قدَّم الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا» مارك زوكربيرغ رؤيته المفصّلة لمستقبل ما يسميه «الذكاء الفائق الشخصي» والفوائد التي يتوقع أن يجلبها للبشرية. واتضح من البيان الذي نشره في العاشر من أغسطس (آب) الحالي أن «رؤيته لن تتحقّق إلا بتفويض كامل من المستخدمين حول بياناتهم الشخصية». غير أن خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» حذّروا من أن «مشروع الذكاء الشخصي» قد يصطدم بأزمة ثقة المستخدمين.
زوكربيرغ قال في بيانه إن كل شخص سيمتلك في المستقبل «وكيلاً شخصياً» فائق القدرة يفهمه ويفهم أهدافه، ويعمل على مدار الساعة لتحسين علاقاته وصحته ومسيرته المهنية وأموره المالية وإدارة منزله وهواياته، بما يوفّر له وقتاً أكبر للاستمتاع بحياته. غير أن هذا الطرح يثير مخاوف عدة أبرزها أن «ميتا» تريد من المستخدمين تفعيل تتبّع بيانات يتاح عبرها فهم معلومات شخصية بالغة الخصوصية، وهو أمر يصعب الترويج له بالنظر إلى سجل الشركة في استخدام هذه البيانات لأغراض إشكالية أو السماح لجهات أخرى بذلك.
وفق مراقبين، واجهت «ميتا» عام 2016 اتهامات بـ«تسريب» بيانات ملايين من مستخدمي «فيسبوك» لصالح شركة كمبريدج أناليتيكا من دون علمهم، وجرى استخدامها لأغراض دعائية سياسية. ولقد أدت تداعيات هذه القضية إلى تراجع حاد في ثقة الجمهور بالشركة لدرجة أن «فيسبوك» احتل المرتبة الأخيرة في «مؤشر الثقة الرقمية» لعام 2019 الصادر عن موقع «بيزنس إنسايدر».
السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، يرى أن البيانات التي تمتلكها «ميتا» حالياً مثل التفاعلات، والإعجابات، وسجل التصفّح، والعلاقات الاجتماعية، والاهتمامات هائلة ومثالية جداً لأغراض «الإعلانات الموجّهة» و«التوصيات».
لكنه يستدرك فيقول: «رغم ذلك، هذه البيانات غير كافية لطموح بناء مساعد شخصي يدير تفاصيل حياة المستخدم، فلكي يتمكن الذكاء الاصطناعي من إدارة حياتك والقيام بدور السكرتير الشخصي أو المساعد الذكي، سيحتاج زوكربيرغ إلى استهداف طبقات أعمق بكثير من البيانات الحساسة واللحظية، مثل نبرة الصوت، وتعابير الوجه، وحركة العين، بل وحتى ما تنظر إليه في العالم الحقيقي وتفاعلك الجسدي مع البيئة المحيطة، وكذلك معرفة مواعيد نومك، ونشاطك البدني، ونظامك الغذائي، وحتى تقلباتك المزاجية من خلال ربط المساعد بالتقنيات الصحية والساعات الذكية».
سعد اعتبر أيضاً أن «مشروع زوكربيرغ» سيصطدم بأزمة ثقة المستخدمين. وأوضح: «من الناحية الأخلاقية والمؤسسية، ثقة المستخدمين في (ميتا) اهتزّت بشدة بسبب تاريخها الحافل بفضائح تسريب البيانات والتلاعب النفسي... ولكن من الناحية العملية نحن أمام مفارقة، فـ(ميتا) لا تعتمد (اليوم) على الثقة بقدر ما تعتمد على الاعتمادية والإدمان». وأضاف أن «المستخدمين يدركون اليوم أن خصوصيتهم مهدّدة، لكنهم يبقون بسبب تأثير الشبكة، حيث توجد عائلاتهم، وأصدقاؤهم، ومجتمعاتهم، مما يجعل ترك المنصّات أمراً صعباً جداً رغم انعدام الثقة».
للتغلب على حاجز انعدام الثقة وجمع البيانات الأعمق، يتوقع سعد أن تتبع «ميتا» عدة استراتيجيات، شارحاً «عبر استراتيجية (فخ المنفعة) إذا قدّم المساعد الشخصي قيمة هائلة فإن المستخدمين سيتنازلون طواعية عن بياناتهم (المعلومات الخاصة عنهم) الحساسة مقابل هذه الراحة - وأيضاً هناك استراتيجية (حصان طروادة) الآتية من خلال التوسّع في الأجهزة المادية والتحول من شركة برمجيات إلى شركة أجهزة تلامس جسد المستخدم وبيئته - على التجارة الإلكترونية المُدمجة، عبر إتمام عمليات الشراء والبيع بالكامل داخل التطبيقات، مما يمنحها معلومات دقيقة عن سلوك الشراء الفعلي، فضلاً عن الاستفادة من استنزاف البيانات النفسية عبر الذكاء الاصطناعي». بالعودة إلى بيان زوكربيرغ، فإن حجته الأساسية هي أن «الذكاء الفائق» سيكون أحد أهمّ التطورات التكنولوجية في التاريخ، ولذا يجب أن يكون متاحاً للجميع، وألَّا تحتكره الشركات أو الجهات الحكومية.
ويرى زوكربيرغ أيضاً أن «الذكاء الاصطناعي ليس نتاج الأتمتة أو إبدال العمالة البشرية بالآلات، بل يأتي عبر توسيع الفرص من خلال أنظمة تساعد على اكتشاف معارف جديدة». غير أن هذا الطرح يتناقض مع خطوات «ميتا» نفسها بعدما خفضت 20 في المائة من موظفيها في وقت سابق.
معتز نادي، الصحافي المصري والمدرّب المتخصص في الإعلام الرقمي، يؤكد من جهته، أن «رهان (ميتا) على مساعد ذكاء اصطناعي شخصي يواجه معضلة تتجاوز جودة التقنية نفسها». ويشرح أن «المساعد الذي يعرف مواعيد المستخدم، ورسائله، وعلاقاته، وموقعه، واهتماماته، وربما حالته الصحية والمالية، يحتاج إلى مستوى استثنائي من الثقة.
لأن الخطأ هنا لا يتعلق بإعلان غير مناسب، إنما بكشف تفاصيل شديدة الحساسية أو توظيفها تجارياً».
وحول خطة «ميتا» لاستعادة ثقة المستخدمين يضيف نادي: «لن يقتنع الجمهور ببيان تسويقي مهما كان مفصلاً، لأن المطلوب ضمانات قابلة للفهم والاختبار والإجابة على أسئلة عديدة منها ما هي البيانات التي يجمعها المساعد؟ وأين تحفظ؟ ومَن يتاح له الوصول إليها؟ وهل تستخدم في الإعلانات أو تدريب النماذج؟ وكيف يمكن حذفها نهائياً؟».
ومن ثم يرى أن «نجاح المشروع سيقاس بقدرة (ميتا) على منح المستخدم سيطرة حقيقية، لا بخطاب يطلب منه الثقة... ذلك أن التقنية قد تكون مُبهرة، لكن المستخدمين لن يسلِّموا مفاتيح حياتهم الرقمية لشركة يرون أنها تعرف عنهم أكثر مما ينبغي، ما لم تثبت أن الخصوصية جزء أصيل من المنتج وليست بنداً قانونياً طويلاً لا يقرأه أحد».




