أعلنت شركتا «إن بي سي يونيفرسال» و«يوتيوب» بنهاية يوليو (تموز) الماضي عن شراكة استراتيجية متعددة، من شأنها توفير خدمة «بيكوك» (وهي خدمة البث التلفزيوني عبر الإنترنت التابعة لـ«إن بي سي يونيفرسال») لمشتركي «يوتيوب بريميوم»، كما تسعى الشراكة لاحقاً لتوسيع النطاق الدولي لخدمتَي «يونيفرسال بلس» و«هايو».
الجانبان ذكرا أن هذه الخطوة تجمع مزايا النطاق العالمي لمنصة «يوتيوب» ومنظومة صُنّاع المحتوى والمحتوى المتنوّع الذي تقدّمه، وبين محتوى «إن بي سي يونيفرسال» المتميز وأفلامها الضخمة وبثّها الرياضي المباشر وامتيازاتها الشهيرة.
ووفق «إن بي سي يونيفرسال»، في إفادة رسمية، تُعد هذه الاتفاقية أكبر شراكة توزيع لخدمة «بيكوك» حتى الآن، وقد وصفتها بأنها «تفتح آفاقاً جديدة أمام الشركتين لتنمية جمهورهما وتعميق تفاعل المعجبين، وتقديم قيمة أكبر للمستهلكين وصُناع المحتوى والمعلنين وشركاء التوزيع».
من جهة ثانية، اعتباراً من أوائل عام 2027 سيجري تضمين اشتراك «بيكوك بريميوم» ضمن باقة مع «يوتيوب بريميوم»، ما يتيحه فوراً لملايين مشتركي «يوتيوب بريميوم» الحاليين، ويوسّع بشكل كبير نطاق وصول «بيكوك» ليصبح بذلك واحداً من أكثر خدمات البث المدفوعة انتشاراً.
وحول هذا التطور قال الرئيس التنفيذي لـ«يوتيوب»، نيل موهان: «إننا متحمسون للغاية لتوسيع شراكتنا مع (إن بي سي يونيفرسال) لتعزيز خدمات الاشتراك الترفيهي الحديث بالنسبة للمستخدمين». في حين علّق مات شتراوس، رئيس مجموعة الإعلام في «إن بي سي يونيفرسال» قائلاً إن «من شأن هذه الشراكة تسريع نمو (بيكوك) من خلال إتاحة الخدمة لملايين مشتركي (يوتيوب بريميوم)، بما يدفع قيمة طويلة الأمد لأعمالنا». وأردف: «تفتح هذه الشراكة طُرقاً جديدة أمام الجمهور لاكتشاف محتوى (إن بي سي يونيفرسال)، والوصول إليه وتعميق تفاعلهم معه أينما وكيفما اختاروا المشاهدة».
وحول هذه الخطوة، رأى أكرم فرج، الخبير والمستشار في تقنية الاتصالات والمعلومات والإعلام، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن هذا التحوّل اللافت في علاقة منصّات البث الكبرى وشركات الإنتاج بمنصات كبرى، مثل «يوتيوب»، من التنافس إلى الشراكة، هو «اتجاه ليس وليد اللحظة؛ بل له جذور معروفة عالمياً تحت اسم التنافس التعاوني الذي يدمج التعاون مع المنافسة». وضرب مثالاً بما حدث سابقاً في صناعة الموسيقى العالمية، حين تعاونت شركات كبرى مثل «إي إم آي» مع «وارنر ميوزك غروب»؛ إذ تتبادل الشركات الحقوق وفقاً لقوة كل طرف في الأسواق المختلفة.
وبحسب فرج، فإن قطاع خدمات البث «يواجه اليوم تحديين رئيسين كانا وراء هذه الشراكة؛ أولهما تحدي الاكتشاف. ومع الانفجار الهائل في حجم المحتوى الرقمي وتدفق مئات وآلاف الأعمال يومياً، أصبح العثور على محتوى جيد عقبة أمام المشاهد بغض النظر عن جودته؛ لأن الأعمال التي لا تظهر في الواجهة الأولى للمنصات يفقدها الجمهور تماماً، وهنا تلعب منصات بحجم (يوتيوب) دوراً محورياً بفضل محرّك بحثها الضخم (غوغل)، الذي يساعد في الترويج واكتشاف المحتوى».
وتابع: «أما التحدي الثاني فهو تآكل الميزة التنافسية للبنية التحتية؛ إذ أصبحت البنية التحتية التقنية للبث تشبه الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والماء، ولم تعد ملكية البنية التحتية تمنح الشركة ميزة تفاضلية حقيقية كما كانت الحال سابقاً، بل تحولت إلى أعباء تشغيلية ضخمة وصيانة مستمرة. ومن ثم باتت الشركات الكبرى تفضل الاعتماد على بنى تحتية جاهزة لمزودين كبار - مثلما تعتمد كبرى الشركات على خدمات سحابية من (أمازون) و(مايكروسوفت) - بدلاً من تحمل تكاليف البناء والصيانة الباهظة».
وعن تأثير هذه التحالفات على جودة المحتوى، أكد فرج أن «تقديم الخدمات عبر النماذج المدفوعة والاشتراكات يضمن مستويات جودة أعلى؛ إذ يختفي المحتوى السلبي أو الرديء الذي تفرضه الخوارزميات أحياناً في النسخ المجانية، ليحصل المشترك على محتوى منتقى ومناسب لشرائحه العمرية واهتماماته».
من جهته، لم يعتبر أسامة عصام الدين، خبير تطوير منصات التواصل الاجتماعي وصانع المحتوى التقني بالمملكة العربية السعودية، أن هذا الاتفاق يمثل اعترافاً بفشل مفهوم «الحصرية» التي كانت تتميز به شركات البث والإنتاج من قبل، في حين أن هذه الشراكة «تعكس حالة تشبّع تعيشها السوق حالياً في ظل كثرة الخيارات والاشتراكات المتاحة للمستخدمين».
وأضاف عصام الدين لـ«الشرق الأوسط» موضحاً أن «الجمهور بات يبحث عن منصة واحدة تجمع له أكبر قدر من المحتوى والترفيه والمباريات... إلى جانب توفير التكاليف الباهظة المرتبطة بتأسيس تطبيق مستقل وتسويقه وتأمين بنيته التقنية».
وأردف: «بهذا التوجه تحصل الجهة المعنية على قاعدة جماهيرية ضخمة عبر تطبيق متطور تقنياً، من دون أن تتحمل عبء البنية التحتية، ويبقى عليها فقط توفير المحتوى... ومن هنا فلا أستبعد أن تُطلق مستقبلاً خدمة مستقلة خاصة بها إذا امتلكت التنوع الكافي الذي يجعلها خياراً قائماً بذاته، لكن في المرحلة الحالية تبدو الشراكة مع (يوتيوب) خطوة موفقة».
أما حول العلاقة بين المحتوى والمنصة على المدى الطويل، فيرى عصام الدين أن «هذه الشراكة تمنح (يوتيوب) قوة استثنائية؛ إذ لم تعد مجرد وجهة لمتابعة صُناع المحتوى، بل غدت منصة تستضيف إنتاجات شركات ضخمة أيضاً، وهذا يضع على عاتق (يوتيوب) مسؤولية كبيرة تتمثل في الاستمرار في توفير بيئة تقنية قوية قادرة على استيعاب هذه الجماهير المتنامية، وتطوير خوارزميات دقيقة توجّه المحتوى للمستخدمين وفق اهتماماتهم».
واستطرد شارحاً أن «التحدي الأبرز أمام (يوتيوب) يكمن في كيفية عرض هذا المحتوى الحصري، من أفلام وبرامج... بشكل احترافي يحافظ على هوية المنصة، من دون أن يشعر المستخدم بالتنقل العشوائي بين صانع محتوى وبرنامج وفيلم... فالمطلوب هو تصميم تجربة تتيح للمشاهد متابعة محتوى صُناع المحتوى، ومحتوى الشركات الإنتاجية بسلاسة، مع وجود فصل واضح بينهما داخل التطبيق».
