لم تعد معركة البث الرقمي تدور حول من يملك أكبر مكتبة أو أعلى عدد من المشتركين فحسب، بل حول سؤال أكثر حساسية: كم من الوقت يبقى المشاهد داخل المنصة؟
في هذا السياق، تبدو «نتفليكس»، التي قادت الانقلاب على التلفزيون التقليدي، وكأنها تعيد النظر في بعض المبادئ التي صنعت نجاحها: البساطة، والمشاهدة عند الطلب، والابتعاد عن البث المُبرمج. لقد كشفت «وول ستريت جورنال» عن أن الشركة تبحث إضافة قنوات حية دائمة البث، وحُزَم اشتراك تضم خدمات منافسة مثل «بيكوك»، التابعة لشركة «إن بي سي يونيفيرسال» بعدما تراجعت حصتها من مشاهدة التلفزيون في الولايات المتحدة إلى 7.8 في المائة في أبريل (نيسان)، أدنى مستوى لها منذ مايو (أيار) 2025، وتراجع سهمها بنسبة أكبر من 40 في المائة خلال 12 شهراً.
لكن الصورة ليست صورة أزمة مالية مباشرة؛ ذلك أن «نتفليكس» أعلنت في الربع الأول من 2026 نمواً في الإيرادات بنسبة 16 في المائة، ونمواً في الدخل التشغيلي بنسبة 18 في المائة، مع توقّعات بإيرادات سنوية بين 50.7 و51.7 مليار دولار وهامش تشغيلي تبلغ نسبته 31.5 في المائة. غير أن الشركة نفسها تقرّ، من جهة ثانية، بأن «الترفيه بات ديناميكياً وتنافسياً إلى حد استثنائي»، وأن هدفها هو أن تبقى «الخدمة التي لا غنى عنها»؛ أي المكان الأول الذي يقصده المستخدم والأخير الذي يلغيه.
معركة الوقت
تراجع «الانخراط» لا يعني بالضرورة أن «نتفليكس» تخسر المشتركين الآن، لكنه يعني أن المشاهد بات أكثر استعداداً لتوزيع وقته بين منصّات كثيرة. وبحسب بيانات شركة «نيلسن»، حافظ البث الرقمي في أبريل (نيسان) 2026 على نسبة 47.6 في المائة من إجمالي مشاهدة التلفزيون في الولايات المتحدة، بينما تصدّر «يوتيوب» المشهد بحصة تبلغ 13.4 في المائة من وقت المشاهدة، وحققت منصّة «توبي» التابعة لشركة «فوكس كورب» المدعومة بالإعلانات أعلى حصة لها عند نسبة 2.3 في المائة.
هذه الأرقام تشرح سبب قلق «نتفليكس»؛ فالمنافس لم يعُد فقط «ديزني+» أو «إتش بي أو ماكس»، بل «يوتيوب»، و«تيك توك»، والمنصّات المجانية المدعومة بالإعلانات، والألعاب، و«البودكاست» المرئي. لذلك تقول «نتفليكس» في رسالتها للمساهمين: «ليس كل الساعات متساوية»؛ لأن العنوان الناجح لا يضيف مشاهدة فقط، بل يدفع المستخدم إلى العودة ويقوّي الولاء. وبالفعل، قدّمت الشركة أمثلة على ذلك، بينها وصول الموسم الرابع من مسلسل «بريدجرتون» إلى 94 مليون مشاهدة، وبثّ بطولة العالم للبيسبول (كرة القاعدة) في اليابان الذي جذب 31.4 مليون مشاهد، وأنتج أكبر يوم تسجيلات جديد في السوق اليابانية.

التلفزيون يعود
غير أن المفارقة اليوم هي أن «نتفليكس» تواجه تراجع المتابعة بالاقتراب من التلفزيون الذي حاربته؛ فالقنوات الحية المقترحة، التي تبث نوعاً معيناً من البرامج أو عناوين مختارة بشكل مستمر، تستعيد فكرة «افتح الشاشة ودعها تعمل»، وهذه الفكرة التي بنت عليها خدمات مجانية مثل «توبي» و«روكو تشانل» نمواً سريعاً. والهدف هنا ليس فقط تقليل حيرة الاختيار لدى المشاهد، بل أيضاً خلق لحظات مشاهدة عابرة وطويلة تصلح للإعلانات.
هذا يفسّر أيضاً توسّع «نتفليكس» في الرياضة والأحداث الحيّة من دون الدخول، حتى الآن، في شراء مواسم كاملة باهظة الثمن؛ إذ بثّت الشركة أكثر من 70 حدثاً حيّاً في الربع الأول، وهي تستكشف، بحسب تقارير، المنافسة على حقوق كأس العالم 2030 و2034.
أما في فرنسا، فقد وفّرت شراكتها مع «تي إف1» نموذجاً عملياً: قنوات مباشرة ومحتوى عند الطلب داخل تطبيق «نتفليكس». وقال رودولف بلمير، الرئيس التنفيذي لـ«تي إف1»، إن أهداف الجمهور المحددة لـ18 شهراً «تحقّقت خلال أقل من ثلاثة أسابيع»، بعدما سجلت «تي إف1 +» رقماً قياسياً بلغ 8.3 مليون مشاهد يومي في 25 يونيو (حزيران) الماضي.
الإعلانات والحُزَم
التحول الأكبر هو أن «نتفليكس» لم تعد تبيع الاشتراك وحده، بل أيضاً تبيع «المتابعة» للمعلنين. وخطتها المدعومة بالإعلانات بسعر 8.99 دولار باتت تمثل نسبة تربو على 60 في المائة من الاشتراكات الجديدة في الدول التي تتوافر فيها. والشركة تتعامل الآن مع أكثر من 4000 معلن، بزيادة 70 في المائة على أساس سنوي، وتتوقّع مضاعفة إيرادات الإعلانات إلى نحو 3 مليارات دولار في سنة 2026.
ولكن، في المقابل، هذا المسار يحمل أخطاره أيضاً؛ إذ كلما ازداد اعتماد «نتفليكس» على البث الحي والحُزَم والإعلانات، اقتربت من نموذج «الكابل» الذي كانت قد وعدت سابقاً بتجاوزه.
يكون ذلك مفيداً للمشاهد إذا خفّض الكلفة ووسّع الخيارات، لكنه قد يعيد أيضاً مشكلة الفوضى: إعلانات أكثر، وواجهات أكثر ازدحاماً، وحُزَم تشبه الاشتراك التلفزيوني القديم بأسماء رقمية جديدة.
السوق كلها تسير في هذا الاتجاه
شركة «فوكس» أعلنت اتفاقاً لشراء «روكو» بقيمة تقارب 22 مليار دولار، في رهان صريح على البث المدعوم بالإعلانات. بينما أعلنت شركة «كومكاست» فصل أعمال الإعلام والترفيه عن أعمال الاتصال لتمنح كل قطاع مرونة أكبر في سوق مضطرب. لذا، لا تبدو «نتفليكس» في موقع الدفاع فقط، بل أيضاً في لحظة إعادة تعريف.
فهي لا تريد أن تكون مجرّد منصّة تعرض أفلاماً ومسلسلات، بل بوابة يومية للترفيه؛ أي: مسلسلات، ورياضة، و«بودكاست»، وفيديو قصير، وقنوات حيّة، وربما خدمات منافسة داخل التطبيق نفسه، على غرار ما دأبت عليه شركات منافسة مثل «أمازون» و«أبل» منذ فترة طويلة. إلّا أن نجاح هذا التحوّل سيتوقّف على معادلة دقيقة تختصر بـ: كيف تزيد الوقت الذي يمضيه المستخدم من دون أن تفقد الوضوح والبساطة اللذين جعلاها أصلاً بديلاً للتلفزيون التقليدي؛ إذ أن التلفزيون لم يمُت؛ بل عاد داخل التطبيق؟
القنوات الحية المقترحة التي تبث نوعاً معيناً من البرامج أو عناوين مختارة بشكل مستمر، تستعيد فكرة «افتح الشاشة ودعها تعمل»
