لا يذكر الكثير عن سلامته، لكن الفيلم يوحي دوماً بأنها مهدّدة في أي لحظة. قيمة الفيلم هي أنه لا يطلب منّا أن نشاهد ما يفعله الإسرائيليون بالفلسطينيين، بل أن نشاهد كيف يعيش الفلسطينيون حياتهم، من خلال متابعة شخص واحد لا يريد التوقّف عن عمله.

لا يصف المخرج حسّونة العدوان بالكلام، ولا يهتم بإيراد شهادات ضحايا الوضع أو بتصوير مشاهد العنف لذاتها. هذا كلّه ظهر في أفلام أخرى. رغم ذلك، لا يفتر تأثير الفيلم على مشاهديه؛ لأن موضوعه هو إنسان عليه أن يعمل لينقل إلى العالم صورة، وعليه أن يُعنى بتأمين الطعام والماء لأسرته والتعامل مع ظروف النزوح.

هذا فيلم تسجيلي عارٍ من الإضافات التقنية والتدخّلات الفنية التي نراها في أفلام تسجيلية أخرى. لذا فهو، مثل «صوت هند رجب»، ولو كان بعيداً عنه أسلوباً وموضوعاً، يعرض الحالة جيّداً، ولا يطلب لنفسه أكثر من ذلك.

القضية رقم صفر

(جيد)

* إخراج: كاظم فيّاض

* لبنان/الإمارات (2026) | النوع: دراما نفسية

هناك لقطة خاطفة في الدقائق الأخيرة من الفيلم تصوّر المحامي، محور الفيلم، بكاميرا بعيدة، وهو يتحدّث بصوت عالٍ وحادّ. المشكلة هي أن أحداً ليس موجوداً حوله. اللقطة التالية تعود إلى ما سبقها، حيث يواجه المحامي أسئلة عن الأزمة التي يعاني منها، ما يكشف سرّاً دفيناً يتجاوز الوضع الراهن ليعود إلى أمس بعيد.

في أساسه، «القضية رقم صفر» دراما نفسية ذات عقدة تبحث في العلاقة بين الإنسان ووالديه، وبينه وبين فكرة الموت، باعتبار الحياة فخّاً فُرض عليه العيش فيه. شخصيات الفيلم مجتمعة في مكان واحد، ومتنافرة في الأفكار والمواقف في كل اتجاه.

الطريقة التي صاغ بها المخرج رؤيته هذه مثيرة للاهتمام؛ إذ تدخلنا في واقع، ثم تأخذ هذا الواقع وتدمجه بالخيال، قبل أن تطيح به أيضاً. ليس تنفيذ هذا سهلاً، وفي البال صنع «ثريلر» منه، خصوصاً أن الأحداث تقع غالباً داخل مكان واحد. وعندما تنتقل إلى أماكن أخرى، تبقى في الداخل، باستثناء مشهد واحد يقع في الشارع. فيلم كاظم فيّاض، وهو فيلمه الثاني بعد «يوسف» الذي قدَّمه قبل 3 سنوات، دراما داكنة مع موجات من الكوميديا السوداء، تتجلّى في الفصل الثاني، من أصل 4، عندما يبدو أن جميع من في مكتب المحاماة يعانون من فوضى التواصل. ويتّضح السبب في ذلك في الفصلين التاليين، حيث يُكشف عمّا تؤول إليه أحوال كل هذه الشخصيات. للأسف، هناك بعض التكرار في مشاهد الفصل الرابع، وإن كان لا يؤثر على سياق الفيلم إلا بقدر محدود.

«القضية رقم صفر» عمل جادّ ومختلف عمّا يتوقّعه معظمنا. القصّة نفسها يمكن أن تُروى بأكثر من وسيلة أو أسلوب، لكن اختيار المخرج لوسيلته يعكس رغبته في ذلك الاختلاف ورؤيته الخاصّة لما يطرحه. فيلم طموح بأسلوب يحتاج من المشاهد إلى بعض المثابرة قبل الوصول إلى قاع أزمات أبطاله. والتمثيل ممتاز من الجميع بلا استثناء، ويعود ذلك إلى إدارة محكمة وعلاقة هندسية يرسمها المخرج جيّداً بين المكان واللقطة والشخصية.