الإعلام المتخصِّص في لبنان... السياسة تتصدّر والبقية تأتي

ينتشر حالياً عبر المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي

حسن شرارة (الشرق الأوسط)
حسن شرارة (الشرق الأوسط)
TT

الإعلام المتخصِّص في لبنان... السياسة تتصدّر والبقية تأتي

حسن شرارة (الشرق الأوسط)
حسن شرارة (الشرق الأوسط)

بين قطاعات الرياضة والفن والاقتصاد، برزت منصّات ومواقع إخبارية اختارت أن تضع التخصّص في صلب عملها في الماضي القريب، كان للإعلام المتخصّص مساحته الخاصة في الصحف والمجلّات، ثم تطوّر لينتقل إلى الشاشة الصغيرة، ومنها إلى المواقع الإلكترونية والمنصّات الرقمية. وكانت مجموعة من المجلات الفنية تحظى بشعبية واسعة، وينتظر اللبناني صدورها من أسبوع إلى آخر للاطّلاع على أحدث أخبار الفنانين ونجوم الشاشة. في المقابل، تمتّعت مجلَّات أخرى متخصّصة في الاقتصاد أو الرياضة بشعبية لا يستهان بها، ولاحقت تطوّرات هذين القطاعين وأخبارهما.

وحقاً، في جميع الحالات، بقي الإعلام السياسي هو السائد. بل كلما اشتدّت العواصف الأمنية وتوالت الحروب، سجّل الإعلام السياسي حضوراً أوسع، وفرض نفسه على أجندة المتابعين. أما في فترات الأمن والاستقرار، فيعود اللبناني إلى متابعة أخبار متنوعة تُبعده نسبياً عن السياسة.

وهذا ما لوحظ، مثلاً، إبّان نهائيات كأس العالم لكرة القدم، حين انصبّت معظم المواضيع والأحاديث على متابعة المنافسات ونتائجها. مع أن قضية حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة ظلّت بين الأخبار الأبرز في الصفحات السياسية والاقتصادية، نظراً إلى تشابك ملفه مع أزمة المصارف والمودعين والتحوّلات الاقتصادية التي شهدها لبنان. أما عن الأخبار الفنية، فإنها تبقى محط متابعة دائمة لدى جمهور كل فنان، يرى في تتبع أخبار فنانِه المفضّل هواية تحلو متابعتها باستمرار.

وسائل التواصل الاجتماعيمن جهة ثانية، مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن القول إن الإعلام اللبناني ما عاد رهينة لمواكبة الأخبار السياسية والمحلية، بل شهد توسعاً لافتاً في الإعلام المتخصّص الذي يتوجه إلى جمهور يبحث عن معلومة أكثر دقة وعمقاً في مجالات محددة.

مثلاً، بين قطاعات الرياضة والفن والاقتصاد، برزت منصّات ومواقع إخبارية اختارت أن تضع التخصّص في صلب عملها، مواكبةً تطوّرات كل قطاع، ومُقدِّمة تقارير وتحليلات ومتابعات تتجاوز الخبر العاجل.

وإذا كانت الصحافة الرياضية تسعى إلى مواكبة المنافسات والنتائج وقراءة المشهد الرياضي بأبعاده المختلفة، فإن الإعلام الفني أصبح يلعب دوراً أساسياً في رصد الحركة الفنية والثقافية، في حين ما زال الإعلام الاقتصادي بحاجة إلى مقاربة أكثر تخصصاً لفهم تحوّلات الأسواق والمصارف والاستثمار وأحوال الاقتصاد اللبناني. ومع تزايد الاعتماد على المنصات الرقمية، فرض هذا النمط من الإعلام نفسه تدريجياً في المشهد الصحافي اللبناني.

بين الأمس واليوموبين الأمس واليوم، تبدلت أوجه الإعلام بشكل عام، وتغيرت أيضاً أسماء ووجوه الإعلام المتخصص. فالمنافسة التي كانت تدور بين كبار نقّاد الفن والمحللين الاقتصاديين والمعلقين الرياضيين أصبحت من «ذكريات» المشهد الإعلامي السابق؛ إذ يغزو اليوم المواقعَ الإلكترونية المتخصِّصة جيلٌ جديد من الصحافيين وصنّاع المحتوى.

ومَن كان يتابع المواضيع الفنية الموقّعة بقلم الراحل جورج إبراهيم الخوري، أصبحت ذكرياته تنتمي إلى زمن إعلامي آخر. ومَن يتذكر المعلّقَين الرياضيين لبيب بطرس وعلي حميدي صقر وحماستهما لدعم النشاطات الرياضية لا يجد اليوم سوى قلة تحفظ هذه التجربة. ومن كان ينتظر تحليلات أو آراء وزراء ومصرفيين وخبراء ماليين حول الاقتصاد اللبناني، يجد نفسه اليوم متابعاً للفقرة الاقتصادية التي يقدمها موريس متَّى ضمن نشرة أخبار قناة «إم تي في»، أو خالد أبو شقرا على قناة «الجديد».

الدخلاء على المهنة غيَّروا ملامحهاتعدّ الإعلامية هلا المرّ، رئيسة تحرير موقع «الفن» الإلكتروني، من جيل الإعلام الذي عاصر المرحلتين الذهبية والحالية في مجالها. وبفضل مشوارها الطويل في الصحافة الفنية، صار لديها رؤية واضحة لملامح تطوّرها. وهنا تقول: «جيلنا كان يتألف من الصحافيين الحقيقيين الذين درسوا الإعلام وعملوا بالمهنة على أصولها. أما اليوم، فغالبية العاملين في هذا القطاع دخلاء. كانوا إما من (فانزات) (جمع «فان») هذا الفنان، وإما من مرافقي تلك الفنانة».

هالة المرّ (الشرق الأوسط)

وبالنسبة إلى النقد الفني، الذي كان الفنان يخشى أن يطاله، لم يعد، في رأي المرّ، يتمتع بالموضوعية والدراية... و«من يعتب على فنان معيّن يكتب عنه بشكل سلبي، ومَن ينتفع من الفنان الفلاني يمدحه باستمرار». ثم تذكر أن كل شيء تغيّر في الصحافة الفنية المتخصّصة، موضحة أن «التعاطي مع الصحافة الفنية اليوم يرتكز على تبييض الوجه. والسوشيال ميديا زادت الأمر سوءاً؛ لأن توليد الإشاعات أصبح سريعاً جداً. ويُمكن بين ليلة وضحاها أن تسري مفاعيل إشاعة تقف وراءها جهة معينة تنتسب إلى حزب الفنان المستفيد منها. فيصبح الفنان المستهدف بحاجة إلى من يدافع عنه. وهنا تقع الكارثة؛ لأن الإعلامي الصادق والمحايد بات نادراً».

الشاشة الصغيرة على خط الإعلام المتخصصبالتوازي، بعدما كانت الصحف تجذب قراءها بـ«مانشيت» سياسي أو فني أو اقتصادي، استحوَذت المواقع الإخبارية والشاشة الصغيرة على مكانتها تدريجياً. وأضحت المطبوعات خارج المنافسة، فمَن بقي منها على قيد الحياة لجأ إلى نشر محتواه إلكترونياً.

وفي عصر تغزوه المنصّات الرقمية، تحاول القنوات التلفزيونية حجز مكانٍ لها على ساحة الإعلام المتخصّص. ولذا، لجأت معظم القنوات المحلّية إلى تلوين نشرات الأخبار بفقرات رياضية وفنية واقتصادية. وصارت هذه الفقرات منتظرة في ختام النشرات من شريحة لا يستهان بها من المشاهدين. وضخّ هذا النوع من الأخبار نبضاً إعلامياً مختلفاً، انعكس متابعة يومية من قبل المشاهد.

أما الفقرات الرياضية، فكان من أبرز روادها على شاشات التلفزيون الرائدان الراحلان ناصيف مجدلاني - مؤسس «الحياة الرياضية» - وخليل نحاس. ثم لمع خلال الثمانينات الراحل لبيب بطرس. وفي الألفية الثانية، شكّلت مادة إخبارية في قناتي «إل بي سي آي» و«المستقبل». وكانت تواكب يومياً الأحداث والنشاطات الرياضية المحلية والعالمية. غير أن انطلاق قنوات فضائية عربية متخصّصة في الرياضة أسهم لاحقاً في تراجع أهميتها؛ إذ أصبحت تلك المحطات تستحوذ على جزء كبير من متابعة الخبر الرياضي وتغطيته حول العالم.

القنوات الرياضية تقيّد الصحافةالإعلامي المتخصص في الأخبار الرياضية على شاشة «الجديد» حسن شرارة، يقول إن ثمة تراجعاً ملحوظاً في حضور الأخبار الرياضية على الإعلام المرئي. ويعطي مثالاً على ذلك خلال مباريات كأس العالم الأخيرة، فيشرح: «القنوات الرياضية المتخصّصة قيّدت مادتنا الرياضية العالمية في نشرات الأخبار. وكنا في (المونديال) نلجأ إلى صورة أو لقطة غير متحرّكة للإشارة إلى هدف تم تسجيله أو حادث وقع على أرض الملعب».

ثم يضيف: «هذه القنوات تملك الحقوق الكاملة لبث مباريات المونديال، وكذلك بطولات الدوري في إسبانيا وإنجلترا وإيطاليا وغيرها. وبناءً عليه، اضطررنا في أحيان كثيرة إلى وضع صورة وإرفاقها بتعليق مسجّل للتكلم عن نشاط رياضي عالمي. وهو ما جعلنا نكتفي بإذاعة الأخبار الرياضية المحلية. لقد أصبحت الأمور أكثر صعوبة، والبرامج الرياضية التي نستضيف فيها أبطال لعبة معينة هي البديل». وبالتالي، يرى شرارة أن وسائل التواصل «عزّزت نشر المعلومة السريعة الخاصة بالرياضة، وهو ما دفع الإعلاميين الرياضيين إلى البحث عن مادة مغايرة، وإلا وقعوا في فخ التكرار ونسخ الأخبار».

رؤوف أبو زكي (الشرق الأوسط)

ثم إن الإعلام المتخصص قد يواجه عقبات وحواجز في خضم انتشار وسائل التواصل الاجتماعي. فالمشهد الإعلامي برمّته تبدّل، حتى السياسي منه، بعدما أصبح في إمكان أي شخص تحقيق «سكوب» (سبق) عبر هاتفه الجوّال ومن خلال لقطة مصوّرة صادفها في الشارع.

ومع ذلك، يحتفظ الإعلام الاقتصادي اليوم بقيمة خاصة لدى اللبنانيين، في ظل توالي الأزمات الاقتصادية والمالية في لبنان. فأزمة الدولار، وتراجع قيمة الليرة، وأزمة أموال المُودِعين في المصارف، إضافة إلى الحروب التي أوقفت استثمارات عدة، جعلت من الفقرة الاقتصادية في نشرات الأخبار أو على المواقع الإلكترونية مادة متابعة من نسبة كبيرة من اللبنانيين.

نقص في الصحافة المتخصصة بالاقتصاد

الإعلامي الاقتصادي المخضرم رؤوف أبو زكي عاصر حقباتٍ زمنيةً طويلةً شهد فيها لبنان متغيراتٍ كثيرةً على المستوى الاقتصادي. وكان أبو زكي أول من أطلق وكالة أنباء اقتصادية في سبعينات القرن الماضي هي «أورينت برس». ثم عمل في صحيفة «النهار»، وكذلك في العاصمة الفرنسية باريس مراسلاً صحافياً اقتصادياً لقنوات تلفزيونية لبنانية. واليوم يكمل أبو زكي مسيرة مجلة أسّسها عام 1977، هي «الاقتصاد والأعمال»، التي تُعدّ من أقدم المؤسسات الإعلامية المتخصّصة في الشؤون الاقتصادية والأعمال على مستوى المنطقة العربية.

أبو زكي يخبر «الشرق الأوسط» عن أوضاع الإعلام الاقتصادي اليوم، فيقول: «لا يوجد عندنا صحافيون متخصصون بالشؤون الاقتصادية والعملية. قد نصادف مراسلين وصحافيين يقارِبون الساحة الميدانية، أما فيما يخصّ التحليل الاقتصادي، فإننا نعاني من قلة المتخصصين الذين يجيدونه».

ويشير أبو زكي إلى أن «الإعلام الاقتصادي عاش في الماضي عصره الذهبي»، حتى إن المصرف المركزي كان يوليه اهتماماً كبيراً، موضحاً أنه كان يهتم شخصياً بإجراء تحقيقات عن الاحتكارات في لبنان. ويضيف: «كنت أسمّي الأشياء كما هي، وكان الراحل غسان تويني (عميد «دار النهار») يضع هذه الأخبار في الصفحة الأولى من جريدة (النهار)». ثم يلفت إلى أن الإعلام الاقتصادي مهم من جوانب أخرى؛ «فهو يتداخل مع القطاع الفني من باب أجور الفنانين والحفلات التي يحيونها، وكذلك مع الرياضة؛ لأن الاقتصاد يلعب دوراً أساسياً في ميزانيات النوادي والألبسة الخاصة بالفرق».

ويختم رؤوف أبو زكي قائلاً: «لا شك في أن هناك اليوم أشخاصاً جيدين يتمتّعون بكفاءات عالية. لكن هناك، مع الأسف، مَن يمارس الصحافة الصفراء ويطالب بمبالغ من المال من باب التهديد والابتزاز. ومن ثم، يبقى القول إن الصحافة بشكل عام واقعة في مأزق كبير بسبب التغييرات المتسارعة التي تضربها؛ فكما السوشيال ميديا، كذلك المواقع الإخبارية الإلكترونية تنافس اليوم الصحافة اليومية».


مقالات ذات صلة

جدل في فرنسا حول حظر شبكات التواصل على القاصرين

إعلام كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)

جدل في فرنسا حول حظر شبكات التواصل على القاصرين

لم تعد قضية استخدام المراهقين شبكات التواصل الاجتماعي شأناً تربوياً أو عائلياً فحسب، بل تحولت ملفاً سياسياً وقانونياً وتقنياً مفتوحاً على احتمالات واسعة.

أنيسة مخالدي (باريس)
إعلام شعار «غوغل» (صورة أرشيفية متداولة)

الغرامة على «غوغل» تجدد الجدل بشأن «الخصوصية»

جدَّدت غرامة فرضها الاتحاد الأوروبي على «غوغل» الجدل بشأن قواعد الخصوصية، ما عدَّه خبراء خطوةً قد تمتد إلى شركات أخرى وتسهم في إعادة النظر في قواعد الخصوصية.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق ضياء رشوان واجتماعه مع ممثلي المواقع الإلكترونية (وزارة الدولة للإعلام)

جدل متواصل بشأن مقترح لإنشاء كيان للمواقع الإخبارية في مصر

تواصل الجدل في مصر حول مقترح وزير الإعلام المصري ضياء رشوان بإنشاء كيان للمواقع الإخبارية.

أحمد عدلي (القاهرة)
إعلام هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

تونس تجمع صُنّاع الإعلام والثقافة

تستضيف تونس، بين اليوم 21 سبتمبر (أيلول) الجاري و 24 منه، ملتقىً عربياً ودولياً ضخماً للإعلام والثقافة والصناعات السمعية البصرية.

كمال بن يونس (تونس)
إعلام شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)

الذكاء الاصطناعي يقض مضاجع المواقع الإخبارية

أفاد تقرير الأخبار الصادر عن هيئة الاتصالات البريطانية (أوفكوم) لعام 2026 بأن نحو خُمس البريطانيين (نحو 21 في المائة) باتوا يستخدمون تطبيقات الذكاء الاصطناعي

إيمان مبروك (القاهرة)

جدل في فرنسا حول حظر شبكات التواصل على القاصرين

كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
TT

جدل في فرنسا حول حظر شبكات التواصل على القاصرين

كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)

لم تعد قضية استخدام المراهقين شبكات التواصل الاجتماعي شأناً تربوياً أو عائلياً فحسب، بل تحولت ملفاً سياسياً وقانونياً وتقنياً مفتوحاً على احتمالات واسعة. إذ أقرّ البرلمان الفرنسي، يوم 21 يوليو (تموز) الماضي، قانوناً يمنع القاصرين مِمَن هم دون سن الخامسة عشرة من الوصول إلى شبكات التواصل الاجتماعي، قبل أن يلغي المجلس الدستوري المادة الأساسية منه في 14 أغسطس (آب)، عادَّاً أن الصيغة المعتمدة تفرض قيوداً واسعة وغير متناسبة مع حرية التعبير.

إجماع على المخاطر واختلاف حول العلاج

استندت المبادرة الفرنسية إلى قلق متزايد بشأن التأثيرات النفسية والاجتماعية لاستخدام الشبكات في سن مبكرة. فلقد أشار تقرير لمجلس الشيوخ الفرنسي إلى مخاطر عدة، من بينها اضطراب النوم، والقلق، والتنمر الإلكتروني، والتعرّض للمحتويات العنيفة أو الإباحية، واضطرابات صورة الجسد، والتواصل مع أشخاص مجهولي الهوية قد يشكّلون خطراً على القاصرين.

كذلك، لفت التقرير إلى دور خوارزميات التوصية والإشعارات المتكرّرة في دفع المستخدمين إلى البقاء أطول وقت ممكن داخل المنصات. وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، نشرت الوكالة الوطنية الفرنسية للأمن الصحي والغذائي والبيئي والمهني (أناس) دراسة خلصت إلى وجود ارتباط بين الاستخدام المكثف أو الإشكالي لشبكات التواصل وبين عدد من الاضطرابات النفسية لدى المراهقين، ولا سيما القلق والاكتئاب واضطرابات النوم وصورة الجسد. غير أن التقرير لم يُعدّ الشبكات سبباً وحيداً لهذه المشكلات؛ إذ يمكن للمراهق الذي يعاني أصلاً اضطراباً نفسياً أن يلجأ إلى الشبكات بكثافة، قبل أن تزيد هذه الاستخدامات وضعه سوءاً.

إحدى أهم نقاط الجدل

الدراسات العلمية لا تثبت أن كل استخدام لشبكات التواصل مضرّ بجميع المراهقين. إذ تظهر مراجعات حديثة أن التأثير يختلف باختلاف طبيعة الاستخدام، ودرجة التعلق بالمنصة، ونوعية المحتويات، ومدى استخدام الهاتف ليلاً. وتبدو الصلة أكثر وضوحاً في حالات الاستخدام القهري، والمقارنة الاجتماعية المستمرة، والتعرض لمحتويات تروّج للنحافة المرضية أو إيذاء النفس، فضلاً عن التنمر الإلكتروني.

معضلة التحقق من العمر

إذا كان المبدأ السياسي يبدو بسيطاً، فإن تطبيقه يطرح مشكلة تقنية وقانونية معقدة: فكيف تستطيع المنصات التأكد من أن المستخدم تجاوز الخامسة عشرة من دون تحويل الإنترنت فضاءً للمراقبة الجماعية؟

والواقع أن السلطات الفرنسية كانت قد درست استخدام آليات للتحقق من السن، من بينها نظام «إثبات العمر» ووسائل تقوم على ما يسمى «إخفاء الهوية المزدوج». وبموجب هذه الآليات، يمكن لجهة مستقلة أن تتحقق من سن المستخدم من دون أن تعرف المنصة هويته الكاملة. غير أن هذه الحلول لا تزال تثير أسئلة بشأن حماية البيانات، واحتمال تسريبها، والجهة التي ستحتفظ بها، والمدة التي ستبقى خلالها محفوظة.

ولقد رأى المجلس الدستوري أن القانون لم يقدّم ضمانات دقيقة بما يكفي فيما يتعلق بجمع بيانات المستخدمين وتخزينها واستعمالها. وأشار إلى أن التحقق من العمر قد يطول جميع المستخدمين، وليس القاصرين فقط؛ الأمر الذي يجعل المسألة مرتبطة بحقوق الخصوصية والحريات العامة.

شعار "غوغل" (رويترز)

التجربة الأسترالية

لعل أستراليا تُعدّ التجربة الدولية الأبرز في هذا المجال. فمنذ ديسمبر (كانون الأول) 2025، مُنع من هم دون السادسة عشرة من امتلاك حسابات على عدد من شبكات التواصل الكبرى. وأعلنت السلطات الأسترالية حذف ملايين الحسابات، وقدّمت الخطوة بوصفها محاولة لإجبار المنصات على تحمل مسؤوليات أكبر تجاه القاصرين.

لكن النتائج الأولى تبدو أقل حسماً مما توحي به الأرقام الرسمية. فقد أشارت دراسة أسترالية، نقلتها صحيفة «لوموند» الفرنسية، إلى أن نسبة كبيرة من المراهقين واصلت استخدام الشبكات رغم الحظر، وأن تطبيق القانون ظل جزئياً بسبب التحايل على أنظمة التحقق من العمر.

السبب أن القاصر يستطيع، في بعض الحالات، تقديم تاريخ ميلاد زائف أو استخدام حساب أحد أفراد الأسرة أو إنشاء حساب جديد بعد إغلاق الحساب السابق، أو حتى اللجوء إلى أدوات تقنية لتجاوز القيود. كذلك بيَّنت دراسة أخرى أن الحظر لم يؤد، خلال الفترة الأولى، إلى تراجع كبير ومستدام في استخدام المراهقين لهذه المنصات. طبعاً، لا تعني هذه النتائج أن التنظيم الحكومي غير مفيد، لكنها تشير إلى أن الحظر الشامل، من دون وسائل تقنية موثوقة وبرامج توعية ومساندة أسرية، قد ينتج امتثالاً شكلياً أكثر منه تغييراً حقيقياً في السلوك.

الآباء بين الارتياح والقلق

رحَّب كثيرون من الآباء بالمبادرة الفرنسية؛ لأنهم يرون فيها وسيلة لإعادة التوازن إلى علاقة الأسرة بالمنصات الرقمية.

فالأهل يجدون أنفسهم غالباً في مواجهة شركات تملك أدوات تقنية ونفسية هائلة لجذب المستخدمين، في حين لا تتوافر لهم دائماً المعرفة أو الوقت لمراقبة كل ما يتعرّض له أبناؤهم. لكن هناك من يخشى أن تمنح الدولة الأهل شعوراً زائفاً بالأمان. ثم إن الحظر قد يدفع بعض المراهقين إلى استخدام حسابات سرّية أو منصّات أقل رقابة، وقد يحرمهم أيضاً من بعض أشكال التواصل الاجتماعي والمعلومات والدعم النفسي التي توفرها الشبكات لبعض الفئات، خصوصاً المراهقين الذين يعيشون العزلة أو يواجهون التمييز.

أما الخبراء، فينقسمون بين من يرى في سن الخامسة عشرة خطاً وقائياً ضرورياً، ومن يعتقد أن التركيز ينبغي أن ينصبّ على خصائص المنصات لا على عمر المستخدم وحده. فالمشكلة، وفق هذا الاتجاه، لا تكمن في وجود حساب لمراهق يبلغ الرابعة عشرة بقدر ما تكمن في خوارزمية تدفعه إلى محتوى مؤذٍ، أو في إشعارات تمنعه من النوم، أو في منصة لا تتدخل سريعاً أمام التنمر.

من الحظر العام إلى التنظيم الدقيق

بعد إلغاء المادة الأساسية، تعتزم الحكومة الفرنسية إعداد صيغة جديدة. ومن المرجح أن يتجه النقاش نحو حظر أكثر تحديداً، يستهدف الخصائص الأكثر خطراً: أنظمة التوصية، والإعلانات الموجهة، والإشعارات الليلية، والتواصل مع البالغين المجهولين، والمحتويات المتعلقة بإيذاء النفس واضطرابات الأكل. وتشير توصيات «أناس» إلى أن حماية المراهقين لا يمكن أن تقوم على الحظر وحده، بل تحتاج أيضاً إلى التربية الرقمية، ودعم الوالدين، وتعزيز دور المدرسة، وتحسين آليات التبليغ والمراقبة.

لذلك؛ فإن المعركة الفرنسية لم تنتهِ بقرار المجلس الدستوري. بل هي انتقلت من سؤال بسيط، هو: «هل نمنع مَن هم دون الخامسة عشرة؟»، إلى سؤال أكثر تعقيداً: «كيف نحمي القاصرين من أخطار المنصات من دون أن نحوّل كل عملية دخول إلى الإنترنت عمليةَ تفتيشٍ ومراقبة؟

كيف تستطيع المنصات التأكد من أن المستخدم تجاوز الـ 15 من دون تحويل الإنترنت فضاءً للمراقبة؟


الغرامة على «غوغل» تجدد الجدل بشأن «الخصوصية»

شعار «غوغل» (صورة أرشيفية متداولة)
شعار «غوغل» (صورة أرشيفية متداولة)
TT

الغرامة على «غوغل» تجدد الجدل بشأن «الخصوصية»

شعار «غوغل» (صورة أرشيفية متداولة)
شعار «غوغل» (صورة أرشيفية متداولة)

جدَّدت غرامة فرضها الاتحاد الأوروبي على «غوغل» الجدل بشأن قواعد الخصوصية، ما عدَّه خبراء خطوةً قد تمتد إلى شركات أخرى وتسهم في إعادة النظر في قواعد الخصوصية.

«لجنة الاتحاد الأوروبي» المعنية بحماية البيانات، فرضت الأسبوع الماضي غرامة على «غوغل» تقدر بنحو 403 ملايين يورو (463 مليون دولار) بحجة «خرق قواعد الخصوصية الصارمة الخاصة بالاتحاد، وسوء تعاملها مع بيانات المستخدمين».

ووفق تحقيقات «مفوضية حماية البيانات في آيرلندا» التي بدأت في فبراير (شباط) 2020، فإن «غوغل انتهكت النظام الأوروبي فيما يتعلق بمشروعية وعدالة معالجتها بيانات المواقع الجغرافية ضمن نشاط الويب والتطبيقات وسجل المواقع... ولم تعالج بشكل قانوني أو نزيه البيانات الشخصية للمستخدمين».

للعلم، تعد آيرلندا المفاوِض الرئيسي لـ«غوغل» في الاتحاد الأوروبي، في ظلِّ وجود المقر الرئيسي للمنصة في العاصمة الآيرلندية دبلن. وهذه رابع أكبر غرامة أوروبية بسبب الخصوصية تصدرها «مفوضية حماية البيانات» الآيرلندية التي فرضت سابقاً غرامة على شركة «ميتا» بقيمة 1.2 مليار يورو.

محمود غزيل، الصحافي اللبناني، والمدرّب في مجال التحقق من المعلومات، يرى أن «الغرامات التي قد تؤدي إلى تغيير جذري بقواعد الخصوصية؛ لا بد أن تكون مؤذية للشركات التقنية من أجل أن تستدرك مسارها وتراجع خطواتها قبل اتخاذ أي قرار». وأردف غزيل خلال حوار مع «الشرق الأوسط»: «إن الغرامة التي فُرضت أخيراً على (غوغل)، وعلى الرغم من أنها تعدّ من أكبر الغرامات التي فرضتها آيرلندا، فإنها تمثل نسبة ضئيلة جداً من الأرباح الصافية لشركة (ألفابت) مالكة منصة (غوغل)، ولا تتجاوز 0.5 في المائة»، عادّاً هذا النوع من الغرامات «بمثابة حافز اقتصادي وقانوني، وتراه بعض الشركات بمثابة أضرار جانبية من تكلفة ممارسة الأعمال». لكنه، من جهة ثانية، قال: «هذا لا يعني أن الشركة لن تتخذ تغييرات لحلحلة سبب القضية المرفوعة ضدها... بل إن التغييرات غالباً ستكون تدريجية قبل أن تصبح أعمق وتتوسع على كامل المستخدمين حول العالم».

وأوضح الخبير اللبناني: «أي قضية يصدر حكم بها للمرة الأولى تصبح بمثابة سابقة تنظيمية، فتعمد الهيئات التشريعية لاستخدامها أو التلويح بها بوصفها إشارةً تحذيريةً للشركات التي تعمل بالنموذج نفسه، ثم إن المفوضية الأوروبية، بشكل عام، تؤكد أن الحوار التنظيمي وليس الغرامات فقط، هو مَن يدفع الشركات إلى تعديلات استباقية لتجنب عقوبات أكبر أو غرامات يومية». ولفت إلى أن «التجارب السابقة تشير إلى أن المنصات خارج الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لا تغير في قوانينها؛ إلا حسب حجم السوق، وفي دول أخرى تتبنى قوانين مستوحاة من القانون الأوروبي للخصوصية والأمن».

وبحسب غزيل فإن «النظام التعاضدي والارتباط القانوني والحقوقي في أوروبا أكثر صرامة وتماسكاً من اتحادات أخرى حول العالم، ما يُشكِّل سوقاً مشتركة قوية للمنصات والشركات الكبرى، كما أن قانون الخصوصية الأوروبي يُعدُّ الأقوى عالمياً مع غرامات قد تؤذي بعض الشركات.

.. وهنا لا يمكن غض النظر عن نظرة الأوروبيين إلى الخصوصية بوصفها حقاً أساسياً، يرفعون شعاراتها ويعملون على تطبيقها على الدوام، ما يجعلهم أكثر حساسية للانتهاكات مقارنة بالولايات المتحدة التي تركز أكثر على الابتكار والمنافسة الحرة».جدير بالإشارة، أن الاتحاد الأوروبي يؤكد دائماً اهتمامه بقواعد الخصوصية، وكان قد «أمر (غوغل) بجعل معالجة البيانات متوافقة مع قواعد الخصوصية في غضون 6 أشهر»، بحسب تصريحات صحافية لنائب مفوض الهيئة، غراهام دويل.

بالتوازي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أبدى محمد فتحي، الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، اعتقاده بأن الغرامات «ستجبر شركات التكنولوجيا على تغيير قواعدها إلى حد ما». وأضاف أن «التغيير لن يكون بسبب قيمة الغرامة وحدها؛ فالغرامة بالنسبة لشركة بحجم (غوغل) قد تكون تكلفة مالية يمكن استيعابها، لكن الخطر الحقيقي هو أن تتحوّل الغرامة إلى تغيير إلزامي في المنتج، أو طريقة جمع البيانات أو استخدامها».

ثم تابع: «الاتحاد الأوروبي لا يكتفي بفرض الأموال، بل يطلب تغييرات في طريقة عمل المنصات؛ وفي حالة (غوغل) مثلاً، أدت ضغوط قواعد المنافسة الرقمية إلى تعديلات فعلية في نتائج البحث وسياسات أخرى داخل السوق الأوروبية».


تونس تجمع صُنّاع الإعلام والثقافة

هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
TT

تونس تجمع صُنّاع الإعلام والثقافة

هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

تستضيف تونس، بين اليوم 21 سبتمبر (أيلول) الجاري و 24 منه، ملتقىً عربياً ودولياً ضخماً للإعلام والثقافة والصناعات السمعية البصرية. ويأتي هذا الحدث بمناسبة انعقاد الدورة السادسة والعشرين لـ«المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون»، بمشاركة نحو 500 إعلامي وفنان ومثقف وخبير ومهني من الدول العربية ومن أوروبا وآسيا وأفريقيا.

بهذه المناسبة، اعلن المهندس عبد الرحيم سليمان، المدير العام لاتحاد إذاعات الدول العربية، خلال مؤتمر صحافي عُقد في تونس لتقديم الدورة، أن المهرجان، الذي ينعقد تحت شعار «نبض الصورة وصدى المستقبل»، يشهد هذا العام حضوراً عربياً ودولياً واسعاً، وبرنامجاً يجمع المسابقات الإذاعية والتلفزيونية وندوات الحوار وورش العمل ومعرض التكنولوجيا وسوق الإنتاج والفعاليات الثقافية والفنية.

وشارك سليمان في تقديم تفاصيل البرنامج مع عدد من مسؤولي المؤسّسات التونسية الشريكة، بينهم الرئيس المدير العام للتلفزة التونسية شكري بن نصير، والرئيسة المديرة العامة للإذاعة التونسية هندة بن علية الغريبي، ومدير عام مسرح أوبرا تونس العاصمة في «مدينة الشاذلي القليبي للثقافة» سيف الله الطرشوني ممثلاً عن وزارة الشؤون الثقافية.

هذا، ويعكس تنوّع المشاركين طبيعة التحوّل الذي عرفه المهرجان على امتداد أكثر من أربعة عقود؛ فمن موعد ارتبط أساساً بالتنافس بين الإنتاجات الإذاعية والتلفزيونية العربية، اتّسعت التظاهرة لتصبح فضاءً مهنياً وفكرياً يلتقي فيه الإعلام مع الثقافة والتكنولوجيا والاتصال.

إعلان ندوة "البودكاست" في الملتقى (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

023 عملاً في المنافسة

حسب الأرقام التي قدّمها عبد الرحيم سليمان والقائمون على المهرجان، تتنافس في الدورة 320 مادة إعلامية، بينها 161 عملاً إذاعياً و149 عملاً تلفزيونياً، إضافةً إلى 10 أعمال ضمن مسابقة الإعلام الجديد المرتبطة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وتحافظ المسابقات، بذلك، على موقعها التقليدي في المهرجان بوصفها مناسبة لمعاينة جانب من اتجاهات الإنتاج العربي في الدراما والبرامج والأعمال الإذاعية والتلفزيونية. إلا أن إضافة الإعلام الجديد والذكاء الاصطناعي تكشف في الوقت نفسه عن محاولة لمواكبة بيئة إعلامية تتغير أدواتها بوتيرة سريعة.

ذلك أن المؤسسات الإذاعية والتلفزيونية لم تعد تعمل داخل الحدود التقليدية للبث. فالتلفزيون أصبح موجوداً على الهاتف والمنصّات الرقمية، والإذاعة وجدت امتداداً جديداً في «البودكاست» والخدمات الصوتية، بينما دخلت تطبيقات الذكاء الاصطناعي غُرف الأخبار والاستوديوهات ومراحل الإنتاج وما بعد الإنتاج.

وهذا التحوّل يضع أمام الإعلاميين أسئلة تتجاوز التكنولوجيا ذاتها إلى المصداقية، وحقوق الملكية الفكرية، والتحقّق من المواد المنتجة آلياً، فضلاً عن المسؤولية التحريرية ومستقبل بعض المهن المرتبطة بإنتاج الصورة والصوت.

المحتوى في قلب النقاش

من ناحية ثانية، يخصّص البرنامج الفكري للمهرجان مساحة بارزة لمناقشة هذه التحوّلات، من خلال ندوات ولقاءات وورش عمل يشارك فيها خبراء وإعلاميون وأكاديميون ومهنيون عرب ودوليون. ولقد أوضح مسؤولو الدورة أن البرنامج يتضمن ثلاث ندوات حوارية رئيسية بمشاركة خبراء من قطاع الثقافة والإعلام عربيا ودولياً:

تتناول الأولى «البودكاست: اتجاهات المحتوى وقوة التأثير»، في وقت يشهد المحتوى الصوتي الرقمي توسّعاً ملحوظاً، سواء داخل المؤسسات الإذاعية التقليدية أو لدى المنتجين المستقلين. وحقاً، لا يمثل «البودكاست» مجرد صيغة تقنية جديدة للإذاعة، بل أعاد تشكيل العلاقة مع الصوت عبر الاستماع عند الطلب، ومنح المنتجين مساحة أكبر للتخصّص والسرد المطوّل والوصول إلى جماهير موزّعة جغرافياً خارج نطاق البث التقليدي.

أما الندوة الثانية فتناقش موضوع «الجمهور وصناعة المحتوى: من التلقّي إلى الشراكة». وهذا عنوان يلخص جانباً أساسياً من التحول الاتصالي الراهن، فالجمهور الذي كان يوجد في نهاية عملية الاتصال أصبح اليوم جزءاً منها؛ يختار ويعلّق ويشارك ويعيد توزيع المحتوى، وقد يتحوّل بنفسه إلى مصدر للمعلومة أو منتج للصورة والفيديو. ثم إن هذه العلاقة الجديدة تفرض على المؤسسات الإعلامية إعادة التفكير في مفهوم الجمهور ذاته، وفي طرق قياس التأثير وبناء الثقة، خصوصاً مع انتقال جانب متزايد من استهلاك الأخبار والمحتوى إلى شبكات التواصل والمنصات الرقمية.

وأما الندوة الثالثة، فعنوانها «الإعلام السياحي: من ناقل للحدث إلى صانع للوجهة». وهي تفتح النقاش على وظيفة اتصالية أخرى للإعلام تتصل بصناعة صورة البلدان والمدن والثقافات. إذ إن المحتوى السياحي لم يعد مجرّد تقرير عن موقع أثري أو فندق أو مهرجان، وإنما أصبح جزءاً من منظومة اتصال متكاملة تتداخل فيها الصورة والسرد والتسويق الثقافي والمنصّات الاجتماعية.

المهندس عبد الرحيم سليمان (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

من الإعلام إلى المعرفة

إضافةً إلى ما سبق، يبرز في هذه الدورة أيضاً البعد المعرفي للمهرجان، إذ لا تقتصر اللقاءات المهنية على عرض التجارب، وإنما تتيح تبادل الخبرات بين هيئات البث العربية والخبراء والشركات وصناع المحتوى. وتكتسب هذه الوظيفة أهمية خاصة في قطاع تتغير فيه المهارات المطلوبة باستمرار. فالصحافي والمذيع والمخرج والمنتج باتوا يعملون في بيئة تحتاج، إلى جانب المهارات المهنية التقليدية، إلى فهم البيانات والمنصات والخوارزميات وأدوات الإنتاج الرقمي وسلوك الجمهور.

كذلك يتضمن البرنامج أنشطة مرتبطة بالتعاون في الصناعة السمعية البصرية بين الصين والدول العربية، ونقاشات حول الإبداع والتعاون العربي - الصيني في هذا المجال، بما يفتح نافذة على تجارب إنتاجية وتكنولوجية من خارج الفضاء الإعلامي العربي التقليدي. ويضيف هذا الحضور بعداً دولياً إلى المهرجان، إذ يغدو تبادل المعرفة مرتبطاً أيضاً بالتعرف إلى نماذج مختلفة في الإنتاج والتوزيع والتكنولوجيا، وليس فقط بتبادل البرامج بين المؤسسات العربية.

58 عارضاً من القارات الخمس

على صعيد موازٍ، يمثل معرض «الأسبو» للتكنولوجيا والتجهيزات الجانب الصناعي والتجاري للمهرجان. ووفق ما أعلنه سليمان، يشارك فيه 85 عارضاً من القارات الخمس موزعين على 110 أجنحة، إلى جانب سوق للإنتاج البرامجي ولقاءات مهنية. وتضع هذه المشاركة التكنولوجيا في قلب الحدث. فالصناعة السمعية البصرية أصبحت مرتبطة بشبكة واسعة من الشركات المتخصصة في الكاميرات والاستوديوهات وأنظمة البث والأرشفة والمنصات والحوسبة والحلول الرقمية.

وتتيح مثل هذه المعارض للمؤسسات العربية الاطلاع على تطور أدوات الإنتاج والبث، لكنها توفر أيضاً مجالاً للقاء المباشر بين أصحاب التكنولوجيا وصناع المحتوى ومتخذي القرار داخل المؤسسات الإعلامية.

الثقافة والفنون جزء من المشهد

ولا ينفصل الجانب المهني عن البعد الثقافي والفني للمهرجان. فقد أعلن سليمان أن برنامج حفل الافتتاح، في المسرح الأثري بقرطاج، يشهد تكريم 12 شخصية فنية وإعلامية من تسعة بلدان عربية. وتضم قائمة المكرّمين شخصيات فنية من تجارب وأجيال مختلفة.

وفي المقابل، يحتضن مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة في 24 سبتمبر حفل الاختتام وإعلان نتائج المسابقات، إلى جانب عرض «سافر إليك وغنِّ» للمؤلف الموسيقي التونسي كريم الثليبي. وتتوزع فعاليات الدورة بين المسرح الأثري بقرطاج، والمدينة المتوسطية في ياسمين الحمامات، و«مدينة الشاذلي القليبي للثقافة» في العاصمة، بما يربط المهرجان بعدد من أبرز الفضاءات الثقافية والسياحية التونسية.

الإعلام يناقش مستقبله

وبعد مسيرة تتجاوز أربعة عقود، لم تعد المنافسة محصورة بين المحطات الإذاعية والتلفزيونية، وإنما أصبحت مع منصات عالمية وشبكات اجتماعية ومؤثرين ومنتجين مستقلين، بينما منحت تقنيات الذكاء الاصطناعي الأفراد إمكانات لإنتاج النص والصورة والصوت كانت تحتاج قبل سنوات قليلة إلى مؤسسات وتجهيزات كبيرة.

وبوجود نحو 500 مشارك من العالم العربي وأوروبا وآسيا وأفريقيا، و320 عملاً متنافساً، وعشرات الشركات والعارضين، تتحوّل تونس لمدة أربعة أيام إلى مساحة للقاء بين الإعلام والثقافة والتكنولوجيا؛ وبين خبرة صنعت تاريخ الإذاعة والتلفزيون العربي، وجيل جديد يعيد تعريف معنى الصورة والصوت والجمهور في العصر الرقمي.